رواية ظل بعد ظل الفصل الخامس 5 بقلم ياسمين النعيمي

 

 

 

رواية ظل بعد ظل الفصل الخامس بقلم ياسمين النعيمي

بعد ما حسيت قوتي رجعت لي شوية ...
نهضت من السرير بهدوء …
هالمرة جسمي كان أخف شوية، مو لأن التعب راح …
بس لأنّي رتّبت نفسي داخلياً ...

الممرضة سحبت الكانيولا من إيدي، خلت لي لاصقة جروح و نبهتني انه ضغطي مرتفع فوق الطبيعي شوية، لازم انتبه لنفسي.
تجاهلت تنبيهها هذا ... عدّلت قميصي، و طلعت للممر …
خطواتي أبطأ، بس أوضح.
مشيت لردهة العناية المركزة، تأملت بابا من الشباك بعده على وضعه ... ما طولت لأن الباب المقابل انفتح، و طلع الطبيب.
زياد كان واقف، و قيس داخل الغرفة،
فوقفت يم الباب … و اقترب زياد.
- دكتور …
التفت إلنا، و ابتسم ابتسامة مهنية هادئة:
- صحتج احسن دكتورة ؟!
هزّيت راسي:
- إي … اني بخير.

بدأ يشرح بهدوء، و كلماته موزونة:
- العملية كانت طويلة، و الحمد لله نجحت … بس مثل هيج حالات، الاستفاقة ممكن تتأخر.
قلبي انقبض شوية …
بس كملت أسمع.
قبل الـ 24 ساعة، التأخر يعتبر طبيعي جداً … خصوصاً مع العمليات الكبرى مثل زراعة الكبد.
تنفست ببطء …
و لأول مرة من ساعات … حسّيت التوتر ينزل درجة.
حالته مستقرة، و هذا أهم شي حالياً.
هزّيت راسي:
- شكراً دكتور.
تحرك، و كمل طريقه …
و بقيت واقفة لحظة … أستوعب.
التفتت …
قيس كان يسمع من الداخل، عيونه علينا.
دخلت الغرفة، و وقفت بمكاني.
- الدكتور يكَول طبيعي يتأخر … قبل الـ 24 ساعة.
هز راسه بهدوء:
- طبيعي.
زياد ساكت …
بس واضح الارتياح عليهم.
سكتنا لحظة …
بعدين قلتلهم:
- اني لازم أرجع للبيت شوية.
نظراتهم اتجهت عليّة.
- البنات … مر يوم كامل و اني بعيدة عنهم. ما متعودين.
كان قرار بسيط …
بس ثقيل عليّة.
نظرت لزياد:
- ترجع وياي ترتاح شوية؟
هز راسه مباشرة:
- لا … اني مرتاح هينا.
قبل لا أرد …
قيس تدخل، بنبرة هادئة … بس حازمة:
- زياد … روح.
التفت له:
- لا حبيبي، اني بخير.
- الك يوم كامل على رجليك.
سكت زياد لحظة …
و هو يكمل:
- اني اصلا راح أنام … ما أحتاج أحد وياي.
نظراتهم تلاقت …
و كانت كافية.
تنفّس زياد، و هز راسه:
- زين.
نظرت لهم …
و بدون ما أحچي … فهمت.
التفتت:
- نطلع ؟
طلعنا بهدوء …
و الطريق للمواقف كان ساكن … بس مريح شوية.

بالسيارة …
الطريق كان أطول من العادة …
أو يمكن إحنا الي تعبانين أكثر.
زياد كان ساكت …
و اني هم.
بس هالسكوت … مو ثقيل ... كان استراحة محاربين ...
وصلنا للبيت …
أول ما انفتح الباب،
صوت رغد سبقها:
- ريّااا؟!
دخلت …
و هي جتني بسرعة.
حضنتني بقوة …
كأنها تعوّض يوم كامل.
- وينچ ؟! خوفتيني !
ابتسمت… و حضنتها:
- آسفة، كلش انشغلت …
رهف طلعت وراها،
عيونها تسأل أكثر من كلامها.
- شلون بابا؟
نزلت لمستواها:
- زين … بقى يم الطبيب حتى يصير زين.
هزّت راسها بهدوء …
و تقرّبت أكثر.
رغد مسحت عيونها بسرعة تهمس لي:
- طلبت غدا … ما أعرف اسوي أكل مثل الي تسويه.
تأملتها … و ابتسمت:
- زين سويتي ... وصل ؟!
- لا هسة المفروض يوصل ...

دخلت خطوتين و اجت عيني على عمي، كان يصلي بالصالة ... سلم ينهي صلاته و رفع لي نظراته ... فتح إيده و هو جالس ع الأرض مبتسم، تقربت جلست مقابله و حاوط كتفي بيساره و ربّت على شعري بيمينه يقول،
- شلون عافيتج يابا ؟!
ابتسمت له،
- الحمد لله بخير ...
ظل يمشي إيده على شعري كإنه يمسح عني التعب ...
نزلت عينه لإيدي الي كانت بيها الكانيولا و همست له،
- لا تحجي شي كَدام البنات، ما كَلنالهم عني.
رفع نظرته يتأمل عيوني و رمش بعيونه و هز راسه بالموافقة.
نهضت على صوت الجرس، رغد تحركت تطلع و سبقها زياد للباب. وقفت منزعجة منه، و تدردم،
- شعليه هو يطلع ؟!!
و اني نغزتها،
- عيب تحجين هيجي هو مو بكَدج.
- ليش يطلع ؟! يعني عيب الغدا احنا طالبيه.
- ميخالف، ادخلي حضري و اني اطلع وراه.
دخلت هي بعد عناد .. و طلعت ورا زياد جان يحاسب، وقفت خليته يخلص و قلتله،
- زياد ماله داعي ...
و هو ضحك يكَول،
- هاي ام لسان ما دبرت الغدا !!
ابتسمت اقولّه،
- اي يعني مو كلش قوية ...
ابتسم يقول،
- بسيطة اني الها ... يلا يلا ميتين جوع ...

و دخل شايل الأكياس و ضيع الموضوع عليّة، بس بابا علمني إنه عيب لما رجال موجود تدفعين شي، رغم المجتمع هنا يختلف ...
أهلي عندهم عيب ... كان المفروض يوصل قبل وصولنا حتى تعرف تتصرف ...
بطأت خطواتي أردد كلمة أهلي بيني و بين نفسي ...
هل فعلاً صرت احسهم أهلي ؟! حتى الفكرة طلعت مني بعفوية بدون إدراك ...

صعدت اغسل و ابدل ملابسي ... و نزلت لقيتها محضرة الأكل. طلع زياد من الغرفة و دخل للمطبخ يقوللها،
- تحتاجين مساعدة ؟!
و هي تباوع له بحقد ... ما أعرف شنو نوع المشاحنات الصارت بينهم بس حسيتها حطته براسها ...

تداركت المشاحنات الي بينهم و قلتله،
- اكَعد زياد عاشت ايدك ...
و طلعت من المطبخ اصيح لعمي تاركته يقول،
- تدّللون يابا،
بصوت مسموع ...
مستمر يسمّعها ...
- اسهر وياكم بالمستشفى .. و اسويلكم الغدا ...
و رغد انتفضت،
- محد طلب منك، مو انت سويته !!
اجى عمي و رجعت اخزرها،
- كافي اكَعدي عاد ...

جلسنا حوالين الطاولة، الأكل أمامنا، الجو كان بائس جداً لولا مشاحنات زياد و رغد ... 
هي مخبلة و انفعالية ...
و هذا عرف يستفزها ... طول الجلسة ياكل متلذذ و هي تريد تطكَ من العصبية.
ضحكت بداخلي ... و أكلنا.
يمكن لأن أجسامنا تحتاج …
مو لأن عندنا نفس.
بس زياد كانت نفسه مفتوحة لغاية.
و يتصرف كأن وجوده صار جزء من المكان.

مرّت الساعات …
حچي خفيف …
أسئلة …
طمأنينة متقطعة.
و لأول مرة من بداية كلشي …
البيت رجع … شوية.
العصر …
زياد كان تعبان واضح.
- روح نام شوية.
تنهد بتعب،
- إي والله تعبان.
دخل للغرفة …
و ما طول … نام.
التفتت لعمي سلمان:
- نرجع للمستشفى؟!
هز راسه بهدوء:
- اي ...
طلعنا سوا …
الطريق هالمرة أقصر …
أو يمكن لأن تعودت.
رجعنا …
الممر نفسه …
الريحة نفسها …
بس اني … أهدأ ...
دخلنا …
سألنا …
كلشي مثل ما تركناه.
عمي اكتشفت إنه متعلق بقيس كلش ... طول الوقت كَاعد و إيده على راسه أو لازم إيده ... و ما نزل من لسانه ذكر الله عليه ...

بالليل …
زياد رجع.
واضح نام كم ساعة …
بس بعده تعبان.
وقف يمنا:
- انتو ردّوا للبيت.
نظرت له:
- تبقى لوحدك ؟!
- اي اني اظل هين.
التفت لعمي:
- يابا تعبت انت، روح ارتاح ...
عمي حاول يعترض …
بس سكت و نطق يوصيه،
- عينك لا تفارج اخوك ... و عمك لو صحى بنص الليل انطينا خبر ...
زياد رد بهدوء:
- تامر أمر ... لا تخاف ...
نظرت لعمي …
كان واضح …
ما راح يروح إلا إذا اني مشيت.
تنفست ببطء:
- يلا عمو ...
هز راسه زياد …
بامتنان هادئ.
طلعنا من المستشفى …
تاركين زياد يحرس أبوية و قيس ...
دخلنا للبيت …
كان هدوءه أعرفه …
بس بيه انتظار.
رغد كانت واقفة بالنص …
و رهف وراها، متشبثة بطرف ملابسها.
أول ما شافتني …
- ريّا!
الصوت طلع منها بسرعة …
و ركضت.
نزلت لمستواها قبل لا توصل …
حضنتها بقوة …
و كأنها تعوض يوم كامل بلمسة وحدة.
- وين رحتي؟!
همست بصوت متعب، بس حنون:
- جنت يم بابا حبيبتي …
رفعت راسها، عيونها مليانة:
- ليش ما خذتيني وياج؟
هنا…
انكتم على قلبي.
مسحت على خدها:
- لأن المستشفى مو مكان حلو للأطفال … بس كنت أفكر بيچ كل الوقت و بابا يسأل عليج، يقول بوسي رهوفة،
قلتها و اني أبوس شعرها مثل ما هو يسوي لها ...
تقربت أكثر …
و لفّت إيديها على رقبتي:
- لا تروحين بعد.
غمضت عيوني لحظة …
و ضميتها لحضني:
- ما أروح … هسة يمج ...
رغد كانت واقفة …
تحاول تبين قوية …
بس عيونها تفضحها.
مدّيت إيدي إلها:
- تعالي.
قربت ببطء …
و حضنتها ويا رهف.
- شلونچ؟
هزّت راسها:
- زينة …
بس نبرتها قالت غير هذا.
حطّيت إيدي على راسها:
- تعبتي؟
ابتسمت بخفة:
- اي.
- زين … اليوم اني وياكم.
الجملة كانت بسيطة …
بس واضحة.
جلسنا …
رهف ما تركتني.
حتى لما كَعدت …
كانت لازمة بية،
تحاول تحچي …
تضحك …
بس ترجع تسكت فجأة … و تحضنّي أكثر.
واضح …
هذا مو دلع.
هذا خوف ...
بالليل…
غرفتي صارت مليانة.
رهف أصرت تنام وياي.
- أريد بحضنج.
ما جادلتها،
تمدّدت …
و هي تسلقت يمّي …
و حطّت راسها على صدري.
إيدي ضمّتها …
و ظليت أمسد على شعرها بهدوء.
- نامي حبيبتي …
همست:
- إذا نمت … تروحين؟
ضمّيتها أكثر:
- لا … أبقى.
سكتت لحظة …
بعدين غمضت عيونها.
بس إيدها …
بقت متشبثة بقميصي.
كأنها تتأكد إني موجودة.
نظرت للسقف …
و حسّيت بثقل اليوم كله أخيراً ينزل على عيوني ...
مو ألم …
تعب هادئ.
رغد دخلت بهدوء،
وقفت يم الباب:
- تحتاجين شي؟
هزيت راسي:
- لا … 
و سألتها،
- تريدين انتي شي ؟!
ابتسمت هي تقول،
- لا بس ردت اشوفكم ...
و غلقت الباب.
رجعت أنظر لرهف …
نامت أخيراً …
و اني …
ما حسّيت بنفسي
إلا و النوم سحبني وياها.
كَعدت قبلهم بشوية.
رهف بعدها بحضني …
نفس مكانها … نفس الإيد الماسكة قميصي كأنها خايفة أفلت منها.
ابتسمت بخفة …
و فكّيتها عني بهدوء، غطّيتها عدل … و كَمت.
المطبخ كان هادئ …
فتحت الشبابيك و باب المطبخ ...
تسللت أشعة الشمس منهم و نوّرت البيت ...
و بديت ارتب …
حركة ورا حركة …
شاي … خبز … طماطة و بيض ... الأجبان و نمنميات الريوكَ ... 
شي يرجّع الإحساس الطبيعي للحياة.
كنت مندمجة بالترتيب …
لدرجة ما انتبهت للحركة الجاية من يم الدرج …
بس أسمع رهف تبجي و تصرخ بصوت مكسور:
- ريّااا …!
و بعدها …
انفجرت تبجي بطريقة مو عادية ... طريقة طفلة ميتة خوف ... 
طلعت من المطبخ بسرعة و لقيت عمي سلمان كان ثاني رجليه جالس لجنبها يقول،
- شبيج يابا ...
و هي تمسكت بملابسه تشكي له،
- راحت … ريّا راحت … عافتني ...
مسح على راسها:
- لا حبيبتي … بالمطبخ.
أشر بإيده:
- هين … روحيلها.

و هي ركضت إليّ بنفس اللحظة.
شمرت نفسها بحضني …
و لفّت إيديها بقوة على رقبتي، و بعدها تبچي:
- عبالي رحتي …
نزلت لمستواها …
و حضنتها بقوة:
-وين أروح و اعوفج ... مو كَلتلج ماروح ؟!
مسحت دموعها بإيدي …
و بديت أهدّيها:
- هشش … هشش … بنيتي … اني هنا …
كانت تبچي و تتنفس بسرعة …
و كل مرة تحضنّي أكثر.
- ما تروحين …
- ما أروح … وعد.
رفعت راسها، تتأكد من عيوني …
كأنها تريد ضمان.
مسحت على شعرها:
- حتى لو رحت بعدين … أرجع.
هزّت راسها بسرعة:
- لا … ما تروحين.
حضنتها مرة ثانية…
و بديت أهزها بهدوء.
- زين … هسة ما أروح.
عمي سلمان كان واقف يم الباب …
يتابع المشهد بهدوء.
نظراته بيها شي …
مزيج بين تعب … و راحة ... و استكشاف ...
رفعت عيوني إله …
- عمو … أخذت أدوية الضغط؟
هز راسه:
- ورا الريوكَ حبيبتي ...
ابتسمت له،
- يلا الريوكَ صاير ... اجيت اصيحك و نزلت العاصفة ...
رجعت نظري لرهف،
و بعدها شوية شوية … هدت.
بعدها …
صعدت كَعدت رغد …
و بدت الفوضى الحلوة.
لبس …
جنط …
صوتهم ملأ البيت …
رهف ما تركتني،
حتى و هي تلبس … كانت متمسكة بطرف ثوبي.
أني أرجع آخذچ من المدرسة.
هزّت راسها بفرح …
- يعني مو بالباص ؟!
أكدت لها بنظرة.
و بعدها همست:
- لا تتأخرين.
ابتسمت:
ما أتأخر.
بعد ما طلعوا …
رجع البيت هادي.
بدلت بسرعة ...
و جهزت شوية سندويشات بعلبة …
و التفتت لعمي:
- المن ذن يولي ؟!
ابتسمت له،
- خطية زياد أكيد بعده ما تريكَ ...
ابتسم هو يقول،
- يلا نمشي ؟!
- اي مخلصة ...
و حبيت الطف الجو،
- اعذرنا على العواصف الصباحية عمو ...
- علوّيش حبيبتي ؟! طفلة و متعلقة بيج حكَها ...
و طلعنا سوا.
المستشفى …
نفس الممر …
نفس الإحساس …
بس هالمرة،
خطواتي ثابتة أكثر.
قربنا من العناية المركزة …
و أول ما وصلنا لغرفة قيس …
فتحنا الباب و وقفنا.
قيس كان نازل من السرير …
واقف … بس ما ثابت تماماً.
زياد كان حاضنه من خصره …
إيده محاوطته، يسنده.
شوية شوية …
قيس ياخذ خطواته الأولى …
ببطء…
بثقل…
بس واقف.
قلبي دك بسرعة …
مو خوف …
شي أقرب للفخر … أو الراحة.
زياد مركز وياه:
- يواش … اي هيچ … بهداي …
قيس تنفس بعمق …
و كمل.
بهاللحظة …
رفع عيونه …
و شافني.
وقفت بمكاني.
نظراته ثبتت عليّة …
و رغم التعب …
كان بيها نفس الشي …
هدوءه.
و كأنه يريد يطمّني بدون ما يحچي.
و اني …
بس وقفت …
أتابع.
و لأول مرة …
شفته مو بس قوي …
بل إنسان …
دا يرجع يقف من جديد.
لما التقت عيونّا ...
وقف الوقت لحظة …
مو لأن شي صار … بس لأن نظرته وصلت.
ثابتة … هادئة … بس بيها ذاك الشي اللي ما ينشرح.
ضغطت على نفسي بدون ما أحس، و قلبي دك دگّة أسرع من الطبيعي.
ليش …؟
مو أول مرة أشوفه … بس هالمرة غير.
يمكن لأن شفته واقف بعد تعب، يمكن لأن ضعفه ما كسره … يمكن لأن طريقته … بعدها نفس الشي.

نزلت عيوني بسرعة، كأنّي أخاف أطوّل أكثر.
و بهدوء … رجعت الكلمة.
مو إلي …
واضحة. صريحة. ما بيها نقاش.
تنفست ببطء … أطول من قبل، و رفعت راسي من جديد، بس هالمرة بدون ما أسمح لنفسي أقرب أكثر.
هذا إعجاب؟ يمكن.
ردة فعل؟ أكيد.
بس مو طريق … و لازم يبقى مو طريق.
حرّكت رجلي خطوة لورا… و بهدوء رجعت لواقعي.
عمي تقدم خطواته ناحيته، فاتح له إيديه ... حضنه بخفة يكَول،
- ما شاء الله ... ما شاء الله ... 
و باس راسه يسأله،
- شلون صحتك ؟! احسن اليوم ؟! 
قيس بعده مسنود بإيدين زياد يقولّه،
- الحمد لله، أحسن ...
و عمي يشاقيه،
- يعني بيك حيل لو حيّ الله ؟! 
و هو ضحك يقول،
- حيّ الله ...
ضحك عمي يقولّه،
- ان شاء الله بيك كل الحيل حبيبي ... ارتاح ارتاح ...
التفتت لزياد، و مدّيت له العلبة:
- هذا إلك.
رفع حاجبه باستغراب:
- شنو هذا؟
- سندويشات … حتى ما تاكل من كافتيريا المستشفى.
ابتسم بخفة، و أخذها من إيدي يقول:
- آخر مرة امي سوتلي لفة جنت بالابتدائية هههه ...
ضحكنا و قيس يضحك بخفة ايده على بطنه ... هزّيت كتفي:
- تدّلل يمعود .. احنا تعبناك ...
فتح العلبة شوية و هو يقول،
- اخوج الجبير يولي ...
و شمّ ريحتها:
- الله ... انتي نفسج طيبة ...
غمزت بخفة:
- إي طبعاً … مو مثل غدا البارحة.
ضحك:
- اني الها بس خل يطيب عمي و شيخلصها !!
ضحكت اقولّه،
- اذا كبرت بينكم اني مالي علاقة !!
و هو يطمنّي،
- لا يولي اشاقيها ... عدنا وحيدة نفس سوالفها،
و التفت لعمّي،
- جنها رغيدة ...
عمي هز راسه يأيد و قالّه،
- لا تجسي وياها يول مو وكتها ...
سكتنا لحظة … و كان الجو أخف.
نظرت لعمي:
- اني أروح أجيب رهف و أرجع.
هز راسه:
- الله وياج يابا، تريدين اجي اني لو زياد ؟!
- لا عمو ما اطوّل ... تعرف وعدتها ...
هز راسه متفهم و طلعت اجيب رهف ...
الطريق للروضة …
هدوء و اني ارتب أفكاري، و جاية أنفذ وعدي لرهف ...
وقفت السيارة، و نزلت.
صوت الأطفال … الضحك … الحياة الطبيعية …
شي غريب شكد احتاجيته.
وقفت يم الباب، و صحت عليها.
أول ما شافتني …
ثواني …
و بعدها ركضت.
- ريّااااااا !!
صوتها مليان فرح … صدق مو تمثيل.
شمرت نفسها عليّة، و لفّت إيديها على رقبتي بقوة:
- جيتي !!
ضحكت و حضنتها:
- وعدتج لو لا؟
رفعت راسها، تباوع بوجهي تتأكد:
- ما تأخرتي …
- گلت لج ما أتأخر.
سكتت لحظة … و بعدها ضحكت ضحكة طفلة مرتاحة، ما خايفة.
- يعني ما تتركيني؟
نزلت لمستواها، و قرصت خدودها بإيدي:
- ما أتركج.
و هالمرة … ابتسامتها كانت مختلفة.
مو بس فرح …
ثقة رجعت.
لزمت إيدي، و قالت بحماس:
- يلا نروح!
مشينا سوا … خطوة بخطوة.
و إيدها … كانت ممسكة إيدي، بس مو بقوة الخوف.
بقوة الاطمئنان ...
رجعت بيها للبيت، سويت لها الاسباغيتي الي تحبها و تتونس بأكلها، و هي تاكل مستمتعة، مرة بالشوكة و مرة بإيدها و اني ما ادقق، من هي صغيرة لما أضغط عليها ما تاكل، و لما تاكل بطريقتها تشبع اكثر ...
و أتعب نفسي شوية وراها لأنه لازم حمام يلا تنظف ورا لغاويص أكلها.

رغودة بهدوء تاكل مستمتعة بالهدوء هي الثانية! و كإنه كانت مفتقدة جوها ... بس ما علقت، تعرف مو كل كلام ينقال بوجود رهف ...
خلص الغدا، رغودة رتبت المطبخ و أخذت رهف للحمام اسبحها لأنه صلصة الاسباغيتي وصلت لشعرها !!
خلصنا و كنت امشط لها و هي نعسانة، و اني لازم ارجع للمستشفى، بس هالمرة لازم اقوللها ...
ختمت التمشيط ببوسة برقبتها ... لليوم ريحة رقبتها نفس ريحتها و هي بيبي صغيرة ... و هي تغار و تظل تتملص مني ... حضنتها لصدري و قلتلها،
- رهوفة هسة شتسوي ؟!
و هي لفت إيديها على جذعي تقول،
- نعوسة اريد انام ...
بقيت حاضنتها و مشيت أصابعي بشعرها اقوللها، 
- يلا نامي .. رهوفة احلى رهوفة ...
سكتت لحظة و أردفت و عيني بعينها بعد ما عدلت جلستها بحضني،
- رهوفة ... انتي كبيرة ماما و اني ما اكذب عليج ...
هزت راسها تأيد كلامي،
- شوفي هالفترة بابا بالمستشفى، يصير اعوفه لوحده ؟
سكتت تتأمل عيوني و هزت راسها،
- لاا ...
داعلت خدها بإبهامي اقوللها،
- بابا يحتاجني يمه، و لازم اروح يمه شوية و بعدين اجي ... ما تبجين مو؟
صفنت و سألتني،
- شكَد تظلين ؟
- لليل و اجي .. رغودة يمج ... و اذا تريدين مني شي خليها تتصللي ... نتفق بدون بجي ؟!
سكتت و سألتني،
- بابا ما يجي ؟ اني مشتاقة له ...
هي نطقتها و اني ما أعرف بأي قوة حبست دموعي ...
ما اعرف شلون اقوللها اني هم محتاجة له ... بس ما أقدر اعبر مثل ما هي تعبر بعفوية ...
و مجبورة جاوبتها،
- هسة يم الطبيب ... بس يصير زين يجي ...
هزت راسها بالإيجاب و نامت على مخدتي تقولّي،
- أوكي روحي .. ما أبجي وعد ... بس قوليله رهوفة مشتاقة لبابا خليه يجي بسرعة ...
طلعت من الغرفة بهدوء …
و غلقت الباب ورايا بهدوء …
أخاف الصوت يزعج نومها … أو يكسر الوعد اللي انطيتها إياه.
وقفت لحظة بالممر …
إيدي بعدها على المقبض …
و صوتها … بعده بقلبي:
"قوليله رهوفة مشتاقة لبابا …"
غمضت عيوني …
و سحبت نفس طويل …
شلون أگولّه؟
و شلون أشرح له … إنه الطفلة تنتظره … و هو بعده بغيبوبة ما وعى منها ؟!
فتحت عيوني ببطء …
و تحركت.
ركبت السيارة…
و سديت الباب …
و لأول مرة من يومين …
سكت كلشي.
لا أجهزة …
لا أصوات مستشفى …
لا أحد يناديني …
بس اني …
و أفكاري.
شغلت السيارة …
و تحركت.
الطريق كان هادي …
الشمس نازلة شوية …
و الضوا دافي … بس غريب.
و بدون ما أقصد …
رجع وجهه ببالي.
واقف …
يتعلم يمشي من جديد …
و رغم التعب …
نظرته كانت ثابتة.
"كأنه يريد يطمني بدون ما يحچي …"
قبضت إيدي على الستيرن بقوة ...
ليش دا أفكر بيه هسه ؟
تنفست ببطء …
لا …
مو هو …
يمكن لأنّي محتاجة أحد يطمني …
و هو الوحيد اللي شكله ثابت بهالفوضى كلها.
سكتت لحظة …
و بنفس الهدوء …
رجعت الكلمة.
"مو إلي…"
واضحة.
صريحة.
و لازم تبقى.
بس هالمرة …
ما كانت رفض.
كانت تنظيم.

وقفت عند الإشارة …
و عيوني سرحت أمامي …
بابا بالمستشفى …
رهف تنتظر …
رغد تحاول تبين قوية …
و اني؟
اني وين بينهم ؟
تنفست بعمق …
"إذا انتي تنهارين… منو يبقى إلهم؟"
كلمته رجعت …
بنفس نبرته …
و لأول مرة …
ما حسّيتها ضغط.
حسّيتها قيمة لنفسي.
وصلت للمستشفى …
نزلت من السيارة …
خطواتي هالمرة أسرع شوية …
بس مو مرتبكة …
واضحة.
دخلت …
نفس الممر …
نفس الريحة …
بس إحساسي …
أهدأ.
قربت من غرفة قيس …
وقفت لحظة قبل لا أدخل.
ما أعرف ليش.
يمكن …
لأنّي أعرف إنّي أول ما أشوفه …
راح أتذكر كلشي.
رهف …
كلامه …
نظرته …
و يمكن …
راح أحتاج أكون ثابتة أكثر.
قربت من غرفة قيس … وقفت لحظة قبل لا أدخل … تنفّست… و فتحت الباب بهدوء.
كان جالس بزاوية 45 … بس مو مثل قبل.
جسمه مائل شوية … إيده على بطنه … و وجهه …
مصفرّ.
واضح التعب عليه بطريقة مو طبيعية.
زياد ما موجود.
وقف الزمن لحظة …
بس مو بسبب نظرة.
بسبب إحساس واضح: هو مو زين.
تقدّمت بسرعة خطوتين: 
- قيس ؟
رفع عيونه بصعوبة … و حاول يعدل جلسته … بس واضح ما قادر.
- بيك شي ؟!
حاول يقول شي بس ما واضح لأنه صوته طالع متقطع.
عيونه غمضت لحظة … و إيده ضغطت أكثر على بطنه.
فهمت فوراً.
- تريد تتقيأ ؟
هز راسه بخفة … و حط إيده على فمه.
تحركت بسرعة.
انداريت على الطاولة … أخذت الكيس الطبي و قربته إله: 
- هذا … 
قربته منه، و بإيدها الثانية مسكت كتفه، تسنده حتى ما يميل.
- شوي شوي … لا تقاوم.
بدأ يتقيأ … و جسمه توتر، و نفسه صار ثقيل.
إيدها كانت ثابتة على كتفه، و الثانية ماسكة الكيس، و عيونها عليه بس.
- طلع كل شي … لا تضغط على نفسك.
نبرتها هادئة … بس حازمة.
خلص بعد لحظات … بس بقى منحني شوية، نفسه متقطع.
لا إرادياً يمينها مسحت على كتفه كإنها تحاول تهديه ... سحبت الكيس بسرعة و حطته بعيد، و رجعت له فوراً.
- تنفّس … بهدوء.
قربت كاس مي … و جعت الكيس قريب منه ...
- تمضمض بس … لا تشرب هسه.
ساعدته يرفع راسه شوي، و مسكت إيده بدون ما تنتبه.
- زين هسة … هيچ أحسن ؟
هز راسه ببطء …
بس التعب بعده واضح عليه.
رنت الجرس الي ينادي لكادر التمريض و سحبت كرسي قريب، و جلست أمامه، قريبة … أكثر من العادة.
عيونها تدقق بوجهه: 
- من يمتى هيچي ؟!
تنفّس ببطء: 
- كَبل … شوية …
- أكلت ؟
هز راسه: 
- شوربة …
عرفت.
- ليش ما صحت لأحد ؟
رفع عيونه عليها … و رغم التعب … مرّت لمعة خفيفة: 
- توني ... زياد و ابوي توهم راحوا لعمي ...
تغيّرت ملامحها شوية … 
- كادر التمريض ما لازم يغفل عنك.
سكت هو تعبان من الكلام …
مدّت إيدها … و عدّلت وسادته وراه، تخليه يستند زين.
- ارتاح … لا تحاول تقوم.
بقت واقفة لحظة … تراقب نفسه …
و لأول مرة من دخلت …
نست كل شي.
رهف … كلامه … حتى أفكارها.
رفع عيونه عليها مرة ثانية …
و بهاللحظة …
ما كان بيه ذاك الثبات المعتاد.
كان إنسان تعبان ...

انفتح الباب بسرعة أخف من توتر اللحظة …
الممرضة دخلت، و واضح من ملامحها إنها مستعجلة … بس مو بالسرعة الكافية.
ريّا رفعت عيونها عليها فوراً.
نظرة وحدة … ثابتة.
- سستر.
نبرتها هادئة … بس بيها صرامة واضحة.
الممرضة قربت: 
- نعم دكتورة ...
ريّا وقفت من الكرسي … بس بقت قريبة من قيس، و قالت بنبرة مهنية مباشرة:
- المريض تقيأ، عنده غثيان و دوخة واضحة … و اني ناديت من أكثر من ثلاث دقايق.
سكتت لحظة … و أضافت بهدوء محسوب:
- بهيج حالة … التأخير مو مقبول.
الممرضة ارتبكت: 
- سوري دكتورة … كنت بغرفة ثانية
ريّا قاطعتها … مو بحدة … بس بثبات:
- أدري ضغط الشغل … بس هذا مريض بعد عملية كبرى، و حالته حرجة.
خفت صوتها درجة … أهدأ، بس أوضح:
- لحقته بالصدفة … و كان ممكن يتأذى أكثر.
سكون لحظة.
الممرضة هزت راسها بسرعة: 
- حقچ … أعتذر.
ريّا ما صعّدت الموقف …
هزت راسها، و رجعت فوراً لشغلها:
- أوكي … خلينا نتحرك.
التفتت لها بسرعة:
- أخذي الفايتالز فوراً … و أريد الدكتور يشوفه حالاً.
- حاضر.
الممرضة بدأت تقيس الضغط و النبض …
ريّا رجعت قريبة من قيس، عيونها على وجهه، و إيدها على حافة السرير.
- بعدك دايخ ؟
هز راسه بخفة: 
- شوية …
- لا تسوي جهد … بس تنفّس.
بهاللحظة…
انفتح الباب مرة ثانية.
زياد دخل بسرعة، و وراه أبوه.
خطوتين … و توقفوا.
المشهد أمامهم كان واضح.
قيس مائل … وجهه شاحب … و الممرضة تشتغل عليه.
نظرة الأب تغيّرت فوراً، و صوته طلع منخفض بس ثقيل: - قيس…؟
زياد تقدم بسرعة، وصل له أول، و انحنى عليه: 
- شبيك حبيبي ؟
إيده راحت على كتفه، يثبته.
قيس حاول يرد، بس صوته متعب: 
- عادي …
ريّا تدخلت مباشرة، بنبرة مختصرة و واضحة:
- مو عادي … تقيأ ورا الأكل، و عنده غثيان و دوخة ... طلبت الدكتور ...
زياد التفت لها بسرعة، نظرة سريعة … فهم بيها خطورة الوضع.
- من يمتى ؟
- قبل شوية … واضح جسمه بعده ما متحمّل الأكل.
ضغط على فكه، و رجع نظره لأخوه: 
- ليش ما كَلت ؟!
قيس همس: 
- توكم جنتوا … طالعين …
الأب كان واقف قريب، بس ما تدخل بالكلام.
إيده نزلت على راس قيس، مسحة خفيفة … بس بيها قلق كبير.
الممرضة: 
- ضغطه هابط شوية … و النبض سريع.
ريّا التفتت فوراً: 
- زين … خلي راسه مرفوع، و لا تنطوه شي بالفم هسه.
و أردفت،
- الدكتور وين؟
- بالطابق …
- زين … خلي يجي فوراً.
الغرفة صارت مليانة توتر صامت.
زياد على جهة… الأب على جهة ثانية…
و ريّا مقابله.
قيس فتح عيونه بصعوبة …
نظره تنقل بينهم … و وقف عليها.
هالمرة …
ماكو قوة … ولا ثبات كامل.
بس تعب.
و هي …
ثبتت مكانها أكثر.
عيونها عليه …
و وجودها واضح:
مو بس لأنها تعرف شتسوي …
بل لأنها …
ما راح تتركه بهالحالة.
تستمر القصة أدناه

انفتح الباب مرة ثالثة …
بخطوة أسرع هذه المرة.
الدكتور دخل … وراه مساعده.
نظرة سريعة وحدة كانت كافية حتى يقرأ الوضع كله.
- شصار ؟
ريّا جاوبت فوراً … بدون تردد:
- المريض تقيأ بعد الأكل، عنده غثيان و دوخة … الضغط نازل والنبض سريع ...
هز راسه … و تقدم لقيس:
- قيس … تسمعني؟
فتح عيونه بصعوبة:
- اي …
الدكتور التفت للممرضة:
- جيبي لي سوائل وريدية … بسرعة.
رجع نظره لقيس … و بدأ يفحصه بسرعة و سأل:
- شنو أكل ؟ 
زياد رد:
- شوربة بس …
- شكَد الكمية ؟!
- ربع الكمية ...
الدكتور تنهد بخفة … مو انزعاج، بس تأكيد لشي متوقع:
- جسمه بعده مو جاهز.
التفت عليهم … و بدأ يشرح بهدوء واضح، نبرة بيها تطمين بس بدون تزييف:
- شوفوا … بعد العمليات الكبرى خصوصاً إذا بيها تخدير طويل أو تدخل داخلي كبير،
الجهاز الهضمي يصير بطيء أو أحياناً شبه متوقف مؤقتاً. هذا طبيعي لأنه رفعنا فص من الكبد و هو نسيج حيوي بالجهاز الهضمي سبب له صدمة.
نظر لريّا لحظة … يعرف إنها تفهم عليه،
كمل:
- يعني المعدة و الأمعاء ما تشتغل بكفاءة بعد،
فأي أكل حتى لو خفيف ممكن يسبب له غثيان و دوخة لأنه الجسم ما جاهز يتعامل وياه.
الأب سأله بهدوء قلق:
- خطر عليه ؟
هز راسه:
- مو خطير إذا تعاملنا وياه بسرعة … بس يحتاج مراقبة.
التفت للممرضة:
- وقفوا الأكل حالياً …
استمروا سوائل وريدية ...
راقبوا علاماته الحيوية كل 15 دقيقة بالبداية ...
رجع لقيس، صوته صار أهدأ:
- لا تحاول تجبر نفسك تاكل … إذا حاولنا مرة ثانية و حسيت نفسك ما متقبلة الأكل تقدر ترفض و نأجلها لما تكون جاهز
قيس هز راسه بصعوبة … تعبان.
ريّا سألت، بنبرة دقيقة:
- نحتاج فحوصات معينة إذا استمر؟
الدكتور شافها، و رد باحترام واضح:
- إذا ما تحسن خلال ساعتين … أو صار انتفاخ واضح … إي، نسوي تقييم أكثر.
بعدين خفف النبرة:
- بس حالياً … هذا متوقع بهيج مرحلة.
الممرضة خلت المغذي و حقنت أبرة بيه … و بدأت تعطيه العلاج.
الصمت رجع … بس مو نفس قبل.
صار بيه راحة نسبية
زياد تنفس أخيراً:
- زين … الحمد لله.
الأب مد إيده … و حطها على راس قيس:
- الله يحفظك يابا …
قيس غمض عيونه شوية …
واضح بدأ يرتاح تدريجياً.
ريّا بعدها واقفة بمكانها …
ما تحركت.
مو لأنها متوترة …
بل لأنها بعد ما انتهت.
عيونها عليه … تراقب كل تفصيلة:
تنفسه ...
لونه ...
استجابته ...
الدكتور التفت لها قبل لا يطلع:
- شكراً على تصرفج بالوقت المناسب دكتورة ...
جملة بسيطة …
بس كأنها: اعتراف رسمي بقوتها
هزت راسها بخفة:
واجبي.
قيس فتح عيونه شوية…
نظر لها.
هالمرة …
مو ضعف بس.
شي ثاني.
امتنان …
هادئ.
و واضح.
و هي …
ما ابتسمت.
بس …
ما أبعدت نظرها ...
طلعت من غرفة قيس بهدوء …
الباب انغلق وراها …
بس هالمرة، أول ما مشت بالممر …
رجع إحساس ثاني يضغط عليها فجأة.
بابا.
كأن عقلها … كان مأجل هالفكرة،
و هسه … رجعها بقوة.

خطواتها تسارعت …
مو مرتبكة …
بس مستعجلة.
وقفت يم باب العناية المركزة …
نفس الباب …
نفس المكان …
نفس الرهبة.
بس قلبها … مو نفس قبل.
مدّت إيدها …
و فتحته بهدوء.
ريّا ...
الغرفة هادئة …
صوت الأجهزة … ثابت …
و الضوء خافت.
مشيت خطوة …
و قربت.
بابا … بنفس مكانه.
بس …
وقفت.
شي صغير …
فرق بسيط …
بس واضح.
جفنه …
ما كان ساكن.
رمشة خفيفة …
بطيئة …
كأنها محاولة.
تجمّدت بمكاني.
بابا …؟
صوتي طلع أخف من ما توقعت …
مو همس …
بس بيه رجفة.
قربت أكثر …
قلبي بدأ يدك بسرعة…
مو خوف …
ترقّب.
رمش مرة ثانية…
أوضح هالمرة.
دموعي نزلت فوراً …
بدون مقاومة.
مدّيت إيدي …
مسكت إيده بحذر …
بابا … تسمعني …؟
نفسه تغيّر …
حركة خفيفة بصدره …
بس كافية.
الممرضة انتبهت من بعيد:
- دكتورة …؟
قلتلها بدون ما ألتفت:
- دا يستجيب …
تقربت أكثر …
انحنيت شوية عليه …
- بابا … اني ريّا …
سكتت لحظة …
و صوتي خفت بدون ما ينهار:
- كَوم … تعبنا و احنا ننتظرك …
جفنه انفتح نص فتحة …
النظر كان ثقيل …
مو مركز مبين …
بس حي.
دموعي زادت …
بس شفايفي ارتفعت بابتسامة خفيفة …
أول مرة من أيام.
- بابا…؟
شفايفه تحركت …
ببطء …
كأنه يتعلم يحچي من جديد.
ما طلع صوت أول مرة.
سكت …
تنفّس …
و حاول مرة ثانية.
صوت خافت جداً …
متقطع:
- ريّا …
انقبض قلبي …
قربت أكثر بسرعة …
كأني خايفة صوته يضيع:
- يمك … اني يمك …
ظل ساكت لحظة …
عيونه تحاول تثبت علية …
و بعد جهد واضح …
حرك شفايفه مرة ثانية.
هالمرة …
الكلمة طلعت أوضح …
بس متعبة:
- قيس …؟
تجمّدت.
مو لأني ما توقعت …
بس لأن هالسؤال …
طلع أول ما نطق ...
دمعتي نزلت على إيده …
بس ابتسمت له بهدوء:
- زين … بخير … بعده بالمستشفى …
سكتت لحظة …
و كملت أطمّنه:
- قبل شوية جنت يمه ... نام و اجيت لك …
عيونه ارتاحت شوية …
كأن الجواب … وصل لمكان مهم داخله.
غمضهم لحظة …
مو فقدان وعي …
راحة.
رجع فتحهم ببطء …
و هالمرة …
كان بيها إدراك أكثر.
إيدس ضغطت على إيده …
بخفّة …
و همست:
- كلنا بخير … بس انت كَوم …
الممرضة اقتربت:
- لازم ننادي الدكتور …
ريّا هزت راسها …
بس ما تركت إيده.
قربت منه أكثر …
صوتس صار أهدأ … أعمق:
- رهف تسأل عليك …
سكتت لحظة …
- و تنتظرك …

عينه تحركت ببطء …
و ثبتت علية.
و بهاللحظة…
كل التعب اللي شايلته …
كل التماسك …
كل القوة …
ذابت بداخلي …
بس بهدوء.
مو انهيار.
مو ضعف.
بس …
راحة وصلت أخيراً ...
انفتح الباب بسرعة خفيفة.
الدكتور دخل … و وراه الممرضة.
وقف يم السرير …
و نبرته صارت مهنية بس بيها رضا واضح:
- الحمد لله على سلامتك … صحيت؟
أركان فتح عيونه مرة ثانية …
بصعوبة … بس ركّز عليه.
ريّا ابتعدت خطوة صغيرة … تخلي المجال للفحص …
بس إيدها بعدها قريبة و كأنها ما تريده يبعد لحظة.
الدكتور بدأ يفحصه بهدوء:
- تسمعني زين ؟
هز راسه بصعوبة.
- تعرف وين انت ؟
نفس الحركة … بس أبطأ.
- ممتاز … هذا تقدم زين.
ريّا سألت بهدوء، بس صوتها بيه ارتعاشة خفيفة:
- دكتور … حالته مستقرة؟
التفت لها … و رد بثقة:
- إي … الاستفاقة طبيعية لهيج عملية … و وعيه يرجع تدريجياً … أهم شي إنه يستجيب.
أركان حاول يحچي مرة ثانية …
صوته طلع متقطع:
- قيس … شلون …؟
الدكتور جاوبه بهدوء:
- وضعه مستقر … و تحت المراقبة ...
أومأ بعينه ...
و واضح التعب يسحبه مرة ثانية …
بس قبل لا يغيب …
سأل بصعوبة أكبر:
- سلمان…؟
ريّا التفتت بسرعة للباب الي انفتح …
الجواب اجاه يمشي على رجليه ...
و كأنه على الإشارة …
انفتح الباب.
سلمان دخل بسرعة …
خطواته مو موزونة من القلق.
- اركاان ...
صوته انكسر أول ما شافه واعي.
- تقدم بسرعة …
وقف يم السرير … و دنكَ لمستواه:
- الحمد لله … الحمد لله يا بعد روحي …
إيده راحت فوراً تمسك إيده …
و الثانية على راسه … يمسح عليه بلهفة … كأنه يتأكد إنه صدگ موجود.
أركان فتح عيونه بصعوبة …
و أول ما شافه …
ابتسم … ابتسامة تعبانة … بس حقيقية.
- سلمان …
نبرة صوته ...
كانت كفيلة تكسر أي شي متماسك.
سلمان ضحك بدموع:
- ها يا يابا … ها … ردّيتلنا لو بعد؟!
هز راسه بخفة …
و تنفّسه صار أهدأ …
الدكتور أشر بهدوء:
- خلوه يرتاح … لا تتعبوه بالكلام.
سلمان هز راسه فوراً …
بس ما ترك إيده.
دنكَ باس راسه يقول،
- ارتاح حبيبي ... ارتاح يبعد امي و ابوي ...
ريّا واقفة على الجهة الثانية …
تراقبهم …
و لأول مرة من أيام …
حسّت إنو شي رجع لمكانه.
مو كلشي …
بس أهم شي رجع بين إيدينها …
إيد ابوها، رجعت دافية ...
رجع نام بعد دقايق و الدكتور طلب يتركوه، هذه الاستجابة جداً كافية بعد غيبوبته ... علاماته الحيوية مستقرة ... يعني الجسم دا يستشفي ...
طلعوا من الغرفة ... زياد اخذ عمها للكافتيريا لأنه لازم ياكل و ياخذ دواءه ...
و هي جلست تنتظر أمام غرفة ابوها ... حاسة بأمان ولو بينهم حواجز و أجهزة، بس صوته و نفسه المستقر رجع لها الأمان و الأمل بالحياة ...

بعد ساعة قررت تروح تشوف قيس ...
الممر كان طويل …
بس هالمرة …
ما كان ثقيل.
بيه بصيص أمل بعودة الحياة لطبيعتها ...
وقفت عند باب الغرفة …
إيدي بعده على المقبض …
بس ما ضغطت.
صوته وصلني قبل لا أدخل.
هادئ …
بس مو نفس هدوءه وياي.
أخف … ألين …
كأنه شايل عنه شي.
- لا … ديري بالج على روحج …
سكت لحظة …
و ابتسم … ابتسامة خفيفة بانَت من نبرته قبل لا أشوفها.
- إي أعرف … بس لا تتعبين روحچ ... يا روحي ...
تجمّدت.
نفس الجملة.
نفس الطريقة …
نفس النبرة ...
الي قبل يومين كانت كأنها … إلي وحدي.
بس هذه بيها نبرة تدليل أكثر ...
نزلت عيوني بدون ما أحس …
و بقيت واقفة مكاني.
ما سمعت باقي الكلام …
ولا حاولت.
كأن عقلي وقف عند هاي الجملة …
و قرر ما يكمل.
سكت هو ثواني …
بعدين قال بهدوء:
- من ارد … نحچي.
و سكت الكلام ...
سكون خفيف عم الغرفة …
و بعدها رفع راسه.
شافني.
نظراته ثبتت عليّة لحظة …
بدون ارتباك …
بدون مفاجأة.
كأنه كان يعرف إني هنا.
- من يمتى انتي هين ؟
صوته رجع …
نفسه.
نفس الهدوء …
نفس السيطرة.
رفعت عيوني إله …
و دخلت.
- هسة.
ما سألت …
ولا علّقت.
و هو هم …
ما شرح.
بس أشر بإيده بخفة:
- تعالي.
مشيت له …
وقفت بنفس المسافة.
لا قريبة …
ولا بعيدة.
سكتنا لحظة …
و كأن كل واحد بينا ينتظر الثاني يحچي …
بس محد بدأ.
كسر الصمت:
- شلونچ هسة؟
نفس السؤال.
نفس الطريقة …
بس هالمرة …
وقعت غير.
هزيت راسي:
- زينة.
نفس الجواب …
بس مو بنفس الإحساس.
عيونه ثبتت عليّ …
دقق.
واضح لاحظ.
- متأكدة؟
سكتت لحظة …
و نزلت عيوني.
مو لأن ما عندي جواب …
بس لأن عندي أكثر من واحد.
تنفست ببطء:
- إي … أحسن من قبل.
هز راسه بخفة …
بس ما اقتنع.
و مع ذلك …
ما ضغط.
سكت شوية …
بعدين قال بهدوء:
- زين.
رجع الصمت …
بس هالمرة
مو مريح مثل قبل.
نظرت له …
و بدون ما أقصد
رجعت اذكر صوته قبل شوي …
“ديري بالج على روحج…”
نفس الكلمة.
نفس الحرص …
بس مو إلي.
غمضت عيوني لحظة …
و فتحتها بسرعة.
لا.
مو لازم أفكر هيچ.
يمكن هذا أسلوبه …
و بس.
يمكن أنا …
فهمت غلط.
رفعت راسي …
و سألته بهدوء:
- تحتاج شي؟
هز راسه:
- لا.
سكت …
بعدين أضاف:
- انتي تحتاجين ترتاحين.
ابتسمت بخفة …
ابتسامة مجاملة أكثر من شعور.
- متعودة.
رفع حاجبه شوي:
- مو كل شي تتعودين عليه يصير صح.
نفس الأسلوب …
نفس السيطرة الهادية.
بس هالمرة …
ما دخلت بجوّه مثل قبل.
وقفت مكاني لحظة …
بعدين قلت:
- بابا صحى ...
نظراته تغيّرت …
فرح و جدّية أكثر:
- صدكَ والله ؟! شلونو ؟!
هزيت راسي …
و سكتت.
و قلتله بابتسامة،
- زين ... سأل عليك اول شي ...
و هو ابتسم بعيون تلمع يتمتم،
- يا بعد روحي ...
و سأل،
- صحته زينة ؟ شلون وضعه ؟!
- صحى عشر دقايق تقريبا، بس حجينا وياه اني و عمو سلمان و تعب ... الدكتور قال عادي جسمه دا يستشفي ...
هز راسه يقول،
- طبيعي ... اهم شي وعى و شوي شوي يستشفي ...
صفنت بملامحه، كأنه الدم رجع بوجهه ... قبل ساعات كان أصفر خالي من الحياة ... و سألته،
- انت احسن هسة ؟! ما عندك دوخة ؟!
رفع عيونه لعيوني،
- الحمد لله احسن ... 
و ابتسم،
- أنقذتيني ... صرت مديون لج ...
ابتسمت بردة فعل تلقائية لابتسامته،
- بعدني ما سديت ديني إلك ...
نظرته بهدوء تحولت للجدية بعيني، و نطق بهدوء جدّي مثل أبوية و كأنه هو يحاجيني ، 
- لا تعيديها ...
شي بية انهز من نظرته هذه ...
نطقت بارتباك،
- تمام ...
تحركت خطوة لورا …
زين … أخليلك ترتاح.
وقفني صوته:
- ريّا.
التفتت له.
نفس النظرة …
ثابتة … عميقة بس كأنه يقرأ ملامحي ،
- زعلتي ؟!
بس هالمرة نبرته خفتت شوية ...
ابتسمت بخفة …
و هزيت راسي:
- لا عادي ... 
و كملت بهدوء،
- انت تشوف نفسك ما مسوي شي كبير ... و اني اشوفك انطيت أمل الحياة لأبوية ...
انداريت …
و مشيت للباب.
قبل لا أطلع …
وقفت لحظة.
مو لأن أكو شي ناقص …
بس لأن شي بداخلي
كان دا يعيد ترتيب نفسه.
مو كل كلمة حسّيتها خاصة …
كانت إلي.
و مو كل شعور حسّيته أمان …
كان فعلاً أمان.
فتحت الباب …
و طلعت.
و أول خطوة برا …
حسّيت المسافة بيني و بينه
كبرت شوية
مو لأنه ابتعد …
بس لأنّي أنا
رجعت خطوة.
ظِلٌّ بَعدَ ظِلّ
ياسمين النعيمي

تعليقات