رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم سعاد محمد سلامه


 رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والثلاثون 

منذ ليلة خطوبته،على تلك البلهاء،التى لا تُقارن بها بأي،شيء،لا جمال ولا حتي مستوى إجتماعي، وهي تشعر بغضبٍ كبير… غضب لا يشبه الغيرة العادية، بل أقرب لشيءٍ يُشبه الانكسار حين يُغلفه الكبر... 
وقفت في غرفتها تحدق في الفراغ، كأنها تحاول رفض تلك الجملة التي سمعها  قلبها... خطوبته… على أخرى.
ابتسمت بسخرية خفيفة وهي تهمس لنفسها: يعني خلاص… هستسلم بسهولة كده.. مستحيل أنا راندا. 

داخلها كان يصرخ بعكس ذلك تمامًا... هو لم يكن مجرد شخص عابر سهل أن تتحكم فى مشاعرها معه... ذاك الذي أربك ثباتها، وأجبرها أن تعترف أنه مختلف... 
أمسكت هاتفها بقوة، ثم ألقته على الفراش وكأنها تعاقبه... تنفست ببطء، تحاول أن تستعيد ذلك الوجه الهادئ الذي ترتديه أمام الجميع.
_مش مهم…
قالتها بصوت منخفض، ثم رفعت رأسها بإصرار:
مستحيل أنهزم، مش أنا اللى يحصل معايا كده. 

لكن رغم كلماتها، كانت النار في عينيها تقول شيئًا آخر تمامًا… أن هذه القصة لم تنتهِ بعد، وأن الغضب الذي بداخلها ليس إلا بداية مواجهة لم تُعلن بعد.

بعد وقت صدفة أو ربما تدبير منها أن تتقابل مع تلك الوضيعة، التي لا تُقارن بها... 
كانت غزال تسير فى الشارع عائدة من الجامعة.. لم تكُن غير مُنتبهة للطريق، على العكس، تسير بيقظه، رغم إرهاقها... لكن تلك الساخطة أرادت أن تُنغص عليها، لن تنهزم وتترك لها كنان، هي كانت على شفا خطوة ويقع فى براثنها، لكن كيف تلك الوضيعة خطفته، مثل ما يخطف الضوء من عتمةٍ ظنت أنها لن تنقشع...
توقفت غزال فجأة، حين توقفت راندا بسيارتها أمامها مباشرة،بعد أن كادت ان تصدمها... خرج مننها شهقة بلهاث وهي تشعر  إحساسًا خفيًا شدها من داخلها، رفعت عينيها لتجد راندا  أمامها… تقف بثقةٍ مستفزة، ابتسامة باردة تزين شفتيها... تنظر لها بتقليل شأن.. 
تصلبت ملامح غزال، واشتعلت عيناها بغضب حاولت كتمه طويلًا… لكنها لم تُخطئ هذه المرة... 
لكن تهكمت راندا بنظرة غرور قائلة بنبرة تحمل سخرية لاذعة: 
صدفة جميلة… ولا إيه يا غزال. 

رفعت غزال ذقنها قليلًا، نظرتها كانت حادة كالسهم تشعر بعدم قبول قائلة:
الصُدف عمرها ما بتبقى بريئة… خصوصًا لما تبقي إنتِ طرف فيها... يا راندا، مش تاخدي بالك وإنتِ ماشية، الشارع مش ضيق يعني وأنا ماشية بجنب.. كده العيب فى نظرك بقي. 

ضحكت بخفوت، خطوة واحدة تقدمت بها، نحو غزال تتعمد اقتحام مساحتها ثم مالت قليلًا، تضيف بتهكم:
طبعًا إنتِ دايمًا بتمشي على جنب ده مكانك تخافي تمشي فى نص الطريق تندهسي...مين اللى هيعالجك وقتها لو إتصدمتي ولا حتى هيلاقيكي 

فهمت غزال تلميح راندا جيدًا… لم يكن حديثها عن الطريق أو الحذر، بل طعنة مبطنة تُشير إلى ضعفٍ تتمنى رؤيته فيها... كذالك تقليل من قيمتعا... 
لكن غزال لم تُظهر ذلك.
ثبتت نظراتها لها بثبات، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة لا تحمل سوى التحدي، ثم تحدثت بهدوءٍ وثقة بنبرة أعمق:
اللي ماشي على جنب… بيبقى شايف الطريق كله كويس… إنما اللي بيجري في النص… غالبًا ما بيلحقش يشوف اللي جاي عليه.

مالت برأسها قليلًا، تضيف بنعومة تحمل تهديدًا خفيًا:
وبالنسبة للي يعالجني… فاطمني… أنا بعرف أوقف على رجلي لوحدي…مش مستنيه حد يساعدني... 

توقف تنظر لها نظرة ثابتة ثم تفوهت بإيحاء: بس السؤال الحقيقي… إنتِ تقدري تقفي لوحدك... من غير ما تستخبي ورا اسم حد… أو قلب حد.. 
سكتت لحظة، قبل أن تضيف بنبرة أخفض لكنها أكثر حدة:
ولا وجودك كله… معتمد على مين واقف جنبك...وضح إنك لسه مش مستوعبة… كنان اختار مين ومفكرش لا فى سطوة إسم ولا حتى جمال...كنان لو كان عاوزك مكنش خطبني، هو فى نوعية كده تحب تفرض نفسها على اللى قدامها،… بتحب تفضل واقفة عشان تسد الطريق ، بس النوعية دي آخرها تتفرج من بعيد، وتتوهم إن حد خطف مكانها…
مالت برأسها قليلًا، تنظر لها بنظرة متفحصة ثم تفوهت:
بس الخقيقة هي اللى عاملة زي النتاش وفى مثل بيقول"بيت النتاش ما بيعلاش، إنتِ كنتِ قدام كنان وبتحاوطي عليه، وفي الآخر إيه اللى حصل، مش نصيبك لازم تعترفي بده عشان متعيشيش نفسك فى وهم إني خطفته منك، أنا بعترف إني بحب كنان من زمان، بس عمري ما عملت حاجة تلفت نظره ناحيتي لأني مؤمنة اللى من نصيبي هيجي لي. 

تهكمت راندا، بضحكة سخرية قائلة: 
لا البت إيمانها زايد، وكمان عندها حياء... 

توقفت راندا، وفتحت هاتفها، وجهته نحوها بتلك الصورة الظاهرة على الشاشة قائلة: 
والصورة مبتكدبش، واضح جدًا إنك إستغليتي إنك كنتِ ضيفة فى دار الدباغ ومضيعتيش وقت، أحب أقولك ممكن تكوني مجرد زهوة او تجربة لـ كنان، حصل له تشوش، لكن تأكدي ده مش بيدوم، يمكن قال أجرب مش خسران شوية وقت، وأنا على يقين الخطوبة مش هتكمل، ولا هتوصل لجواز...أصل أسلوب الخطف دايمًا بيفشل. 

شعرت غزال بغصة فى قلبها على يقين أن كنان لا يبها ولا حتى لها زهوة... 
لكنها لم تتراجع.
بل على العكس… ابتسمت. ابتسامة هادئة، غامضة… أخطر من أي انفعال... ثم تفوهت بثقة واهية: 
بلاش تبني توقعات ممكن متتحققش، 
كنان من نوعية الرجالة اللى مش بتتخطف…من الرجالة اللى بتروح بمزاجها… وساعتها تبقى المشكلة مش في اللي رسمت خطة وفشلت فيها، فبترمي فشلها باتهام غيرها.

تبدلت ملامح راندا  للحظة تود صفع تلك الوضيعة التى إستهونت بها، لكنها تماسكت سريعًا قائلة بثقة: 
طبعًا موهومة... مين اللى قال إني فشلت زي ما قولت لك... مجرد خطوبة ومش هتوصلي لأكتر من كده... بس خدي بالك…
اللي بيتاخد بسهولة… بيتساب بسهولة.

سكتت لحظة، نظرت لها من أعلى لأسفل بنظرة مليئة بالازدراء الصامت، ثم همست: 
وأنا… مش من اللي بيتسابوا.

مرت بجانبها بثبات، لكن قلبها في الداخل كان يعصف بعاصفة…ليست غيرة فقط… تسلل إليها شعور لم تعهده من قبل
أن غزال… ليست خصمًا يمكن التقليل منه.

بعصبيةٍ واضحة، انسحبت راندا وعادت إلى سيارتها، بخطوات سريعة متوترة كأن الأرض تضيق بها…
بينما تجنبت على الطريق  تعمدت عدم النظر لها، وكأن وجودها لم يعد يستحق حتى التفاتة.
أكملت سيرها بثباتٍ ظاهري، لكن أنفاسها كانت سريعة عكس ذلك الهدوء التي تبدو عليه…
ضمت حقيبتها إلى صدرها قليلًا، تحاول استعادة هدوئها، وعقلها يعيد كل كلمة قيلت منذ لحظات... لم تكن المواجهة سهلة…
لكنها لم تنكسر.
بل على العكس… شعرت بشيءٍ يتكون داخلها، مزيج من التحدي والإصرار…
تلك اللحظة لم تُضعفها، بل أيقظت بداخلها جانبًا لم يكن حاضرًا من قبل... 
رفعت رأسها أخيرًا، وعيناها تلمعان بعنادٍ صامت. 
❈-❈-❈
مساءً 
بذلك الفندق 
بردهة الغرفة 
كان هنالك إجتماع شبه نسائي، بوجود 
رابيا، وغزال... كذالك إجلال...مع يارا...بعدما إنسحب نديم وتركهن وغادر متحججًا بإنهاء إجراءات مغادرة الفندق.. ظل يتحدثن...
حتى تفوهت يارا:
إمبارح كان فاروق وعهد هنا ومعاهم ياسين..بصراحة هيوحشني ياسين أوي،وكمان بنات محسن،حاسة بإفتقادهم. 

تبسمت رابيا قائلة: 
بكره تنسيهم خالص لما تسافري وربنا يرزقك الذرية الصالحة...
توقف رابيا ثم غمزت بمرح:
بعدين بتقولى كده بس عشان نديم بعيد دلوقتي،لكن  أكيد فى وجوده ناسية الدنيا كلها.

ضحكت يارا كذالك إجلال بينما غزال لم تِعطي رد فعل، كذالك تبدوا كأنها شاردة تجلس شبه صامتة كلمات قليلة، كل ما تفوهت به لاحظت إجلال ذلك، ربتت على كتفها قائلة: 
ساكتة ليه يا غزال. 

إنتبهت تعثلمت فى الرد: 
هقول أيه. 

ضحكن رابيا ويارا التي تحدثت بمزح:
سرحانه فى اللى أول حرف فى إسمه "كنان".

توترت تشعر بحياء قائلة بتبرير برئ:
لا والله،أنا بس مُرهقة،كان عندي كذا محاضرة ورا بعض،وبعدها روحت للشغل،لما طنط اتصلت عليا إستأذنت وجيت معاها.

ضحكت يارا بمرح قائلة:
هصدقك إنه إرهاق،أساسًا الواد كنان سخيف،وأكيد كان جزء من المحاضرات،هو كده بيجيب صداع.

توترت رغم ذلك تبسمت قائلة بإندفاع مصحوب بتهرب: 
لا والله مكنش له محاضرة النهاردة، أنا حاسة بصداع هقوم اغسل وشي وأرجع.. فين الحمام. 

أشارت لها يارا عن مكان الحمام، ذهبت إليه، نظرت يارا لـ إجلال قائلة: 
غريبة فكرت غزال هتبطل شغل بعد ما اتخطبت هي وكنان. 

تنهدت اجلال قائلة: 
قولت لأم صبري، قالت لى قولت لها قالت طلبت منها لكن قالت لها إنها قالت لصاحب المركز قالها تشتغل بس لحد ما يدبر غيرها... وهي إتحرجت تقول لأ، بقالها فترة شغالة عنده. 

تفهمت يارا ذلك، تبسمت قائلة: 
تصدقي والله يا ماما هي خسارة فى كنان، كنان يستاهل واحدة شرسة تطلع عينيه، لكن غزال هادية، ربنا معاهم تتحمل غلاسته. 

ضحكت رابيا بإيماءة توافق، نظرت لهن إجلال قائلة: 
كنان... غلس، لا والله ده هوائي بيحب المشاغبة، ومش هبلاقى حد يتحمل مشاغباته زي غزال، ومش بعيد هي اللى تعقله. 

بعد وقت فى إحد. قاعات مطار القاهرة 
بصعوبة كبتت إجلاال دموع عينيها وهي تودع يارا، كذالك محي ااذي إحتضنها أكثر من مره وهي الأخري حاولت الا تبكي فهذه المره الاولي التي تبتعد فيها عنهما... 
نظر لهما كنان بمزح قائلًا: 
دا أنا لما كنت بسافر للجيش مكنتش بشوف دمعة، إيه التفرقة العنصرية دي، ده إحنا هنرتاح منها ومش هسمع أفلام رعب تاني، دا أنا جمعت كل السيديهات بتاعتها وقولت للشغالة تحطها قبل الهدوم فى الشنط بفكر أعمل توسيع لأوضتي واضم أوضتعها. 

ضحك الجميع بينما زغرت له يارا ، كذالك محي الذي نظر له ثم لـ غزال يبتسم لها قائلًا:
لا يا آخرة صبري،شقتك هتجهز فى أقرب وقت.

أخفضت غزال وجهها بحياء،بينما بسخافة من كنان تفوه:
إشمعنا دي اللى قلبك رق فيها وهتجهز الشقة بسرعة.

تبسم محي قائلًا:
عشان عاوز أخلص منك ومن سخافتك ومن محلستك لمامتك.

ضحكت إجلال...تبدل ذلك العبس الى مرح فى وداع يارا.

بعد قليل امام المطار..تحدث محي قائلًا:
أنا هاخد رابيا وإجلال معايا فى العربيه وإنت خُد غزال معاك.

توترت غزال وتحدثت بتسرع:
لا يا عمو أنا هاجي معاكم  و...

شعر كنان بالغضب جذبها من معصمها قائلًت:
طريقك أخضر يا حج محي،وإنتِ قدامي على العربية بتاعتي.

غصبً يعد إحراج صعدت الى سيارته،قادها فى البداية بسرعة،لم تهتم،كل ما تتمناه أن تصل الى الحارة...ظلت صامته،كان ينظر لها بين الخين والآخر،لاحظ يديها اللذان كانت تضمهما معًا تعبث بأظافرها...شعر بالضيق من الصمت،توقف فجأة بالسيارة...إنتبهت غزال لذلك،نظرت له سائلة:
وقفت العربية ليه.

أجابها بنزق: 
البنزين خلص.

نظرت للـ الخارج حقًا كانا بمحطة بنزين...ترجل من السيارة وتركها،ظلت جالسه،بينما هو غاب قليلًا ثم عاد يحمل حقيبه ورقية وضعها فوق ساقيها قائلًا:
خدي سلي نفسك على ما العامل يخلص.

لم تفتح تلك الحقيبه...بعد دقائق صعد كنان للـ السيارة وجد الحقيبه كما كانت،نظر لها
  للحظات…ثم تحدث  بنبرة خفيفة لكنها تحمل ضيقًا مكتومًا:
حتى دي… مش عايزة تبصي فيها... مالك. 

لم تلتفت إليه… ظلت تنظر من النافذة وكأن ما بالخارج أهم بكثير مما وضعه فوق ساقيها وتفوهت: 
مفيش بس مصدعة ياريت توصلني الحارة، أو... 

قاطعها قائلًا: 
أو إيه... غزال، بلاش الطريقة دي، إن كنتِ مغصوبة قيراط، أنا مغصوب أربعه وعشرين. 

نظرت له دموع تتلألأ فى عينيها، لم ينتبه لها، لكن هي تحدثت بحدة: 
وإيه يغصبك، إحنا نفضها ونخلص... 

قاطعها بغضب: 
اللى غاصبني هو إحترام كلمة بابا، وإفردي وشك. 

_مش فارده، وأنا هكلم عمو محي، وهو هيفهم، إن كل شئ نصيب، وإنت.. 

_غزال
نطقها بعصبية.. نظرت أمامها قائلة: 
كنان إنت بتحب راندا... 

قاطعها مستهزءً: 
مالكيش فيه، ودلوقتي هوصلك، وياريت ترجعي للوضع الصامت. 

كبتت دموع عينيها، ليته كان أجاب حتى لو قال نعم، كان إنتهي ذلك العذاب الذي بقلبها 
تمنت فقط يومًا أن يلتفت لها بنظرة لما الآن تود الهروب منه... والجواب أجابته لها راندا، أنها قد تكون زهوة 
بينما كنان بعد أن كان مجرد رؤيتها يشعر بالغضب اليوم يريدها فقط أن تبتسم. 
❈-❈-❈

ليلًا 
فى حوالى التاسعة والنصف... توقف فاروق أسفل بناية والد عهد، يشعر بضيق من نفسه فهو إنشغل مع عميل وتأخر، جذب باقة الزهور، ثم توجه الى مدخل البِناية... لحظات وتوقف أمام باب الشقة... يترقب أن تفتح له عهد، لكن خاب أمله... حين تبسم له توفيق، شبه متفاجئ قائلًا: 
فاروق، واقف ليه إدخل. 

دلف فاروق مُبتسمًا، بنفس الوقت تقابل فى الردهة مع والدة عهد التى توترت قليلًا لكن رحبت به، دلف الى غرفة الضيوف، قائلًا: 
ياسين نام ولا إيه، وفين عهد. 

صمت الإثنين ينظران لبعض بتوتر... 

قبل لحظات 
ترجلت عهد من سيارة شركة الطيران أسفل البناية، سُرعان ما خفق قلبها بتسارُع حين رأت سيارة فاروق، إبتلعت ريقها،تقدمت بخطوات بطيئة نحو مدخل البناية… كل خطوة تقيلة،ليس من التعب… بل من الترقُب لرد فعل فاروق، داخلها لا تتوقع رد فعله، لكن هو كان يعلم أنها كانت تعمل قبل زواجها منه. 

نفضت ذلك وأخرجت مفاتيح الشقة دخلت بهدوء، سمعت إتجاه الصوت كان غرفة الضيوف ذهبت نحوها... توقفت أمام على عتبة الغرفة قائلة: 
مساء الخير. 

نهض فاروق ينظر لها مُتسمرًا وهي بذلك الزي 
بدلة رسمية أنيقة، شعرها مرفوع، ملامحها هادئة أو هكذا تبدوا، بوضع ذلك الزي هو الزي الخاص بمضيفة الطيران... 
ضاقت عيناه  وصوته خرج حادًا  وهو يسأل بغضب: 
إيه ده.. إنتِ جاية منين. 

نظرت له لحظة… استوعبت الصدمة في عينيه، لكن إبتلعت ريقها ولم تتراجع وأجابته: 
كنت في الشغل..

اقترب خطوة، صوته بأصبح منخفض لكن أكثر حِدة… واخطر وهو يردد بسؤال: 
شغل إيه. 

حلت ثانية صمت… ثم تحدثت بصراحة:  الطيران... ناسي إني مضيفة طيران. 

نزلت الجمله عليه تقيلة... 
ضحك ضحكة قصيرة،لكن ضحكة إستهزاء وسؤال:
ومن إمتى بتشتغلي … من ورايا.. بدون إذن مني. 

صمتت… لحظات لم تكن كافية.
تبدلت ملامحه تمامًا، اصبحت أكثر حدّة وهو يقول بصوت أعلى: 
بقالك قد إيه. 

_من فترة، 
هكذا أجابته، عاود نفس الكلمه 
_فترة. 
كررها بحدة، ثم  اقترب أكتر يقول باستهزاء من نفسع: 
وأنا طبعًا آخر واحد يعرف. 

رفعت عينيها تنظر له نظرة عناد واضح قائلة: 
ليه متفاجئ كده، إنت كنت عارف إني بشتغل... مش جديده يعني. 

نظر لها قائلًا بنبرة جازمة: 
ده كان قبل جوازنا، وكان لازم تعرفيني عالأقل وطبعًا كنت هرفض! شغل زي ده مش هزار، وأنا جوزك، من حقي أعرف. 

قاطعته بهدوء، لكن قوي: 
وأنا من حقي أقرر أشتغل.

صمت للحظة… بل ساد صمت بينهم  ثقيل.
نظر  لها من أعلى لأسفل … وكأنه لأول مرة يراها لكن ليس كزوجته، بل كإمراة لديها  إرادة  تخرج عن سيطرته... تفوه بغضب: 
لبستي… ونزلتي… واشتغلتي… وكل ده من غير ما تقوليلي. 

قالتها بصراحة:
آيوه. 

ذلك الرد البسيط  كان كفيل يُشعل داخله.. 
مرر يده على شعره بعصبية، ثم تحدث بنبرة متماسكة بالعافية: 
إحنا كنا رايحين نتعشى… وأنا قاعد مستني مراتي…
وقف لحظة،ثم نظر عينيها مباشرة: 
مش مستني واحدة عايشة حياة تانية من ورايا.

نظرت له، وفي عينيها مزيج بين التحدي والوجع: 
دي حياتي أنا.

صمت… حاول تهدئة نفسه قائلًا بهدوء أخطر من العصبية: 
واضح.. 
اقترب أاكثر، إنعدمت 
المسافة بينهم .. ثم سحبها من عضدها بقوة قائلًا:
لينا بيت نتكلم فيه...

توقف ثم نظر الى توفيق وميرفت قائلًا:
خلى ياسين هنا الليلة...عن أذنكم.

انهي حديثه سحب عهد وغادر...
لوهلة كاد توفيق ان يعترض، خوفً على عهد من رد فعل فاروق الواضح، لكن منعته ميرفت بإشارة منها، نظر له توفيق بعدما سمع صوت صفع باب الشقه قائلًا: 
فاروق متعصب، المفروض كنا اتمسكنا بـ عهد، حتى لحد ما يهدا. 

شعرت ميرفت بغصة قائلة: 
مكنش هيهدى، خليهم هما بس اللى يحلوا المشكلة، ياما قولت لها تقول لـ فاروق، كانت بتتهرب مني، وده اللى كنت خايفه منه رد فعله.. سبق وقولت لها.. ده زوج وله حق عليها، كانت بطنش. 

تنهد توفيق قائلًا: 
ربنا يستر، خايف عهد تتهور وتعاند مع فاروق، كمان خايف على ياسين. 

تنهدت ميرفت بدموع قائلة بغصة وجع: 
معتقدش هتتهور، والسبب ياسين عهد متعلقه بـ ياسين، حتى هو اللى سلاها الوجع على فراق فرح. 

غص قلب توفيق  وضمها له مواسيًا. 

بعد وقت وبسرعة جنونية قاد بها فاروق السيارة كان الصمت بينهما مثل أعاصير مكبوتة، حتى وصلا الى المنزل، ترجل من السيارة صفع الباب بقوة، كذالك عهد ترجلت من السيارة لكن تفاجئت بقبضة فاروق على يدها، سحبها خلفه، بقوة توقف أمام باب الشقه لحظة فتحه ثم سحبها أقوي حتى دخلا إلى غرفة النوم الخاصة به،وهي. استسلمت للسير معه بعدما فقدت القدرة على سحب ذراعها من قبضة يده، زفر نفسه بغضب ودفعها بقوة وقعت على الفراش، قبل أن تنهض نصف جالسة، كانت مُحاصرة بين يديه وهو ينظر لها بغضب قائلًا:
أنا عيشت مع أختك خمس سنين، مفيش حد مرة سمع لينا صوت، لا خناقة ولا كلمة تعلى... لكن إنتِ من أول يوم وإنتِ رافعة سيفك عليا، كل كلمة منك حرب، وكل نظرة تحدي. 

ارتعشت شفايفها وهي ترد بصوت متقطع:
وأنا مش أختي... أنا مش هعرف أعيش دور المطيعة، ولا أسكت وأقول سمعًا وطاعة. 

تصلبت ملامحه أكثر واقترب منها حتى شعرت بأنفاسه الحارة على وجهها، قبض بيده على طرف الفراش قائلًا بحدة:
إنتِ فاكرة إن عنادك هيكسرني... أنا مش متحوزك عشان تعلمينى إزاي أكون زوج... إنتِ مراتي، يعني تسمعي الكلام وتعيشي تحت جناحي مش ضدي... وحكاية شغلك دي مش هتعدي بالساهل، وإنتِ بتستغفليتي. 

أغمضت عينيها للحظة، قلبها يخفق بعنف داخل صدرها، مزيج من غضب وحيرة، ثم رفعت رأسها فجأة و فتحت عينيها تلمع بدموع متحدية:
إنت كنت عارف اني بشتغل، كنان
أنا مش زي فرح يا... 
فرح كانت خاضعة ليك عشان كانت بتحبك 
وإنت وفى الآخر حتى قبل ما تكمل الأربعين يوم على موتها كنت رايح تتجوز غيرها، إنت حتى محزنتش عليها. 

تجمدت ملامحه عند كلماتها، انطفأ الغضب للحظة كأنه اصطدم بجدار قاسي.. شد على أسنانه وزمجر بصوت مكتوم:
إوعي توهمي نفسك، إنتِ متعرفيش أنا حسيت بإيه بعد موتها... إنتِ شايفة إن الجواز كان قرار سهل... إنتِ فاكرة إني نسيت فرح... كفاية إني كنت عايش معاها فى هدوء مش تحدي. 

اقترب أكثر حتى كادت تشعر بحرارة عينيه تخترقها، صوته هدأ للحظة وهو يتمتم:
أنا عشت معاها خمس سنين، كنت أضحك عشانها وأكتم غيظي عشانها... ولما راحت، أنا اتوجعت... بس إنتِ عمرك ما هتفهمي.

دمعت عينيها أكثر وهي تهمس بمرارة:
لا، أنا فاهمة كويس... فاهمة إنك اتجوزتني مش حبًا فيا، لكن عشان تعوض فراغ رغباتك... وأنا عمري ما هقبل أكون ماعون تفرغ فيه رغباتك... وهشتغل. 

اشتعلت عروقه من جديد،قبض على ذراعها بقوة حتى شعرت بحرارة أصابعه تحفر في جلدها، همس بغلظة ممزوجة بالوجع:
ده تفكيرك  إني خدتِك بديل...لكن الحقيقة إنتِ حرب جديدة في حياتي، حرب مخلياني مش عارف أنا اللي هكسب ولا إنتِ.

شهقت بأنفاس متلاحقة وهي تنظر لوجهه القريب، قلبها يتأرجح بين الرغبة في الصراخ وبين رغبة أخرى لم تستطع الهروب منها...
وفجأة، قطع هو المسافة، انحنى بعنف يقول وطالما أنا كنت متحوزك لرغباتي يبقي.....

صمت وهو يقبض على شفتيها يُقبلها بخشونة... قبلات  مضطربة، يستحوز عليها غضب أكثر من العاطفة، لكنها كانت حارقة، صادمة لأنفاسها... 
حاولت دفعه أول الأمر، يديها ترتجفان وهي تضرب صدره بخفة، لكن يده أمسكت معصمها محاصرة احتجاجها، حتى استسلمت للحظة، ودموعها تسيل على وجنتيها تختلط بحرارة شفتيه... 
تراجع ببطء، يلهث كأنه خرج من معركة، عيناه تائهتان بين غضب وندم ورغبة لا يستطيع إنكارها، صوته خرج مبحوحًا:
إنتِ... إنتِ مش فاهمة إزاي بتعذبيني.

ارتجفت شفايفها وهي تهمس:
وإنت... قتلت آخر ذرة أمان لك عندي.

ثبت فاروق مكانه، أنفاسه مازالت مضطربة، لكن ملامحه بدأت تتغير… الغضب الذي كان مشتعل في عينيه قبل لحظات، بدأ ينكسر أمام جملتها الأخيرة... 

تلك الجملة لم تمُر عليه  مرورًاعاديًا،يده التى كانت قابضة على ذراعها… ارتخت ببطء.
نظر  لها…
شعرها المبعثر… دموعها التي تسيل على وجنتها… رعشة جسدها التي تحاول إخفائها…
ليس تحدي… ولا عناد…  كانت خوف.
ابتعد خطوة… ثم اتنين.
مرر يده على وجهه بعصبية،  يحاول أن يفوق من لحظة خرج فيها عن نفسه.
صوته  خرج أكثؤ إنخفاض… لكن ثقيل:
أنتِ... 

توقف عن استرسال حديثه ليس لانه لا يوجد كلام…لكن لأنه لأول مرة لا يعرف ماذا يقول.. 

بينما عهد سحبت نفسها للخلف على الفراش، ضمت دراعها لصدرها كأنها تحمي نفسها، وعينيها عليه بحذر واضح…عاد  الحاجز بينهم مرة أخرى... 
تحدثت  بصوت مكسور رغم محاولتها تثبيته: لو فاكر إن القوة هتخليني أبقى زي ما أنت عايز… تبقى مش فاهمني خالص.

رفع عينيه لها… نظرة مختلفة.. فيها إدراك متأخر وتحدث بنبرة واضخة: 
وأنتِ لو فاكرة إن اللي بتعمليه ده هتخليني أرضخ… تبقي برضه مش فاهماني.. أنا مش عاوز أكسرك يا عهد. 

ضحكت ضحكة قصيرة باهتة، موجعة بمرارة قائلة باندفاع وخطأ: 
أنا مكسورة  ومغصوبة من الأول يا فاروق… أنت بس جيت تكمل... عاوز تتجوز سبق وقولتلك معنديش مانع، أنا هنا عشان ياسين وبس. 

كم هي كاذبة وتتألم من داخلها لكن تحاول أن تجرح كبرياؤه  فى هذه اللحظة، لكن بالحقيقة هي تجرح قلبها الذي تعلق به 

كلماتها كانت أقسى من أي اتهام قبلها.
صمت لحظة … وهي كذالك أصبح هنالك خيط رفيع جدًا… ممكن بكلمة من فاروق أن ينقطع…

تصلبت ملامحه وهو يقول بنبرة هدوء ظاهري عكس ما بداخله من إعصار: 
تمام يا عهد... وأنا مش هفرض نفسي على حد مش عايزني.

خرجت كلماته هادئة… زيادة عن اللازم، الهدوء اللي بخوف أكتر من أي صوت عالي.
نظراته ثبتت عليها للحظة، 
لكنها ثبتت نفسها… رفعت ذقنها بتحدي مصطنع، رغم إن قلبها كان يتقطع مع كل حرف قالته.
أكمل بنفس النبرة:
إنتِ اختارتي… وأنا هحترم اختيارك... وأكيد هنفذه بزوجة تكون عازواني...مش زوجة عالورق مش فارق معاها. 

قال ذلك ثم غادر الغرفة  مباشرةً، بينما عهد حاولت النهوض من فوق الفراش شعرت بتراخي جسدها من الصدمة، 
وهمست بصوت مبحوح… متأخر:
وأنا… مش عايزة غيرك يا فاروق. 


تعليقات