رواية جريمة فيلا سقارة الفصل الثالث بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم
(٣)
قربت وبصيت بتركيز. تحت اللسان، في المنطقة اللي فيها عروق زرقا ورفيعة، كان فيه نقطة حمرا دقيقة جداً، أصغر من راس الدبوس، وحواليها دايرة زرقا باهتة لا تذكر.
* دي إيه؟
* دي شكة إبرة "أنسولين".. أرفع أنواع الإبر. الحقن تحت اللسان بيوصل المادة للدم مباشرة في أقل من دقيقة.
رجعت لورا خطوة وأنا برتب الأفكار في دماغي.
• طيب إيه المادة اللي تعمل كده؟ تشل الحركة، وتوقف التنفس، وتسيب الضحية واعية لحد ما تموت، وماتسبش أثر واضح؟
نيار قفل عيون الجثة بوقار ورجع الملاية على وش شاهر وقالي:
* "السكسنيل كولين" ده عقار باسط للعضلات بنستخدمه في العمليات الجراحية عشان نركب أنابيب التنفس الصناعي للمرضى. المادة دي بتعمل شلل تام لكل عضلات الجسم الإرادية، بما فيها عضلات التنفس، لكن.. وده الجزء المرعب.. مابتأثرش على الوعي ولا الإحساس.
* يعني شاهر كان حاسس بكل حاجة؟
* كان صاحي، وشايف، وسامع، وحاسس بطلوع الروح، بس مش قادر يحرك جفن عينه ولا ياخد نفس واحد. كان بيموت بالبطيء وهو باصص في عين اللي بيقتله. عشان كده فيه علامات تثبيت على كتافه.. في اللحظات الأولى بعد الحقن، الجسم بيعمل رعشة عنيفة قبل الشلل التام، فالقاتل كان لازم يثبته في السرير عشان ماينزلش على الأرض ويعمل دوشة.
حسيت بقشعريرة باردة في جسمي. طريقة قتل شيطانية، سكت شوية ورجعت قولتله:
* والتحاليل هتثبت ده؟
* المادة دي بتتكسر في الجسم بسرعة جداً وبتتحول لمواد طبيعية موجودة أصلاً في الجسم عشان كده صعب جداً اكتشافها بالتحاليل التقليدية بعد الوفاة بفترة. القاتل كان مراهن على إننا هنشوفها سكتة قلبية وندفنه وخلاص. بس أنا خدت عينات من الأنسجة حوالين مكان الحقن، وعينات من سوائل العين، وهعمل تحليل دقيق جداً.. بس هياخد وقت.
* قد إيه؟
* يومين أو تلاتة عشان النتيجة تكون قاطعة قدام المحكمة. بس الأثر المادي اللي تحت اللسان، مع حالة الرئة، مع علامات التثبيت.. ده كفاية عشان تفتح تحقيق جنائي وتوقف الدفن.
خرجنا من القاعة ورجعنا المكتب.. دماغي كانت بتشتغل بسرعة جنونية، قولتله وسط تفكيري:
• مراته ممرضة يا نيار.
نيار بصلّي ورفع حاجبه.
* ممرضة؟ يبقى كده الصورة كملت. الممرضات، وخصوصاً اللي اشتغلوا في عناية مركزة أو تخدير، عارفين الدوا ده كويس، وعارفين إزاي يدوه. وعارفين إن مفعوله سريع ومرعب.
* تيا صبري..
قلت الاسم بصوت واطي وأنا بفتكر دموعها الباردة ونظرتها اللي كانت بتراقبي بيها، قولت لنيار:
* إنت متأكد إن مكان الحقنة ده مش قرحة مثلاً؟ أو عضة غلط؟
* يا صخر، أنا شغلي إني أفرق بين عضة الأسنان وشكة الإبرة. ده ثقب دائري منتظم، وفيه نزيف نسيجي حواليه. دي إبرة دخلت وخرجت وبسرعة. واللي عملها حد إيده ثابتة.
تليفوني رن. كان عصام الممساعد بتاعي، رديت:
* أيوة يا عصام.
* يا باشا، المحامي بتاع مدام تيا وصل القسم وعامل دوشة، ومعاه أمر من النيابة بسرعة استخراج تصريح الدفن لو مفيش شبهة جنائية، وبيقول إننا بننكل بالجثة.
ضحكت ضحكة سخرية وقولت لعصام:
* قوله يبل الأمر ويشرب مايته. وبلغ النيابة إن فيه تقرير مبدئي طالع من الطب الشرعي دلوقتي حالا بوجود شبهة جنائية في الوفاة. وغير صفة المحضر من إداري لجنايات.
* تمام يا باشا.. والمشتبه فيهم؟
* مفيش فيهم.. هي واحدة بس. هاتلي إذن ضبط وإحضار للمدام تيا صبري. أنا رايحلها البيت حالاً.
* مسافة السكة يا ريس.
قفلت مع عصام وبصيت لنيار وقولتله بإبتسامة انتصار:
• تسلم إيدك يا دكتور. التقرير ده عايزه مكتوب فيه كل تفصيلة قولتها، خصوصاً جزئية الوعي أثناء الوفاة دي اللي هتخلي القاضي يلف حبل المشنقة حوالين رقبتها بضمير مستريح.
نيار قعد يكتب على الكمبيوتر بتاعه من غير ما يبصلي قالي:
• روح هات حق الراجل ده يا صخر.. الموتة دي مايستحقهاش غير شيطان، مش بني آدم.
***
سيبت المشرحة وخرجت. الشمس كانت بدأت تطلع، بس الجو كان لسه مغيم وكئيب.
ركبت عربيتي، بس المرة دي مكنتش رايح أعزي.. كنت رايح أصطاد.
تيا صبري فاكرة إنها عملت الجريمة الكاملة. فاكرة إن العلم هيقف في صفها لأنها دارسة وعارفة هي بتعمل إيه. نسيت إن الجثة شاهد صامت مبيكدبش، وإن أصغر أثر.. حتى لو نقطة دم تحت لسان، ممكن يهد المعبد كله على دماغها.
بس السؤال اللي كان بياكل في دماغي طول الطريق لسقارة: ليه؟
راجل غني، موفرلها كل حاجة، باين عليهم الاستقرار.. ليه تقتله بالطريقة البشعة دي؟ وليه دلوقتي بالذات؟
الدافع.. دايماً الدافع هو المفتاح اللي ناقص. ولو معرفتش الدافع، المحامي بتاعها ممكن يلعب على ثغرات كتير.
وصلت بوابة الفيلا تاني. بس المرة دي، البوابة كانت مفتوحة على مصراعيها، وعربية المحامي الفخمة كانت مركونة جوه.
نزلت من العربية، وطلعت السلالم خطوتين خطوتين.
فتحت باب الفيلا من غير ما أخبط.
تيا كانت قاعدة مع المحامي في الصالون، ولأول مرة، شوفت في عنيها نظرة رعب حقيقي لما شافتني داخل ومعايا عساكر، ومش معايا تصريح دفن.. معايا كلبش.
المحامي بتاعها، راجل قصير ولابس بدلة غالية، قام وقف أول ما شافني وقالي:
• سيادة المقدم، اللي بيحصل ده تجاوز قانوني.. موكلتي في حالة انهيار، وإنت ممعكش إذن نيابة باقتحام حرمة البيت.
بصيت له ببرود، وطلعت ورقة من جيبي وحطيتها قدامه على الترابيزة وقولتله:
• ده إذن تفتيش، وده أمر ضبط وإحضار لمدام تيا صبري على ذمة التحقيق في مقتل جوزها.
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة.. تيا صرخت بصوت مكتوم:
• مقتل؟ إنت بتقول إيه؟ شاهر مات موتة ربنا.
قربت منها خطوتين، وبصيت في عينها مباشرة. نظرتي كانت كفيلة إنها تخرس أي كلام، قولتلها بهدوء:
• موتة ربنا مفيهاش حقن سكسنيل كولين تحت اللسان يا مدام. موتة ربنا مفيهاش شلل كامل لعضلات التنفس والراجل صاحي وبينازع ومش عارف يصرخ.
عنيها وسعت برعب حقيقي. الرعب ده مش رعب واحدة بريئة اتفاجئت، ده رعب المجرم اللي اكتشف إن حد عرف سر الصنعة بتاعته
المحامي حاول يتدخل:
* يا فندم دي مجرد استنتاجات.. التقرير النهائي لسه..
* (قاطعته بصوت حاد) التقرير المبدئي كافي لحبسها 4 أيام. ولو عايز تخدم موكلتك، انصحها تتكلم دلوقتي، لأن نيار في المشرحة بيطلع كل ذرة سم من جسم جوزها، والأدلة بتتجمع.
سيبتهم وطلعت أجري تفتيش في البيت. المرة دي أنا مش بدور على جثة، أنا بدور على الأداة.
دخلت أوضة النوم تاني. نفس البرودة، بس ريحة الموت كانت أوضح.
بدأت أدور في كل حتة. الأدراج، الدولاب، الحمام.
القاتل اللي بيستخدم سم زي ده، لازم يكون مجهز نفسه. الحقنة، الأمبول، الجوانتي. الحاجات دي راحت فين؟
لو كانت رمتهم في الزبالة العادية، تبقى غبية، وتيا مش غبية. دي ممرضة سابقة، يعني عارفة التخلص الآمن من النفايات الطبية
دخلت الحمام الملحق بأوضة النوم. حمام واسع، رخام أسود، وجاكوزي.
فتحت دولاب الأدوية. كان مليان أدوية ضغط، فيتامينات، ومسكنات عادية.
بس عيني وقعت على علبة قطن طبي محطودة في الركن.
فتحت العلبة.. مفيش غير قطن.
قلبت في سلة المهملات الصغيرة اللي جنب الحوض. كانت فاضية تماماً وكيس الزبالة اللي فيها جديد. ده معناه إنها فضتها الصبح بدري.
خرجت ندهت للعسكري اللي معايا:
• يا ابني، هاتلي الشغالة اللي كانت هنا امبارح.. حالاً.
بعد خمس دقايق، دخلت بنت شابة، مرعوبة وبتعيط.
* والله يا بيه ما عملت حاجة.. أنا كنت نايمة تحت.
* اهدي يا بنتي.. اسمعيني كويس. إنتِ نضفتي أوضة النوم دي النهاردة الصبح؟
* لا يا بيه.. الست هانم منعتنا ندخل الأوضة من ساعة ما البيه مات.. قالت محدش يعتب فوق.
* طيب.. والزبالة؟ مين اللي بيطلع الزبالة من هنا؟
* الجنايني بيلم الأكياس الصبح بدري ويحطها في الصندوق الكبير بره الفيلا عشان عربية الحي.
بصيتلها بتركيز:
* الزبالة اتشالت النهاردة؟
* لسه يا بيه.. العربية بتيجي الضهر.
طلعت أجري على بره. لو حظي حلو، الدليل لسه موجود.
وصلت لصندوق القمامة الكبير اللي عند السور. لبست جوانتي لاتكس، وبدأت أفتح الأكياس السودا واحد واحد.
بواقي أكل، علب عصير فاضية، مناديل..
لحد ما وصلت لكيس صغير، مربوط بعقدة محكمة جداً ومحطوط جوه كيس تاني. فتحته.....
