رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الخامس بقلم جاسمين محمد
بعد ما الباب اتقفل وعمها وابنه اختفوا من قدامهم، ساد صمت رهيب في المكان. ليلى كانت واقفة مكانها زي الصنم، عينيها مثبتة على آسر بنظرة ذهول تام، وكأنها بتشوفه لأول مرة أو كأن الكلام اللي قاله لسه بيرن في ودنها ومش قادرة تستوعبه.
آسر قرب منها وقلق باين في عينيه، وقال بصوت هادي:
"ليلى.. أنتِ كويسة؟"
ليلى فضلت باصة له بنفس النظرة، الصدمة كانت لسه ملجمة لسانها، لكن فجأة بدأت تستعيد وعيها، وراحت هازة راسها بعنف كأنها بتنفض الفكرة من دماغها، وقالت بصوت مهزوز ومرتبك:
"أنت.. أنت إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي أنت قلته ده؟ فهمني إيه اللي قلته ده!"
حاولت تاخد نفسها وهي بتعلي صوتها من كتر التوتر:
"أنا مش مراتك! ليه قلت إن أنا مراتك؟ أنت عارف الكلمة دي معناها إيه؟"
آسر حاول يقرب منها عشان يهديها، ومد إيده وقالها:
"ليلى، اهدي.. أنا هفهمك كل حاجة، بس اهدي عشان نعرف نتكلم."
ليلى رجعت خطوة لورا وهي بتشاور بإيدها بانفعال:
"أهدى كيف؟ أنت جاي قدام أهلي وبتقول إن أنا مراتك وعايزني أهدى؟ وبعدين هم مستحيل يصدقوا.. مستحيل يصدقوا الكلام ده يا آسر! أنت حطيتني وحطيت نفسك في ورطة !"
آسر وقف مكانه بكل ثبات، وحط إيده في جيبه وهو بيبص لها بهدوء غريب، وكأن اللي قاله ده شيء عادي جداً، وقال بنبرة واثقة:
"ولا ورطة ولا حاجة يا ليلى.. أنتِ ليه مكبرة الموضوع كده؟ الموضوع أبسط من كل الخوف اللي في عينيكي ده."
ليلى برقت عينيها بصدمة أكبر، وحست إن الدم غلي في عروقها من بروده، وراحت رادة عليه بانفعال وهي بتخبط بإيدها على الطرابيزة اللي جنبها:
"أبسط؟! أنت بتقول موضوع بسيط؟ إزاي في ليلة وضحاها أبقى مراتك قدام الناس؟ أنت عارف يعني إيه كلمة 'نسب'؟ أنت عارف العواقب اللي ممكن تحصل من كذبة زي دي؟"
صوتها بدأ يعلى وهي بتكمل بذهول:
"أنت فاهم إن عمي وابنه مش هيسكتوا؟ دول هيدوروا وراك ويسألوا عن القسيمة وعن اليوم اللي اتجوزنا فيه! أنت متخيل الورطة اللي رميتنا فيها عشان بس 'تحميني' لحظه ؟"
آسر قرب منها خطوة، ونظرته لسه هادية، وقال لها بصوت واطي ومستفز:
"ومين قال لك إنها كذبة لحظه؟"
ليلى وقفت مكانها، والكلمة الأخيرة اللي قالها آسر "ومين قال لك إنها كذبة؟" خلت قلبها يدق بسرعة جنونية، بصت له بذهول وسألته بصوت واطي :
"قصدك إيه؟ مش فاهمة.. أنت عايز تقول إيه يا آسر؟"
آسر قرب منها أكتر، ونظرته اتحولت من البرود لجدية تامة، وبص في عينيها مباشرة وقال بوضوح:
"يعني مش كذبة يا ليلى.. أنا فعلًا عايزك تكوني مراتي. موافقة تتجوزيني؟"
السكوت حلّ في الأوضة للحظة، ليلى حست إن الدنيا بتلف بيها، ومسكت في طرف الكرسي عشان متقعش، وبدأت تضحك ضحكة قصيرة كلها صدمة وتريقة، وقالت بنبرة فيها سخرية ووجع في نفس الوقت:
"تتجوزني؟! أنت بتتكلم بجد؟ أنت متخيل إن ده الوقت المناسب لـ 'عرض جواز'؟"
ضحكت تاني باستهزاء وكملت وهي بتبص له من فوق لتحت:
"يا سلام! يعني إحنا في وسط المصيبة دي، وعمي اللي عايز يجرجرني وراه، وأنت تطلع تقرر فجأة إننا نتجوز عشان تداري الكذبة اللي قلتها؟ أنت فاكر الجواز لعبة يا آسر عشان تطلعني من ورطة تدخلني في ورطة تانية؟"
آسر فضل واقف مكانه متهزش من تريقتها، ورد بمنتهى الهدوء:
"أنا مش بلعب يا ليلى.. وأنا مش بطلب الجواز عشان أداري الكذبة، أنا قلت الكذبة دي عشان كان لازم تكوني ملكي قدامهم.. ودلوقتي بخليها حقيقة."
ليلى بصت لآسر بدموع محبوسة وقالت بصوت واطي:
"بس أنا كدة بعرض حياتك أنت للخطر يا آسر.. يعني لو أنا بنقذ نفسي، فبكون برمي بيك في النار.. عمي مش سهل."
آسر بصلها بنظرة كلها ثبات وطمأنينة، وكأنه بيحاوطها بكلامه قبل أفعاله، ورد عليها بصوت واثق:
"ما تقلقيش.. ما حدش يقدر يعمل أي حاجة طول ما أنتِ في حمايتي، والاسم اللي هتشيليه هيخلي الكل يعمل لك ألف حساب."
ليلى حست في اللحظة دي بشعور غريب هز كيانها، نظرة آسر كان فيها حاجة أبعد من مجرد "اتفاق".. حاجة خلت قلبها يدق بطريقة مش فاهماها، لكنها حاولت تتماسك وقالت بشروطها:
"بس بشرط.. الاتفاق يبقى زي ما قلنا، كم شهر أو سنة بالكتير وتطلقني.. وكل واحد يروح لحاله."
آسر حس بنغزة قوية في قلبه، وجع مكتوم وهو بيسمعها بتخطط لليوم اللي هتبعد فيه عنه، لكنه رسم الهدوء على وشه ورد بكلمة واحدة:
"وأنا موافق."
هنا الأم تدخلت بلهفة وخوف، وهي بتبص للباب كأنها مستنية عم ليلى يقتحم البيت في أي لحظة، وقالت:
"طب يلا.. خدوا بعضكم ويلا يا آسر خد ليلى واكتبوا الكتاب بسرعة قبل ما يرجعوا تاني، وحاول يا ابني تطلع أي ورقة أو حاجة تثبت إنكم متجوزين عشان يسكتوا ويبعدوا ."
آسر بص للأم وقال لها: "ما تقلقيش يا أمي، هعمل كل حاجه."
وبعدين التفت لليلى، ومد إيده ليها بكل رقي وهدوء عشان تمسكها ويخرجوا.. ليلى فضلت باصة لإيده الممدودة، كانت شايفة فيها طوق النجاة وفي نفس الوقت القيد اللي هيربطها بيه.. فضلت واقفة مكانها مترددة، خايفة تلمس إيده وتضعف قدام الأمان اللي حاسة بيه معاه.
آسر لما لقاها طولت في التفكير وواقفة متصلبة مكانها، راح ساحب ايدو بحراج ولف ضهره ليها بسرعة عشان يداري ملامحه اللي اتغيرت، وقال بنبرة جادة:
"يلا.. أنا مستنيكي في العربية تحت."
وسابها وخرج بخطوات سريعة من غير ما يلتفت وراه، وكأنه بيهرب من نظراتها اللي كانت بتحرقه.
ليلى فضلت واقفة مكانها، حاسة بتقل في رجليها مش قادرة تتحرك، لحد ما لقت إيد امها بتتحط على كتفها.. كانت مامتها اللي عينيها مليانة دموع وخوف، وبدأت تطبطب عليها بحنان وتقول لها بصوت واطي ومكسور:
"معلش يا بنتي.. روحي وراه، آسر شهم وهيقدر يحميكي. خلينا نخلص من عمك ومن اللي بيعمله فينا ده.. الجوازة دي هي اللي هتكسر عينه وتخليه يبعد عننا للأبد."
ليلى بصت لمامتها بيأس، وكأنها بتودع حياتها القديمة، وخدت نفس طويل وهي بتمسح دمعة خانتها ونزلت على خدها. هزت راسها بالموافقة من غير ولا كلمة، وطلعت وراه وهي شايلة هموم الدنيا فوق كتافها.. نزلت السلم وهي شايفة عربية آسر واقفة تحت، وهو قاعد ورا الدريكسيون، ملامحه جامدة وعينيه باصة للطريق قدامه، وكأنه بيستعد لمعركة مش لمجرد "كتب كتاب"....
نزل آسر وليلى من بيت والدتها، الصمت كان سيد الموقف. ركبا العربيه وتوجها مباشرة إلى المأذون. هناك، وسط كلمات "بارك الله لكما وبارك عليكما"، تمت الزيجة رسمياً.
بعد انتهاء المراسم، أخرج آسر مبلغاً من المال وأعطاه للمأذون قائلاً بنبرة منخفضة :
"يا ريت تستعجل في موضوع القسيمة.. ولو ينفع تتصرف لي في واحدة حتى لو مزورة اليومين دول أمشي بيها حالي لحد ما الأصلية تخلص."
هز المأذون رأسه بتفهم وهو يلمس المال:
"تمام يا آسر بيه، اعتبره حصل. من هنا لبكرة بالكتير هبعتلك نسخة تتصرف بيها لحد ما نطلع القسيمة الرسمية."
خرج آسر ومعه ليلى، ركبا السيارة وانطلقا. كانت ليلى تنظر من النافذة، غارقة في صمت غريب، ملامحها باهتة وكأنها في حلم. ظل آسر يراقبها بطرف عينه، حتى قرر أن يكسر هذا الجمود وسألها:
"مالك ساكتة ليه يا ليلى؟"
التفتت إليه ببطء، وعيناها تلمعان بلمحة انكسار وقالت بصوت خافت:
"أنا آسفة يا آسر.. بجد آسفة إني بوقعك في المشاكل دي كلها وبخليك تضطر تعمل كل ده عشاني."
نظر إليها آسر بحنان، ثم أبطأ من سرعة السيارة قليلاً وهو يقول:
"أنا اللي المفروض أعتذر لك.. إنتِ ناسية إنتِ عملتي إيه؟ إنتِ أنقذتي روح طفل في المستشفى، ووقفتي جنبي في أصعب وقت.. وبعدين تعالي هنا، مين اللي بيسهر يكتب لي البحث العلمي بتاعي ويظبطه؟ ده إنتِ ليكي جمايل مغرقاني يا ليلى!"
بدأت ملامح ليلى تلين قليلاً، فابتسم آسر ابتسامة جانبية ليخفف من جدية الموقف وقال بمزاح:
"وبعدين أنا أعمل أي حاجة عشان خاطر 'بتاعة العصافير'.. مش عايز أشوف التكشيرة دي تاني، إحنا قلبنا الجو نكد وأنا لسه عريس جديد ومحتاج البحث يخلص!"
ضحكت ليلى رغم الحزن الذي كان يسكنها، وشعرت لأول مرة أن هذا الزواج، رغم ظروفه الصعبة، قد يكون أجمل شيء حدث لها.
نظرت ليلى إلى آسر بقلق وسألت: "طب إحنا هنروح فين دلوقتي يا آسر؟"
رد آسر بهدوء وهو يغير اتجاه السيارة: "إحنا رايحين على شقتكم، هناخد والدتك وكل حاجتكم المهمة.. لازم تعيشوا معايا من هنا ورايح، مش هسيبكم لوحدكم وعمك لسه بيدور عليكي."
ارتبكت ليلى وقالت بتردد: "بس.. بس ما ينفعش أعيش في البيت عندك، الموضوع مش بالسهولة دي.. وبعدين أهلك لو رُحنا هناك أكيد هيحصل مشاكل، وأنا مش عايزة أكون سبب في خناقة بينك وبينهم."
أخذ آسر نفساً طويل ونظر إليها بنظرة مطمئنة وقال: "ما تقلقيش من النقطة دي خالص.. إنتِ دلوقتي بقيتي مراتي قدام ربنا والقانون، ومحدش له كلمة عليكي طول ما أنا موجود. الشقه اللي هنروحه مكان أمان وكمان دي بتاعتي وفي مكان بعيده عن اهلي، ومسألة أهلي أنا اللي هحلها.. المهم دلوقتي إنك تثقي فيا وتعرفي إن مفيش حد هيقدر يلمس شعرة منك."
سكتت ليلى وهي تشعر لأول مرة بالأمان الذي كانت تفتقده، لكنها ظلت تتساءل في سرها: "هل فعلاً آسر هيقدر يواجه عيلته عشانها؟"
نظر إليها آسر بفضول وقال:
"بس قولي لي يا ليلى.. أنا عايز أفهم، إنتِ إزاي ممرضة بارعة كدة؟ لمستك وخبرتك بتقول إنك محترفة مش مجرد هاوية."
تنهدت ليلى بحزن، وشرودها عاد لسنوات الماضيه وقالت:
"هحكي لك باختصار.. أنا فعلاً كنت ممرضة شاطرة جداً، ودرست 4 سنين تمريض وكان حلمي أكمل.. بس في السنة الخامسة كل حاجة اتهدت. هربت يا آسر.. هربت عشان كانوا عايزين يجوزوني ابن عمي غصب عني. سيبت الكلية وسيبت حلمي وكل حاجة بتفكرني بالماضي وخدت ولدتي وهربنا ،وقررت ابدا حياتي واحلام تاني من جديد."
صمتت قليلاً ثم أكملت وصوتها يرتجف:
"اتجهت للكتابة عشان ألهي نفسي، كنت بحاول أهرب من الواقع القاسي للخيال.. رواياتي وأبطالي هما اللي كانوا بيهونوا عليا الأيام الصعبة، وبحس فيهم بالحرية اللي اتحرمت منها، مع إني لسه بحب التمريض وكان نفسي أكون معيدة في الكلية."
تأثر آسر جداً بكلامها، وأمسك يدها برفق وهو يقود السيارة وقال بإيمان شديد:
"مفيش حاجة ضاعت يا ليلى.. طول ما أنتِ معايا، أوعدك إنك هتكوني أشطر دكتورة بإذن الله. الأيام اللي جاية هتعوضك عن كل اللي فات."
ثم ابتسم ليغير مجرى الحديث وقال بمرح:
"يلا بينا بقى عشان نجيب والدتك، ونروح بيتك يا عروسة.. إنتِ اللي هتنوري البيت وتمليه بروحك."
عندما لمس آسر يدها برفق، شعرت ليلى بكهرباء في جسدها كله. كانت قشعريرة غريبة لم تشعر بها من قبل، شعور بالأمان ممزوج برهبة اللحظة. خفق قلبها بشدة لدرجة خافت أن يسمع آسر دقاته وسط سكون السيارة.
آسر، الذي شعر بارتباكها وأراد أن يخفف من حدة المشاعر التي بدأت تسيطر على الجو، نظر إليها بابتسامه وقال:
"جرى إيه يا 'أم قلم وورقة'؟ روحتي فين؟ شكلك بدأتي تكتبي رواية جديدة في دماغك دلوقتي!"
ابتسمت ليلى بخجل، وحاولت أن تستعيد توازنها وتجاريه في الهزار، فردت عليه وهي ترفع حاجبها:
"أنا يا آسر؟ طب بس يا 'أبو مشرط'.. خليك في حالك وفي المستشفى بتاعتك."
ضحك آسر بصوت عالٍ وقال لها:
"أنا 'أبو مشرط' يا ليلى؟ ماشي يا ستي، مقبولة منك.. بس 'أبو مشرط' ده هو اللي هيحمي 'أم قلم' من أي حد يحاول يضايقها من هنا ورايح."
نظرت إليه ليلى بامتنان وقالت بصوت رقيق:
"عارفة يا آسر.. ومع إنك 'أبو مشرط'، بس كلامك بيطمن أكتر من أي رواية كتبتها في حياتي."
