رواية جريمة فيلا سقارة الفصل الرابع بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم
لحد ما وصلت لكيس صغير، مربوط بعقدة محكمة جداً ومحطوط جوه كيس تاني. فتحته.
كان فيه سرنجة أنسولين فاضية، وأمبول زجاجي صغير مكسور نصين والكتابة اللي عليه ممسوحة، وجوانتي طبي مرمي ومكرمش.
قلبي دق بسرعة.. هو ده، شميت السرنجة.. مفيش ريحة مميزة، بس الأمبول المكسور كان لسه فيه نقطة سائل لزج في القاع.
حرزت الحاجات دي في أكياس الأدلة بحرص شديد.
رجعت لـ تيا في الصالون، ورفعت كيس الأدلة قدام وشها وانا بقولها:
• بتعرفي تعالجي السكر يا مدام تيا؟
وشها احمر، ردت عليا بلسان متلعثم:
* دي.. دي بتاعة شاهر.. كان.. كان عنده سكر خفيف.
* شاهر ملفه الطبي بيقول إن عنده ضغط بس. وبعدين حتى لو عنده سكر.. الأمبول المكسور ده مش أنسولين. ده مرخي عضلي يا هانم.. وده جوانتي مقاسه صغير.. يعني مقاس إيد ست، مش إيد راجل ضخم زي شاهر.
المحامي بص لـ تيا بصدمة، وبدأ يلم ورقه بتوتر. هو فهم إن القضية خسرانة.
قعدت قدامها على الكرسي، وهديت نبرة صوتي.. أسلوب الاحتواء عشان المتهم ينهار ويعترف:
• يا تيا.. الإنكار مش هيفيدك. البصمات اللي على الجوانتي من جوه، وتحليل بقايا السائل في السرنجة، هيودوكي حبل المشنقة. قوليلي ليه؟
سكتت لحظة طويلة.. دموعها نشفت، وملامح وشها اتغيرت تماماً. البراءة والضعف اختفوا، وظهر مكانهم وش جامد، قاسي، ومليان غل.
بصتلي وعيونها بتطق شرار وقالت لي وهي بتجز على سنانها:
* كان لازم يموت.. كان بيقتلني كل يوم بالبطيء.
* كان بيضربك؟
* ياريت.. الضرب أرحم.. كان نرجسي. عارف يعني إيه؟ كان بيلغي وجودي. حبسني في القصر ده، ممنوع أشتغل، ممنوع أخرج، ممنوع يكون ليا صحاب. كان بيعاملني زي التحفة اللي بيقتنيها. يلمعني ويعرضني قدام الناس، ولما نرجع، يرميني في الضلمة.
تيا خدت نفس عميق وكملت بنبرة غضب:
* بقالي 5 سنين عايشة خيالة مآتة. ولما طلبت الطلاق.. ضحك وقالي "محدش بيسيب شاهر الزيات.. إنتي ملكية خاصة". وهددني إنه هيرميني في الشارع ويفضحني بصور.. صور كان بيصورهالي من غير ما أعرف.
* فقررتي تقتليه؟
* قررت أتحرر. واستنيت اللحظة المناسبة. دوا جبته من المستشفى القديمة بتاعتي، وخبيته بقالي شهور. واستنيت لما يكون مرهق، وعرضت عليه أعمله مساج عشان ينام. ولما استرخى.. خلصت عليه.
كلامها كان فيه كمية برود رهيبة. هي شايفة نفسها ضحية دافعت عن نفسها، مش قاتلة خططت ونفذت بدم بارد.
• بس يا تيا.. اللي يقتل دفاع عن النفس، بيضرب، بيصرخ.. مش بيحقن سم يشل الحركة ويتفرج على الروح وهي بتطلع ببطء. إنتي عذبتيه.
ابتسمت ابتسامة مرعبة:
• كنت عايزاه يحس بالعجز.. نفس العجز اللي حسسني بيه طول السنين دي. كنت عايزاه يشوفني وأنا بانتصر عليه وهو مش قادر حتى يرفع صباعه يمنعني.
وقفت وأشرت للعساكر ياخدوها.
• خدوها على البوكس.
وهي خارجة، بصتلي وقالت جملة عمري ما هنساها:
• أنا حررت نفسي يا حضرة الضابط.. السجن أرحم بكتير من سجن شاهر الزيات. على الأقل في السجن.. هبقى عارفة إني خلصت منه للأبد.
خرجت تيا، والفيلا رجعت هادية تاني. بس كان لسه فيه حاجة ناقصة في دماغي.
اعترافها كان مثالي زيادة عن اللزوم. قصة الزوجة المقهورة اللي انتقمت.
بس أنا صخر الجمال، وعمري ما باخد الأمور بظواهرها.
فيه تفصيلة صغيرة في مسرح الجريمة مش راكبة على كلامها.
تيا قالت إنها حقنته وهو مسترخي وبتعمله مساج.
بس نيار قال إن فيه آثار تثبيت عنيفة على كتافه.
لو هو كان مسترخي ومشلول من الدوا، ليه احتاجت تثبته بالقوة دي؟ وليه بصمة الصوابع اللي على كتفه كانت كبيرة!
افتكرت شكل إيد تيا وهي بتفركها في بعض.. كفوفها صغيرة وناعمة.
لكن البقع البيضا اللي شوفتها على كتف شاهر.. كانت بتشاور على كف إيد ضخم كف إيد راجل!.
طلعت موبايلي واتصلت بـ نيار تاني:
* نيار.. ركز معايا. البصمات اللي على كتف الجثة.. تقدر تحددلي مقاس الكف تقريباً؟
* أه طبعاً.. من مساحة الضغط وتوزيع الأصابع.. ده كف عريض، وأصابعه طويلة وقوية.
* يعني مش كف ست؟
* استحالة يا صخر. إلا لو الست دي بتلعب مصارعة حرة. ده كف راجل، وغالباً راجل بيشتغل بإيده شغل تقيل.
قفلت التليفون وحسيت بالدم بيغلي في عروقي.
تيا مكنتش لوحدها.. فيه شريك، وهي اعترفت بسرعة عشان تشيل الليلة لوحدها وتحميه.. أو عشان تبعد العين عنه.
مين الراجل اللي ممكن يساعدها في قتل جوزها، ويكون قريب منها لدرجة إنه يدخل أوضة نومها ويساعدها تثبت جوزها وهو بيموت؟
رجعت بذاكرتي لورا.. لمشهد دخولي الفيلا أول مرة.
الخدم.. الجنايني.. السواق.. لا.. دول بعاد.
بس كان فيه شخص واحد عيني جت عليه وماركزتش.
الشخص اللي كان واقف في الضل ساعة ما دخلت، واختفى بسرعة. والأهم من ده..
أنا نسيت أسأل أهم سؤال في قضايا القتل العائلي مين المستفيد؟.
تيا هتورث.. بس لو دخلت السجن هتتحرم من الميراث.
يبقى مين اللي هيورث بعدها؟ أو مين اللي بيحبها لدرجة القتل؟
بصيت على صورة شاهر وتيا اللي في المدخل تاني.
وركزت في تفصيلة مخدتش بالي منها قبل كده.
في انعكاس المراية اللي وراهم في الصورة.. كان فيه شخص تالت واقف بيصورهم.
شخص ملامحه مش واضحة أوي، بس جسمه رياضي، وشعره طويل شوية ومربوط ديل حصان.
الشكل ده أنا شوفته النهاردة الصبح وأنا داخل الفيلا، كان السواق الخاص بتاع شاهر، الشاب اللي كان واقف يسند المحامي وهو داخل.. ندمت إني خليتهم يمشوا تيا. لازم ألحق الخيط قبل ما يهرب. القضية لسه مخلصتش.. دي يدوب بدأت تتعقد.
خرجت من باب الفيلا الرئيسي وأنا بتصل بـ عصام على اللاسلكي.
* عصام.. البوكس اللي فيه المتهمة يتحرك فوراً على النيابة، بس عايزك تعزلها تماماً عن أي حد. محدش يكلمها، ومحدش يوصلها أي خبر.
* علم وينفذ يا باشا.. بس هو فيه حاجة تانية؟
* لسه الحفلة مخلصتش. فيه ضيف تقيل لازم ينضم للقائمة. خليك جاهز بقوة إسناد عند البوابة، ومتدخلش غير لما أديك إشارة.
قفلت ومشيت ناحية الجراج اللي في آخر الجنينة. الجو كان لسه مغيم، كنت براجع المشهد في دماغي تاني. صورة شاهر الميت، والبقع البيضا اللي على كتفه. نيار قال كف عريض وأصابع قوية
تيا صبري جسمها فرنساوي، كف إيدها ناعم وصغير، مستحيل تكون هي اللي سابت العلامة دي، حتى لو قعدت فوقه بكل وزنها.
وصلت الجراج. كان واسع وفيه تلت عربيات فخمة. وفي ركن الجراج، كان واقف شاب طويل، عريض المنكبين، شعره أسود فاحم ومربوط لورا، لابس قميص مكوي وبنطلون قماش. ده السواق اللي شوفته الصبح. اسمه نوح .
كان واقف بيمسح إزاز عربية مرسيدس سودا بهدوء غريب، كأن مفيش جريمة قتل حصلت في البيت اللي هو شغال فيه، وكأن الست بتاعته لسه ممقبوض عليها بتهمة قتل جوزها.
قربت منه ببطء، وكنت حاطط إيدي في جيبي على سلاحي الميري، تحسباً لأي غدر، قربت منه وانا بقوله:
• صباح الخير يا كابتن نوح.
وقف مسح، ولف ببطء وبصلي بنظرة ثابتة، خالية من أي تعبير.
* صباح النور يا باشا. تؤمر بحاجة؟
* عربية مين دي اللي بتمسحها؟ عربية المرحوم؟
* لا.. دي عربية المدام تيا. كنت بجهزها عشان لو احتاجت تروح القسم أو النيابة.
* أصيل.. بس المدام مش هتحتاج عربية الفترة دي. المدام ركبت عربية الحكومة خلاص.
نوح ملامحه ماتهزتش شعرة. كمل مسح في الإزاز ببرود مستفز.
* ربنا يفك كربها. المدام طيبة وماتستاهلش.
* طيبة؟ جايز. بس القاتل مبيكونش طيب يا نوح. القاتل بيبقى خاين.
رميت الكلمة واستنيت رد فعله. وقف إيده لحظة، وبعدين كمل.
قربت منه أكتر، ووقفت جنبه بالظبط قولتله:
* إنت شغال هنا بقالك قد إيه؟
* سنتين يا باشا. سواق وحارس شخصي لشاهر بيه الله يرحمه.
* حارس شخصي؟ يعني شغلانتك كانت تحميه.. مش تسيبه يموت فوق وهو متكتف.
هنا نوح رمالي الفوطة اللي في إيده، وبصلي بحدة:
• إنت بتقول إيه يا حضرة الضابط؟ أنا كنت بايت في ملحق السواقين، ومسمعتش ولا شوفت حاجة. والتحقيقات أثبتت إنه مات موتة طبيعية.
ضحكت بصوت عالي، ضحكة سخرية كسرت هدوء المكان.
• تحقيقات إيه يا أبو تحقيقات؟ إنت لسه نايم ولا إيه؟ الطب الشرعي قال كلمته.. شاهر مات مقتول. محقون بمادة بتشلك وإنت صاحي. وتيا اعترفت.
لأول مرة، لمعة قلق ظهرت في عين نوح. عينه رفت بسرعة ناحية باب الجراج، كملت ضغطي عليه:
* بس عارف المشكلة فين يا نوح؟ تيا في اعترافها قالتلي تفصيلة غريبة جداً.
* قالت إيه؟
* قالت إنها مقتلتوش لوحدها. قالت إن شاهر لما خد الحقنة، جسمه انتفض.. فكانت محتاجة دكر يثبته. وقالتلي الاسم.
نوح بلع ريقه بصعوبة، وحاول يحافظ على ثباته، بس عروق رقبته نفرت، وقالي:
* المدام بتكدب.. عشان تلبسني مصيبة. أنا مليش دعوة.
* أنا مقلتش إنها قالت اسمك.. إنت اللي قولت دلوقتي. اللي على راسه بطحة بقى.
مسكت كف إيده اليمين فجأة ورفعته في النور. كف ضخم، خشن، صوابع طويلة وقوية زي الكماشة.
• نيار الشريف.. الطبيب الشرعي، مبيغلطش. قالي إن العلامات اللي على كتف الجثة معمولة بكف مقاسه 44.. نفس مقاس الكف اللي في إيدي ده بالظبط.
نوح سحب إيده مني بعنف ورجع لورا خطوة وهو بيقولي ووشه كله عرق:
• ده مش دليل إثبت إني كنت في الأوضة.. مفيش كاميرات في أوضة النوم!
سحبت كلبش من حزامي وبدأت ألفه على صباعي ببطء وأنا بااص في عيون نوح:
• ياااه يا نوح.. إنت غشيم أوي. إنت فاكر إن الطب الشرعي بصمات بس؟ إنت لما ثبت شاهر، كنت بتضغط بكل عزمك عشان تمنع الرعشة بتاعة الموت. عرقك نزل عليه.. وقشور مجهرية من جلدك وقعت على الملاية وعلى بيجامته. المعمل الجنائي دلوقتي بيفحص عينات الـ DNA اللي لميناها من مسرح الجريمة. وتيا.. تيا اعترفت عليك يا صاحبي عشان تخفف الحكم عن نفسها. قالت إنك إنت اللي جبت الدوا، وإنت اللي كتفته، وهي يا عيني كانت واقفة تتفرج. باعتك يا وحش.
دي كانت كذبة بيضا. تيا ماجابتش سيرته، والـ DNA لسه نتيجته مطلعتش وممكن ميبقاش موجود أصلاً. بس في التحقيق، الكدب المتقن هو أقوى سلاح.
الجملة دي كانت القشة اللي قصمت ضهر البعير. نوح وشه احمر، وصوته بقى كله غل:
* بنت الـ... باعتني؟ ده أنا اللي عملت كل حاجة عشانها! هي اللي خططت، وهي اللي زنت على وداني بقالها شهور.
* (ابتسمت بانتصار داخلي) أهو ده الكلام اللي يوزن بلد. احكيلي بقى يا نوح.. إزاي الحارس الأمين يخون سيده؟
نوح قعد على صندوق عدة قديم، وانهار. جسمه الضخم ده كله انكمش وبقى زي العيل الصغير.
* حبيتها يا باشا.. حبيتها من أول يوم شوفتها فيه مكسورة ومذلولة. شاهر كان شيطان. كان بيعاملنا كلنا زي العبيد. وهي.. هي كانت بتشتكيلي، كانت بتعيطلي. وعدتني إننا هنهرب سوا بعد ما نخلص منه، وناخد الفلوس ونسافر.
* ويوم التنفيذ؟ إيه اللي حصل؟
* هي ادتني المفتاح. استنيت لما نام، ودخلنا. هي كانت مجهزة الحقنة. أنا كنت خايف، بس هي كانت باردة. قربت منه، رفعت لسانه وحقنته في ثانية. أول ما الدوا مشي في دمه، شاهر فتح عينه.. عنيه كانت هتطلع من مكانها من الرعب. جسمه بدأ يترعش جامد.. تيا صرخت فيا "امسكه.. امسكه لحد ما يموت!".
نوح بص في كفوف إيده كأن عليها دم.
* نطيت فوقه.. دست على كتافه بكل قوتي وثبته في المرتبة. كان بيبصلي يا باشا.. كان بيبصلي وهو بيموت. فضلت دايس لحد ما بطل يتحرك.. ولحد ما نفسه وقف خالص. وبعدين..
وبعدين تيا باستني.. وقالتلي "خلاص.. احنا أحرار".
وخلتني أنزل أشغل التكييف على أعلى حاجة وأخرج من الباب الخلفي.
هزيت راسي بأسف. قصة قديمة ومكررة. الست اللعوب، والعشيق المخدوع، والزوج الضحية.
• للأسف يا نوح.. إنتوا مش أحرار. إنتوا لسه لابسين القيود، بس المرة دي قيود حقيقية.
شغلت اللاسلكي:
• عصام.. هات القوة وتعالى على الجراج. المتهم التاني اعترف.
نوح وقف مستسلم، مابداش أي مقاومة وأنا بحط الكلبش في إيده.
• هي فعلاً اعترفت عليا يا باشا؟ ولا إنت سحبتني في الكلام؟
بصيتله وأنا بقفل الكلبش على معصمه العريض:
• تفرق في إيه يا نوح؟ النتيجة واحدة. بصمة إيدك على جثة ميت، دي دمغة مش هتتمسح. ولو تيا معترفتش دلوقتي، لما تعرف إنك اعترفت عليها، هتقول شعر في النيابة. دي لعبة يا قاتل يا مقتول وإنتوا الاتنين خسرتوا فيها.
وإحنا خارجين من الجراج، شوفت نيار كان وصل بعربيته الخاصة عند البوابة. نزل منها وهو ماسك ملف أصفر. جريت عليه وانا بقوله:
• إيه يا دكتور؟ لحقت تخلص التقرير النهائي؟
نيار ابتسم ورفع الملف:
* ومش بس كده.. المعمل الجنائي بعتلي هدية.
* إيه؟
* لقينا شعرة.. شعرة طويلة وسودا وخشنة، لازقة في ياقة بيجامة شاهر من ورا. شعرة لا هي بتاعت شاهر ولا تيا. شعرة بتؤكد وجود شخص تالت كان حاضن الجثة أو قريب منها جداً وقت الوفاة!
بصيت لنوح اللي كان بيتركب في البوكس، وشعره الطويل ديل الحصان بيتهز مع مشيته.
• تسلم يا نيار.. الشعرة دي هي المسمار الأخير في نعشهم.
نيار بص للفيلا الكئيبة وقال:
* جريمة كانت مرسومة بالمللي يا صخر. لولا الرسوب الدموي والبقع البيضا اللي نورتلك الطريق، كانت اتقيدت وفاة طبيعية، وكان زمانهم بيشربوا شربات الفرح على فلوس الميت.
* الجريمة الكاملة دي خرافة يا صاحبي. طول ما فيه جثة.. فيه حقيقة بتصرخ عشان تخرج. والجثة المرة دي، اتكلمت بصوت عالي أوي.
ركبت عربيتي ورا البوكس. الطريق للنيابة كان طويل، بس المرة دي كنت مرتاح. القضية اتقفلت، والملف كمل.
شاهر الزيات مات مغدور، بس حقه رجع قبل ما يندفن.
تيا ونوح.. قصة حب اتكتبت بحبر من سم، وانتهت بختم النسر على باب زنزانة.
***
المكان محكمة جنايات الجيزة - قاعة الدائرة الثالثة
يوم الحكم.. اليوم اللي كل خيوط القضية بتتجمع فيه عشان تتربط عقدة أخيرة، عقدة حبل المشنقة.
القاعة كانت زحمة، الصحافة مالية المكان، والكاميرات فلاشاتها مبتوقفش، قضية "مقتل رجل الأعمال وسائقه وزوجته" كانت حديث الرأي العام بقالها شهور. الناس انقسمت، فريق شايف "تيا" ضحية زوج سادي ومريضة نفسياً وتستحق الرحمة، وفريق شايفها شيطانية وتستحق الإعدام.
أنا كنت قاعد في الصف الأول، لابس بدلتي الميري، وجنبي "نيار" اللي كان لابس بدلة كلاسيك لأول مرة أشوفه بيها، بس برضه شعره منكوش.
بصيت ناحية قفص الاتهام.
"نوح" كان قاعد في ركن القفص، حالق شعره، ووشه في الأرض، جسمه الضخم انحنى كأنه شايل جبل. الاستسلام كان واكله.
أما "تيا".. فكانت واقفة ماسكة قضبان القفص، لابسة الأبيض، ورافعة راسها بكبرياء مصطنع. كانت لسة بتمثل دور المرأة الحديدية اللي كسرت قيودها. عيونها كانت بتلف في القاعة، ولما جت في عيني، ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة تحدي.
المستشار رفعت بيه رئيس المحكمة، دخل القاعة. هدوء تام سيطر على المكان. صوت "محكمة" رن في القاعة زي جرس الإنذار.
بدأت الجلسة بمرافعة الدفاع. محامي تيا كان ثعلب، لعب على وتر "الدفاع الشرعي عن النفس" و"الضغط النفسي والعصبي".
• سيدي القاضي.. موكلتي لم تقتل طمعاً، بل قتلت خوفاً. كانت تعيش في جحيم.. سجن ذهبي بناه لها زوج مريض بحب التملك. القتل كان صرخة استغاثة، كان محاولة يائسة للنجاة من موت بطيء ومحقق!
القاضي كان بيسمع بملامح جامدة.
بعدها جه دور النيابة، اللي عرضت أدلة الإدانة اللي أنا ونيار جمعناها.
تقرير الطب الشرعي، آثار الحقن، بصمات نوح، اعترافات نوح التفصيلية، وشراء تيا للمادة السامة من سوق سوداء للأدوية (وده خيط وصلناله بعدين من تليفونها).
النيابة طالبت بأقصى عقوبة.. الإعدام شنقاً للمتهمين.
وهنا.. جه وقت المفاجأة.
القاضي نده على الدكتور "نيار الشريف" عشان يوضح نقطة طبية أخيرة طلبها الدفاع للتشكيك في سلامة القوى العقلية للضحية (شاهر) وإنه كان سادي وبيعذبها.
نيار طلع المنصة، وحلف اليمين.
القاضي سأله:
• دكتور نيار، الدفاع بيزعم إن المجني عليه "شاهر الزيات" كان بيتمتع بقوة بدنية وسادية مفرطة كان بيستخدمها في تعذيب زوجته، هل التشريح أثبت أي حاجة تدعم الكلام ده؟
نيار عدل نظارته، وبص ناحية القفص، وبصلي، وبعدين فجر القنبلة اللي محدش كان عامل حسابها.. ولا حتى أنا.
• سيادة القاضي.. تقرير الصفة التشريحية المرفق بملف القضية فيه "ملحق" وصل من المعمل الباثولوجي متأخر، وأنا ضميته للتقرير النهائي.
الكل ركز معاه. نيار كمل بصوت هادي وواضح:
• تشريح جثة المجني عليه، وفحص الأنسجة الدقيق، أثبت إن "شاهر الزيات" كان مريض.
محامي تيا وقف بسرعة:
• مريض ضغط.. إحنا عارفين ده.
نيار كمل ببرود:
• لا يا أستاذ.. المجني عليه كان مصاب بـ "سرطان البنكرياس" في مرحلة متأخرة جدا. الورم كان منتشر في الكبد والرئة.
الهمس زاد في القاعة. نيار كمل الجملة اللي نزلت زي الصاعقة على دماغ تيا:
• طبياً، وبالنظر لحجم الورم وانتشاره، "شاهر الزيات" مكنش قدامه في الحياة أكتر من شهر، أو شهرين بالكتير. حالته الصحية العامة كانت متدهورة، وكان بيعاني من ضعف وهزال شديد في العضلات مكنش يخليه يقدر يفتح إزازة ميه، ناهيك عن إنه يضرب أو يعذب حد.
ساد صمت رهيب في القاعة. صمت أتقل من الموت.
أنا بصيت لـ تيا. الكبرياء اللي على وشها داب. عيونها وسعت بذهول.
الراجل اللي قتلت، وخططت، واستغلت عشيق، ودمرت حياتها وحياة اللي حواليها عشان تخلص منه وتورثه.. كان كده كده هيموت!
لو كانت صبرت شهر واحد.. شهر واحد بس.. كان مات موتة ربنا، وكانت هي ورثت كل الملايين دي بشكل قانوني، ومن غير ما توسخ إيدها بالدم، ومن غير ما تقف في القفص ده.
القاضي سأل نيار:
* يعني المجني عليه كان في عداد الأموات؟
* بالضبط يا فندم. كان ميت بيمشي على الأرض. الجريمة اللي المتهمين ارتكبوها كانت عجالة لحدث حتمي. هما قتلوه وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة أصلاً.
نوح في القفص بدأ يضحك.. ضحك هستيري، ضحك واحد عقله فوت.
تيا كانت مسهمة، بوقها مفتوح، ومش قادرة تنطق. السرعة اللي كانت دافعها للجريمة، هي نفسها كانت عقابها. استعجالها للورث وللحرية، هو اللي لبسها بدلة الإعدام.
المستشار رفعت خبط بالمطرقة عشان يسكت الهرج اللي حصل، ورفع الجلسة للمداولة والنطق بالحكم.
الساعتين اللي قضيناهم مستنيين الحكم كانوا أطول ساعتين في حياتي. كنت بفكر في "سخرية القدر". إزاي المجرم دايماً غبي، حتى لو كان ذكي. غبي لأنه بيفتكر إنه يقدر يسبق القدر، بس القدر دايماً خطوته أوسع.
بعد المداولة، المحكمة رجعت. القاضي وقف، والكل وقف معاه.
• "بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة الشفوية، والمداولة قانوناً.. وحيث إن وقر في يقين المحكمة ارتكاب المتهمين للجرم المسند إليهما مع سبق الإصرار والترصد.. حكمت المحكمة حضورياً، وبإجماع الآراء.."
قلبي دق. اللحظة الحاسمة.
• "أولاً: بإحالة أوراق المتهمة الأولى (تيا صبري) والمتهم الثاني (نوح الغندور) إلى فضيلة المفتي لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما شنقاً."
صرخة دوت في القاعة. بس مش من تيا.. من أم نوح اللي كانت قاعدة ورا.
تيا مصرختش. تيا وقعت من طولها جوه القفص. الإغماءة دي مكنتش تمثيل. دي كانت لحظة إدراك الحقيقة المرة. إنها خسرت كل حاجة.. عشان الولا حاجة.
خرجنا من القاعة أنا ونيار. الجو بره كان حر، شمس يونيو الحارقة.
نيار ولع سيجارة، ونفخ الدخان في الهوا.
* تفتكر عرفت إنه كان عيان يا صخر؟
* مكنتش تعرف. شاهر كان كتوم، وعمره ما كان هيبين ضعفه لواحدة هو عارف إنها بتكرهه. هو عاقبها بمرضه وهو عايش، وعاقبها بموته وهو ميت.
* قضية غريبة.. القاتل فيها هو الوقت.
* لا يا نيار.. القاتل هو الطمع. الطمع اللي عماها عن إنها تشوف إن جوزها بيخس، وإن وشه لونه بيتخطف، وإن صحته بتنهار. هي شافت الفلوس بس.
ركبت عربيتي ومشيت. القاهرة كانت زحمة كالعادة، الحياة ماشية، والناس بتجري ورا أكل عيشها.
بس السؤال اللي هيفضل يطاردني، وعايز أسأله لكل واحد بيسمعنا دلوقتي:
لو كنت مكان تيا، وعرفت إن الشخص اللي مخلي حياتك جحيم فاضله شهر ويموت.. هل كنت هتصبر وتستنى عدالة السما؟ ولا غريزة الانتقام والغل كانت هتخليك تدوس على الزناد برضه.. حتى لو الثمن رقبتك؟
فكروا فيها.. لأن أحياناً، الصبر بيكون أصعب بكتير من القتل.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
