رواية ليلة غاب فيها العقل الفصل الثالث
العربية وقفت قدام فيلا كبيرة ومحاطة بسور عالي في منطقة هادية جداً في التجمع، بعيد عن دوشة المدينة وعيون الناس.
عاصم نزل وفتح باب العربية لشهد اللي كانت ضامة نفسها في الكرسي، بتبصله برعب وكره.
عاصم بهدوء مصطنع بيحاول يداري بيه توتره: "انزلي يا شهد.. إحنا وصلنا، المكان ده أمان ومحدش يقدر يوصلك هنا."
شهد بصوت مبحوح من كتر العياط: "أمان؟ إنت جايبني تخطفني بعد ما دمرتني؟ رجعني حتتي.. إخواتي زمانهم قالبين الدنيا عليا، ولو مرجعتش هيقولوا هربت وهتبقى فضيحتي بجلاجل."
عاصم بصرامة: "لو رجعتي وإنتي حامل هيقتلوكي يا شهد.. انزلي وبطلي عناد."
لما لقاها رافضة تتحرك، مد إيده وشدها بخفة بس بحزم، ودخلها الفيلا وقفل الباب الرئيسي بالمفتاح.
الفيلا كانت فخمة جداً، أثاث راقي، وهدوء قاتل، بس بالنسبة لشهد، ده كان مجرد "سجن من دهب".
قعدت على أقرب كرسي وانهارت في العياط تاني. عاصم سابها تهدى شوية، وراح عمل تليفون سريع. بعد نص ساعة، جرس الباب رن، ودخلت دكتورة كبيرة في السن، باين عليها الوقار، ومعاها شنطة كشف.
عاصم: "دكتورة هالة، أرجوكي اكشفي عليها وطمنيني على الجنين.. هي كانت متعرضة لضغط عصبي ومجهود جامد."
شهد قاومت في الأول، بس من كتر التعب والإرهاق استسلمت. الدكتورة كشفت عليها وادتها حقنة مهدئة وفيتامينات.
بقلم... نور محمد
دكتورة هالة وهي بتكلم عاصم على جنب: "الجنين بخير يا عاصم بيه، بس الأم ضعيفة جداً ونفسيتها تحت الصفر. لازم تاكل كويس وتبعد عن أي توتر، الانفعال ده خطر عليها في الشهور الأولى."
بعد ما الدكتورة مشيت، عاصم دخل الأوضة لقى شهد نايمة على السرير، دموعها لسه بتنزل على مخدتها حتى وهي في نص وعيها من المهدئ.
قعد على الكرسي اللي قصادها، وفضل باصص لملامحها البريئة اللي شوهها الحزن بسببه. حس بندم كسر قلبه، بس في نفس الوقت، قلبه كان بيدق بفرحة خفية.. أخيراً هيبقى أب.
تاني يوم الصبح، شهد فتحت عينيها لقت صينية فطار مليانة أكل جنبها، وعاصم قاعد بيشرب قهوته وبيبصلها. قامت مفزوعة وضمت الغطا عليها.
عاصم بهدوء: "صباح الخير.. كلي عشان تسندي طولك، وعشان اللي في بطنك."
شهد بغضب مكتوم: "أنا مش عايزة منك حاجة.. طلقني.. أقصد سيبني أمشي! إنت عايز مني إيه تاني؟"
عاصم اتنهد وقام وقف: "اسمعيني كويس يا شهد.. أنا عارف إني غلطت في حقك، وغلطة عمري ما هقدر أكفر عنها. بس أنا راجل متجوز بقالي سنين ومخلفتش، والطفل اللي في بطنك ده هو أملي الوحيد في الدنيا.. هو روحي اللي رجعتلي."
شهد بضحكة سخرية ووجع: "يا حنين! أمل حياتك جاي من الحر*ام؟ جاي من اغتـ'ـصاب بنت غلبانة ملهاش ضهر؟"
عاصم وطى راسه بكسوف ورجع بص في عينيها: "أنا هصلح كل ده.. إحنا هنتجوز. هتجوزك رسمي وعند مأذون عشان الواد يجي في النور وباسم أبوه. هتعيشي هنا في الفيلا دي، معززة مكرمة، كل طلباتك مجابة، وهعملك حساب في البنك يخليكي متدوريش على شغل ليوم ما تموتي."
شهد بصتله بذهول: "إنت مفكر إن فلوسك دي هتغسلني من القرف اللي حاسة بيه؟ مفكرني هقبل أكون زوجة في السر لواحد دمرني؟"
عاصم قرب منها ووشه اتحول للجدية: "إنتي معندكيش حل تاني. إخواتك 'سيد ومحمود' لو شافوكي دلوقتي هيد*فنوكي حية. أنا بعت ناس تبعي يسألوا في الحارة، وإخواتك قالبين الدنيا وبيدوروا عليكي وماشيين بسكاكين. لو رجعتي، إنتي وابني هتموتوا. اقبلي العرض يا شهد.. على الأقل لحد ما تولدي، وبعدها لو عايزة تطلقي وتمشي.. الباب هيبقى مفتوح، بس ابني هيفضل معايا."
الكلمات نزلت عليها زي حبل المشنقة. عاصم قفل كل البيبان في وشها. هي فعلاً لو رجعت هتموت، ولو نزلت الجنين هتموت، ملهاش مفر غير إنها تقبل تعيش مع جلادها. سكتت ودموعها نزلت بصمت، كإعلان استسلام مؤقت للقدر.
في قصر عاصم الأساسي، كانت "نرمين" مراته قاعدة بتغلي. عاصم بقاله يومين مبيرجعش البيت، وتليفوناته مقفولة معظم الوقت، ولما بيرد بيكون مقتضب ومش طايق يتكلم.
بقلم... نورمحمد
نرمين بتكلم والدتها في التليفون بعصبية: "يا ماما بقولك عاصم متغير! مش ده عاصم اللي أعرفه. طول عمره حتى لو زعلان مني بيبات في البيت. دلوقتي بيغيب بالأيام، ولما بسأل السكرتير بتاعه بيقولي إنه مبيجيش الشركة بقاله يومين!"
والدتها: "يا بنتي اهدي، يمكن وراه صفقة تقيلة ولا عنده مشاكل في الشغل."
نرمين بشك: "لا يا ماما.. قلب الست بيحس.. عاصم وراه ست تانية، وأنا لو اتأكدت من ده هخرب الدنيا على دماغه. أنا مش هسيب ثروته واسمه يروحوا لواحدة غيري حتى لو مخلفتش."
قررت نرمين إنها تعين مخبر خاص يراقب خطوات عاصم، عشان تعرف هو بيروح فين وبيغيب ليه.
عدت أسابيع، وشهد محبوسة في الفيلا. عاصم نفذ وعده وجاب مأذون وشهود وكتب عليها رسمي، بس اشترط إن الورقة تفضل معاه عشان السرية.
كان بيزورها كل يوم، بيجيب لها أحسن أكل ولبس، وبيحاول يفتح معاها أي كلام، بس هي كانت بتعامله ببرود وتجاهل تام، زي ما يكون شفاف.
في يوم، عاصم دخل لقاها واقفة في المطبخ بتحاول تعمل أكل، بس داخت وكانت هتقع من طولها. جري عليها ولحقها قبل ما تلمس الأرض. شالها بين إيديه، ولأول مرة من يوم ما شافها، تحس بلمسة حنية منه مش لمسة وحش.
حطها على السرير وجابلها عصير.
عاصم بخوف حقيقي: "إنتي كويسة؟ محتاجة أكلم الدكتورة؟"
شهد بصوت ضعيف وعينيها في الأرض: "أنا كويسة.. مجرد دوخة من الحمل."
عاصم فضل باصصلها شوية، وبعدين قال بصوت واطي: "أنا عارف إنك بتكرهيني.. وعارف إنك بتعدي الأيام عشان تولدي وتخلصي مني.. بس أنا بسأل نفسي، هل ممكن في يوم تسامحيني؟
شهد رفعت عينيها اللي مليانة حزن وبصتله وقالت بثبات: "الجرح اللي بيسيب علامة في الروح.. مبيخفش يا بيه، حتى لو رشيت عليه دهب."
في اللحظة دي، تليفون عاصم رن. بص في الشاشة، لقى المتصل "نرمين". قفل الخط بسرعة ووشه اتغير. شهد لاحظت ارتباكه، وابتسمت بسخرية وقالتله:
"خايف مراتك الهانم تعرف إنك متجوز خدامه في فندق؟ روح يا بيه.. روح لقصورك.. أنا هنا مجرد حضانة لابنك مش أكتر."
عاصم حس بوجع من كلامها، ساب الأوضة وخرج، وهو ميعرفش إن المخبر الخاص اللي عينته نرمين، قدر يوصل لمكان الفيلا، وصور عاصم وهو خارج منها، والصور بقت في طريقها لـ "نرمين". العاصفة كانت على وشك إنها تضرب وتدمر كل حاجة.
