رواية تلميذ الجن الفصل الثالث والاربعون 43 بقلم جمال الحفني

 

 


رواية تلميذ الجن الفصل الثالث والاربعون بقلم جمال الحفني


كنت قاعد في الصحرا ومن عادتي إني مثلا قبل ما أنام بحب أبص على النجوم, أتابعها بعيني وأسرح في أحجامها وأشكالها, وأوقات بحاول اعمل بيها أشكال في خيالي زي ما الناس زمان كانت بتبص للنجوم وتعمل منها أشكال حيوانات, أبطال, كائنات خيالية, ومسميينها الكوكبات, مثلا كوكب الدب الأكبر, وكوكب العقرب, وكوكب الجبار ودا بيكون على شكل صياد واقف, أنا كنت من خلال سرحاني بحاول اكتشف كواكب جديدة لكن كل مرة ارسم كوكب في خيالي بيختفي تاني ليلة, مكنتش بمل وكنت بحاول أبحث عنه من جديد وهكذا...

الليلة دي فاكرها كويس, كنت مولع نار وعقلي سارح في السما, حسيت بمرهوب واقف بعيد شوية ضهره للضلمة وعيونه حمرا زي جمر النار اللي قدامي, بعدها حسيت بحضور بارد تقيل غير أي حضور حصل معايا قبل كدا, كنت نايم على ضهري وأديا الاتنين تحت راسي وباصص للسما ولوهلة كنت هقوم من مكاني اشوف فيه إيه لكن افتكرت "جرموق" الملتحق الجديد لكتيبة تلميذ الجن, ففضلت مكاني باصص للسما..

جرموق مدعيتوش قبل, ومن اّخر مرة طلب ينضم لي ووافق محصلتش حاجه تستدعي حضوره, كنت حابب استدعيه لما اخرج للشغل في الصحرا واكون على راحتي معاه واهو جي لوحده, المكان بقى بارد جدا!

مرهوب قاله بصوت خشن وهو بيبص له بنظرة مليانة شك, أنا مش مرتاح لوجودك!

 جرموق ابتسم ابتسامة خفيفة, مكانتش مريحة أبدا ورد على مرهوب وقاله ولا أنا, بس مش بمزاجي ولا مزاجك!

النار فرقعت فجأة, رفعت عيني وانا حاسس إن فيه حاجه بتغلي بينهم بس سبتهم, كنت عايز اسمع..

مرهوب قرّب خطوة ناحية جرموق وهو بيظهر القوة والتحدي, وقاله أنا خدمتي واضحة, أوامر بتنفذ, مش حكايات قديمة ةجن بيظهر من تحت السجادة فجأة!

جرموق لف وشه ناحيته ببطء وكإن الجملة أثرت عليه لإن عينه بقت أغمق وبقت ضبابية وقال الحكايات القديمة هي اللي بتحدد مين فينا اللي هيكمل ومين فينا اللي هينتهي زي اللي قبله.. بعدها بص لي وسألني هما قالولك مات إزاي؟

في اللحظة دي اتعدلت من نومتي وقعدت على حيلي بعد ما جرموق أثار فيا سؤال كنت هسألهوله في الاّخر خالص لما أعرف كل حاجه عن المنفذ اللي قبلي, قولتله بنبرة متشككة قالولي مهمته انتهت.

جرموق ضحك ضحكة قصيرة, ناشفة, مفيهاش أي روح, وقال بسخرية انتهت! لا هما اتخلصوا منه!

جسمي اتشد, إجابة كانت في بالي دايما وخايف أصدقها مع إن محدش قالهالي, جرموق كمّل كإنه مستني اللحظة دي من سنين وقال, المنفذ اللي قبلك كان أقوى منك بكتر, طغى وتجبّر وكان فاكر إنه يقدر يتحكم فينا مش العكس..

النار وطيت فجأة بعد كلامه ودقات قلبي بقت سريعة, صوت جرموق بقى أبطأ, أعمق, كأنه بيرجع يعيش المشهد وقال, طلب حكم مش من حقه, استخدم أسماء عليا من غير إذن, وكسر العهد وكان على وشك إنه يصبح أقوى إنس خدمه الجن على مر التاريخ, القوة أحيانا بتخلي الإنسان يبطش, ينسى نفسه, القوة أشد فتنة من المال, ناس كتير بتكون ضعيفة ومكسورة الجناح وبتمشي ذليلة مهانة وبمجرد ما تملك السطوة تلاقيها طغت على ناس كانوا زيها ملهمش أي ذنب غير إنهم كانوا زيها..
    
جرموق قرّب مني وقعد قصادي وقصاد النار, البرودة في الجو زادت ولما حس إن حضوره جمبي قلل حرارة الجو, فجأة اتحكم في حضوره والجو حواليا رجع طبيعي عادي كإنه مش موجود, مرهوب اختفى وحسيت بحضور شدّام خلفي, تقريبا مكانش لسه اتطمن لجرموق وقاعد ورايا بيحميني من أي شيء مفاجئ.

جرموق ثبت عينه في النار, كان واضح إنه مش شايف بس شايف حاجه تاني, ذكريات اّخر ليلة للمنفذ اللي قبلي, قال بصوت واطي متقطع, الليلة دي كانت اّخر ليلة له, بس هو مكانش يعرف, كان قاعد زي كدا وفاكر إن كل حاجه تحت سيطرته, كانه بيؤمر والجن بينفذ, وكان بدأ ينسى إن فيه حدود بينا لو اتكسرت مفيش رجوع..

سكت ثانيتين وكمل, كان مطلوب منه يهدد واحد, جن طريد في الوديان, هارب من قبيلته, قتله هيضرنا أكتر ما ينفعنا فكان المطلوب منه البحث عنه وتهديد فقط, لكن جنون العظمة خلاّه ينسى, طلب الحكم بالقتل, مكانش حكم عدل, وكان أول مرة يستخدم طقوس وأسماء كبيرة من غير إذن, كان أول مرة صوته يعلى عليا..

النار اهتزّت كإن الكلام أثر فيها.. وكمل
وقتها حسيت بحاجه غلط, مش منه هو, من المكان كله, الأرض نفسها كانت بترفض, السما كانت سودة, مش ليل لا, كانت عبارة عن ستارة بتتقفل من فوقنا! سكت لحظة وبعدين صوته بقى أوطى, وسمعنا الصوت! 

سألته بلهفة صوت إيه؟؟
 رد عليا من غير ما يبص لي, قال مش صوت..حضور! 
نزل جن مش من الأرض ولا من السما, جن أول مرة أشوفه, جن بس مش زينا, مش من اللي تعرفهم ولا من اللي تسمع عنهم, فصيلة مبتنزلش الأرض إلا لو الحكم خرج من إيد الكل!

النار اتطفت ورجعت ضعيفة كإنها كيان حاضر معانا وبيسمعنا..

 الجن نفسه اللي زينا مشافوش قبل كدا, جن غريب كل ما تبص له تشوف شكل, وبعدين يختفي! عينه ثابتة, عين واحدة في نص الراس, سودا, تقيلة, تبص لك كأنك ولا حاجه مهما كنت قوي!

حسيت بقشعريرة من كلامة بتسري في ضهري وجسمي كلّه, منطقتش, جرموق كمل وقال هو حس بيه بس متأخر! بدأ يصرخ مش خوف لا, لكن كان غضب, أنا كنت حاضر المشهد وخفت وهو مخافش, ودا معناه إنه اتجنن خلاص, صرخ فيهم بغضب وقال أنا المنفذ, أنا اللي بحكم..

الكائن اللي ظهر ما اتكلمش, الأرض نفسها اتحركت كإنها بتطيعه ورهن إشارته, بدأت تسحب القوة من المنفذ وهو بدأ يقع, لأول مرة شوفته ضعيف!

سألته وأنا سرحان زيه في النار وقولت وبعدين؟
جرموق كمل, لحظتها مد إيده قصاد الكائن دا, حاول يستخدم الأسماء, حاول يستدعي, بس ولا اسم رد عليه, كإن ولا حد سمعه, وحتى لو سمعوه مكانوش هيعملوله حاجه, أنا كنت عايز أهرب من المكان من شدة خوفي لكن مكانش ينفع, كان لازم أبقى وفي للمنفذ مهما حصل معاه..
شدام همس لي في ودني وقال جرموق صادق, حاولت استشعر الكدب في كلامه لكنه صادق جدا وطالع من قلبه..

جرموق كمل وقال, الكائن رفع إيده, أو الشيء اللي شبه الإيد ومسك المنفذ من جسمه, من روحه, وقتها صرخ صرخة مصرخهاش إنس قبل كدا, كانت صرخة شيء بيتفكك..

بلعت ريقي, وجرموق كمل, بعدين اختفى, مماتش, اتمسح وكأنه شيئا لم يكن.. 

بعدها صمت تقيل, خانق, وكل حاجه رجعت عادية, السما رجعت, الأرض سكتت وكإن محصلش حاجه..

وتقريبا النار اللي قصادنا حبت تعمل زي القصة وراحت انطفت..

تعليقات