رواية أرواح لا تستبدل الفصل الثالث بقلم الاء محمد حجازي
عايز أقولك حاجة كمان… الست الشاطرة هي اللي ما تضيّعش جوزها من إيديها…
وسكت لحظة وهو بيبص في عينيها…
أظن إنتِ فهماني صح.
نغم هزت راسها بهدوء، وعينيها لسه فيها دموع بس فيها كمان تفكير… كأن كلامه لمس حاجة جواها.
مازن خرج وقفل الباب وراه، ووقف بره لحظة، أخد نفس طويل وبص قدامه وهو بيتمتم بصوت واطي، صوت كله وجع وحماية:
طول عمرك مظلومة يا نغم… وسط كل اللي حواليكي…
بس أنا هحميكي… حتى لو من أقرب الناس ليكي… وخصوصًا وفاء.
مش فاهم إزاي دول أخوات…
واحدة في قمة البراءة والنقاء وصفا القلب…
والتانية… قمة في الخبث والحقد… عاملة زي التعبان… بتتلون على حسب مصلحتها.
تنهد بوجع:
هتبقى أكبر خسارة لخالد لو خسرك… بس يمكن هو أصلًا ما يستاهلش جوهرة زيك…
يمكن خسارته ليكي تبقى رحمة ليكي… لأنه لو فضل، يمكن يكسر فيكي أكتر من كده.
سكت شوية، وبعدين مشي.
جوه… كانت نغم قاعدة مكانها، ساكتة، بتفكر… كلام مازن بيلف في دماغها، كل كلمة بتخبط في قلبها، وكل فكرة بتشدها ناحية قرار.
رفعت راسها فجأة… وكأنها حسمت حاجة:
أنا لازم أحاول… مش هخسر حاجة.
قامت بسرعة، ومسحت دموعها، وبصت لنفسها في المراية، وابتسمت ابتسامة خفيفة فيها أمل بسيط:
طب ما أجرب… يمكن فعلاً يفرق.
نزلت خدت فلوس من مامتها، وخرجت… كانت ماشية بخطوات سريعة، كأنها بتجري ورا فرصة تنقذ بيها علاقتها.
دخلت محل هدوم، وفضلت تلف… تتردد… تبص لكل فستان وتستبعد، لحد ما لقت واحد… مش واسع أوي… ومش ضيق… حاجة وسط… مناسبة.
وقفت قدامه شوية… وبعدين مسكته:
هجربه.
بعد شوية… خرجت من غرفة القياس.
وقفت قدام المراية… واتجمدت.
نفسها… بس بشكل تاني.
لفت الطرحة بشكل بسيط… ورفعتها شوية على راسها… وبصت لنفسها بانبهار حقيقي:
أنا… أنا حلوة كده؟!
ابتسمت… ابتسامة طالعة من قلبها:
يمكن… يمكن يعجبه.
خرجت وهي فرحانة… لأول مرة من فترة تحس بإحساس حلو.
قررت… تعمله مفاجأة.
راحت على بيت خالد، قلبها بيدق بسرعة، إيديها بتترعش شوية، بس جواها أمل كبير… أمل إنه لما يشوفها… كل حاجة تتصلح.
---------------------------
كانت نغم واقفة قدام باب شقته… إيديها مرفوعة علشان تخبط، وقلبها بيدق بسرعة من كتر الحماس، عنيها فيها لمعة أمل، وابتسامة صغيرة مرسومة على وشها وهي متخيلة رد فعله لما يشوفها بالشكل الجديد… بالفستان اللي اختارته مخصوص علشانه… وبالطرحة اللي لفتها بإيدها وهي واقفة قدام المراية ومش مصدقة نفسها.
قربت إيديها من الباب… ولسه هتخبط…
لكن صوت من جوه خلّاها تتجمد مكانها.
صوته… خالد.
وصوت أبوه معاه.
وقفت… من غير ما تقصد… من غير ما تحاول حتى تبعد… كأن في حاجة شدت رجليها للأرض.
جوا…
عند خالد كان قاعد قدام أبوه، متوتر، مش عارف يبدأ إزاي، فالأب بص له وقال بنبرة فيها ملاحظة:
مالك يا خالد… فيك إيه؟
عايز تقول حاجة؟
اتنهد وقال بصوت مهزوز:
بصراحة يا بابا… أنا كنت عايز أفتح معاك في موضوع كده… بس مش عارف أبدأ إزاي… ولا أقول إيه الصراحة.
أبوه بص له بنظرة فيها ابتسامة خفيفة، وقال بهزار بسيط:
بدل ما إنت مكسوف كده… يبقى الموضوع يخص نغم صح؟
خالد بلع ريقه… وقال بصوت واطي:
أيوه.
الأب اتعدل في قعدته وقال بهدوء:
شكلك عاوز… نحدد ميعاد الفرح.
خالد رفع عينه فجأة، وصوته خرج حاد أكتر مما يقصد:
لا…
بصراحة كده… أنا عايز أسيب نغم.
بره…
نغم حسّت إن قلبها اتسحب من مكانه.
إيديها نزلت ببطء من على الباب… الفستان اللي كانت ماسكاه وقع منها من غير ما تحس.
رجليها ما بقتش شايلة جسمها…وأنفاسها بقت تقيلة…
كأن الهوا اختفى فجأة.
جوا…
الأب اتصدم، وقام من مكانه بعصبية:
يعني إيه تسيب نغم؟!
هو لعب عيال ولا إيه؟!
كمل بصوت عالي:
وبعدين أبوها قالك من الأول على طبعها وطريقتها… وقالك إن مامتها مدلعاها… وإنها حتى شغل البيت ما بتعرفوش…
وإنت قلت إنك موافق… وإنك عايزها… وكفاية أخلاقها واحترامها… وإنك هتعمل أقصى حاجة عندك علشان تغيرها!
إيه اللي اتغير دلوقتي؟!
سكت لحظة… وبعدين قال بنبرة أهدى بس فيها خيبة أمل:
أنا بصراحة… رغم إني كنت معارض من الأول… علشان كنت فاكرها متدلعة وشايفة نفسها علشان فلوس جوز أمها…
بس لما شفتها… لقيتها بنت كويسة جدًا… وجدعة جدًا…
وفوق ده كله… بتحبك… وبتتمنى رضاك…
إنت عايز إيه تاني؟!
خالد ضغط على إيده، وقال وهو بيبص في الأرض:
يا بابا… أنا اكتشفت إني كنت مبهور بيها…
بس بعد ما الانبهار ده راح…
لقيت نفسي مش عايز أكمل.
الأب ضرب بإيده على الكرسي بغضب:
وهي بنات الناس لعبة في إيدك؟!
أول ما تنبهر بواحدة تروح تتجوزها…
ولما الإحساس يروح تقول عايز تطلقها؟!
خالد رفع صوته شوية، وكأنه بيدافع عن نفسه:
يا بابا افهمني… أنا اكتشفت إن قراري من الأول كان غلط…
ودلوقتي جه وقت أصلح الغلط ده.
الأب بص له بنظرة تقيلة وقال بحدة:
الراجل… بيستحمل نتيجة غلطه…
ده لو هو غلط زي ما بتقول…
بس الظاهر كده… إنك مش راجل…
أو يمكن أنا اللي ما عرفتش أربي.
خالد وقف بعصبية وقال بصوت عالي:
إنت عارف إنك مخلف راجل!
بس مش معنى إني أبقى راجل… إني أعيش متدبس في واحدة أنا مش عايزها!
الجملة…كانت كفيلة تقتل أي حاجة.
بره…
نغم حطت إيدها على بقها علشان تمنع صوت شهقتها…
دموعها نزلت بغزارة…
وقلبها… كان بيتكسر حتة حتة.
جوا…
الأب قال بسخرية مريرة:
آه… قول كده بقى…في واحدة تانية.
خالد سكت لحظة… وبعدين قال:
أيوه… أنا معجب بواحدة تانية.
الأب قال بحدة:
تلاقيها واحدة مش كويسة… اتلمت عليك وعايزاك تطلق مراتك!
خالد رد بسرعة وبعصبية:
على فكرة… هي كويسة جدًا…
وكويسة أكتر من نغم نفسها.
الأب ضحك بسخرية وقال:
ودي مين بقى… ست الحسن والجمال؟
خالد اتردد… صوته اتلخبط:
دي… دي…
بره…
نغم قربت من الباب أكتر… قلبها بيترعش…
جزء جواها… كان عاوز يسمع …
والجزء التاني بيعيد كل كلمة سمعتها كانت كأنها بتخبط في قلبها خبطات تقطع النفس…
"عايز أسيب نغم"…
"مش عايز أكمل"…
"متدبس فيها"…
"معجب بواحدة تانية"…الكلمة دي بالذات دخلت جواها زي سكينة…
قطعت كل حاجة… كل حلم… كل أمل.
افتكرت نفسها من شوية… وهي واقفة قدام المراية… مبسوطة…
مستنية كلمة حلوة… نظرة رضا… حضن.
افتكرت إنها جاية له… علشان تفرحه.
ضحكة صغيرة خرجت منها… بس كانت موجوعة… مكسورة.
جسمها كله بقى تقيل…
ورجليها… مش شايلة
الكلمات كانت بتتراكم جواها… فوق بعضها…
وجع فوق وجع… صدمة فوق صدمة…
لحد ما وصلت لمرحلة… ما عادش فيه مكان يتحمل أكتر.
نفسها اتقطع…
إيديها بدأت ترتعش…
وقلبها بيدق بسرعة مرعبة… كأنه هيخرج من مكانه.
حاولت تثبت نفسها…
تحاول تسمع باقي الكلام…
تحاول تفهم…
بس ما قدرتش.
خالد لسه هيكمل… ولسه هيقول اسمها…
لكن نغم… ما استحملتش.
رجليها اتحركت لوحدها…
لفت ببطء… وكأنها مش حاسة بجسمها…ونزلت.
مشيت… أو بمعنى أصح… كانت بتجر رجليها…
مش شايفة قدامها…مش سامعة أي صوت حواليها.
كل حاجة بقت بعيدة…
والصوت الوحيد اللي في ودنها…
كان صوته هو… وهو بيقول إنه مش عايزها.
الفرحة اللي كانت داخلة بيها من دقايق…
الأمل…
اللهفة…
كلهم اتسحبوا منها مرة واحدة…
وسابوا مكانهم فراغ… ووجع… وخذلان مالوش نهاية.
نزلت السلم وهي ماسكة في السور بإيدها بالعافية…
كل درجة بتنزلها… كانت كأنها بتقع… مش بتنزل.
دموعها نازلة… بس من غير صوت…حتى العياط… ما بقاش طالع.
كانت حاسة إنها مش بتتجرح…
دي بتتكسر… من جواها.
جوه…
خالد كان واقف… ولسه هينطق بالاسم…
مش عارف… إن البنت اللي بيحاول يفكر إزاي يجرحها بأقل خسارة…
انهارت خلاص…
ومشت…
من غير ما تسمع الباقي…
من غير ما تعرف…
إن اللي اختارها عليها…
كان أقرب حد لقلبها.
خالد قال أخيرًا:
وفاء… أختها.
الدنيا سكتت.
الصوت اختفى.
كأن الزمن وقف.
نغم… ما استحملتش.
الأب كان في قمة غضبه:
إنت اتجننت؟!
تسيب واحدة علشان تاخد أختها؟!
ده تفكير واحد حافظ القرآن الكريم؟!
كمل بصوت عالي:
فين كلام ربنا اللي بتقراه؟!
فين حديث النبي اللي بيقول لا ضرر ولا ضرار؟!
إزاي ترضى تظلمها بالشكل ده؟!
خالد سكت… بس ملامحه كانت جامدة.
الأب هز راسه بيأس وقال:
على العموم…
إنت هتضيع الماس علشان قزاز.
شوف هتتصرف إزاي مع أبوها…
وشوف هتحل موضوع البنت الغلبانة دي إزاي…وما ترجعش تشتكي وتعيط بسببك.
وقف… وبص له نظرة كلها خيبة:
وعايز أقولك حاجة…
أنا اكتشفت… إني للأسف… ما عرفتش أربي.
دخل أوضته… ورزع الباب بعنف.
خالد فضل واقف مكانه…ساكت… تايه… بيفكر.
إزاي هيقول لها؟
إزاي يواجهها؟
مش عارف…
إنه كده… ما جرحهاش بس…
ده قتلها بدم بارد.
---------------------------------
نزلت نغم السلم… خطوة ورا خطوة… مش شايفة قدامها، ولا حاسة برجليها، كأن جسمها بيتحرك لوحده وهي روحها متعلقة فوق… عند الباب… عند الكلمة اللي قتلتها قبل ما تتقال… كانت ماشية في الشارع من غير ما تبص، الناس حواليها بتعدي، أصوات عربيات، زحمة، كلام… بس هي مش سامعة حاجة… ولا شايفة حد… ولا حتى شايفة نفسها… كانت حاسة إنها اتكسرت… اتفككت… وبقت حاجة تانية خالص… حاجة ضعيفة… تايهة… مش فاهمة هي مين ولا حصلها إيه… كل اللي جواها صوت واحد بيكرر… “مش عايز أكمل… متدبس فيها… عايز أسيبها…”
في نفس اللحظة… مازن كان جاي من بعيد… أول ما عينه جت عليها، وقف مكانه لحظة… قلبه اتقبض… شكلها مش طبيعي… مش نغم اللي يعرفها… دي واحدة تانية خالص…
جري عليها بسرعة وهو بينادي:
نغم!
نغــــــــــــم!
كانت سامعة صوته… بس كأنه جاي من بعيد أوي… من عالم تاني… حاولت تلف… بس جسمها ما استجابش… عينيها كانت سرحانة… مش مركزة… كأنها تايهة جوا دوامة كبيرة ومش عارفة تخرج منها…
قرب منها أكتر، ومد إيده شدها برفق من دراعها:
نغم!
مالك؟!
في إيه؟!
لفت له ببطء… وبصت له…
اللحظة دي… خلت قلبه يقع.
عينها… مكسورة.
مش بس زعلانة… ولا حتى بتعيط… دي عين واحدة اتسحبت منها الحياة… مليانة وجع تقيل… وحزن عميق… ودموع نازلة من غير ما توقف…
اتخض عليها، قرب أكتر وقال بسرعة ولهفة:
في إيه يا نغم؟!
مين اللي عمل فيكي كده؟!
إنتِ كويسة؟! اتكلمي!
لكنها… ما ردتش.
فضلت باصة له لحظة… كأنها مش شايفاه أصلًا… وبعدين سحبت إيديها منه بهدوء… ومشيت.
مازن وقف مصدوم…
مش فاهم… مش مستوعب… حاول يجري وراها:
نغم!
استني! رايحة فين؟!
لكنها كانت أسرع… أو يمكن هو اللي اتجمد مكانه من الصدمة… ما لحقهاش.
وقف مكانه، قلبه بيدق بعنف، ودماغه بتلف…
في حاجة حصلت.
وحاجة كبيرة كمان.
رفع عينه ناحية العمارة… وعرف.
طلع السلم بسرعة، الغضب جواه بيكبر مع كل درجة… عينه بقت حمرا… وإيده مقبوضة… وعفاريت الدنيا كلها بتتنطط قدامه…
وصل عند الشقة… وفتح الباب بعنف… ودخل وهو بيزعق بصوت هز المكان:
خــــــــــــــــــــــــــــالد!!!
خالد قام من مكانه مفزوع، وبص له بدهشة:
في إيه يا مازن؟!
إيه الصوت ده؟!
مازن قرب منه بخطوات سريعة، وعينه فيها نار:
إنت عملت إيه لنغم؟!
خالد اتلخبط، وقال بسرعة:
أنا؟!
أنا ما عملتلهاش حاجة!
أنا أصلاً ما شفتهاش من زمان… آخر مكالمة كانت امبارح!
مازن وقف قدامه، صوته بقى أخطر:
أنا لسه شايفها نازلة من هنا دلوقتي… من عندك!
كانت تايهة… عمالة تعيط… مش قادرة تمشي حتى!
ما لحقتش أفهم منها حاجة… سابتني ومشيت!
إنت عملت لها إيه يا خالد؟!
خالد سكت…ملامحه اتغيرت…الخوف دخل عينه فجأة.
همس لنفسه:
مش معقول… تكون سمعت… لا… أكيد لا…
مازن قرب أكتر، وقال بقلق وغضب:
إنت كنت بتقول إيه؟!
خالد بلع ريقه… وصوته بدأ يتهته:
كنت… كنت بقول… إني… إني ما بحبهاش… وإن ده كان مجرد انبهار… وإن… إني عايز أطلقها…
سكت لحظة…
وكمل بصوت أوطى:
علشان… أتجوز وفاء… أختها.
