رواية المنطقة ب الفصل الرابع بقلم مصطفى محسن
وفجأة النور في الشقة كله طفى، وفي نفس اللحظة صوت صرخة الدكتور سامي دوّى في العمارة، صرخة عالية جدا خلت الجيران يخرجوا مفزوعين من شققهم، جريوا ناحية الباب وفضلوا يخبطوا جامد: "يا دكتور! افتح!" محدش رد، الصوت جوا سكت فجأة، القلق زاد، واحد منهم قال: "اكسروا الباب!" وبعد محاولات، الباب اتكسر، دخلوا بسرعة، لقوا الدكتور سامي واقع على الأرض في نص الصالة، مغمى عليه، وشه عليه علامات الفزع وعرقان، جريوا عليه وحاولوا يفوقوه، رشوا عليه ميه، واحد فيهم بيهزّه وهو بينادي عليه يا دكتور يا دكتور، وبعد لحظات فتح عينه فجأة، قام وهو مفزوع، وبص حواليه بسرعة وهو بيقول بصوت متقطع: "كان… كان عاوز يخلص عليا!" الجيران بصوا لبعض باستغراب، واحد منهم قال: "اهدأ يا دكتور… مفيش حد هنا غيرنا.
-
جابوله ميه، شرب وهو إيده بتترعش، ومع الوقت بدأ يهدي، لكن عينه كانت لسه فيها نفس الفزع، الجيران اطمنوا عليه شوية وخرجوا، وقفلوا الباب وراهم، وسابوه لوحده في الصالة، قاعد، ساكت، مش قادر يستوعب اللي حصل، كل حاجة في الشقة رجعت طبيعية… إلا هو. فجأة افتكر، اسم واحد… الدكتور علي الحسيني، دكتور متخصص في ما وراء الطبيعة، وقال فى نفسه هو بس اللى ممكن يفهم اللي بيحصل ده، مد إيده بسرعة ومسك الموبايل واتصل بيه، وبعد التحية قال بصوت لسه مهزوز: "أنا عندي مشكلة يا دكتور علي." رد عليه: "خير يا دكتور سامي؟" سكت لحظة وبعدين قال: "الكلام ده مش هينفع في التليفون… لازم أشوفك." الدكتور علي رد: "تشرفني في أي وقت." الدكتور سامي قال: "أنا جاي لك حالًا." قفل المكالمة، وقام بسرعة يغير هدومه، لكنه وهو بيقلع التيشيرت… اتجمد مكانه، عينه وسعت وهو بيبص على جسمه، نفس الرموز… نفس الخطوط الملتوية، محفورة على بطنه وكتفه، فجأة، رجع خطوة لورا وهو مش مصدق، لمسها بإيده، حس بسخونتها، كأنها مرسومة بنار، بلع ريقه، ولبس هدومه وهو متوتر، وخرج من الشقة بسرعة، وقفل الباب وراه، بس المرة دي… هو مش رايح يدور على تفسير… هو رايح يدور على نجاة.
-
نزل الدكتور سامي من شقته وهو مش حاسس برجليه، ركب عربيته، إيده على الدريكسيون كانت بتترعش، حاول يركز في الطريق، لكن عينه غصب عنه كانت بتروح للمراية، وبمجرد ما بص فيها… اتجمد، عبدالله كان قاعد في الكرسي اللي ورا، مائل شوية لقدام، وبيبص له من خلال المراية بابتسامة مرعبة، ابتسامة ثابتة مش بتتحرك، الدكتور سامي ضرب فرامل مرة واحدة، صوت الكاوتش صرخ على الأسفلت، لف جسمه بسرعة يبص وراه… مكنش فيه حد، العربية فاضية، نفسه بقى سريع، وإيده عرقت، فضل لحظة مش قادر يتحرك، وبعدين كمل سواقة بالعافية، عينه بين الطريق والمراية، لحد ما وصل عيادة الدكتور علي الحسيني، نزل بسرعة، دخل العيادة، أول ما الدكتور علي شاف حالته مسكه من إيده وقال: "اقعد… في إيه يا دكتور سامي؟" سامي بلع ريقه وقعد، وبدأ يحكي، كلمة ورا كلمة، من أول دخول الجندي عبدالله المستشفى، لموضوع الضابط، وسؤاله عن الدكتور مجدي اللي مات من سنين، لحد الرموز اللي ظهرت على جسم الضابط، واللي حصل له في شقته، ولحد اللحظة اللي شاف فيها نفس الرموز على جسمه هو، صوته كان تعبان وهو بيحكي، وعينه فيها خوف واضح، الدكتور علي كان ساكت بيسمع، لحد ما قال : "فين الرموز دي؟" سامي رفع التيشيرت، وأول ما الدكتور علي شافها… عينه اتسعت فجأة.
-
قام واقف مرة واحدة، ووشه اتغير، وقال بصوت واطي بس مليان صدمة: "إنت عارف الرموز دي معناها إيه؟" سامي اتوتر وقال: "إيه؟" الدكتورعلي قال: "معناها إنهم علّموك… وإنهم جايين لك." سامي قال: "مين؟ مين دول؟" الدكتور علي رد: "اللي إنت فاكر إنك بتحميه منهم… هم شايفينك واقف في صفه." سامي هز راسه وقال: "أنا مش بحمي حد… أنا بعالج!" الدكتور علي بص له وقال: "بالنسبة ليهم… مفيش فرق."وبعدين قال: "لازم أشوف الجندي عبدالله ده فورًا." سامي قال: "بكرة أخدك معايا المستشفى." الدكتور علي هز راسه وقال: "مفيش بكرة… كل دقيقة بتعدي وإنت كده بتقرب منهم أكتر." سامي سكت لحظة وبعدين قال: "عندك حق… وأنا جاي كنت هعمل حادثة… أنا شوفت عبدالله في المراية… كان قاعد ورا وبيبتسم." الدكتور علي قال: "دي أقل حاجة ممكن تشوفها."يلا… نروح دلوقتي." قاموا الاتنين، وخرجوا بسرعة من العيادة، ركبوا العربية، لطريق المستشفى… بس الإحساس اللي جواهم كان بيقول إنهم مش لوحدهم.
-
وصلوا المستشفى، الدكتور سامي نزل هو والدكتور علي، الاتنين دخلوا بخطوات سريعة، سامي راح على طول ناحية العنبر اللي كان محجوز فيه عبدالله، فتح الباب… ووقف فجأة، السرير فاضي، قلبه دق بسرعة، نادى بصوت عالي: "فين المريض اللي كان هنا؟!" التمرجى جري عليه وقال: "حضرتك تقصد الجندي؟ الدكتور منصور قال حالته اتحسنت، وفيه ضابط من الجيش جه استلمه." سامي بص له بصدمة وقال: "ضابط؟ إمتى؟!" التمرجى رد: "من شوية يا دكتور." سامي خرج من العنبر، وراح على مكتب الدكتور منصور، فتح الباب… المكتب فاضي، مفيش حد، طلع موبايله بسرعة واتصل عليه، وبعد ثواني رد، سامي قال بعصبية: "إنت إزاي تأمر بخروج الحالة اللي في عنبر 10؟!"… فجأة، عينه وسعت، وقال: "إيه؟!" الصوت الدكتور منصورقال: "أنا أصلاً في أجازة بقالي يومين… مراتي تعبانة، أنا مش في المستشفى." سامي ساب الموبايل من إيده وبص للدكتور علي، صوته خرج بالعافية وقال: "الدكتور منصور… في أجازة من يومين."الدكتور علي قال: "يبقى اللي خرجه… مش هو." بص لسامي وقال: "تعالى… نرجع للعنبر.
-
دخلوا، الدكتور علي بدأ يبص حواليه، كل تفصيلة، الأرض، الحيطة، السرير، كأنه بيدور على أي علامة، أي دليل، وفجأة وقف، عينه ثبتت على الأرض جنب السرير، انحنى ببطء، ومد إيده، لمس حاجة على الأرض… تراب، بس مش عادي، لون غامق، الدكتور علي رفع عينه ببطء وقال بصوت واطي: "هم كانوا هنا…" هم اللي خرجوه." فجأة… باب العنبر قفل لوحده، النور بدأ يطفي وييجي بسرعة، وسامي حس بحاجة واقفة وراه، نفس الإحساس… نفس النفس السخن، نفس الصوت اللي سمعه قبل كده، همس في ودنه: "إحنا سبقناك فجاة.
-
