رواية ليلة غاب فيها العقل الفصل الخامس 5 والاخير بقلم نور محمد


 رواية ليلة غاب فيها العقل الفصل الخامس والاخير 

صوت سارينة الإسعاف كان بيشق سكون الليل، ومفيش في ودان شهد غير صوت أنفاس عاصم اللي بتقل وبتضعف.

 في المستشفى، الدكاترة أخدوه على أوضة العمليات فوراً، وسابوا شهد بره هدومها وإيديها غرقانة بدمه.

قعدت على الأرض قدام باب العمليات، ضامة ركبها لصدرها وبتبكي بانهيار.

لأول مرة من يوم ما عرفته، تحس إنها مش عايزاه يموت. شريط ذكرياتها معاه عدى قدام عينيها، صح هو كسرها في البداية، لكنه حاول بكل ما يملك يصلح ده، وفي النهاية.. فداها بروحه وتلقى الطعنة مكانها.
بقلم... نور محمد

شهد بدموع وهي رافعة إيديها للسما: "يا رب.. يا رب أنا سامحته.. سامحته على كل حاجة.. متمو*تهوش وتسيبني لوحدي.. خليه عشان خاطر ابنه اللي لسه مشافوش.. يا رب متكسرش قلبي تاني."

في نفس الوقت، البوليس كان بيحقق مع "سيد ومحمود". في لحظة خوف من حبل المشنقة، اعترفوا إنهم مكنوش يعرفوا مكانها، وإن في رسالة جاتلهم من رقم مجهول فيها صورها وعنوانها وكلام يسخنهم عشان يغسلوا عارهم.

مباحث الإنترنت في ساعات قليلة تتبعت الرسالة، والمفاجأة كانت إنها طالعة من تليفون "نرمين".
الصبح طلع، وقوة من الشرطة اقتحمت قصر نرمين. كانت بتجهز شنطها عشان تهرب بره مصر بعد ما عرفت إن الخطة فشلت وعاصم هو اللي اتضرب.

الكلبشات اتقفلت في إيديها وسط صراخها وانهيار كبريائها اللي داس عليه حقدها، واتوجهتلها تهمة التحريض على القتل العمد.

عدت ٤٨ ساعة وعاصم في العناية المركزة بين الحياة والموت. شهد مكنتش بتفارق القزاز اللي بيفصلها عنه، مبتكلش ومبتشربش غير لما الممرضات يتحايلوا عليها عشان خاطر الحمل.

وفي اليوم التالت، الأجهزة بدأت تستقر. عاصم فتح عينيه بتعب شديد، الرؤية كانت مشوشة، بس أول حاجة لمحها كانت ملامح شهد، نايمة على الكرسي اللي جنب سريره، وماسكة إيده بقوة كإنها خايفة يطير منها.

حرك صوابعه بضعف، شهد فتحت عينيها واتنفضت، ولما شافت عينيه مفتوحة، دموع الفرحة غسلت وشها.

شهد بلهفة وفرحة: "عاصم! إنت سامعني؟ أنده الدكتور؟"

عاصم بصوت مبحوح وتعبان: "إنتي.. إنتي كويسة؟ الكلب ده لمسك؟"

شهد مسكت إيده وباستها وهي بتبكي: "أنا كويسة.. وابنك كويس.. إنت اللي فديتنا بروحك.. ليه عملت كده يا عاصم؟"

عاصم بابتسامة باهتة: "عشان لو كنت عشت وشعرة منك اتأذت، مكنتش هسامح نفسي.. أنا بحبك يا شهد.. مش بس عشان ابني.. أنا حبيتك إنتي."

الكلمة نزلت على قلبها زي الماية الباردة اللي طفت نار شهور طويلة. لأول مرة تحس بالأمان الحقيقي في وجوده.

مرت الشهور، عاصم خف ورجع لصحته، بس فضل يعامل شهد بمنتهى الرقة والاحترام. نقلوا لفيلا جديدة تماماً عشان يمسحوا أي ذكرى وحشة من الفيلا القديمة. 

عاصم وكل محامين كبار لإخوات شهد، وقدر يخفف عنهم الحكم لأنهم كانوا تحت تأثير "الاستفزاز والتحريض"، وده خلى شهد ترتاح نفسياً من ناحيتهم. أما نرمين، فأخدت جزاءها واتحكم عليها بالسجن، وانتهت أسطورة كبريائها الكداب.
بقلم.. نور محمد
وفي ليلة هادية، عاصم دخل الأوضة لقى شهد بتجهز شنطة هدومها. قلبه وقع في رجليه.

عاصم بخوف بيحاول يداريه: "إنتي بتعملي إيه يا شهد؟ إنتي تعبانة والولادة قربت."

شهد وقفت وبصتله بجدية: "إنت وعدتني زمان.. قولتلي إن بعد ما أولد، لو عايزة أطلق وأمشي الباب هيبقى مفتوح.. إنت لسه عند وعدك؟"

عاصم حس إن روحه بتنسحب، غض عينيه بوجع، بس كرامته وحبه ليها منعوه إنه يجبرها على حاجة.

عاصم بصوت مكسور: "أنا عند وعدي.. بس ابني.."

شهد قاطعته: "ابنك محتاج أب زيك بيضحي بروحه عشانه.. ومحتاج أم اختارت تكمل حياتها مع الراجل اللي رجعلها كرامتها وحماها من الدنيا كلها."

عاصم رفع راسه بصدمة، لقاها بتبتسم ودموعها في عينيها.

شهد: "أنا بجهز شنطة المستشفى يا عاصم.. الدكتور قال إن الولادة ممكن تبقى النهارده بالليل.. أنا مش هسيبك، أنا ماليش ضهر ولا سند ولا حبيب غيرك."

عاصم مقدرش يمسك نفسه، أخدها في حضنه بقوة، دموعه نزلت على شعرها، كإنه طفل لقى أمه بعد تيه سنين.

بعد تلات سنين..
في جنينة الفيلا الواسعة، كان صوت ضحك طفل صغير مالي المكان. "سليم"، نسخة مصغرة من عاصم في ملامحه، بس واخد ضحكة أمه وعينيها. عاصم كان بيجري وراه في الجنينة وبيلعبوا، ومغرقين الدنيا ضحك.

على التراس، كانت شهد قاعدة، ماسكة كتاب في إيديها—عاصم شجعها تكمل تعليمها ووقف في ضهرها لحد ما أخدت شهادتها—وبتبص عليهم بابتسامة كلها رضا وسلام.

عاصم شال سليم على كتافه، وجه قعد جنب شهد، وباس راسها بحنية.

عاصم: "سرحانة في إيه يا ست البنات؟"

شهد وهي بتسند راسها على كتفه: "سرحانة في تدابير ربنا.. إزاي قدر يطلع من قلب العتمة والوجع، كل النور ده. إزاي ليلة كانت أسوأ كابوس في حياتي، بقت هي الباب اللي دخلني للجنة دي."

عاصم مسك إيديها وباسها: "ربنا لما بيبتلي، بيرزق مع الابتلاء قوة وعوض ملوش حدود. وإنتي كنتي العوض الجميل اللي طهر قلبي وحياتي كلها. أنا بحمد ربنا على الليلة دي، لأنها جابتلي أحلى حاجة في دنيتي.. إنتي، وسليم."

ضحك سليم وهو بيلعب في شعر أبوه، وضحكوا الاتنين معاه. القصة اللي بدأت بخطيئة ودموع وعنف، انتهت بتوبة، وتضحية، وعيلة مبنية على حب حقيقي اختبرته النار، فطلع منها دهب صافي ميتكسرش.


تمت بحمد الله 
تعليقات