رواية بقاء الفصل الرابع 4 بقلم رباب حسين


رواية بقاء الفصل الرابع بقلم رباب حسين 



... معذبي يكفي


بقلم الكاتبة : رباب حسين


انقضى اليوم وجاء منتصف الليل، ومازالت ليل نائمة حرارتها مرتفعة، لم يسأل عنها أحد؛ لم يفتقدها أحد، بل لم يلاحظ أحد غيابها. 


وها هو وقت عذابها الجديد، دخل صقر الغرفة، نظر إليها وهي نائمة، كان جمالها يزداد في كل مرة يراها بها، وبالرغم من علامات الإعياء الجالية على ملامحها إلا أنها تزداد جمالًا، كاد يضعف ويذهب ولكن صفع ذلك القلب بتلك الذكرى المحفورة داخل قلبه، وجه والده وهو يفارق الحياة بين يديه، فوجد قلبه الذي بدأ بالضعف أمامها يزداد غضبًا نحوها، أنتم من أخذتو أبي منيّ، تلك الجملة التي أنهت هذا التأمل في لحظة، فاقترب منها وأيقظها برفع الغطاء عنها وقال


صقر : أظن كفاية نوم ورايا. 


جذبها خلفه وهي تتخبط من الأعياء، نزل بها إلى أسفل عند مكتبه ودخل بها المكتب وقال


صقر : شايفة المكتبة ديه. 


نظرت فإذا بمكتبة مليئة بالكتب بطول الحائط وعرضه، أومأت برأسها،


صقر : عايزك تنزلي كل الكتب اللي فيها وتنضفيها، وبعدين ترتبي كل الكتب كل لغة لوحدها؛ عربي وانجليزي وفرنساوي ترتيب أبجدي، وطبعاََ مش محتاج أفكرك بالتهديد كل شوية لو لقيتها مخلصتش، قدامك ٦ ساعات بالظبط، ثم اقترب منها ونظر بعينها نظرة مبتسمة باردة وقال : وريني شطارتك. 


تركها وصعد إلى الغرفه لينام. 


نظرت إلى كم الكتب الكبير، ثم أحضرت السلم وبدأت بالتنظيف، كانت تشعر أنها بحلم، تفتح عينيها عنوة من ألم رأسها، ولكن لا بأس يتتحمل كل هذا في سبيل الحفاظ على حياة أبوها وحياة العائلتين، انتهت الساعة الخامسة والربع، ظلت تنظر إلى الكتب بسعادة بعد إنجاز هذه المهمة، لعل معذبها يتركها لتنام مرة أخرى فهي ليست على ما يرام، أخذت تتجول ثم جلست على مكتبه، وجدت له صورة مع شخصين أخرين، يبدو إنهما أصدقائه، لاحظت ابتسامته المشرقة نظرت إليه وقالت : ليه مش بشوف الابتسامة ديه؟ عينيه حلوة وهي بتضحك. 


ثم هزت رأسها لتنفض الفكرة من رأسها وقالت: حلوة إيه بس ده بيعاملني أسوء من الخدم. 

ثم تطلعت بالصورة وجلست على كرسي المكتب وتحدثت إليه بالصورة :


عارفة إنه غصب عنك، الجو اللي إنت عايش فيه يخلي أي حد بالقوة ديه، بس أنا هنا عشان أحميكم، ويمكن بحميك إنت كمان، نفسي تبطل تتعامل خالص معايا هنرتاح إحنا آلأتنين. 


ثم وضعت الصورة ووجدت صورة له مع أمه وشخص آخر، أيقنت أنه أبيه فهو يشبه كثيراََ ولكن العينين مختلفين، فعيون صقر بها نظرة مختلفة. 


ظلت تنظر إلى الصورة إلى أن جاءت الساعة السادسة، وبدأ الخدم بالاستيقاظ، سمعت خطواتهم وحديثهم ثم فتح الباب دخل صقر وقال : خلصتي المهمة؟ 


نظر نحو المكتبة وأخذ يتطلع إلى الكتب، وهي تقف خلفه تتماسك جيداََ، تشعر بالدوار ورؤيتها مشوشة، شعرت بحرارة جسدها ترتفع، ثم انتبهت إلى قبضة يده التي تجذبها بقوة، وقام بطرق ظهرها بالمكتبة، ثم اقترب منها وتحدث بصوت عالي قليلاً: فيه كتاب مكانه غلط، ديه أول غلطة يا دكتورة، شكلك حابة أبدأ بتنفيذ اللي قولته بدري. 


نظرت له ليل برؤية مشوشة: إبعد هتتعدي مني. 


نظر لها بتعجب وعقد حاجبيه ثم قال


صقر : أتعدي! ليه خايفه عليا مثلا؟! 


ليل : أكيد.... مش بني أدم لازم أخاف عليك، حتى لو قاتل هتفضل بني أدم. 


صقر : قاتل! 


ثم شعر بجسدها يتهاوى أرضاً، نظر إليها وتيقن أنها فقدت الوعي، حن قلبه مرة أخرى وكاد يحملها، ولكن لم يفعل، ولن يفعل، لن ينقذها، فإذا ماتت سيكون أفضل له ثم بدأ بالنداء على هنية وباقي الخدم، دخلت هنية أولاً وجدت ليل على الأرض لا تتحرك، نظرت له بصدمة وقالت


هنية : خير يا ولدي مالها الدكتورة؟


صقر : معرفش يا خالة، وقعت؛ شوفو هتعملو إيه ولا طلعوها فوق. 


نظرت له هنية بعدم استيعاب ثم قالت : إحنا اللي نطلعها يا ولدي؟!!!


صقر : أيوة أمال أنا. 


تركها وذهب خارج المكتب، نظرت هنية إلى باقي الخدم وهمو بمحاولة إفاقتها، حتى فتحت عينها قليلاً ثم قالت رقية: ساعدينا يا دكتورة نطلعك فوج ونجيبلك الحكيم. 


نهضت ليل معهم وصعدت السلم إلى أن رأتهم جهاد وهي تنزل للأسفل، ذهبت خلفهم إلى أن وضعوها بالفراش وقالت جهاد : فيه إيه مالها الشوم ديه؟


نظرت لها هنية وقصت لها ما حدث وما فعله صقر ثم قالت


هنية : هي محمومة من عشية لازم نجيب لها حكيم. 


تحدثت ليل بصوت ضعيف :مفيش داعي، هاتو الشنطة ديه. 


نظرو ووجدو حقيبة كبيرة تبدو كأنها حقيبة طبيب، أحضرتها فاطمة وفتحتها ليل، أخرجت دفتر منها وكتبت أسامي بعض الأدوية، وطلبت منهم إحضارها لها، نزلو إلى الأسفل عدا هنية توجهت إلى غرفة صقر طرقت الباب ودخلت قالت بتعجب


هنية : ازاي يا ولدي ازاي؟ 


صقر : ازاي إيه يا خالة؟


هنية بضيق : إنت خابر إني متزوجتش، وربيتك على يدي، كنت زي ولدي اللي مخلفتوش، أنا أكتر واحدة خابرة معدنك زين، طول عمرك شديد وجوي لكن خابرة إن جواك حنية الدنيا كلها، كنت تزعل لو حد زعجلك لكن مكنتش تبكي جدام حد وتجري عليّ تحكيلي، وأشوف عيونك كيف بيلمعو وأحس بحنيتك، لكن من يوم ما إتزوجت وأنا مش فاهماك يا ولدي، إنت مين؟ صجر اللي ربيته وشايفاه راجل جدامي ليه هيبته وحكمه بين الناس، ولا الجاسي اللي جاي على ولية ملهاش حد؟ كيف مرتك تجع جدامك وميتهزش فيك شعرة؟


صقر بنبرة مرتفعة : أظن أنا حر مع مراتي، ومش كل شوية حد يجي يقولي أعمل إيه، مش معنى إنك ربتيني إنك تدخلي في حياتي، إذا كان أمي مش بتعملها جاية إنتي تديني أوامر! 


نظرت له هنية نظرة ممزوجة بخيبة الأمل، كم تغير بعد وفاة والده، كانت تظن أنها فترة مؤقتة، ولكن لم يتحدث صقر معها هكذا من قبل، هل لأنه أصبح كبير البلد تكبر عليها؟ ثم قالت


هنية : معك حج يا كبير، مين أنا عشان أتدخل في حياتك، أنا بس خدامة في سرايتك.... أسفة يا كبير. 


لمعت الدموع في عينيها وذهبت من أمامه سريعاََ، هي خادمة ولكن كلهم يتعاملون معها كأنها فرد من العائلة، نظر صقر إلى أثرها ثم شعر بالذنب والندم على ما قاله، فإنه يحبها كثيراً، هي بمثابة أمه ولم يغضبها من قبل، حتى أنه شعر بالندم من ما فعله مع ليل. 

هل كانت حقًا مريضة؟ قد شعر بحرارة أنفاسها عندما اقترب منها. هل خافت عليه؟! كيف خافت عليه ولماذا؟ هل قسى عليها وهي مريضة؟

هو يقوم بأفعال لم يكن ليتخيل أنه سيفعلها يومًا ما. 


علم الهلالي من جهاد بما حدث إلى ليل، فقال بغضب: كيف تتعب بالشكل ديه ومحدش ياخد باله منيها؟ 


جهاد : شكلها تعبت لما غسلت بليل يا عمي، وكمان صجر خلاها تشتغل عشية كمان، وطلبت أدوية وحجن وفاطنة جابتهم وعطيتها لنفسها، إنت خابر يا عمي إنها دكتورة؟


الهلالي : أيوة خابر، فين صجر؟


جهاد : فوج في أوضته. 


تركها وصعد إليه غاضباََ، توجه إلى الغرفة ودخل دون أن يطرق الباب، فنهض صقر فوراََ ووقف أمامه وقال 


صقر : جدي خير في إيه؟


الهلالي : عملت إيه تاني عشية يا صجر؟ 


صقر : ولا حاجة خليتها ترتب المكتبة. 


الهلالي : ليه؟ ومن ميتا وإنت بتخلي حد يلمس كتبك يا صجر، وليه يا ولدي في نص الليل... ليه؟


صقر : أنا حر. 


نظر له الهلالي نظرة حادة وقال : إنت بتجولي أنا حر؟! شكلك نسيت نفسك عاد. 

ثم طرق بعكازه أرضاََ بعنف وأردف: أنا الهلالي الكبير، كلمتي تمشي في البيت ديه غصباََ عنيك وعنكم كلكم، نسيت نفسك إياك! 


صقر : العفو يا جدي. 


الهلالي : أخرس خالص، آخر مرة هحذرك يا صجر، لو البت ديه جرالها حاجة عيطخوك، ملكش دعوة بيها واصل، ولو عملت عملتك معاها ديه تاني هوريك غضب الهلالي. 


شعر صقر أن جده لن يتحمل نقاش في هذا الوقت فقال : حاضر يا جدي اللي تأمر بيه. 


خرج الهلالي وكان جميع من في المنزل يقفون على مسافة من الغرفة يستمعون إلى صوت الهلالي الغاضب، فلم يتحدث هكذا مع صقر أبداً، ولكن طفح به الكيل، لم يعد صقر يضع اعتبار له كالسابق فغضبه أعمى عينيه،


ذهب الهلالي إلى غرفة ليل ووجد هنية بجوارها، وقد استعادة وعيها قليلاً فقال


الهلالي : سبينا شوي يا هنية. 


أومأت له بحزن وذهبت فهي حزينة من معاملة صقر لها. 


جلس الهلالي بجوار السرير وقال:إزيك دلوك يا بتي؟ 


ليل بابتسامتها البسيطة التي ارتسمت على وجهها بالرغم من مرضها : أخيراََ كلمتني يا راجل يا عجوز. 


تعجب منها كثيرًا وقال : عجوز! واه، إكديه من غير ألقاب. 


ليل : معلش بقى، أصل أنا فرحت أوي لما عرفت إني عندي جد، بس للأسف لقيت نفسي مش هعرف أشوفه كتير ولا أتدلع عليه، مش بيقولو أعز الولد ولد الولد. 


الهلالي : صوح. 


ليل : بس فرحت أكتر لما لقيتك قاعد على السفرة وإنك جد صقر، بس استغربت إنك مش بتتكلم معايا خالص. 


تنهد الهلالي وقال : معاكي حج يا بتي، أنا غلطت لما منعت نفسي عنيكي، ولما سيبتهم يعملوا ما بدالهم معاكي، بس خلاص محدش هيجدر يعملك حاجة تاني. 


ليل : محدش عملي حاجة، أنا بس تعبانة شوية، متقلقش الحقن اللي خدتها هتفوقني. 


الهلالي : كيف يا بتي معملش حاجة؟ واللي صجر بيعملو ديه. 


ليل : بيخرج غضبه، يا جدي خليه يخرجه فيا أحسن ما يخرجه في حد تاني. 


الهلالي : وإنتي ذنبك إيه يا بتي، وأنا كمان خدتك بذنب اللي جتل ولدي. 


ليل : عارفة إن وجودي هنا بيفكر كل واحد فيكم بوجعه، بس أنا مش زعلانة منكم، أنا بس نفسي تحاولو تشوفوني أنا مش تشوفو لقب عيلتي. 


الهلالي : حجك عليا يا بتي. والله وعرفت تربي يا حسن. 


ليل : تسلم يا راجل يا عجوز. 


ثم ابتسمت مرة أخرى له فنظر إليها بتعجب وقال : وبعدين معاكي عاد. 


ليل : شكلك متضايق من الكلمة، ولا أنت ناوي تتجوز والكلمة ديه هتبوظ الجوازة. 


ضحك الهلالي وقال : يخرب مطنك يا بت. 


ليل بتعجب : مطني مين؟


ضحك الهلالي أكثر وتعالت ضحكته حتى خرجت خارج الغرفة، ليسمعها صقر وهو يمر من أمام غرفتها، تعجب كيف هدأ جده فجأة والآن يضحك؟ ومع من؟ معاها.. 


ليل : أيوة كدة أضحك وبلاش تزعق كده تاني، قلبك ميستحملش مش كفاية الحب وعمايله. 


نظر إليها لا يعرف ماذا يقول فأردفت


ليل : الجوازة يا جدي أكيد الحب مولع في الدرة. 


ضحك الهلالي أكثر، وظلا يتحدثان وتشاغبه ليل كثيراََ، ثم نزل صقر إلى أسفل وبحث عن أمه وجدها بالمطبخ تشرف على تحضير الطعام فقال


صقر : سامعة جدي يا أما، سامعة ضحكه معاها، إزاي يضحك معاها كده؟ دم أبويا لسه على إيدها. 


جهاد : بس يا صجر عاد، جدك غضبان عليك وإنت خابر غضب جدك، مش عشان عمره ما دوجت غضبه تجف في وشه إكديه، أنا ربيتك على إكديه يا ولدي ترد على جدك. 


وقع نظره على هنية التي تعمل بصمت، ثم صمت وخرج من المطبخ وتوجه إلى غرفته، وجد جده كما هو يتحدث ويضحك معها، وسمع ضحكتها أيضاً التي لم يسمعها من قبل، صوتها مختلف ونبرتها السعيدة جعلته يتخيل وجخها وهو مبتسم، لا ينكر أنها جميلة وبالطبع ضحكتها ستزيدها جمالًا، نفض تلك الأفكار عن رأسه سريعًا، ثم ذهب إلى غرفته وأغلق الباب بعنف، كان يخطط أن يجعلها تستشيط غضبًا بسببه، أن تكرهه وتكره حياتها بهذا المنزل، ولكنها الآن قد حظت بمكانها عند الهلالي، وهذا ما سيحميها منه. 

عليه الآن أن يفكر بطريقة أخرى، لا يعلم إن كان ما يفعله الآن هروبًا من مشاعره التي بدأت تتكون بداخله لها أم حقًا لا يزال يرغب بجعلها تدفع ثمن ما حدث له ولعائلته. 

الفصل الخامس من هنا


stories
stories
تعليقات