رواية ثمن الصبر الفصل الثاني بقلم هاجر سلامه
قررت ميادة أن تبتلع صرختها، فالدموع الآن لن تجدي نفعاً، والمواجهة العاطفية ستجعلهم يمزقون التقرير وينكرون كل شيء. مسحت دموعها بعنف، وأخرجت هاتفها بيد ترتجف لكنها حاسمة، وصورت كل ورقة في الملف الطبي بدقة، ثم أعادت الملف إلى مكانه بذات الترتيب.
تسللت خارجة من البيت كما دخلت، وقلبها يتحول إلى قطعة من الحجر. في الصباح، لم تذهب لبيت والدها، بل ذهبت إلى معمل تحاليل شهير وأجرت فحصاً شاملاً لنفسها لتأكيد سلامتها بتقرير حديث "مختوم"، ثم اتصلت بصديقتها المحامية.
خطة الانتقام بدأت:
بعد يومين، عادت ميادة إلى البيت بهدوء غريب. كانت الحاجة فوزية تجلس مع نادين وحسام يتناولون الإفطار ويضحكون.
قالت الحاجة فوزية بتهكم: "أهلاً يا ست ميادة.. رجعتي لوحدك يعني؟ افتكرنا كرامتك وجعتك وهتطلبي الطلاق."
ميادة بابتسامة باردة لم يروها منها من قبل: "أطلق ليه يا ماما؟ أنا فكرت ولقيت إن حسام عنده حق.. البيت ده محتاج طفل، وعشان كدة أنا قررت أساعده يتجوز نادين!"
سقطت الكأس من يد نادين، وارتبك حسام: "أنتِ بتقولي إيه يا ميادة؟"
ميادة تابعت ببرود وثبات: "مش نادين هي اللي كانت بتصبرك يا حبيبي؟ وهي اللي عارفة 'قيمتك'؟ أنا موافقة تجوزها، وهعيش معاكم هنا في البيت.. بس عندي شرط واحد، نكتب الشقة دي باسمي كنوع من التعويض عن صبري، ونروح كلنا بكرة عند دكتور كبير أعرفه، يعمل لكم 'فحص مقبلين على الزواج' عشان نضمن إن نادين كمان معندهاش موانع زيي.. مش كدة يا نادين؟"
ارتبك الثلاثة بشدة. حسام لا يستطيع الرفض لأنه سيظهر بمظهر الخائف، ونادين تظن أنها انتصرت وستأخذ مكانه ميادة في البيت، لكنها لا تعرف أن ميادة تنصب لهم فخاً علنياً.
في عيادة الطبيب، أمام الجميع، سيخرج الطبيب (الذي رتبت معه ميادة مسبقاً) ليقرأ النتائج "القديمة والجديدة" في مواجهة كبرى يحضرها والد نادين أيضاً.
قررت ميادة أن "العيادة" مكان ضيق جداً لثأرها، هي تريد فضيحة تجعل سيرتهم على كل لسان وتُهشم كبرياء حسام أمام والده وأمام أعيان المنطقة.
استغلت ميادة رغبة حماتها ونادين في إتمام الزيجة بسرعة، وطلبت أن يكون هناك "حفل عشاء عائلي كبير" بمناسبة "التصالح" والاتفاق على زواج حسام من نادين، وأصرت أن يحضره والد نادين (زوج أم ميادة) الذي طالما فضل نادين عليها.
ليلة الحفل:
كان البيت يعج بالضيوف، والموائد عامرة. وقفت ميادة تتألق بفستان أسود فخم، وزينت وجهها بابتسامة غامضة. نادين كانت تجلس بجانب حسام كأنها العروس، تنظر لميادو بنظرات انتصار وشماتة.
قامت ميادة، أمسكت الكأس وضربت عليه بالملعقة لتجذب انتباه الجميع:
"يا جماعة.. من فضلكم اسمعوني. النهاردة يوم مهم جداً، يوم الحق اللي لازم يظهر. بقالي 5 سنين بسمع إني (ناقصة)، وبسمع إني (خاربة للبيوت) عشان مابخلفش."
ارتبك حسام وحاول إسكاتها: "خلاص يا ميادة، مش وقته الكلام ده."
لكن ميادة لم تلتفت له، وتابعت بصوت هز أرجاء المكان: "وحماتي العزيزة كانت بتديني منشطات وهرمونات دمرت جسمي وهي عارفة إني سليمة.. وأختي نادين كانت بتمثل الحب وهي عارفة الحقيقة. عشان كدة، أنا حبيت أهادي حسام ونادين بمناسبة جوازهم بهدية بسيطة.. الهدية موجودة تحت كل طبق من أطباقكم."
في لحظة واحدة، قلب الضيوف أطباقهم، ليجدوا "نسخة مصورة" من تقرير عقم حسام، وبجانبه تقرير حديث لميادة يؤكد سلامتها، وصور لمحادثات نادين وحسام التي تثبت خيانتهم.
ساد صمت القبور، ثم بدأت الهمسات تتحول لصرخات. والد نادين أمسك التقرير وهو لا يصدق، ونظر لابنته باحتقار. أما حسام، فقد أصبح لونه شاحباً كالرماد، ونظر للأرض وهو يرى رجولته تتبخر أمام عيون الجميع.
ميادة اقتربت من حسام وهمست في أذنه ببرود: "البيت ده باسمي من النهاردة يا حسام.. الورقة اللي مضيت عليها الصبح وأنت فاكرها موافقتي على الجواز، كانت تنازل عن الشقة مقابل إني ماسجنكش بتهمة تزوير أوراق طبية وتدبير مؤامرة طبية ضدي. يلا.. خد (العروسة) وأمك، واطلعوا بره.. من غير مطرود."
الحاجة فوزية حاولت الصراخ، لكن ميادة قاطعتها بنظرة أرعبتها: "لو سمعت صوتك، هبلغ عن الدكتور اللي كان بيزور لك التقارير، وهحبسك معاه."
خرجت العائلة المهانة تحت نظرات الاحتقار من الضيوف، وبقيت ميادة وحدها في وسط الصالة، تنفست بعمق لأول مرة منذ سنوات، وأخرجت هاتفها ومسحت كل صورهم.. وبدأت حياة جديدة.
بعد مرور ثلاثة أشهر، تبدل كل شيء.
كانت السماء تمطر بغزارة في ليلة شتوية قارسة، حين وقف حسام أمام العمارة التي كانت يوماً ملكه. كان يرتدي معطفاً خفيفاً لا يحميه من البرد، وبدت عليه علامات الهزال، فقد خسر عمله بسبب الفضيحة التي انتشرت في المنطقة، ولم يعد أحد يثق في رجل غدر بزوجته بهذه الدناءة.
نظر للأعلى، ليرى ضوء شقة ميادة دافئاً ومنبعثاً من النافذة. تذكر كيف كانت تستقبله بالابتسامة والعشاء الساخن، وكيف كان يواجه حنانها بقسوة وجحود.
في تلك اللحظة، توقفت سيارة أجرة ونزلت منها نادين. لم تعد تلك الفتاة المتأنقة؛ بل كانت تبدو شاحبة، تصرخ في الهاتف وهي تتشاجر مع والدها الذي طردها من البيت ورفض منحها قرشاً واحداً.
"أنت لسه واقف هنا؟" صرخت نادين في وجه حسام بحقد. "بسببك وبسبب كدبك بقيت منبوذة! مكنتش أعرف إنك (عاجز) للدرجة دي، ضيعت حياتي معاك على الفاضي."
نظر إليها حسام باحتقار وقال بصوت مكسور: "أنا اللي ضيعت حياتي لما صدقت إن واحدة زيك ممكن تحل مكان ميادة. أنا خسرت الجوهرة عشان أخدت الصفيح."
تركها ومشى في المطر، يتذكر "السر" الذي أكله من الداخل لسنين. ذهب إلى محل صغير ليشتري زجاجة ماء، فسمع الناس يتحدثون عن "المهندسة ميادة" التي افتتحت شركتها الخاصة وتبرعت بجزء من أرباحها لمستشفى أطفال.
أخرج حسام هاتفه، وفتح رسائل ميادة القديمة التي لم يمسحها. قرأ رسالة كانت قد أرسلتها له منذ سنوات: "يا حسام، لو الدنيا كلها وقفت ضدك، أنا هفضل سندك.. المهم نفضل سوا."
انفجر بالبكاء كالطفل في وسط الشارع. أدرك الآن أن "العقم" لم يكن في جسده فقط، بل كان في قلبه وعقله.
لقد طردته ميادة من حياتها، لكنه هو من طرد نفسه من الجنة بيده.
في تلك اللحظة، رأى ميادة تخرج من مدخل العمارة،
كانت تبدو أجمل وأقوى، ركبت سيارتها دون أن تلتفت حولها، وكأنها مسحت وجوده تماماً من ذاكرتها. حاول أن ينادي اسمها، لكن صوته اختنق في صدره.. فقد عرف أن الندم هو العقاب الأبدي الذي سيعيش فيه، وأن بعض الفرص إذا ضاعت، لا تعود أبداً حتى لو بكينا دماً.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
