رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الثالث 3 بقلم سارة بركات


 رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الثالث 


في صباح اليوم التالي من تلك الأحداث السابقة، كانت جوداء تتجهز لتذهب لعملها، حيث ترتدي حُلة سوداء أنيقة ببنطال واسع وسًترة طويلة وحجابًا لونه مُحايد للون الأبيض والأسود، كانت مترددة كثيرًا في الذهاب للعمل وخاصة أن تلك الأحداث السابقة التي حضرتها كانت بالقرب من مقر العمل! .. ولكنه في النهاية العمل، يجب أن تستمر لأجل لقمة العيش، تنهدت باستسلام واستغفرت ربها لأنها استسلمت للخوف بداخلها ونسيت للحظة أن الله قادر أن يُبعِدَ عنها كل مكروهٍ وسوء.

- يا رب.

أغمضت عينيها بحزن وبداخلها الكثير من الدعوات ترجو الله أن يغفرلها ويحميها، تنهدت وحملت حقيبتها وخرجت من غرفتها؛ أما بالنسبة لسيلفانا فقد كانت مُرتدية حُلة أنثوية أنيقة تألفت من بنطال أسود وقميصٍ أبيض حريري تعلوه صديرية سوداء أبرزت رشاقة قوامها، وكانت تحمل سُترة الحُلة على ذراعها وفي الذراع الأخرى تحمل حقيبتها الأنثوية، وقد منحها مظهرها هالة من القوة والرزانة؛ كأنها إمرأةً صلبة؛ فاليوم يُعَد يوم عملها الأول في إيطاليا لأن اليوم السابق لم تكن سوى تمهيد حيث قامت بترتيب مكتبها لتتجهز للعمل، كانت جميلة للغاية شعرُها الأسود المموج كان مُصففًا بعناية، ينسدل ليزيدها حضورًا وأناقة.

خرجت من الغرفة وابتسمت لجوداء عندما التقيتا عند باب الشقة ..

- ماهذا الجمال يا فتاة؟ ماشاء الله.

ابتسمت سيلفانا على إطراء جوداء وأردفت:

- أنتِ الأجمل والأرقى جوداء.

- هيا بنا سنتأخر إذا بقينا نمدح بعضنا هكذا وسيقتطعون ذلك التاخير من راتبنا، يكفينا إطراء.

ذلك ماتحدثت به جوداء بمزاح وأردفت سيلفانا توافقها الرأي:

- أنتِ مُحقة، هيا بنا.

سارتا بجانب بعضهما يتمشيان بالشوارع وافترقتا عند محطة المترو، جلست جوداء في إحدى العربات وأخذت تشرد وهي تبحث في الأخبار على هاتفها ولكنها لم تجد أي شيءٍ يُذكر عن ماحدث سابقًا في ذلك اليوم..

.................................

كان ديميتري يرتده حُلته السوداء الراقية والمتناسقة على جسده تمامًا، يستعد للذهاب للشركة الأم لكي يقوم بإدارة بعض الأعمال، تنهد عندما حمل هاتفه وأخذ يُطالع رسالتها والتي أرسلتها له منذ قليل:

- لا تقلق علي أخي، سأقوم بتدبير أموري فقط ابقوا جميعًا بخير لأجلي.

خرج من غرفته ونزل على أدراج القصر حيث كان رجاله ينتظرونه بالأسفل ليقوموا بحراسته وتساءل بهدوء:

- أين ستيفانو؟

أجابه احد رجاله:

- إن السيد ستيفانو أخبرنا أن لديه عملٌ آخر اليوم لن يأتي للشركة سيدي.

أومأ ديميتري بهدوء وصعد سيارته في الخلف ليتحرك السائق به وتحيطه سيارات رجاله، وبداخل متجر المخبوزات الشهير .. كان ستيفانو يقف امام ذلك الفتى الصغير والذي يُعطيه تعليماتٍ تخص العمل ولكنها كانت لا تليق به وبمظهره حتى..

- سترتدي هذا المريول.

عقد ستيفانو حاجبيه بغضب:

- لن أفعل.

- ستفعل سيد ستيفانو، كيف ستقوم بإعداد القهوة؟؟ وأيضًا المشروبات الأخرى، وماذا سيحدث لك إذا اتسخت ملابسك؟؟ أخبرني.

ويبدو عليه أنه قد اقتنع حيث التقت منه المريول بتأفف وأخذ الفتى يشرح له كيف يقوم بجمع الطلبات وعمل القهوة وغيرها.

وصلت جوداء لمحطتها وخرجت من عربة المترو وأخذت تسير في إتجاه العمل حيث مرت على الشارع الذي حدث به العراك السابق وللدهشة أن الطريق أصبح نظيفًا تمامًا لدرجة أنها شعرت أنه كان يهيأ لها أي لم يكن حقيقيًا ولكنها تقسم انها رأت كل ماحدث بأم عينيها!!!، ولكن بالطبع كانت سيلفانا أخبرتها أن للمافيا قانون يخخصهم في إيطاليا أي أنه من الممكن أنهم قاموا بتغطية الأمر أو أن الدولة هي من قامت بالتنظيف خلفهم!

ظلت هكذا في حيرة من أمرها حتى وصلت لمقر عملها، صعدت حيث مكتبها ولكن بدلاً من أن تجلس بمكتبها ذهبت في اتجاه غرفة مديرها السيد ماركوس والذي كان يجلس مبتسمًا وهو يُمسك بيده إحدى المجلات ولكنه انتبه عندما دخلت جوداء المكتب.

- أتيتي في وقتك يا جوداء، أنظري ماذا كتبت المجلات عن برنامجك!

ولكنها لم تتحدث حيث كانت تشعر بالضيق الشديد، وتعجب السيد ماركوس بملامحها تلك.

- ماذا هناك جود؟

تحدثت بضيق حاولت أن تُخفيه ولكنها لم تستطع:

- لأجل أن أقوم ببث برنامج مباشرة في الساعة العاشرة مساءًا كنتُ سأقتل على يد المافيا حينما كنت في طريقي العودة للمنزل سيد ماركوس!

دُهش السيد ماركوس من حديثها ذلك:

- يا الله، لم أكن أعتقد أن حظك سيكون سيء لدرجة أن تتقابلي مع المافيا الإيطالية، هل رأيت وجوههم؟ ماهو شكلهم؟ وماهي هويتهم؟

ذلك ماتحدث به السيد ماركوس بفضول ولكن جوداء أردفت بضيق:

- ماذا تقول!! يبدو أنك سعيد ولست قلقًا عليّ، أقول لك أنني كدت أن أُقتل ياسيدي أي لم نكن نتسكع سويًا.

انتبه ماركوس على حديثها ثم تحدث:

- أعتذر حقًا جود عما حدث، ما أقصده أن قليلاً من يتقابل مع المافيا الإيطالية في الشوارع ومن يرى وجوههم يموت ولكن من الغريب حقًا أنكِ لا زلتي على قيد الحياة.

حاولت أن تكبت غضبها منه وكادت أن تتحدث ولكن ماركوس حاول أن يغير الموضوع:

- لا تقلقي، إنني أمزح فقط، ثم لا تقلقي بعد اليوم سأقوم بتعيين سائق ليتأكد من عودتكِ إلى المنزل بسلام في منتصف الليل.

تحدث بذهول:

- كنت أظنك ستقوم بإلغاء فقرة البرنامج في المساء!!؛ لأجل سلامتي.

دُهش ماركوس وأردف برفضٍ تام:

- بالطبع لا، أنتِ لا ترين ماذا تكتب المجلات عن برنامجكِ عزيزتي جود، ثم إن البرنامج قد إزاداد شُهرة بعد إذاعة حلقة المساء الأولى ولن أستطيع أن أخسر تلك الشهُرة بالطبع؛ فهو يصُبُّ في المصحلة العامة للإذاعة عزيزتي.

تنهدت بثقل وهي تستمع إليه وعندما انتبه ماركوس لفكها المتشنج:

- تحتاجين للراحة قليلاً، إرتاحي ذلك الوقت حتى موعد إذاعة برنامجك متبقٍ أمامكِ عشر دقائق فقط

لم تستطع أن تتحدث بكلمه وكادت أن تخرج.

- سوف أتحدث مع مدير الموارد البشرية لزيادة راتبكِ؛ فأنتِ تستحقين الأفضل.

لا تدري هل ذلك الخبر يجب أن يُسعدها أم يُقلقها أكثر؟؟ أومأت دون أن تلتفت ثم خرجت من المكتب، وذهبت لمكتبها وجلست به باستسلام تحاول أن تهدأ قليلاً، يجب أن تنسى الأمر فعلا كأنه لم يحدث تمامًا، ولكن ذلك الشخص هيبته تورق أحلامها، فهو منذ ذلك اليوم تراه في منامها تستمع لكلماته الهامسة بشكلٍ متكرر.

- إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة .. لا تتحركي.

تنهدت بثقلٍ ثم اعتدلت لتذهب لغرفة الإعداد؛ فقد حان موعد برنامجها الصباحي.

- كانت تجلس تحتسي قهوتها الصباحية بجانب فطورها والذي اعتادت عليه في اليومين السابقين ولكنها تعجبت من طعم القهوة المُر يبدو أن الفتى نسي أن يضع السُكر به.

- ماولو!

ذلك ماتحدثت به جلوريا تُنادي الفتى المراهق حيث هو من أخذ طلبها كيف يُمكن أن يُخطئ به؟ ولكنه كان مشغولاً كثيرًا إذ أشار لستيفانو الذي خرج من المطبخ للتو أن يذهب نحو الفتاة الجالسة في الرُكن ليأخذ طلباتها الإضافية ثم يُعطيه إياها، كان ستيفانو يرتدي مريولاً أعلى ثيابه حيث ارتدى بنطالاً أسود وقميصًا أبيض فقط، والمريول كانت لا تليق تمامًا بعضلات جسده القوية والتي تكاد تُمزق ملابسه، وتساءل بصوتٍ دافئ وعميق وانشغال وهو ينظر للدفتر الصغير الذي بيده:

- بماذا أستطيع ان أقوم بخدمتكِ يا آنسة؟

شعرت أنها سمعت ذلك الصوت العميق والدافئ سابقًا ولكنها لا تتذكر متى وأين، حمحمت وأردفت بهدوء:

- أعتذر ولكن يبد أن القهوة تبدلت فأنا لم أطلبها مُرَّة المذاق.

رفع ستيفانو رأسه عن الدفتر قليلاً يستوعب أنه بالفعل صنعها مرة المذاق دون ذرة سكر!، أطلق زفرة خافته قبل أن يتوجه ببصره نحوها، كانت مألوفة لقد رآها قبل يومين، توقف للحظة يتأملها ثم تحدث بنبرة هادئة:

- أعتذر آنستي، سأحضر لكِ أخُرى حالا.

أردفت تمنعه من فعل ذلك:

- لا، لا أقصد ذلك حسنًا سأتناولها تلك المرة ولكن من فضلك أن هل يُمكن أن تخبرني بمكان السُكر.

مدت يدها تبحث عن السكر فوق الطاولة تتحسسها ببطئ ولكنها لم تستطع أن تصل إليه، تقدم ستيفانو خطوة ووضع يده فوق يدها برفق موجهًا إياها نحو موضع عبوات السكر الصغيرة، تجمدت أنامها للحظة تحت يده تلك اللمسة تتذكرها جيدًا.

- هُنا.

ذلك ماتحدث به ستيفانو بعمق وهو يترك يدها والتي استقرت فوق عبوات السُكر، ابتلعت جلوريا بهدوء وشعرت أنه يستعد للرحيل، ولكنها أردفت:

- هل أنت جديد هُنَا يا سيد.....

ثم صمتت لأنها لا تعلم إسمه ولكنه أكمل عنها:

- ستيفانو، ستيفانو موريس.

ابتسمت جلوريا بهدوء وأردفت:

- أهلا بك سيد ستيفانو أنا أُدعى جلوريا.

- أهلا بكِ يا آنسة.

كادت أن تتحدث جلوريا وتسأله ذات السؤال مرة أخرى لأنها تشعر أنها تعرفه ولكنه من تحدث:

- أعتذر لدي الكثير من العمل يجب أن أذهب، وإجابتي عن سؤالك نعم، اليوم هو أول يوم عملٌ لي هنا.

ابتسمت بهدوء وهو رحل يعود لعمله وأخذت عبوة السكر الصغيرة فتحتها بهدوء وأخذت تتلمس فنجانها لكي تستطيع وضع السكر بها دون أن يقع وذلك كان يحدث تحت أعين ستيفانو والتي كانتا كالصقر تراقبان كل أفعالها بهدوء.

بعد أن دخلت جوداء لغرفة الإعداد قامت بتحية زميلها مالك عندما دخلت غرفة الإعداد حيث تحدث بحماس عندما رآها:

- جود ألم تعرفي الجديد؟ إن المجلات لا تنفك عن الحديث عن برنامجنا منذ حلقة المساء الأولى! أترين لقد نجحنا لا لا لقد تخطينا مرحلة النجاح بخطواتٍ كبيرة، اليوم نريد أن تكون حلقة الصباح نارية، نريدها أن تسحق حلقة المساء عزيزتي جود، إن عدد المستمعين الآن تخطوا الآلاف.

ذلك ماتحدث به في نية تشجعيها ابتسمت بهدوء وأومأت ولم تتحدث بالكثير ثم دخلت الغرفة وجلست بموضعها، تعجب مالك صمتها ذلك للحظات ولكنه استفاق عندما قامت بتعديل الميكروفون تتجهز للتحدث وهو قام بفتح البث المُباشر للبرنامج بعدما أشار لها أنه سيبدأ، وتلك المرة تحدثت بصوتٍ هادئ وعميق جعلت كل من يستمع للبرنامج يركز في نبرة صوتها، على الرغم من أنها تقول نفس المقدمة مرارًا وتكرارًا ولكن تلك المرة كانت نبرتها مُختلفة:

- سيداتي وسادتي، مرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامجكم المُفضل "إضحك وانسى"، معكم جود مقدمة البرنامج .. والذي يُعد من أفضل برامج التعبير عن المشاعر في روما.

تنهدت قليلاً ثم استأنفت:

- هدفنا هو مساعدتكم في إخراج الكلام للتعبير عن المشاعر المكبوتة لتخفيف الضغط النفسي الذي تتعرضون له في حياتِكم بوجهٍ عام، وإذا أردتم أن نتناقش بها لنجد حلول وأفكار نحن هنا وليس شرطًا أن تخبرونا بهويتكم الحقيقية يكفي فقط أنكم تُخرجون معنا مايُثقل صدوركم، والآن قبل أن نذهب إلى فاصلٍ إعلاني أريدُ أن نبدأ بي أولاً:

عقد مالك حاجبيه وهو يُطالعها، تنهدت جوداء بثقل:

- أتعرفون ذلك الشعور؟ حين تُجبرون على العيش بهوية زائفة أو تضطرون لإرتداء وجهٍ زائف لا يشبهكم لكي تمضوا قُدُمًا، لأنكم تظنون أنه إذا عدتم إلى مشاعركم الحقيقية أو هويتكم الأصلية فستتضخم العقبات أمامكم أكثر؟

كان الجميع في إيطاليا يُنصت لكلماتها العميقة تلك، العاملون في المتاجر والمارة في طريقهم إلى أعمالهم ومن بينهم ديميتري الذي قال لسائقه بهدوء جاف:

- أغلق هذا الشيء، إسماييل.

ابتلع السائق ريقه، ثم قال باعتذار متردد:

- أعتذر سيدي ولكنني أحبُ هذا البرنامج كثيرًا ولا تُعاد حلقاته، أرجوك دعني أُكمله.

زفر ديميتري ثم أومأ إيماءةً مقتضبة، محاولاً إشغال نفسه، لكن الكلمات كانت تلمس شيئًا في قلبه، شيئًا ظن أنه قد دفنه بداخله لسنوات، ولوكا أيضًا كان يستمع للبرنامج الإذاعي مستلقيًا على فراشه شارد الذهن يغمره حزنٌ ثقيل وكأن كل كلمة تُقال موجهة إليه وحده.

أما جلوريا فكانت تُنصت إلى الصوت المنبعث في أرجاء المتجر الضخم تتناول فطورها ببطء وعيناها شاردتان مع كل جُملة، لم تكن وحدها من يستمع في المتجر حيث كان الصمت يخيم على المكان لأن كل من كان في المتجر يُنصت أيضًا، حتى ستيفانو كان يُنصت بتركيز غريب كأن كل كلمة قيلت كانت تعنيه!!

- نحنُ مخطئين، وأعلم أن ذلك ليس ضعفًا منا جميعًا، ولكننا نظن أننا هكذا نقوم بتنفيذ مسئوليتنا تجاه غيرنا ولكننا فقدنا أنفسنا دون أن ننتبه.

أخذت نفسًا عميقًا ثم استأنفت:

- أشعر بكم جميعا، أشعر بكل من اضطر أن يُخفي في يومٍ ألمه وأن يتظاهر بالقوة لكي يُكمل طريقه بقلبٍ مُثقل بالهموم، لكن أخبروني إلى متى سنستمر جميعًا في ارتداء وجوهٍ لا تُشبهنا ونُقنع أنفُسَنا أننا هكذا على ما يُرام؟

ظل جميع المستمعين يبحثون عن الجواب لكي يُجيبوا على أنفسهم ولكنهم استفاقوا على صوتها مرة أخرى.

- فكروا بالإجابة جيدًا ووجهوا أنفسكم للصواب الذي بداخلكم؛ أما الآن فسنخرج إلى فاصلٍ قصير جدًا لنستقبل بعد العودة أول متصل لنا في حلقة الصباح.

أشار لها مالك ببدء الفاصل، أما هي فقد أخذت نفسًا عميقًا ودخل مالك للغرفة وأردف بانبهار:

- أوتعلمين أن كلماتكِ كانت قوية جود؟

ابتسمت جوداء بهدوء ثم أردفت:

- أعلم مالك، لقد كان هذا الحديث يجول بخاطري منذ أن استيقظت وأردت أن أُخرج مابجعبتي للجميع.

- هل هُناك شيءٌ مابكِ؟

ذلك ما تساءل به مالك بقلق، ولكنها أردفت بابتسامة:

- أنا على مايرام لا تقلق، هيا أنهِ الفاصل ودعنا نستقبل أول مُتَصِّل.

أومأ مالك بهدوء ثم عاد حيث كان وعادت جود إلى البرنامج تستقبل اول متصل .. تنهد لوكا بهدوء واعتدل من فراشه يفكر بسؤالها جيدًا، لماذا يفعل بنفسه هكذا؟ لما قام بإنهاء الهوية التي اكتشف ذاته من خلالها؟ هل فعل كل ذلك لأجل خوفه من ديميتري؟ إنه مُخطئٌ تمامًا ماكان يجب أن يُنهي ما بدأه .. لقد وجد عالمه الخاص حقًأ، تنهد وقرر أن يعود لعالم الكتابة مرة أخرى، اعتدل من فراشه بسرعة وأخذ يبحث عن حاسوبه المحمول والذي أخفاه بسبب قدوم ديميتري حتى وجده وتنهد بارتياح كأن روحه قد عادت إليه ضمه بقوة كأنه كان صديقه الوحيد حيث يعبر من خلاله عن مايشعر به بكلماتٍ بسيطةٍ وعميقة تُبهر من يقرأها، قام بفتح الموقع الذي يقوم بالنشر عليه وقام بكتابة منشور يُعلن فيه عن موعد خاتمة روايته والتي توقف بها قبلا.

رواية/ جحيم آل مارينتوس .. بقلم/ سارة بركات

دخلت سيلفانا مقر الشركة التي تعمل بها وبمجرد دخولها انتبهت لحركة غيرعادية وكأن شخصية هامة على وشك الوصول! عقدت حاجبيها بعدم فهم ولكنها لم تُعِر للأمر إهتمامًا كبيرًا؛ إذ شعرت بحاجةٍ مُلحة في الدخول للحمام، دخلت مرحاض السيدات الموجود في الطابق الأرضي من الشركة ثم بعد ذلك قامت بضبط مظهرها وخرجت ولكنها تفاجأت فور خروجها عندما وجدت جميع الموظفين مصطفين بنظامٍ تام وصارم، وليس ذلك فقط بل وجدت أيضًا بعضًا من موظفي الإستقبال يلوحون لها لتتقدم للوقوف بجانبهم ولكنها اكتفت بنظرةٍ باردة نحوهم وعقدت حاجبيها ثم تجاهلتهم واقتربت من المصعد تنتظر نزوله؛ أما في الخارج فقد توقفت سيارة فارهة أمام مدخل الشركة وقام بفتح الباب الخلفي للسيارة أحد الحرَس المنتظرين أمام الشركة وانحنى انحناءة خفيفة، نزل منها رجلٌ بهيبة يرتدي حُلة داكنة مفصلةٌ بعناية على جسده، دخل الشركة بخطواتٍ ثابته وخلفه رجاله، انضبط الجميع فور رؤيته انحنى بعضهم بتحية سريعة بينما هو اكتفى بنظرة باردة.

- صباح الخير سيد سايلس مرحبًا بك في إيطاليا.

ترددت التحية من أكثر من صوت، لكنه لم يُجِب وواصل سيره نحو الداخل، وأخيرا انفتح باب المصعد أمام سيلفانا وهمَّت بالدخول ولكن أحد الحرَسِ توقف خطوة موقفًا إياها:

- عُذرًا آنسة، عودي للوقوف مع زملائك فسيدي سيستخدم المصعد، يمكنكِ إستخدامه بعد صعوده.

احتقن وجهها للحظة واشتىت ملامحها ثم نظرت للحارس نظرة باردة وأردفت بصقيع:

- لقد جئتُ هنا أولاً، يمكن لسيدك أن يصعد الدرَج.

ذلك ماتحدثت به ببرود ودخلت المصعد ولكنها لم تستطع أن تضغط على أي زرٍ به إذ أوقف الحارس المصعد وكاد أن يُخرجها منه رغمًا عنه ولكن أوقفه صوت بارد:

- لا بأس، دعها.

ذلك ماقاله سايلس وهو يقف عند باب المصعد مما جعل رجله يعود خطوة للوراء، دخل سايلس المصعد بجبروته واقفًا بجوار سيلفانا ثم ضغط على زر تشغيل المصعد:

- إلى أي طابقٍ ستصعدين؟

ذلك ماتساءل به سايلس بصوتٍ عميق، أردفت بهدوء:

- الخامس عشر من فضلك.

ثم ضغط سايلس على زر الطابق الخاص بها وهو ذاته الطابق الذي سيقصده وأُغلِقَ باب المصعد عليهما وحدهما، ساد صمتٌ قصير لم يقطعه سوى صوت حركة المصعد، كانت رائحته تملأ المصعد، رائحة ثقيلة دافئة وأسيرة حركت عينيها نحوه قليلاً دون أن تدير رأسها بالكامل فوقعت ملامحه في نطاق رؤيتها حيث كانت ملامحه هادئة ولكنها تجمع بين الصرامة والإتزان في آنٍ واحد شعره الأسود مصفف بعناية لكن ما لفت انتباهها هو خطٌ صغير من الشعر الأبيض عند جانب رأسه، تفصيلةٌ قد لا يلحظها أحد إلا من يقف على هذه المسافة وتلك التفصيلة جعلته أكثر هيبة وجاذبية؛ فالشعر الأبيض متناسقٌ تمامًا مع شعره الأسود مما يجعله يبدو جذابًا حقًا، ثيابه متناسقة تمامًا مع عضلات جسده والتي تُشعرك من قوتها أن ثيابه ستتمزق في أي لحظة، وما جعلها تشعر بالإحراج هو أن ذلك الرجل التفت برأسه نحوها وتقابلت نظراتهما لثانية واحدة فأبعدت نظراتها عنه فورًا ببرود كأنها لم تكن تنظر إليه منذ ثوانٍ، ولكن هو لم يُبعد نظره عنها بسرعة بل طالعها لثوانٍ ثم عاد ينظر أمامه بهدوء مرة أخرى، توقف المصعد عند الطابق الخامس عشر وخرج سايلس بخطواتٍ ثقيلة ورزينة من المصعد وسار عدة مسافات ثم تحرك داخل ممر في الطابق الحالي مما جعله يختفي عن أنظارها، أما هي فقد تنهدت بمجرد إختفاءه من أمامها وجلست بمكتبها لبدء روتين العمل الجاد والذي اعتادت عليه سابقًا في روسيا دون أن يكون لديها أي دراية تامة أن من كان معها في المصعد هو نفسه الشخص الذي يمتلك ذلك المبنى.

بعدما انتهت جوداء من حلقة اليوم جلست بمكتبها تتصفح هاتفها قليلاً بشرود ولكنها ابتهجت عندما رأت إشعار من أليكساندر ميخاييل

"أعزائي القُراء عدتُ لكم بسلامٍ بعد يومين شاقَّين، شكرًا لإنتظاركم أُقدرُ ذلك حقًا .. انتظروني في المساء في خاتمة القصة لكي نبدأ بعدها قصة جديدة مُختلفة كالمُعتاد من كاتبكم أليكساندر ميخاييل."

كانت سعيدة وكتبت له تعليق:

"سعداء بعودتك أليكساندر، شكرا لك ولا تُفكر في الابتعاد مرة أخرى فإن رواياتك لها مذاقٌ مختلف تجعلنا نعيش في عالمٍ مُختلفٍ تمامًا عن الواقع الذي نعيش به"

ثم نشرت تعليقها وتفاجأت به بعد دقيقة يردُ على تعليقها:

"الفضل يعودُ للصوت الذي يوقِظ ضمائرنا في الوقت المناسب، سعيدٌ بعودتي وكالعادة سأقوم بانتظار تعليقاتك لي يا G.D"

كتب تعليقه لها بإسم الحساب الخاص بها فهو حقًا لا يعلم ما إسمها أو من هي لكنه يحفظ إختصار ذلك الإسم عن ظهر قلب فهي من ضمن الأشخاص الذين يقومون بتشجيعه دائمًا وخاصة منذ أن بدأ الكتابة.

...............................

كان دييجو ينظر إلى ديميتري الجالس مكتبه بهدوء في الشركة الأم ويحمل بيده بعض الأوراق يُطالعها:

- وماذا بعد أخي؟ أنت تصدمني بمفاجآتك تلك حقًا.

أردف ديميتري ببرود:

- أنا أيضًا مثلك دييجو تفاجأت بوجود شركة آل إيفانوف ضمن المستثمرين الذين سنتعامل معهم في الفترات القادمة باستمرار، وليس ذلك فقط بل لدينا جميعًا إجتماع معهم خلال أيام، أي أننا سنتقابل مع سايلس وجهًا لوجه دائمًا.

تحدث دييجو باستفهام:

- نتقابل؟ تقصد نحن؟ أربعتنا صحيح؟

أردف ديميتري وهو عاقدًا حاجبيه:

- أجل! لماذا أشعر بإعتراضك؟

أردف دييجو بهدوء:

- لا يوجد شيء أخي ولكنك تعلم أن لوكا لا يحب ذلك النوع من الأعمال؛ إنه لا يفهم بها حقًا.

ظل ديميتري جالسًا بمكانه يرمقه بهدوء دون أن يتحدث ولكن شعر دييجو بثقل الهواء بالمكتب كأن ديميتري سينفجر به الآن حقًا!

حمحم دييجو باعتذار:

- أعتذر أخي سأعود إلى غرفتي، إذا احتجتني أخبرني.

وخرج بهدوء تحت أعين ديميتري الهادئ ولكن هدوءه ذلك هو عبارة عن غضب فقط!

دخل دييجو مكتبه بهدوء وأغلق الباب خلفه، ثم قام بفتح حاسوبه وأخذ يتصفح موقع الزواج يبحث عن عروس مناسبة داخل قائمة من ضمن المُرشحات له والتي تم إرسالها صباحًا له، أخذ يتفحص بياناتهن على الموقع ليقوم بتحديد المناسبة له لكي يقوم بمقابلتها في وقتٍ مناسبٍ لهما.

.............................

في شركة آل إيفانوف:

كان سايلس جالسًا في مكتبه الضخم، يُنظر إلي جميع مُساعدِيه ثم أردف متحدثًا:

- عدد العاملين بالشركة لا يكفي!

- ماذا سيدي؟!! لقد تم نقل الكثير من الموظفين من روسيا إلى هُنا.

- لا يكفي.

ذلك ماتحدث به سايلس ببرودٍ شديد واستأنف:

- لا يُشترط إنتقال العاملين في روسيا إلى هًنا، أريدُ فقط الكثير والكثير من العاملين الكُفء أريد لتلك الشركة أن تستولي على كل شيءٍ هُنَا وأهمها أن يكون بها عدد عمالة أكبر من باقي الشركات وخاصة شركة آل مارينتوس، مفهوم؟

أومأ الجميع له بتفهم ثم خرجوا بعدما أشار لهم بالرحيل، ثم طلب رقمًا عشوائيًا وتحدث بهدوء:

- قهوة مُرَّة المذاق، من فضلك.

ثم أغلق الهاتف وعاد يقرأ الملفات الموجودة أمامه بهدوءٍ شديد، عقدت حاجبيها عندما أُغلق الهاتف بوجهها، يُظهِر الهاتف أن المكالمة أتت من مكتب رقم خمسمائة!، اعتقدت أنه من الممكن أن يكون اتصالٌ خاطئ، وعادت تُكملُ عملها، بعد دقائق تعجب سايلس أن قهوته لم تأتِ له حتى الآن، عقد حاجبيه وأخذ يراجع الرقم الذي اتصل به وعاد يتصل به مرة أخرى، وعندما أجابت فتحت الخط تحدث باستفسار هادئ وصوتٍ عميق:

- أين قهوتي؟

عقدت سيلفانا حاجبيها بعدم فهم لصاحب الصوت العميق كأنها تراه ثم تحدثت بعدم فهم:

- أستميحكَ عُذرًا ولكنني لستُ خادمةً هُنا، يمكنك أن تطلب مشروباتك الخاصة أنت وأي شخصٍ هنا في هذه الشركة على الرقم *****، واذهب إلى الجحيم.

ثم أغلقت الهاتف بوجهه تلك المرة، نفخت بضيق وعادَت تُكمِلُ عملها، ولكنها انتبهت على همس الفتيات في المكتب المجاور لها.

- هل رأيتم السيد سايلس؟

أجابت فتاة أخرى بهيام:

- أجل رأيته، إنه وسيمٌ حقًا.

تدخلت فتاةُ ثالثه في الحديث باستفهام:

- أين هو الآن إذا؟

تحدثت الفتاة الأولى بابتسامة كبيرة:

- جالسٌ هُنا بمكتبه الرئيسي رقم خمسمائة ولم يخرج منه حتى الآن!

ابتلعت سيلفانا بارتباك عندما سمعت تلك الأحاديث الجانبية واستوعبت أن مالك تلك الشركة قد أتى وليس ذلك فقط بل أنها أغلقت الهاتف بوجهه منذ ثوانٍ قليلةٍ! ظلت تتساءل، هل تقوم بإصلاح موقفها؟ أم ستتركه يذهب للجحيم فعلا؟ ظلت تفكر بارتباك حتى قررت ان تُكمل عملها ولن تَعُد له القهوة فهي ليست خادمة له حقًا، كان سايلس جالسًا بمكتبه وهو يُطالع الهاتف وهو عاقدًا حاجبيه، ثم أخذ يطلب رقمًا ما:

- أريد تحويل الموظفة صاحبة المكتب رقم أربعمائة وثمانون إلى التحقيق للتحدث بألفاظٍ غير أخلاقية.

ثم أغلق الهاتف وعاد يُكمل عمله؛ ومع حلول المساء غادر الجميع بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية إلا سيلفانا بقيت وحدها تُنهي مابين يديها مِن مهام لكن ألما مفاجئًا باغتها في معدتها، وضعت يدها عليها تتحسسها ببطء وهمست بتأفف:

- ليس الآن، حقًا ليس الآن.

أسندت رأسها إلى مكتبها محاولة التماسك، لكن الألم اشتد هذه المرة حتى بدأ جسدها يرتجف قليلاً وخرج منها أنين خافت رغم محاولتها في كتمانه .. خرج سايلس من مكتبه بعدما أنهى أعماله وسار في اتجاه المصعد ولكنه توقف حينما انتبه على فتاةٍ مُنحنية فوق مكتبها، عقد حاجبيه ثم اقترب نحوها بخطوات هادئة وما أن سمع أنينها تحدث بصوتٍ خفيض:

- هل أنتِ بخير يا آنسة؟

رفعت يدها قليلاً تشير له أن يرحل ويتركها دون أن ترفع رأسها، توقف لحظة ينظر لرقم مكتبها ليرى أنه رقم أربعمائة وثمانون، الفتاة المُتبجحة! هز رأسه نافيًا وكاد أن يستدير ليغادر لكنه عاد خطوة ليقف بجانبها تلك المرة وذلك عندما زاد أنينها.

- يا آنسة.

لم تُجيبه بل فقط أشارت بيدها مرة أخرى بإصرارٍ ضعيف، زفر بهدوء ثم وضع يده على ظهرها برفق متحدثًا بصوت عميق:

- دعيني أساعدكِ.

قال تلك الجُملة وهو يحيط ذراعه الأيمن بخصرها والذراع الأخرى يضعها أسفل قدميها ليرفعها عن الكُرسي لتستقر بين ذراعيه؛ فترفع رأسها بأعين باكية لتتقابل مع عينيه الغاضبة والهادئة في آنٍ واحد، تشنج جسدها قليلاً بين ذراعيه وكأنها تحاول الإعتراض ولكن ألمها منعها من ذلك أخفضت رأسها مرة أخرى وأغمضت عينيها بإرهاق بينما قبضت بيدها على سترته وأردفت دون وعي:

- حقيبتي.

انتبه سايلس لحقيبتها السوداء وسترتها وأخذهم بأصابع يده اليُمنى والتي تستقر خلف ظهرها ثم شدد ذراعيه حولها واتجه بها نحو المصعد بخطواتٍ هادئة، كانت بالكاد واعية لما يحدث حولها بسبب ألمها ولكن كل ماتدركه الآن أنها بين ذراعي رجلٍ طويل ووسيم جدًا ولا تعلم أين هي ذاهبة! بعد القليل من الوقت خرج سايلس من المصعد واقترب رجاله نحوه مُسرعين عندما رأوه يحمل فتاةً بين يديه، كادوا أن يحملوها عنه ولكنه أوقفهم وأعطاهم حقيبتها وسترتها ثم تحرك بها نحو سيارته وأجلسها بهدوء بالخلف وجلس بجانبها وقام بتدفئتها بسترتها وأعطوه رجاله حقيبتها في يده.

- إلى أين نذهب سيدي.

ذلك ماتحدث به السائق ينتظر أوامر سيده، طالعها سايلس بهدوء وهي تضم جسدها على المقعد بجانبه تإن بصوت خفيض، ثم أردف بنبرة رخيمة:

- إلى المشفى.

أومأ السائق وكاد أن يتحرك ولكنها همست بأنين:

- ليس بالشيء الهام، أنا أريد فقط الذهاب للمنزل.

ظل يُطالعها وتلاقت نظراتهما فأردفت بهدوء:

- أرجوك، أريد الذهاب إلى المنزل فقط، لدي صديقتي ستعتني بي.

أومأ بهدوء ثم أغمضت عينيها لتستكين واضعةً يدها فوق معدتها، فتح حقيبتها ليتعرف على عنوانها ثم أخبر السائق به.

.....................................

تعليقات