رواية روح بلا مأوى الفصل الخمسون
-الشيف كيان هطلع بروحك
كلمات شوشة عقلها وهى تتردد كصدى يأبى التوقف حتى استطعت استيعاب الموقف، خوف غريزيًا دب
بداخلها وهى بالكاد تتذكر الاوقات السعيدة بحياتها
ثم قالت بهدوء عكس ما بداخلها:
-أنا جيت الدنيا غلط اصلا فانت هتبقى عملت جميل
فيا من يوم ما جيت وأنا تقيلة على الكل ياريت تخلص
وتريحنى
لكزها من خلف بحدة وهو يقول بتبرم:
-بطلى هرى كتير انتِ مش قدام الكاميرا أنا عايز فلوس
عشان أنا مش هعرف اقعد هنا عشان اخوكِ الحيلة بيدور
عليا وأنا لازم اهرب احسن ما يتهور ويروح فى داهية
ويحصل اخته، فى إيدك انتِ حل المشكلة دية إلا عليا وعلى اعدائى
إنهى كلماته وهو يضغط (بالمطوة) اكثر على رقبتها
كانت كلماته أشد نكأ على قلبها كنكأ الزيت المغلى
على الجسد، اعتصرت عينيها بالدموع قائلة:
-انت وهى منكم لله، ذنبها أيه اللى موتها ذنبها أيه
أنا بحمد ربنا أن واحدة زيها مربتنيش، فلوس مفيش
عايزة تموتنى موتنى أنا مش فارق معايا
دفعها بحدة بعيدًا عنه فاستدارت تنظر له كتمثال لا روح
ولا حياة فيه عيناها متسمرتان عليه دون حراك، كانت
عيناه تشبة قسوة عين والدتها أما هو حركة (المطواة)
أمام عينيها قائلًا:
-أنا هديكى فرصة تفكرى وتجهزى الفلوس، احسن اخوكِ
الأمورة هيوحشك
حاول الهروب لكنها قبضت على مقدمة قميصه هاتفة:
-والله ما هسيبك وهصوت وهلم الدنيا عليك، انتوا
اللى زيكم جواكم سواد متستحقوش الحياة، مش هسيبك
فى لمح البصر جرح يدها بالمطواة وفر هاربًا، وقفت مكانها تتأمل جرحها بوجع، بكت على عمرها الضائع فى دهاليز العتمة تهز رأسها كأنها تراهم امامها تهمس برجاء:
-كفاية بقى سبونى فى حالى مش كفاية اللى حصل
مش كفاية اللى عشتوا عايزين أيه تانى، ارحمونى
اغمضت عيناها تستجمع قوتها ثم اخرجت محرمة
ورقية من حقيبتها كى توقف الدماء ضغطت بكل قوتها وهى لا تعلم مصدر الألم أن كان يدها أو قلبها
خرجت من باب البناية لتصطدم بتامر يقف بجوار
سيارتها، ابتسم وهو يقترب منها لكنه قطب حاجبيه:
-ايه دا مالك؟ ايدك مالها وشكلك عامل كدا ليه؟!
-السكينة عورتنى وأنا بطبخ
أومأ وهو يقول:
-طب يلا بينا على مستشفى
بللت شفتيها بطرف لسانها وهى تناظره بحذر قائلة:
-مش جرح كبير يلا بينا وسوق انت
مدت يدها داخل حقيبتها تبحث عن سلسال المفاتيح
ثم اعطته له، تركته فى توتر فسألها:
-كيان فى حاجة
ابتسمت ابتسامة زائفة قائلة:
-يا بنى مفيش حاجة بس متضايقة هطلع هوا كدا إزاى
فهمت بقى
ابتسم وهو يقول:
-انتِ قمر فى كل حالاتك
أومأت بمكر وهى تقول:
-متحاولش مفيش مرتب وهتشتغل فى الملجأ ببلاش
قهقه بصوت رجولى وهو يقول:
-هو باين عليا أوى
بينما على الجانب الاخر كان يراقبها كنان وبداخله صخب من المشاعر العاتية؛ مزيج مشاعر من الألم والاشتياق، اللهفة، الحزن يود أن يبكى من لهفة اشتياقه، ومر افتقاده لكن تشنجت عضلات كنان عقب ضحكهم سويًا، ألم مريع يشق صدره، رفع يده المجروحه ينظر لها بتهكم ثم هز رأسه بلا معنى وهو يشعر بأطنان الألم موضوع فوق قلبه
*****
كان ضياء يقف أمام غرفة الطبيب بملامح شاحبة يتحاشى النظر إلى والديها يشعر أنه عارى بسبب
نظراتهم التى تخترقه
ثوانٍ وكان يخرج الطبيب فربت على كتف ضياء
شارحًا حالتها:
-متقلقش كدا هى والبيبى زى الفل
جملة كانت كفيلة بإزاحة غشاوة الحزن عن روحهم
زفر ضياء بارتياح ثم سأله:
-اومال أيه اللى حصل معاها
-دا طلق مبكر نتيجة ضغط أو شد عصبى فى برشام
هتمشى عليه وكمان نسبة الميه قليلة شوية عند البيبى
عشان كدا لازم راحة تامة ليها بعيد عن أى ضغط
ودا لسلامتهم
انهى الطبيب جملته وانصرف بينما خط من الألم أرتسم فى عين ضياء مترافقًا بمرارة تنكأ فى قلبه كالمشارط، تحركت والدتها وهى تسير للداخل ترمقه بطرف عيناه
وقف هاشم امامه قائلًا بتروٍ:
-الحمدلله ربنا ستر، بس مش كل مرة هتسلم
أنا لما جيت كنت فاكر ضياء اللى قبل الجواز هو
اللى هيرجع بنتى مش ضياء الجديد
انت بتحاول معاها كأن روجعها ليك حق مكتسب
مش بتبذل مجهود، أما قبل الجواز كان موافقتها
ورضاها هدفك الوحيد، راجع نفسك ياضياء
ولما ترجع تانى لنفسك، تعالى ورجع بيلا أما دلوقتى
اسف أنا معنديش بنات للرجوع أنا روحى فيها لو
جرى ليها هى والبيبى حاجة أنا اموت
أوما دون اعتراض وابتعد واكتافه متهدلة هو أيضا كان
سيقف نبض قلبه لمجرد تخيل أنه سيفقدها هى أو الجنين
****
ظهرت القسوة فى عين مصطفى وهو يحدث زوجته بغضب، يشعر بالندم حقًا فهو المذنب الوحيد صرخ بها
قائلًا:
-انت السبب فى كل دا قولتلك بنتى تعيش معانا
لكن انتِ رفضتى، كانت هتعملك أيه؟!
لمعت عين زوجته بشرار وهى تقول:
-لأ مش أنا السبب يا مصطفى انت السبب، مش طول
عمرك رافض تعرف أهلك بجوازنا وأنا على الهامش
مش دية بنت الست اللى كنت بتقول عليها جبروت
مش دية بنت الست اللى رفضت تخلي اخوها يعترف بنسب
بنته، أنا خفت على عيالى منها آه منها ومين يضمن لى
انها متطلعش زى امها، عيالى اهم حاجة فى حياتى
وأنا حافظت عليهم أنت اللى عشت عمرك مخبى جوازنا
ولما حبييت تعترف بجوازنا عشان تجيب بنتك تعيش
معايا، بعدين تعالى هنا ماله هاجد ابن اختى هتفرق
فى أيه معاها إذا كان ابن اخت مراتك، هى بتتبطر
على نعمة ربنا ليه بيحبها لازمته أيه دور المظلومه
ابتسم مصطفى بتهكم يبتلع الحنظل بحلقه، ثم نطق
قائلًا بسخرية مقيته:
-مش انتِ السبب ولا حد أنا بس ضعفى، ضعفى وصل
بنتى لكل دا
ثم تابع وهو يصرخ سببًا عجزه قائلًا:
-أنا مستهلش كلمة أب، أنا وجعت بنتى بإيدى بس
هحيب بنتى تعيش هنا واللى مش عجبه يمشى
-انت بتطردنى يا مصطفى؟!
ابتسم مصطفى مستهزئًا وهو يقول:
-للأسف متأخر أوى
***
بعد رفض تام أن تبقى فى الأسفل ولجت هاجر
لشقتها ومن خلفها زوجها وحماتها، شعورها كان
أشبه بمن تلقى عدة رصاصات فى قلبه فغدى
ينتفض طالبًا الرحمة بطلوع الروح، جاء همس
حماتها من الخلف:
-تعالى معايا يا هاجر نحضر غيار وتدخلى تأخدى
دوش وتغيرى عشان الدم اللى نزل عليكِ
كتمت هاجر انفاسها التى تسارعت انفعالًا من حديث
حماتها وقلبها ينبض بوجع محرق هى فقدت جنينها
رفعت عيناها البرائتين ترمقه، كانوا برائتين لكن معذبتين نظرتها كسياط على قلبه فخرج صوته
متحشرج وهو يضع يده على كتفاها قائلًا:
-خليكِ يا أمى أنا هكون معاها
نزعت يده فى حدة ثم ارتدت قناع الجمود والبرودة
الذى طالما كرهتم فى والدتها برودها القاتل، المميت
المقيت، عيناها معتمان بغضبها ورغبتها العارمة فى اخذ حقها والثأر لكرامتها ستجعله يكرهها، كما كان الجميع يكره والدتها؛ كانت تجعل من يتعامل معها يتمنى الموت
وهم من حكموا بإنها شبيهتها، وهذا بالأخص ما كانت تسعى دومًا أن تثبت عكسه، لكنهم جميعًا يروها انعكاسها، فليكن ستميت هاجر وتحيا والدتها
لا يستطيع تحمل رؤيتها هكذا يريد أخذها بين احضانه
يبكون معًا لفقدانهم الجنين، همس بنبرة متحشرجة تنبض
بألم قائلًا:
-خلينا نتكلم يا هاجر واحكيلك كل حاجة بتفاصيل هتعذرينى
-أنا عذراك متقلقش، انت عندك حق وكلكم، ماهو حرام
بردو بيت يتخرب وعيال تضيع ومترباش وسط اهلها
والحمدلله محصلش حمل زى ما كنت خايف
استغفر وهو يمسح وجهه بكفيه بقوة ثم رفع عيناه
الناضجتين بألم قائلًا:
-مين قالك انى ماكنتش عايز اخلف أنا كنت بتمنى أ..
قطعته قائلة بهدوء مستفز:
-طب معلش مالقكش نصيب أنا داخلة أنام وانتوا البيت
بيتكم
طريقتها غريبة كليًا عليه، يشعر أنه مكبل؛ شعور مرير
بالعجز يكبله، كان يحيا فى كابوسًا منذ زواجهم ينتظر
اليوم الذى سينتهى، لتأتى الرياح بما لا تشتهي السفن
وانتهى الكابوس بكابوس ابشع ربتت والدته على كتفه
قائلًا:
-معلش حبيبى فترة وهتعدى وبكرة تحكى لعيالك
هنزل اعمل ليها أكل اجمد وطول بالك
انتظر انصرافها دقيقة، اثنين، ثلاثة ثم انفجار بالبكاء
كطفل صغير قد ضل طريقه
****
-والله وانت كمان وحشتنى
هذه الكلمات نطقتها كارما تزامنًا مع دخول كرم الذى
اقتحم غرفة المكتب فاغلقت الهاتف متسائلة:
-أيه الهمجية دية
خبط على المكتب بكفيه وهو يجز على شفتاه السفلى
قائلًا:
-الحلوة بتكلم مين؟!
-وانت مالك؟!
-بت انجزى احسن اعدلك
توسعت عيناها بذهول قائلة:
-انت اتجنتت دا كنان بس بجد انت مالك
حك ذقنه وهو يقول:
-اممم طب بصى بقى أنا لما اسالك تردى على طول
ثم تابع بتهكم:
-لما كنان تقولى ليه وحشتنى أنا تقوليلى أيه
-انت قليل الادب
قهقة عاليًا وهو يضع على صدره قائلًا:
-دا أنا متخرج من تحت إيدى استاذة قد الدنيا دلوقتى
فى قلة الادب معلش اصل نوجا قصرت فى التربية
سيكا
بللت شفتها وهى تقول:
-اطلع بره
انهت جملتها تزامنا مع طرق الباب فأذنت بالدخول
فكان أحدهم قائلًا:
-،دكتور ضياء عايز حضرتك فى المكتب
فى مكتب ضياء كان يدور كالليث الجريح وما أن ولجت
كارما توسعت عيناها بذهول:
-مالك يا ضياء؟!
-بيلا والبيبى كانوا هيضيعوا منى
شهقة كارما متسائلة:
-هو أيه اللى حصل
سرد لها ضياء ماسار معه ثم حدثها:
-فى مؤتمر فى شرم جت ليا دعوة منه بس أنا قررت ما سافرش عشان مش عايز اسيب بيلا بس لازم ابعد دلوقتى هسافر وهاخدك معايا
انهى حديثه مع دخول كرم الذى استنكر حديثه قائلًا:
-على فين بقى إن شاء لله
وصلت خفقات قلب كارما عنان السماء لكنه تداركه نفسه سريعًا قائلًا:
-تروح وترجعوا بسلامة إن شاء لله
استدار ضياء قاطبًا متجه نحوه وهو يسأله بفظاظة:
-انت إزاى تتدخل كدا انت فاكر نفسك فين؟!
ابتلع كرم اهانته قائلًا:
-أنا خبطت كتير بس محدش رد عليا
-أمم، طب كويس إنك جيت احنا هنسافر وهنسيب الشغل كله عليك
انهى ضياء كلماته بابتسامة صفراء، صمت كرم قليلًا ثم
اجابه بأسف قائلًا:
-طاهر الشركة بتاعته طالعة منظمة لمؤتمر ومصر يأخدنى معاه أنا كنت جاى اطلب اجازة
وكلنا بداء الحب حمقى أمال ضياء رأسه الي اليسار قليلا قائلًا بسخرية:
-طب والشغل كلنا هنمشى ونسيب المستشفى
صمت كلاهما فتحدثت كارما قائلة:
-خلاص هفضل أنا، اصلا مش عايزة اسافر
زفر كرم بغيظ حتمًا ستصيبه بجلطة ثم شرح بغيظ:
-لا عادى ما الشغل ممكن يمشى واحنا هناك وممكن نبقى
نتابعوا من هناك عن طريق كاميرات المراقبة
خطى ضياء نحو مقعده ثم جلس متسائلًا:
-ليه احنا وليه واو الجماعة يا استاذ كرم خير
هو انت ناوى تنزل معانا فى نفس الفندق
حك كرم مؤخرة رأسه وهو يرمق كارما التى تقف فى
الزواية كالفأر المبلول هامسًا:
-نفس الفندق دا أنا نفسى فى نفس الأوضة
فلتت شهقة من كارما تمتم كرم بغيظ:
-التالت بتاعى هيبقى بعد بكرة بسبب غبائك
صرخ ضياء وعيناه اصبحت شرر وهو يسأله:
-انت بتقول أيه؟!
اجابه كرم بثبات:
-بقول لو نفس الأوضة دا انت يا دكتور ضياء الدنيا كلها
هنا بتمدح فيك بقول يارتنى انزل معاك فى نفس الاوضة
بس انا وطاهر هنبقى مع بعض للأسف
أوما ضياء بارهاق قائلًا:
-خد الإجازة اللى انت عايزها، اعتبر نفسك فى اجازة
*******
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل
-طاهر!
تلك هى الكلمة التى نطقتها بيسان ثم اردفت:
-انت ايه اللى جابك هنا؟!
مسح وجه براحة يده خارجًا من كل شئ، يشعر بالتعب
فهو لم يغمض له جفن منذ ثلاث ليالٍ يشعر كأنه بدوامة:
-جابنى حضرتك بتقولى هتروحى دلوقتى لوحدك
اجابته هادئة بثبات:
-اه عادى فيها أيه كنت هروح باوبر عادى
لكن انت شكلك تعبان هتسوق إزاى
هز رأسه نافيًا:
-أنا فعلا مش هسوق مش شايف قدامى هنروح اوبر
بس مش هسيبك لوحدك على الاقل
حاولت كبح فضولها لكنها لم تستطع فسألتها:
-هاجر عاملة أية؟!
-الله يكرمك متفكرنيش عشان اصرت وروحت مع جوزها
ولا حد عرف يقنعها
طوت يدها امام صدرها قائلة:
-عشان ببساطة هى بتحبه ومتأكدة من حبه ولو ماكنش
كدا عمرها ماكانت رجعت معاه الوقت هينسى ويداوى
لكن الأصل هاجر دورت على مأوها وحتى وأن اختلفوا
حتى لو طريقة تفكرها لرجوع مش صح بس البنى أدم
فى لحظة ضعفه مش بيدور غير على آمن مكان ليه
واظن قدامك كيان وبيلا
-لو مكانها هتعملى كدا؟!
تساؤل لمس أوتار قلبها البائسة ليدغدغها فأجابته:
-ممكن لأ وممكن آه، بس الأكيد أنى شفت لهفة جوزها
وهو خايف عليها وأنا بفحصها بظبط لما بيكون جاى
طفل مع امه العيادة وافحصها بيضربنى ويقولى
ماما وابعدى عنها، جوزها كان كدا بيحبها يمكن
لما تسمعه تعذره
ثم تابعت:
-المهم خليك هنا هغير وهجاى
بعد مرور عدة دقائق ولجت وهى تقول:
-يلا يا طا
توسعت عيناها بصدمة طاهر ممدد على فراش الكشف
يطوى يده على صدره، ابتسمت ابتسامة هادئة ثم
اقتربت تسحب الغطاء عليه وانصرفت للغرفة المجاورة
وجلست على المقعد لكنها لم تستطع منع نفسها اكثر
فاشعلت زر الشاشة التى امامها التى تتصل بكاميرة
مراقبة للغرفة المجاورة، كانت تنظر إليه وقلبها يدق
بعنف ذقنة الشقراء، كانت تنظر إليه بتشرب ولم
تغفل عن النظر لأنش واحدة يبدو كملاك وهو نائم
غير ذلك البربرى الذى يتعامل معها، وضعت يدها
على موضع قلبها، شعرت انفاسها اضمحلت والاكسجين
نفذ همست وهى تقول لنفسها:
-طاهر، طاهر بيسان ملقتيش غير طاهر دا قلبه وعقله
مع واحدة تانية طول عمرك محافظة على قلبك ايه
اللى جرى دا لسه واخدك تكشفى عليها
اطبقت شفتاها على بعضهما وقبضت على يدها حتى ابيضت، تشعر بنيران شبت بداخلها ولاتعلم هذه نيران
الحب أم نيران الغيرة، اغلقت الشاشة سريعًا وهى
تقول:
-لأ لأ بس عشان بقالى فترة مش بتعامل مع حد غيرة لا
****
فى الصباح
شعر طاهر بتشنج عضلاته فخرجت منه
آنه خافته ثم رمق المكان حوله باستنكار وسرعان
ما استطاع التذكر، انتفض من نومته يبحث عن هاتفه كى يتصل بها، عدة لحظات ولجت وبيدها كوبان من
القهوة فمدت يدها له بكوب القهوة، فتناوله وهو
يحك بالأخرى مؤخرة رأسه قائلًا:
-أيه الاحراج دا؟!
-لا عادى ولا يهمك، انا متعودة على النومة هنا
المهم انت ارتحت عندنا
ارتشفت قهوتها وهى تنظر له بابتسامة فضحك هو
الاخر قائلًا:
-أنا مش برتاح غير والواد كرم رجله فى وشى
المهم استرى عليا ومحدش يعرف
ثم تابع بتلقائية:
-بس تغيير بقى اول حد اشوفه على الصبح انتِ
احتقن وجهها بالحمرة القانية، ثم استدارت ترتب الملفات
فى محاولة لضبط اعصابها حتى همس بصوته الأجش:
-يلا عشان تروحى واوعى تقولى هشتغل تانى
لازم تروحى عشان تنامى
نبض قلبها بين ضلوعها وشعرت أن الاحبال التى تأخذ منها الانفاس قد انغلقت، ارتدت قناع الجمود قائلة:
-لا همشى لأنى رايحة اجيب تارا من المطار
-دا بجد مقولتيش ليه؟
هتوصل امته؟
رفعت كتفاها قالت له وهى تزم شفتاها:
-هما اصلا قالوا ليا من يومين وامبارح بليل تارا
قالتلى انها جاية عشان محبتش تيجى مع بابى
ومامى
-حيث كدا يلا بينا نطلع على البيت اجيب العربية عشان
لو معاها شنط هى هتقعد فين صحيح
-هما حجزين فى فندق هشوفها تقعد معايا ولا هتروح على الفندق على طول
*****
فى المطار
عينيه كانت تحدق كرم وكأنه يود قتله فقال له وهو ينفث كلامه نفث:
-ممكن افهم ايه اللى جابك معانا
اجابه بكل بساطة:
-جاى اجامل بيسان
امتعضت ملامح طاهر قائلًا:
-هو مش عزال هو جاى تجامل.
اختها جاية من السفر
انت ايه اللى يحشرك انت
قاطعتهم بيسان هاتفة:
-تارا وصلت أهى
جسد ناعم رقيق دون افتقاره للمقومات الانثوية، ترتدى
فستانًا اسود قصير ذو حملات رفيعة و ترتدى من الأعلى بلوزة بيضاء بهلهلة بشكل جذاب وحذاء
ابيض رياضى، اقتربت اكثر ثم بحركة عفوية جذبت
شعرها من الخلف ليتدل على كتفها، عيناها بندقية
كعيون المهر الصغير، وكلما اقتربت اكثر موجة اعجاب
طاهر وكرم تعالى رويدًا رويدًا فهمس طاهر:
-ابويااا أنا ايه الفتنة دية
ضرب كرم كف بالأخر قائلًا:
-الألماس دا هرب ازاى من الجمارك مفيش ضمير مفيش
حلاوة كدا
وما أن وقفت امامهم همت بيسان لتحتضنها
لكنها كالعادة فجأتها ببرودة المشاعر قائلة:
-هاى بيسان
سياط من الألم تلسع قلبها ابتسامة شاحبة مغلفة
بالخزى:
-حمدلله على سلامة ياتارا
رفعت تارا عينيها وهى ترمق طاهر وكرم متسائلة:
-مش هتعرفنى
أنا على حد علمى أن اسود قصر النيل مكانهم مش هنا
تارا اخت بيسان
ابتسم طاهر بشغف وهو يقول:
-اموت فى بعد النظر طاهر حسين
ابتسم كرم باتساع وهو يغمز بطرف عيناه:
-كرم، رغم أن مفيش اكرم منك بعد المجاملة دية
-مش بعرف اجامل دية حقيقية
بس غريبة بيسان تعرف شباب وعادى كدا والحياة بيس
اهو وسابت الطب كانت خنقانا ليه بقي
-حافظى على كلامك يا تارا
زمت شفتاها بضيق قائلة:
-رجعنا تانى لتعليمات، وتوجيهات دكتورة شفاعة
استنكر طاهر اللقب متسائلًا:
-شفاعة
أومات له لتؤكد على حديثها قائلة:
-ايوة شفاعة أنا اقولك كان فى دكتورة فى دبى اسمها شفاعة وابحاث والجو دا وفى الاخر مخها لسع واتجننت
قهقه طاهر بصخب وهو يكرر اللقب، ضحكاته مزقت نياط قلبها، لا أحد يواسى وجعها لا صديقه لديها تخبرها
بما تمر به لتساندها قليلًا ولا حتى أخت، ووالدتها ليس
موجودة بالأساس، رمقت طاهر بوجع وتلألأت الدموع
عيناها لكنها احكمت المحابس الدموع قائلة:
-يلا عشان عندى شغل
التقطت تارا نظرتها المتألمة التى ترمق بها طاهر فابتسمت بتهكم ثم تعلقت بذراع طاهر لتسير
معه قائلة:
-يلا بينا وبالمرة اقولك على بقيت الألقاب بتاعتها
قهقة طاهر ثانية متسائلًا:
-معقولة هو فيه اكتر من شفاعة
تنهد كرم بحنق وهو يقول:
-يخربيت امك ياكرم مش بتفوق غير فى دقيقة 90
*******
