رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الواحد والستون 61 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الواحد والستون 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" 

"لم أكن أظن أن الغياب سيحمل كل هذا الثقل،
ولا أن الصمت سيصبح أبلغ من ألف عتاب؛ فقد كنت أؤمن دائمًا أن ما بيننا أكبر من أن تفتته المسافات أو تذروه الأيام.

لكنّك اخترت الرحيل،
وكأن قلبي لم يكن يومًا مأواك،
وكأنني لم أكن لك يومًا كلَّ الامتلاء.

كيف هان عليك أن تتركني أواجه هذا الفراغ وحدي؟
وكيف استطعت أن تختصر عمرًا كاملًا في لحظة غياب؟

إنني أعاتبك اليوم،
لا لأن الكلمات خانتني، 
بل لأنك لم تعد تُجيد الإصغاء. 

أعاتبك لا لأنني ما زلت أنتظرك،
بل لأن شيئًا عميقًا في داخلي قد انكسر حين اخترتَ أنت ألّا تبقى."

قبل عام تقريبًا…
كان منشغلًا أمام جهازه، يضع كل تركيزه فيه، زفر بتعب، وأسند جسده للخلف، يحرِّك رقبته في محاولةٍ لتخفيف الإرهاق.
وفجأة…
انتبه لوجودها أمامه.
رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء:
انتهيت؟
أغلق الجهاز ببطء، ونزع نظَّارته الطبية:
_إلى حدٍّ ما.
أومأت، ثم قالت بتردُّد:
أريد أن أقول شيئًا…لكنك سترفض.
استند بذراعيه على المكتب، وحدَّق بها:
_ولِمَ تقولينه إذًا، وأنتِ متأكدة من ذلك؟
ابتسمت بخفوت:
_أريد أن أتناول الغداء معك.
مطَّ شفتيه، وأخذ ينقر بأصابعه على سطح المكتب للحظات، قبل أن يرد:
_لا أريد إزعاجك.
هزَّت رأسها سريعًا:
_ومن قال إنك ستفعل؟ بالعكس… سأكون سعيدة جدًّا.
نظر إليها قليلًا، ثم قال فجأة:
_بيتزا.
ضيَّقت عينيها باستغراب:
_ماذا؟
_أقول أريد بيتزا…أليس هذا طلبك؟
تنهَّدت بخفَّة:
_لا…كنت أقصد أن نخرج، نتجوَّل قليلًا، ثم نذهب إلى مطعم…طعامه لذيذ جدًّا.
صمت لحظة…ثم قال بهدوءٍ حاسم:
_أعتذر…أنا مشغول أوَّلًا، وثانيًا…لقد وعدت زوجتي ألَّا أخرج مع أي فتاة.
اتَّسعت عيناها بدهشة:
_زوجتك!! أنت متزوج؟
أومأ ببساطة، وهو يمرِّر إبهامه على خاتم زواجه:
_نعم…
ثم أضاف بصوتٍ خافت، لكنه صادق:
_أحبُّها كثيرًا…ولا أريد أن أحزنها.
ابتسمت بإعجابٍ صادق:
_هذا جميل…حب رائع.
رفع عينيه إليها، وقال ببطء:
_هذا ليس حبًّا…هذا عشق.
ابتسمت أكثر:
_محظوظة زوجتك بك.
تجمَّد للحظة…
وشعر بوخزة حادَّة تخترق صدره.
أبعد نظره عنها، وهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_ليتها كانت محظوظة…
قطَّبت حاجبيها:
هل قلت شيئًا؟
هزَّ رأسه سريعًا:
_لا…كنت أفكِّر في الطعام.
ابتسمت:
حسنًا، سأطلب شيئًا إذًا.
قالتها، ثم نهضت وغادرت.
بقي وحده…
ينظر إلى خاتم زواجه في إصبعه.
مرَّر عليه بإبهامه، وهمس:
_نعم…إنه عشق…تسلَّلتِ إلى قلبي… واستوطنتِه…
أغمض عينيه، وزفر بألم:
_ليتنا، لم نقترب من البداية.
دقائق معدودة ووصل موسى، دلف للداخل، فتوقَّف صديقه مقتربًا منه:
_لماذا تأخَّرت؟ 
_كان لدي عمل مهم، ماذا حدث؟. 
_إيفا كانت معه منذ قليل، ولا أعلم بما دار بينهما. 
نزع جاكيته، وجلس أمام جهازه، يزفر بغضب، جلس الآخر بمقابلته:
_مابك!..لماذا أنت هكذا؟.
علمت أن هذا المصري سيكون له دورًا في قائمة المتقدِّمين للمجلَّة السنوية.
_ماذا!! ولما هو..أكيد؟.
مسح وجهه بغضب: 
_ليت هكذا، علمت منذ الصباح، وذهبت للتأكُّد، اسمه يوجد بالقائمة، وأنا الذي أجاهد منذ سنتين، لم أستطع الحصول عليها. 
_أكاد أُجن، كيف لهذا، وهو الذي لم يتمكَّن، له اسبوعًا واحدًا. 
_حقًّا لا أعلم، لكني سمعت من أحد الأساتذة يتحدَّث عن اجتهاده وتفوُّقه.
رمقه موسى بكره وفظاظة: 
_سأعطِّل له تلك الدماغ، وأجعله أضحوكة. 
نهض الآخر حين وجد يوسف يقترب منهم: 
_مرحبًا..كيف حالكما اليوم؟. 
_يبدو أنَّك أتيت للاعتذار.
زمَّ يوسف شفتيه ساخرًا: 
_المسلم لن يعتذر عن كبيرة. 
ضحك موسى بصخب: 
_أي كبيرة يا رجل، أنتم المسلمون تضعون قوانين حمقاء تحرمكم من المتعة. 
اقترب يوسف وانحنى مستندًا على المكتب، يريد أن يلكمه بوجهه، عن حديثه السفيه عن الإسلام، ولكنه سيطر على عاصفة غضبه قائلًا:
_نحن دينُنا رفع قدرَ الإنسان بالأخلاق، وصانه عمَّا يُفسد فطرته ويهدم وعيه؛ أما علمتَ أن الخمر تُغيِّب العقل وتُسقط الهيبة؟ فأيُّ فارقٍ يبقى بين إنسانٍ أُكرم بالعقل، ثم يُلقي به بيديه إلى الضياع، وبين مخلوقٍ لا يملك تمييزًا…دينٌ رفعه بالعقل، وكساه بالكرامة، وجعل له مكانةً لا يُدانيها شيء..الإسلام لم يُحرِّم ما يُحرِّم عبثًا، بل حمى جوهر الإنسان من الانهيار.
أما علمتَ أن الخمر لا تُذهب وعيه فحسب، بل تنزع عنه إنسانيته قطعةً قطعة، تُسقطه من مقام التكريم إلى دركٍ يفقد فيه السيطرة والتمييز كالحيو. ان…فكيف يرضى إنسانٌ أن يتخلَّى طوعًا عن أعظم ما ميَّزه الله به؟
_أعتذر موسى…لكنَّني لا أحدِّثك عن مجرَّد تحريم، بل عن شرفٍ عظيمٍ أُعطيَ لنا، وعن كرامةٍ لا تليق بها المساومة..الإسلام لم يُقيِّدنا، بل أنقذنا من أن نُهين أنفسنا بأيدينا.
ابتسم الآخر ساخرًا: 
_لك كامل الحرية، واعتذر أنِّي أسأت الفهم. 
_لا تعتذر، علمت أنك جاهل بأمور ديننا، أنا أردت ألَّا تحزن مني، ولذلك عزمتك على هذا. 
قالها وهو يتناول من أحدهم علبة البيتزا.
_عذرًا دارين، كنت أتمنَّى أن أتناولها، لكن أريد أن أقدِّمها لصديقي كاعتذار. 
تراجعت قائلة:
_انتظر، هنا الكثير، هذه أتت باسمك. 
اتجه ألى أشيائه وقال معتذرًا:
_تذكَّرت أن والدي في منزلي، ولا أريد أن أتناول الطعام دونه...حقًّا أعتذر.
_تستطيع أن تأخذها معك. 
_لا أريد...شكرًا لك.

خرج يوسف متنهِّدا، واتجه إلى منزله.
دلف يبحث عن والده، وجده ما زال نائمًا، اتجه الى حمَّامه، دقائق معدودة أنهى صلاته، ثم اتجه إلى مطبخه.. 
وقف ينظر متعجِّبًا إلى الطعام الذي يُوضع فوق الغاز. 
_بابا صحي ولَّا إيه؟!. 
تراجع إلى غرفة النوم على صوت هاتف والده..نظر لشاشة الهاتف وجده أرسلان، مدَّ يده ثم تراجع، هنا فتح إلياس عينيه:
_إنتَ رجعت إمتى؟ 
_من شوية، حضرتك صحيت ونمت ولَّا إيه؟. 
اعتدل جالسًا على الفراش: 
_يعني إنتَ بقالك خمس ساعات برة، أكيد مش هنام دا كلُّه.
جلس جواره ينظر إليه:
أنا آسف…سيبتك لوحدك، بس كان عندي شغل مهم…أنا ضمن فريق كبير من كلِّ الجنسيات، وعلى أعلى مستوى…حضرتك فاهم، مش أي حد يوصل للمكان ده.
اعتدل إلياس فجأة، كأن كلماته أشعلت شيئًا بداخله، ونظر في عينيه مباشرة:
_إمبارح سكت، ومضغطتش عليك، عشان أنا أبوك، بس النهاردة حقِّي أعرف، إيه اللي خلَّاك فجأة تعمل كده؟
هرب يوسف بنظره، كأن عيني والده تكشف ما يحاول إخفائه:
_يا بابا…إنتَ عارف إني مستنِّي الفرصة دي من زمان، وما صدَّقت جاتلي.
ردَّد إلياس الكلمة ببطء، لكن بصدمة واضحة:
_فرصة؟
ثم اقترب أكثر، حتى صار صوته أشبه بطعنة:
_فرصة تخلِّيك تغدر ببنت عمَّك؟
فرصة تكسر قلب أمَّك؟
فرصة تخلِّيني أنا أبوك أشوفك قدَّامي ومش قادر أفتخر بيك؟
اشتعلت عيناه، وصوته ارتفع وهو يكاد يختنق من الألم:
_يا ابني..ملعون أبو أي فرصة تخلِّيني أحسِّ إن ابني خذلني.
_ملعون أبو أي نجاح يتبني على وجع الناس اللي ربُّوك!
تجمَّد يوسف في مكانه، وكأن الكلمات سُكبت نارًا في صدره.
كلُّ نفسٍ يخرج منه كان يحرقه، لا يخفِّفه.
نظر إلى والده، لكن هذه المرة…لم يجد في عينيه غضبًا فقط،
بل وجعًا، خذلانًا، وانكسار أبٍ لم يتخيَّل يومًا أن يأتيه الألم من ابنه.
_حقيقي آسف…
قالها بصوتٍ مهتز، كأن الكلمات تُسحب من صدره سحبًا، لا تُقال.
نظر إليه إلياس طويلًا، نظرة حملت خيبة عمر، ثم قال بمرارة:
_مزعلش منَّك!! هو اللي عملته ده يتغفر أصلًا؟! ابني…ابني اللي ربِّيته على إيدي يخذلني بالشكل ده؟!
_بابا لو سمحت…
رفع يده في وجهه، فأخرس صوته قبل أن يكتمل، ثم نهض ببطء، وكأن كل خطوة تثقلها الصدمة:
_دلوقتي أنا مش همنعك من مستقبلك، اللي بعت علشانه أهلك، وغدرت بمراتك.
ارتعشت عينا يوسف، وتمتم بوجع:
_غدرت؟! الكلمة دي بتوجع يا بابا.
اقترب إلياس خطوة، وهتف بغضب، رغم ارتجافه:
_الوجع!! بتتكلِّم عن وجع؟! أي وجع يادكتور، طب سألت نفسك وجعها عامل إزاي؟!
_يوسف ترجع معايا دلوقتي، وترضي مراتك.
انتفض يوسف واقفًا:
_آسف يا بابا، أنا وضعي خلاص.
تجمَّد إلياس مكانه، واتَّسعت عينيه، بصدمة كأنها صفعة:
_يعني إيه خلاص؟!…بعد ما جيت لك من آخر الدنيا علشان تصلَّح غلطك؟!
_بابا.
_اسكت!
صرخ بها فجأة، وانكسر صوته انكسر رغمًا عنه:
_مش عايز أسمع منك غير كلمة واحدة، إنك راجع لمراتك.
_بالغصب يا بابا؟!
في لحظة، وصل اليه وقبض على سترته بعنف، وعينيه تحترقان:
_غصب إيه يا متخلف؟!…إنتَ بتكلِّم أبوك!
اقترب أكثر، وقال بصوتٍ منخفض،ولكنه أشدُّ قسوة:
_أنا متأكد إنك بتحبَّها، قولِّي إيه اللي حصل؟ قولِّي وأنا أجبلك حقَّك لو هي غلطت…
تساءل بها ثم انفجر صوته فجأة، كأن الألم لم يعد يُحتمل:
_إنما تهرب!! تكسرها بالشكل ده؟! ليه..ليه يا ابن إلياس؟!
اهتزَّ صدر يوسف، وابتلع ريقه بصعوبة، وقال بصوتٍ خرج مخنوقًا:
_بابا… لو سمحت، أنا كده مرتاح.
ساد صمتٌ ثقيل…صمتٌ أخطر من أي صراخ.
تراجع إلياس خطوةً للخلف، وكأن الكلمات أصابته في صدره مباشرة، ثم قال بصوتٍ خافت، لكنه مليء بالقهر:
_مرتاح؟!.
رفع عينيه إليه ببطء، والخذلان يملأ ملامحه:
_مرتاح على وجع غيرك، حتى مش عامل أي اعتبار لأبوك…اللي جالك من آخر الدنيا؟
نظر يوسف إليه بتردُّد، ثم قال بمرارة:
_حضرتك جاي مخصوص علشان ضي مش كده؟
للحظة…صمت إلياس، ثم ابتسم ابتسامة موجوعة:
_أيوه…جاي علشانها.
اقترب منه، وعينيه امتلأتا بدموعٍ رفضت السقوط:
_جاي علشان البنت اللي كل ذنبها إنها وثقت في عمّّها، واتجوزتك، وسلِّمت لك روحها…
_اشتدَّ صوته وهو يكمل:
فكَّرت هي عاملة إزاي دلوقتي..ولَّا حتى فكَّرت في كسرة قلبها؟!
ثم أشار إليه:
_إزاي طلعت أناني وغدَّار كده يا ابن إلياس؟!… إزاي قدرت تقتلها وهي لسه عايشة؟!
_كان يوسف واقفًا كتمثال…
عيناه تلمعان بدموعٍ مكبوتة، وصدره يعلو ويهبط بعنف...داخله كان يصرخ، لكنه لم ينطق.
ضغط على شفتيه بقوة، كأنه يعاقب نفسه على كلِّ شيء، على وجعها، وعلى عجزه.
لكن إلياس لم يحتمل صمته أكثر.
اقترب منه ولكزه في صدره بعنف:
_إيه..اتخرست ليه، مش قادر تدافع عن نفسك؟!
ثم قال بمرارة قاسية، كأنها حكمٌ نهائي:
_نزلت من نظري يا دكتور…وبقيت شايفك انسان غدَّار ومينفعش يكون ابن إلياس السيوفي. 
تجمَّد يوسف في مكانه لم يتحرك، لم يرد.
فقط عيناه اتَّسعتا بصدمة، وشيء ثقيل استقرَّ في صدره يخنقه، وكأن كلمات والده رصاصات نفذت لصدره. 
نظر إلى والده حاول أن يتكلَّم، تحركت شفتاه، لكن صوته خانه، كان يريد أن يقول:
_أنه لم يخن، أنه لم يهرب، أنه تركها لأنه خاف أن يؤذيها أكثر.
كيف يتَّهمه بالغدر وهو الذي يموت ألف مرَّة كل ليلة يموت وهو يتخيَّل دموعها…
لكن الكلمات…رفضت الخروج.
وكأن الألم داخله أكبر من أن يُحكى.
اهتزَّت أنفاسه، فابتلعها سريعًا، كأنه يخجل من ضعفه.
ضغط على شفتيه بقوة حتى ابيضَّتا، يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار أمامه.
انخفضت عيناه إلى الأرض، ولأوَّل مرة، لم يستطع أن يرفعها في وجه والده.
ارتجفت يداه لأوَّل مرة من كمِّ الألم الذي يقتل روحه، فقبض عليهما بسرعة، يخفي ارتعاشتهما…
لكن صدره كان يعلو ويهبط بعنف.
_إيه يا بن إلياس عيَّرتك قدام نفسك، إنتَ طلعت مش قدِّ ثقة أبوك. 
هنا شعر بوخزٍ حاد في قلبه، وجع حقيقي، كأن كل كلمة سمعها غُرست داخله دون رحمة.. 
نزلت من نظري، مينفعش تبقى ابن إلياس، إنتَ غدَّار.
تردَّدت الكلمات داخله، مرة، اثنتين وعشرات، حتى بدأت تفتك به..أغمض عينيه للحظة.
فهربت دمعة رغماً عنه، سريعة، حارقة
مسحها فورًا بعنف، كأنه يرفض الاعتراف بها.
رفع رأسه أخيرًا…لكن ملامحه كانت جامدة بشكلٍ مؤلم.
هدوء غريب…يخفي ورائه انهيار كامل.
وقال صوته خرج بالكاد يُسمع، مكسور، متعب:
_لو حضرتك شايف إنِّي ما استهلش أكون ابن فحقَّك..ماهو مفيش حد بيختار أبوه ولا أب بيختار ابنه.. 
لم يقلها اقتناعًا، بل كأنها استسلام قاتل ليرضي والده، ولا يعلم أنَّ كلماته التي ألقاها زلزلت كيان والده، الذي تجمَّد وشعر بانسحاب أنفاسه، نظر إلى يوسف الذي استدار ببطء، 
بخطواتٍ ثقيلة، كأن كل خطوة تُسحب من روحه.
وما إن ابتعد خطوات قليلة…حتى توقّف فجأة مع ارتجاف جسده بالكامل.
رفع يده سريعًا إلى وجهه، يضغط على عينيه بقسوة، لكن هذه المرة، لم يستطع أن يمنع نفسه.
انسابت دموعه في صمت، صمت موجع…لا صوت فيه…لكن داخله كان يصرخ بكلِّ ما يشعر به، هوى بجسده على أقرب مقعد.
بينما إلياس الذي دار حول نفسه يمسح على وجهه، وداخله يحترق، يقسم أن ابنه يخفي شيئًا ولكن لا يعلمه.
قطع انهيار الاثنين رنين جرس الباب، لحظة اثنتان إلى أن سيطر يوسف على نفسه ونهض يفتح الباب.
_مرحبًا يوسف، هل ستتقبَّلني هذه المرة أم أنَّك ترفض دعوتي، أنا اليوم جئت من غير شيء، جئت أتعرَّف على والدك، لأنك ذكرت أنَّه ضيفك اليوم.
_مرحبًا موسى تفضَّل. 
قالها بهدوء، عكس ما يشعر به، دلف موسى يتطلَّع إلى أرجاء المنزل، بخروج إلياس من الغرفة..توقف يوسف أمام والده للحظات، ثم أشار على موسى:
_زميل لي في مركز الأبحاث.
التفت إلى موسى. 
أشار إلى إلياس ببطء، وعيناه معلَّقتان به، كأنهما تحملان ما عجز لسانه عن قوله:
_ده والدي…صمت لحظة.
لكن الصمت كان أثقل من الكلام.
ثم أكمل، وصوته خرج هادئًا، هدوءًا موجعًا، كأنه يخفي خلفه عاصفة:
_أعظم أب ممكن حد يعرفه، 
ابتلع ريقه بصعوبة، ونظر في عينيه مباشرة:
_وقدوتي في كل حاجة.
كلمات بسيطة…لكنها خرجت محمَّلة بعتابٍ كاسر..
عتاب ابنٍ امتلأ وجعًا حتى الصمت.
تلقَّاها إلياس كطعنة، لم يسمعها بأذنه، بل شعر بها تضرب قلبه مباشرة.
اهتزَّت نظراته…ولأول مرة، لم يجد ردًّا.
اقترب خطوة…
عيناه تبحثان في وجه ابنه، يحاول أن يعلم مابه، ولكنه تجاوز ذلك بوجود موسى، رفع عيناه إلى موسى:
_مرحبًا. 
اقترب موسى يمدُّ يده إلى إلياس، ولكن اقترب يوسف سريعًا يسحب موسى من ذراعه رافضًا تحيِّة والده، التي اعتبرها إهانة لشخصه: 
_تعال قولِّي إمتى خلَّصت شغلك.. 
ابتسم الياس على فعلة يوسف، وحكَّ ذقنه متذكِّرًا وجود إسحاق قبل عدَّة أيام، هل ابنه يعلم من هو ذلك الخسيس؟.
فاق على ضحك موسى وهو يقول:
_أمتلك قدرات خاصَّة.
ثم رفع عيناه إلى إلياس: 
_سُررت برؤيتك سيدي. 
اقترب إلياس منه وجلس بمقابلته:
_إنتَ طبيب؟. 
_نعم، طبيب نسا وتوليد. 
_مرحبًا، ما جنسيتك أيها الطبيب؟.
_بريطاني.
_بريطاني..قالها إلياس وعيناه ترسم كل شيء. 
_نعم.. 
بالقاهرة.. 

دفعت باب مكتبه، وخلفها غرام:
_أنتوا مخبيِّن عنِّي إيه إنتَ وأخوك؟.
_متجوِّز عليكي. 
_أرسلان، إلياس فين من إمبارح؟. تليفونه مقفول.
_عند مراته التانية.
دفعت جهازه بغضب حارق حتى تناثر على الأرضية:
_ربِّنا يهدِّك ياشيخة، كان فيه فيلم بتفرَّج عليه. 
طالعه يزن بشك:
_أنتوا بتخطَّطوا لإيه؟. 
_يوووه بقى، أنا كان مالي بالعيلة الغم دي، ما كنت عايش ملك، مش صح يا غرامي؟ 
_أرسلان...صاح بها يزن واقترب منه.
تراجع أرسلان ضاحكًا:
_بتبرّّق ليه يا بني كدا، خد المسدس أحسن من تبريقتك.
أمسكه من تلابيبه:
_أنا طايرة معايا على الآخر، إلياس فين؟.
_ما قولت أختك منكِّدة عليه، وراح يتجوز، أهو يجبلنا كتكوت صغير.
دفعه يزن بغضب: 
_تافه. 
_احترم نفسك يلا...أنا حما بنتك المطلَّقة.
اقترب يزن منه بخطواتٍ متوترة، وقال بصوتٍ يحمل ضيقًا واضحًا:
_أرسلان، مش وقت هزار…طمِّنها، أختك ممكن تموت من القلق.
تجمَّد أرسلان للحظة، وكأن الكلمات أصابته فمرَّ قلقٌ في عينيه حين تذكَّر والدته، زفر ببطء، ثم جلس وأشار إليهما محاولًا التماسك:
_عنده شغل مهم برة البلد…قالي بكرة هيكون هنا إن شاء الله.
اقتربت ميرال بخطواتٍ متردِّدة، عيناها متعلِّقتان بوجهه كالغريق الذي يبحث عن نجاة:
_راح ليوسف…صح؟
هزَّ رأسه سريعًا، بنبرةٍ حاسمة حاول أن يخفي خلفها ارتباكه:
_يوسف مين..ابنه؟ لا طبعًا…أوَّلًا إحنا أصلًا منعرفش مكانه، وثانيًا إلياس زعلان منه…وبعدين إنتِ عارفة إنه مش هيروحله، كان على الأقل رد على مكالمته.
سقطت ميرال على المقعد :
_معقول…معقول يا أرسلان، بكلِّ علاقاتكم دي…مش عارفين مكان ابني؟
نهض أرسلان واقترب منها، جلس أمامها، ولانت نبرته لكنها تحمل قلقًا خفيًّا:
_ميرال…ابنك مش عايز حد يوصلَّه، عامل حسابه كويس…اتِّصالاته غامضة، وبيكلِّمنا من أرقام مش بتاعته، سبيه شوية، زي ما إلياس قال، فترة وهيهدى ويرجع.
هزَّت رأسها ببطء، ودموعها تنساب في صمتٍ موجع:
_مش هيرجع يا أرسلان، أنا حاسَّة، هيتكتب عليَّ أتحرم منه.
احتواها يزن بذراعيه، يحاول أن يهدِّئها رغم ارتجافها:
_حبيبتي، ليه بتقولي كده؟ إن شاء الله فترة صغيرة ويرجع…وساعتها هنعرف عمل كده ليه.
أمالت رأسها لأسفل، وصوتها خرج مكسورًا بالكاد يُسمع:
_مش هيرجع!! 
هنا خرج صوت ضي كالسيف:
_وأنا كمان أتمنَّى إنه ما يرجعش يا طنط ميرال.
ارتفعت رؤوس الجميع في صدمة. وقفت ضي عند الباب بعينين مشتعلتين، ثم اقتربت بخطواتٍ ثابتة، تقدَّم أرسلان نحوها بسرعة، وقال بصوتٍ يحمل تحذيرًا ممزوجًا بالقلق:
_ضي…حبيبتي، عارفين إنك زعلانة، بس ده ابن عمِّك.
التفتت إليه بعنف، وكأن كلماته أشعلت ما بداخلها أكثر:
_زعلانة؟! بعد دا كله اسمها زعلانة إيه يا بابا؟! حضرتك مفكَّره داس على رجلي بالغلط، ولَّا عشان فضيحته ليا في الجامعة؟!
ارتجف صوتها، رغم نظراتها بعينيها  المتحديتين:
_لا يا بابا…ده إنسان كسرني، حرق قلبي.
نقلت نظرها إلى ميرال، تطالعها بدموعٍ بدأت تخونها رغم مقاومتها:
_أنا ما يشرَّفنيش إن ابن عمِّي يكون بالخسَّة والندالة دي.
سقطت دمعة رغماً عنها، فمسحتها بسرعة وكأنها ترفض ضعفها:
_غدار، خاين، كان في حضني وبيخطَّط يطعنِّي…وفي الآخر تقولوا زعلانة؟!
تقدمت خطوة منها، ونظراتها تخترق ميرال:
_أنا مزعلش على واحد زي ده، لأنه ببساطة، ما يستاهلش.
توقفت أمامها مباشرة، وأردفت بصوتها الذي انخفض لكنه صار أشدّ قسوة:
_ابنك قهرني يا مرات عمِّي، فبتمنى إنه ما يرجعش طول حياته.
شهقت ميرال، وهتفت باسمها بنبرةٍ متقطِّعة: 
_ضي…
لكن ضي لم تنتظر، مسحت دموعها بعنف، واستدارت بجمود:
_أنا كرهت الشخص ده كره عمري ما حسِّيته…ومش عايزة أسمع اسمه تاني…لو فعلًا خايف على مشاعر بنتك يا بابا.
أنهت كلماتها وغادرت. 

انحنى أرسلان قليلًا نحو ميرال، وأردف بنبرةٍ لينة:
_ما تزعليش منها…ضي موجوعة ومقهورة منه، وده حقَّها، بس كله كلام، وأول ما تشوفه هتنسى كل ده.
رفعت ميرال يدها وأمسكت بذراعه بقوة:
_أرسلان…يوسف بيحبِّ ضي، والله بيحبَّها، وضحَّى بنفسه علشانها، وحياة ولادك، ما تخلهاش تدعي عليه، ابني مكسور وموجوع.
تعمَّق أرسلان في النظر إليها، عينيه تضيقان بشكٍّ واضح:
_متأكد من اللي بتقوليه يا ميرال؟ طب قوليلي…إيه اللي حصل يخلِّيه يطلَّقها؟
ارتبكت، ورفعت عينيها فجأة نحو يزن، وكأنها تبحث عن مخرج، لكن دموعها سبقتها:
_ابني مش غدَّار، ولا خاين، ظروفه كانت أقوى منه.
اقترب يزن: 
_ميرال…إنتِ مخبيَّة عنِّنا حاجة؟.
هزَّت رأسها بسرعة، تمسح دموعها بعصبية، ثم نهضت:
_مش مخبية حاجة، أنا مش مخبية حاجة!
قالتها بنبرةٍ مرتفعة قليلًا، ثم استدارت وغادرت.
بمكتب رولا..
كان معتز يجلس أمامها، يتحدث بثقة ممزوجة بالضيق، يعدِّد أخطاء المهندس الذي عيَّنه له يزن.
استمعت رولا بصمت، تحاول أن تبقي ملامحها جامدة رغم الغضب الذي يتصاعد بداخلها.
وحين انتهى، تنهَّدت ببطء:
_أنا بعتذر لحضرتك يا أستاذ معتز…إن شاء الله هتولَّى الموضوع بنفسي.
نظر إليها نظرة طويلة، صامتة، قبل أن يقول ببرود:
_أتمنى ما أندمش إني وثقت فيكي يا باشمهندسة.
رفعت رأسها بثقة ثابتة:
_أبدًا…بكرة هيكون عند حضرتك رد واضح.
_تمام…قالها وهو ينهض، يغلق بدلته، ثم أضاف بصرامة:
_أنا مش هاجي هنا تاني… كلامنا بعد كده في مكتبي.
وقبل أن يتحرَّك، فُتح الباب فجأة.
دخل آسر، عيناه تقعان على معتز مباشرة، ونبرة ساخرة خرجت منه:
_أهلاً أستاذ معتز…وأنا بقول المبنى منوَّر ليه!
ارتبك معتز للحظة، بينما ضيَّقت رولا عينيها بدهشة:
_إنتوا تعرفوا بعض؟
ابتسم آسر، لكن خلف ابتسامته كان هناك احتراق واضح، قهر لم يهدأ منذ حديثه مع أرسلان، ولا بحثه الذي لم يوصله لشيء يطمئنه.
اقترب خطوة، يشير إلى رولا:
_أستاذ معتز وكيل عندي.
نظر معتز بينهما، ثم قال متصنِّعًا الدهشة:
_هو إنتَ تعرف الباشمهندسة؟
زمَّ آسر شفتيه، وأجاب بنبرةٍ جافة:
_لا…معرفهاش…أختي بس.
فتح معتز فمه بدهشة مبالغ فيها:
_إيه الصدفة السعيدة دي! إنتي تبقي أخت الأفوكاتو؟!.
ضحك آسر، ضحكة باردة لم تصل لعينيه:
_تخيّل…حتى لمَّا شوفت عربيتك تحت استغربت يكون بينَّا ميعاد…بس لما عرفت إنك هنا، قولت لازم أسلِّم عليك.
نظر في ساعته فجأة، وكأنه تذكر شيئًا:
_أنا سعيد إني قابلتك قبل ميعادنا… كنت أتمنى نتكلِّم في القضية، بس عندي ارتباط مهم.
أومأ آسر سريعًا:
_طبعًا اتفضل…أنا مقدرش أعطَّلك.
غادر معتز، لكن عيون آسر ظلَّت معلَّقة به، حادَّة كالصقر…والشكوك تتزاحم في رأسه بلا رحمة.
أفاق على صوت رولا:
_أنا بجد اتفاجئت إنه يشتغل معاك ومعايا في نفس الوقت…ومن غير ما حد فينا يعرف!
ردّ بحدَّة مفاجئة:
_علشان إحنا أغبياء.
قطَّبت جبينها:
_يعني إيه؟ مش فاهمة.
تنهَّد، ثم أشاح بوجهه:
_ولا حاجة…
قالها ببرود، واستدار مغادرًا المكتب،  رفع هاتفه وتحدث مع بلال: 
_إنتَ فين؟
ردَّ بلال من الطرف الآخر:
_لسه خارج من المستشفى.
_هترجع على الكمبوند ولَّا شقِّتك؟
_لا…راجع الكمبوند.
_تمام…قدامي ساعتين، عايزك ضروري.
_تمام.
قالها بلال، وأغلق الهاتف، وقاد سيارته في صمت، متجهًا نحو منزل والده.

بمنزل إسحاق:
دلف إسحاق إلى الغرفة، فوجد حمزة يقف أمام المرآة يعدِّل ملابسه، فابتسم بخفَّة:
_إنتَ خارج؟
التفت إليه سريعًا:
_أيوه…رايح لشمس، في حاجة؟
تقدَّم إسحاق خطوتين:
_كنت عايزك تقعد مع المهندس… جالك كذا مرة، وعايز يفهم منك التفاصيل.
أومأ حمزة:
_حاضر…هقعد مع شمس نشوف شوية ديكورات، وبعدها هكلِّمه.
_تمام…بس متتأخرش، أنا هسافر بعد يومين.
توقف حمزة فجأة، واستدار إليه بقلق:
_هتسافر تاني يا بابا؟
اقترب منه، يحدِّق في وجهه:
_سفرك بقى كتير، فكَّرني بشغلك زمان، هوَّ حضرتك رجعت له؟
ابتسم إسحاق، هزّ بها مخاوفه:
_شغل إيه بس، أنا عرفت مكان يوسف، وعايز أسافر له.
اتَّسعت عينا حمزة بدهشةٍ ممزوجةٍ بالأمل:
_بجد!. يعني هتروح له؟
_آه…بس ما تقولش لشمس دلوقتي، لمَّا أشوف هعرف أوصله ولَّا لأ الأول.
رفع يده بسرعة:
_لا لا، مش هقول، الموضوع ده تعبني جدًّا.
ربت إسحاق على ذراعه بحنان:
_خلاص…لمَّا أتأكد هقولك.
تنهَّد حمزة براحة خفيفة:
_يا رب يا بابا، يوسف مأثَّر عليها جدًّا.
أومأ إسحاق بصمت.
بمنزل كريم وإيمان:
كانت تجلس بجوار والدها، تحكي له ما حدث في الجامعة، وهو يستمع إليها باهتمامٍ واضح.
سألها بهدوء:
_طيب عملتي إيه؟
ابتسمت بخفَّة:
_ولا حاجة يا بابا، ماما قالت اللي يضايقك يبقى مش فاهمك ولا فاهم ظروفنا في أمريكا…علشان كده مردِّتش، وده اللي ضايقها.
شدَّها إلى أحضانه بفخر:
_برافو عليكي يا حبيبتي.
خرجت من حضنه وهي أكثر حماسًا:
_بابا…آسيا هتنزل من أول الشهر تدريب في شركة…إيه رأيك أشتغل مع آسر أنا كمان؟
نظر لها بتفكير:
_هتشتغلي إيه؟
_زيها…سكرتيرة مؤقتًا، لحدِّ ما أتعلِّم.
هزَّ رأسه:
_طيب سيبيني أكلِّمه الأول، نشوف محتاج ولَّا لأ.
_أوكيه…قالتها وهي تنهض:
_عندي شوية مذاكرة صغيرة، أخلَّصهم وأروح لرولا شوية.
بمنزل أرسلان..
دلفت غرام إليه بخطواتٍ هادئة:
_عايزة أتكلِّم معاك.
أغلق اللابتوب فورًا، مشيرًا إليها بابتسامةٍ دافئة:
_طبعًا يا حبيبتي…اتفضلي.
جلست أمامه، صمتٌ قصير سبق سؤالها:
_رجَّعت رولا ليه يا بلال؟ مش سألتك قبل كده وقلت لأ؟
ابتسم بحنان، ثم نهض ومدَّ يده إليها:
_طب ممكن قبل ما نتكلِّم…أنام على رجلك زي زمان؟
لمعت عيناها بسعادة، وهزَّت رأسها فورًا:
_أكيد يا حبيبي.
جلست على الأريكة، فتمدَّد واضعًا رأسه على ساقيها، وأغمض عينيه براحة:
_ياااه يا ماما، من زمان أوي، مش فاكر آخر مرة إمتى.
مرَّرت أصابعها بين خصلات شعره بحنان:
_أنا اللي قصَّرت معاك، اهتميت بضي ونسيتك.
أمسك يدها وقبَّلها برقَّة:
_مفيش تقصير يا ستِّ الكل، إحنا كبرنا، بس برضه بنحنِّ للحنان ده.
ضحكت بخفة:
_فاكر لمَّا كنتوا بتتخانقوا مين ينام على رجلي؟
ضحك:
_كنا هُبل.
ضربته بخفَّة:
_هُبل إيه يا ولد؟ ده حب!
_حب مات من زمان يا ماما.
انفجرت ضاحكة، وعادت بذاكرتها:
_كنت بعرف أسيطر عليكم، رغم إنك إنتَ ويوسف جنِّنتوني.
ضحك بلال وهو يستعيد ذكرى:
_فاكرة لمَّا يوسف ربطني في السرير علشان ينام مكاني وقال لضي: إنتي خدي الشمال علشان تبقي قريبة من الشيطان؟.
تعالت ضحكاتهما، ثم خفتت…وحلَّ صمتٌ ثقيل.
اردفت غرام بصوت متردد:
_بلال…يوسف ما قالكش حاجة قبل ما يمشي؟
فتح عينيه ببطء:
_لا والله يا ماما، أنا زعلان منه، بس متأكد إن في حاجة غصب عنُّه.
قالت بحزم:
_أيًا كانت، مالوش حق يكسر أختك كده.
اعتدل وجلس أمامها:
_ماما…ضي هي اللي طلبت الطلاق، خيَّرته بين الطلاق والخلفة، وهو مش جاهز.
اتَّسعت عيناها بصدمة:
_مين قالَّك كده؟!
_يوسف، ولمَّا واجهت ضي، ما أنكرتش.
تاهت غرام في أفكارها، ثم نظرت إليه بتركيز:
_طيب…هو ليه رافض يجيب ولاد؟
هزَّ كتفيه:
_دي حاجات خاصَّة يا ماما، عمرنا ما اتكلِّمنا فيها.
شردت، تربط الخيوط، وملامح الشك تتسلَّل إليها.
تنهَّد بلال، مغيِّرًا الحديث:
_بالنسبة لرولا، أنا مش هقدر أعيش من غيرها…بحبَّها.
نظرت له بعمق:
_وهي؟
ابتسم بثقة:
_بتحبِّني جدًّا، إحنا الاتنين واحد.
_إزاي تأكدت يا بني، دي رفضت ابنك؟
أمسك يدها:
_وقعت من على السلم، والبيبي نزل… هي قالتلي، وأنا ما صدَّقتش، رحت للدكتورة، وتأكدت، وبعدين عمُّو إلياس جابلي تسجيل الحادث، كانت وقعة صعبة.
تألَّمت ملامحها:
_ربنا يعوَّض عليك يا حبيبي.
_علينا يا ماما…حاولت أبعد، معرفتش من غيرها بحسِّ إني مش عايش.
نظرت له بعاطفة:
_وأنا أهمِّ حاجة عندي سعادتك.
ابتسم:
_وسعادتي معاها.
ربتت على يده بحنان:
_ربنا يسعدك يا ابني، وعقبال أختك، حاسة إنها هتموت من غيره هي كمان
وبعدين مدام بتحبَّها أوي كدا، وهي كمان، لمُّوا نفسكوا، مش كل شوية تهينوا بعض، دا مش حب دا انتقام.. 
وإنتَ امسك لسانك، هي شعنونة لكن طيِّبة، هي عايزة حد يقص لسانها شوية بس.
ضحك على كلمات والدته:
_تنكري إنها زي الأطفال، أنا بحسَّها طفلة أوي يا ماما، علشان كدا مش بزعل منها.
كان يتحدث مع والدتها بعيونٍ تنطق بالحب، راقبته والدته: 
_دا إنتَ واقع أوي يا بن غرام. 
دفن رأسه في صدر والدته، واقع من الدور المية يا ماما.
مدَّت يدها تمسِّد على شعره، وشعرت بالحزن عليه:
_ربنا يهدِّي سرَّك حبيبي ويفرَّح قلبك، طيب ليه ما رجعتش بيتك لمَّا رجعتها؟. 
اعتدل ينظر إليها: 
_هي مكنتش تعرف إنِّي رجَّعتها غير من شهر، منكرش كنت مضايق منها، ومكنتش بفكَّر أرجَّعها، لكن يوسف اللي ضغط عليَّ، لأنه كان متأكد إنها متهورة، وبعد ما تأكدت إنها ما سقَّطتش البيبي رحت لعمُّو يزن، وقولت له هرجَّع مراتي، طبعًا هو رفض، لكن بابا وعمُّو إلياس أقنعوه، بس أبوها شرط ما ترجعش بيتك غير لمَّا أطلَّق كارما، وأروح أتقدملها من أول وجديد.
هزَّت رأسها منتظرة تكملة حديثه:
_وبعدين إيه اللي حصل، طلَّقت كارما دي؟.
_طلَّقتها، بس محدش يعرف غير عمُّو إلياس وبابا، حتى عمُّو يزن لسة ميعرفش.
مش قادر آخد خطوة رجوعي دلوقتي، وضي حالتها كدا، قولت أجِّل الموضوع لحدِّ ماأشوف عمُّو إلياس هيقنع يوسف يرجع ولا إيه.
_ليه عمَّك إلياس عرف مكانه؟.
_أه...وسافرله، متقوليش قدَّام ضي ولا طنط ميرال، لأنها لو عرفت ممكن تحط أمل وفي الآخر ما يرجعش، وطبعًا ممكن طنط ميرال أول ما تعرف تسافرله، ودا عمُّو رافضه. 
تنهَّدت غرام بألم على ابنتها:
_ربنا يهديك يا يوسف، أنا هتكلم معاها، وأشوف ليه طلبت منه كدا... صمتت ثم نظرت إليه:
_أومال إزاي رولا باتت معاك ليلة العيد، وإنتَ متِّفق مع أبوها.
نزل برأسه للأسفل:
_هي مادبتتش يا ماما، أنا كنت بحاول أحطِّك قدام الأمر الواقع. 
_لا والله يا دكتور، غصب عن أمَّك؟. 
_أنا كنت متأكد إنك هتوافقي، لكن مش دا الموضوع. 
زوت حاجبيها: 
_أومال إيه؟. 
نهض من مكانه وارتبك، فتح فمه لينطق بما صار بينهما، ولكنه خجل من نفسه، وتراجع، نهضت مقتربة منه: 
_سكت ليه..؟! 
استدار إليها، وقال:
_مفيش، كل الموضوع مبقتش قادر أتحمِّل أشوفها قدَّامي وهي مراتي، واأتعامل معاها كأنها غريبة. 
تفهَّمت ما يشعر به، ربتت على كتفه بحنانٍ أمومي: 
_خلاص حبيبي، أنا هتكلِّم مع أختك، وأمري لله، هكلِّم مقصوفة الرقبة أم لسانين. 
هزَّ رأسه بالرفض: 
_لا يا ماما، مش دلوقتي، أشوف موضوع ضي الأول، حضرتك مفهمتيش كلام عمُّو يزن، طالب اتقدِّم من أول وجديد، يعني إزاي هعمل كدا، ويوسف مش موجود، وكمان عمُّو وطنط ميرال قلبهم محروق من غياب يوسف، أطَّمن عليه الأول، أنا إن شاءلله منتظر عمُّو يرجع وأسافر له.
_تسافرله؟!. 
قالتها معترضة...ردَّ عليها دون جدال:
_ماما إحنا اتربينا إنِّنا أخوات، يوسف أخويا وضي أختي، لازم أطَّمن عليه، لازم أقعد معاه وأشوفه ليه عمل كدا، ممكن ما يقولش لأبوه، ويحكي لي.

مضى شهر لا يحدث فيه شيئا جديدًا، سوى عودة إلياس من عند يوسف، وزيارة اسحاق له 
_دي ساعة، كأنها اعتذار منك على كل كلامك 
قلبها يوسف بيده
_ودي فيها حاجة يعني ولا ايه
_مفيش فيها حاجة، مجرد هدية
_عمو اسحاق...!! 
قالها يوسف باعتراض 
ضحك وهو يحاوط كتفيه
_فيها مخدرات 
رفع يوسف حاجبه بسخرية 
_لا والله... توقف اسحاق امامه وحاوط ذراعيه 
_حبيبي كل اللي عليك تعمل اللي بقولك عليه، بلاش تعرف حاجة ممكن تأذيك
قطب حاجبه باستفهام 
_يعني ايه 
_مفيش يعني، انا عايزك تخليه يلبس الساعة دي بس، ومتخافش مفيهاش حاجة تئذيك
_مش بتكلم عن الأذى، مبحبش اعمل حاجة مش فاهمها 
_مفيش حاجة.. الساعة فيها جهاز تتبع مش اكتر، عايز اعرف بيعملوا اجتماعاتهم فين، 
_طيب ما أكيد هيفحصها
_مايفحصها، حد قالك عني غبي 
_يعني ايه 
_وبعدين يايوسف، نفذ وبس 
تنهد وقال 
_المهم اسمعني فيه موضوع تاني لازم اكلمك فيه
سحب نفسا وطرده وعيناه على يوسف
_تنزل مصر، ترضي الكل، لانهم زعلانيين وواخدين على خاطرهم منك، وخاصة ارسلان، اللي اتفاجئ من اللي عملته، هو بيحاول يبان عادي، لكن أرسلان أنا أكتر واحد عارفه، هو بيعمل كدا علشان مايزعلش اخوه، لكن قلبه شايل منك يا ابني 
والصراحة لو حد عمل مع بنتي كدا مش هسامحه
_لو سمحت ممكن منتكلمش في الموضوع دا 

بكمباوند الشافعي…
خرجت رولا بخطوات متثاقلة نحو سيارتها، ملامحها جامدة، لأنها لم تراه منذ يومين، تأففت والقت نظرة سريعة على منزل أرسلان ثم تحركت الى السيارة. كادت تفتح الباب، ولكن جاءها صوت غرام من خلفها:
_رولا…
توقفت، التفتت إليها باحترام: 
_نعم يا طنط؟
اقتربت غرام منها بابتسامة هادئة، رغم ترددها: 
_فاضية خمس دقايق؟
رغم دهشتها، ردّت بسرعة: 
_طبعًا يا طنط… ولو مش فاضية أفضالك.
ابتسمت غرام بخفة، ثم أمسكت يدها وسحبتها برفق نحو حديقة المنزل: 
_تعالي نقعد… عايزة أتكلم معاكي.
جلست رولا بصمت، تترقب، وقلبها بدأ يخفق دون سبب واضح.
تنهدت غرام، ثم قالت بصوت دافئ: 
_أنا بحبك يا رولا… أوعي في يوم تشكي في ده. وربنا عالم إنك عندي زي ضي وشمس… يمكن زعلت منك، آه، وزعلت أوي كمان، بس ده مش من فراغ.
سكتت لحظة، وكأنها تختار كلماتها: 
_بكرة لما تبقي أم، هتعرفي إن مفيش أغلى من الضنا. جرحك لبلال وجعني، بس اللي قهرني بجد، إني افتكرت إنك نزلتي ابنك بإيدك.
اهتزت عيون رولا، وارتجف صوتها وهي تقاطعها بسرعة:
_لا يا طنط… والله ما حصل! أنا مسقطتش ابني، هو نزل غصب عني، والله دي الحقيقة.
نظرت لها غرام طويلًا، ثم مدت يدها تربت على كفها بحنان: 
_عارفة يا حبيبتي… بلال قالي.
انكسرت الدموع في عيني رولا، وانفلتت منها شهقة مكتومة: 
_أنا عارفة إني غلطت في كلامي، بس كنت موجوعة، أنا كنت بحبه أوي.
ابتسمت غرام إبتسامة فيها صدق وإدراك: _ وهو كمان بيموت فيكي، ومش هكدب عليكي، قبل موضوع الجوازة التانية، كنت بشوف السعادة في عينه. بس يا بنتي، مفيش حاجة بتفضل زي ما هي.
تعلّقت نظرات رولا بها، وخوف خفي تسلل لقلبها: 
_يعني إيه…؟
رفعت غرام كفيها ومسحت دموع رولا بأنامل حانية: 
_يعني لازم تحافظي على جوزك، مفيش راجل مابيغلطش، بس الست الشاطرة هي اللي تعرف تاخد حقها من غير ما تخسر اللي بتحبه.
اشتعل الألم في صوت رولا: 
_بس اللي عمله مش غلطة، ده إهانة!
صمتت غرام قليلًا، ثم قالت بهدوء حاسم: _اللي حصل… حصل. مش هنفضل نعيط عليه. هو غلط… آه، وغلط كبير، بس كمان هو ندم. وانتي رد فعلك كان قاسي.
حاولت رولا تتكلم: _أنا…
قاطعتها غرام برفق: _سيبي اللي فات، فكري في اللي جاي. هو بيحبك… وطلق التانية.
اتسعت عينا رولا، وكأنها لم تستوعب: _إيه…؟ يعني طلقها؟
نظرت لها غرام بدهشة: 
_انتي مكنتيش تعرفي؟
ارتسمت ابتسامة مرتعشة على وجه رولا، اختلطت بلمعة دموعها: 
_انتي متأكدة؟
تنهدت غرام ، وكأنها أدركت خطأها: _شكلي بوظت المفاجأة، يلا يا بنتي، روحي شغلك بدل ما تتأخري.
نهضت رولا بسرعة، اقتربت منها وانحنت تقبّلها: 
_أنا بحبك… وعذرتك، عشان انتي أم، مكنتش فاهمة لكن ماما قالت لي حقك وغصب عنك
ابتسمت غرام بسعادة صادقة: 
_ربنا يسعدكم يا بنتي، أنا مش عايزة غير كده.
_إن شاء الله.
قالتها رولا وهي تتحرك بخفة، كأن الحزن انزاح فجأة عن كتفيها…وتحركت كفراشة عادت لها الحياة.
لكنها توقفت فجأة… وابتسامتها اختفت تدريجيًا، وهمست لنفسها بنبرة تحمل مزيجًا من الشك والدهاء:
_بتلعب بيا… ماشي يا بلال

بمنزل اسحاق وخاصة بمكتبه
_مش ملاحظ زياراتك ليوسف كترت يا اسحاق
_عادي كنت مسافر بلد قريبة، وقولت اطمن عليه، هو عيب ولا حرام 
انحنى يستند على المكتب
_اسحاق، انت رجعت شغلك تاني
_شغل ايه يلا، احنا كبرنا، انا بنتظر حفيدي، ربنا يسهل واخوك يجوز العيال 
_متقربش من يوسف يا اسحاق، هزعل منك، وصدقني زعلي هيبقى وحش 
نفخ اسحاق سيجاره بوجه أرسلان 
_اللي يشوفك يقول مطلّقش بنتك يعني ؟
_ايه اللي بتقوله دا يا عمو، يوسف قبل مايكون ابن أخويا بيكون ابني، انت ناسي انه متربي مع ولادي، زعلي منه حاجة، واني اضره حاجة تانية، دا انا افديه بروحي 
_متخافش يا ابن فاروق، معملتش حاجة ولو مش مصدق، روح اسأله 
ظل ارسلان ينظر اليه بصمت
_انا حافظك يا اسحاق
_بطل هبل يلا، يوسف دا اصلا هيفدني في  ايه، غير انه مش مدرب
_يعني رجعت شغلك، انا برضو، قولت اسحاق زي السمك
غير اسحاق الموضوع 
_المهم قولي عملت ايه في الراجل اللي اسمه ديفيد دا 
_اه.. زي ما هو، سايبه يلعب مع اسر ورولا
_طيب اسر محاولش يدور وراه
_دور... بس ملاقاش غير اللي انا عايز يعرفه
حك اسحاق ذقنه ونظر اليه
_طيب ازاي سكت بعد ماعرف ان دا اللي حاول يغتصب اخته
_اسر ذكي ياعمو، هو عايز يوصل، ايه العلاقة اللي يخليه يعمل كدا في اخته
_اممم.. مش ابن الشافعي، المهم خلي بالك كويس، الراجل دا خطير
_واخد بالي، وجاسر الألفي بنفسه متابع الموضوع، وهو دلوقتي بيروح ملهى ليلي كدا، والوضع هادي، ومبقاش بيتقابل كتير، مع الولاد، كلف حد من عنده
_ودا طبيعي 
_انا عايز اوصله انه طبيعي، وخاصة ان يزن اهتم بالموضوع 
_امم. ويزن ميعرفش
_لا... طبعا، انت ناسي انه اب، ومهما يتماسك مشاعر الابوة هتفرض عليه 
_عندك حق.. المهم عايزك تكلم الياس، نجوز الولاد، شمس خلاص باقي لها امتحان، والنص التاني تكمله، مبقتش قادر اسيطر على حمزة 
زفر ارسلان 
_والله كلمته كتير وهو رافض، مش قدامي غير ميرال، بحجة عايزين نفرح، وطبعا ماما فريدة 

مساء اليوم…
تسلّل إليه الشوق كعادته، فقاد خطواته إلى منزل يزن، وكأن قلبه يعرف الطريق وحده. وقف أمام المسبح، عيناه معلّقتان بالماء، ينتظرها
اقتربت منه بهدوء، حتى وقفت إلى جواره. شعر بها قبل أن يراها، فالتفت بعينين أنهكهما الاشتياق
_عاملة إيه؟
ابتسمت بخفوت، تخفي ارتباكها:
_كويسة الحمدلله إنت فين؟ مش بتبان ليه؟
زفر ببطء، وكأنه يفرغ ما بداخله:
_مشغول… ضغط شغل.
ثم نظر لها بجدية:
_اقعدي… عايز أتكلم معاكي.
جلست أمامه، كعادتها، على بعد مسافة
أشار بجواره:
_تعالي جنبي، ليه دايمًا بتحطي بينا مسافات؟
نظرت له بعينين تحملان عتابًا ووجعًا:
_مفيش مسافات يا بلال… إنت اللي واهم نفسك
سكت لحظة، ثم سأل بصوتٍ خافت، كطفل يخشى الإجابة:
_هو أنا مش بوحشك خالص؟
ارتجف قلبها، وفضحتها عيناها قبل كلماتها:
_مين قال كدا؟
اقترب بجسده بنبرة موجوعة:
_طريقتك، سكوتك، لو مت، ممكن تعرفي زي الغريب.
لم تحتمل نهضت في لحظة، وجلست بجواره دون تفكير، وكأنها تستسلم أخيرًا. أمسكت بذراعه ولفّته حولها، ثم دفنت رأسها في صدره، تستنشق أمانًا اشتاقت له حد الألم.
_علشان ما أضعفش كدا
همست بها بصوتٍ مكسور:
_علشان مبقدرش أشوفك زي الغريب، علشان بتوحشني بطريقة بتوجعني.
تجمّد جسده وخفق قلبه بعنف، وكل كلمة منها كانت تسقط داخله كاعترافٍ يرقص له قلبه
رفع وجهها ببطء، وتاه بعينين  تائهتين بين ملامحها، وكأنها أول مرة يراها… اقترب دون وعي، ولامس شفتيها بشوقٍ مكبوت، قبلة حملت كل ما لم يُقال، كل ما تأجّل، وكل ما احترق بينهما بصمت.
ابتعد بصعوبة، أنفاسه مضطربة، وكأنه خرج لتوه من حلمٍ خطير.
لكنها لم تتركه… علّقت عينيها بعينيه، ورفعت كفيها تلامس وجهه بحبٍ صادق:
_وحشتني أوي.
أغمض عينيه، وقبّل كفيها، يستسلم للحظةٍ سرقها من عمرٍ قاسٍ:
_أنا قولت لباباكي يديني وقت، لحد ما أشوف يوسف
فتح عينيه، وقال بصوت مختنق:
_بس أنا مش قادر يا رولا… أنا بهرب منك، علشان ما أخطفكيش من الدنيا كلها زي دلوقتي.
دفنت رأسها في عنقه، دون وعي منها أنها تشعل حربًا بداخله، فاهتز جسده وهمس باسمها… لكنها زادت اقترابًا، ولفّت ذراعيها حوله:
_كنت ناوية أعاقبك، بس مش قادرة، مش عايزاك تبعد، كفاية بقى، بقالنا سنة وشهرين وإحنا كدا، أنا تعبت.
أبعدها برفق، وأحاط وجهها بين كفيه، ينحني يقبّل دموعها بندمٍ صادق:
_حبيبتي… أنا آسف.
ثم أضاف يطمئنها:
_على فكرة، أنا بعدت عن كارما ومفيش بينا حاجة.
نظرت له بترقب:
_يعني طلقتها؟
هز رأسه بخفة، وعيناه لا تفارقانها:
_لأ… هي ما كانتش مراتي أصلًا، كان شغل وانتهى.
اقترب أكثر، وهمس بصوتًا امتلأ دفئًا وصدقًا:
_مراتي وحبيبتي واحدة بس، بحبها من عشرين سنة، من وهي عندها ست سنين متربعة في قلبي ومحدش قدر يقرب.
انكسرت كل الحواجز داخلها… اقتربت منه، تغرقه بقبلاتٍ تحمل حب سنواتٍ ضاعت دون فائدة
_بحبك اوي.. اوي... ليتها تصمت ولا تنطق شيئًا، فقد السيطرة،  فابتعد عنها فجأة يحررها قبل أن يفقد صوابه هذه المرة
نظرت إليه بألم... ابتعد بنظراته عن عيناها
_أنا كنت جاي أقولك، مسافر ليوسف بكرة.
نظر لها نظرة طويلة، ممتلئة بكل ما لا يستطيع قوله…
_خلي بالك من نفسك.
ثم استدار سريعًا… قبل أن تخونه مشاعره أكثر، ويأخذ قرارًا لن يستطيع التراجع عنه.

مضت شهور أخرى، لم يحدث فيها شيء يُذكر… سوى سفر حمزة وبلال إلى يوسف، ومحاولتهما المستميتة لإقناعه بالعودة، لكن رفضه ظل قاطعًا، لا يقبل نقاشًا.
في مساءٍ هادئ…
كان بلال منكفئًا على عمله، دلفت رولا إليه بخطوات مترددة.
_عايزة أتكلم معاك.
رفع عينيه إليها، يتأملها بنظرة طويلة قبل أن يومئ بصمت. جلست أمامه، تحاول التماسك.
_بكرة في حفلة لمعتز الدمنهوري… عاملها في الشركة، علشان خلصنا المشروع.
لم يتردد لحظة:
_مش موافق يا رولا.
عقدت حاجبيها بدهشة: 
_ليه؟ الراجل كان محترم جدًا… وكمان شكله جنتل.
ارتفع صوته بنبرة حادة: 
_قولت لا! مفيش روحة للمكان ده ومبحبوش أصلًا، افهمي بقى!
تنهدت بنفاد صبر:
_وإنت لازم تحبه ليه؟ الشغل خلص خلاص.
ضرب بيده على المكتب: 
_رولا… مش هتروحي!
رفعت رأسها بعناد واضح: 
_هروح يا بلال.
قالتها ثم استدارت وغادرت دون انتظار رد.
ظل ينظر في أثرها يمرر يده بعصبية في شعره، ويركل المقعد بعنف.
التقط هاتفه واتصل بأسر: 
_اختك مش لازم تروح الحفلة دي، سامعني؟
جاءه صوت أسر هادئًا:
_اهدى يا بلال، أنا هكون معاها، متقلقش.
صرخ فيه: 
_وأنا مش موافق! فاهم؟ مش موافق!
قالها وأغلق الهاتف بعنف.
في اليوم التالي…
تألقت رولا بفستان أسود أنيق، زينته بلمسات بسيطة، وحجاب أبيض أضفى عليها هدوءًا لافتًا.
خرجت فوجدت أسر بانتظارها، فأشار نحو منزل أرسلان:
_قولي لجوزك، علشان ما يزعلش.
فتحت باب السيارة بثقة: 
_أنا رايحة مع أخويا، مش لوحدي.

بمنزل أرسلان…
دخلت ضي غرفتها بعصبية، تجمع أغراضها بسرعة، لحقت بها والدتها.
_ضي… بتعملي إيه؟
ردت دون أن تنظر إليها:
_ماشية، مش قادرة أقعد هنا لحظة كمان.
شهقت غرام واقتربت منها: 
_ليه يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟
استدارت فجأة، عيناها تشتعلان: 
_قولي إيه اللي ماحصلش! وكأني مش بنتكم… وكأن قلبي ما اتداسش عليه!
اهتز صوتها وهي تكمل: 
_أنا اتغدر بيا واتطلقت من غير ذنب! علشان وثقت في واحد ما يستاهلش وبعد ده كله بتتعاملوا معاه عادي!
حاولت غرام تهدئتها: 
_حبيبتي مش إنتي اللي طلبتي الطلاق؟
ضحكت بسخرية موجعة:
_آه بس كنت مستنية يتمسك بيا! مش يرميّني بالسهولة دي!
اقتربت منها والدتها بحزن: 
_حتى لو ده كان جوزك، وما يصحش تغلطي فيه.
اتسعت عيناها بصدمة: 
_بتدافعي عنه؟ بعد كل اللي عمله؟
تراجعت خطوة، تمسح دموعها بعنف: _حتى أخويا محسش بيا! سابني وجري له وقعد معاه أسبوعين… ضحك وصور!
انحنت قليلًا نحوها:
_كان بيحتفل معاه ولا كأني أخته!
انكسر صوت غرام: 
_متوجعيش قلبي يا بنتي…
ضربت صدرها بيد مرتجفة:.
_وإنتوا وجعتوا قلبي ليه؟ ليه سيبتوني أموت 
حاولت غرام تبرير وضع الياس وميرال
_مهما كان، ابنهم، ولازم يفرحوا بيه.
صرخت فجأة: 
_كفااااية!
صمت ثقيل ملأ المكان.
_مش عايزة أسمع حاجة تاني… أنا ماشية، وسيباكم تاخدوا راحتكم.
صرخت غرام: 
_ضي!
لكنها لم تلتفت، حملت حقيبتها واتجهت للخارج.

وقف أرسلان أمامها، ينظر لحقيبتها: 
_رايحة فين؟
رفعت عينيها إليه، بصوت مكسور:
_همشي محتاجة أبعد شوية، هنا بموت يا بابا.
انفجر غاضبًا:
_اتجننتي؟! إيه الهبل ده؟
_بابا…
قاطعها بعنف:
_مفيش بابا! تدخلي أوضتك فورًا! عايزة الناس تقول بنت أرسلان قاعدة لوحدها؟!
حاولت غرام تهدئته: 
_اهدأ، هي مش في وعيها.
صرخ: 
_مش في وعيها؟! دي مش صغيرة!
اقتربت ضي منه بثبات غريب: _لو فضلت هنا دقيقة كمان… هموت نفسي
وفي تلك اللحظة، وصل بلال، والتقط كلماتها، فتجمد مكانه: _ضي… إنتي اتجننتي؟!

_محدش له دعوة بيا، أنا حرة في  نفسي!
لم تُكمل جملتها…
صفعة قوية دوّت في المكان، من أيدي والدها
شهقت غرام: _أرسلااان!
وضعت ضي كفها على وجنتها، ونظرت لوالدها بعينين  متسعتين، لا تبكي… فقط تنظر إليه بصدمة موجعة.
ثوانٍ مرت كأنها دهر…ثم ابتسمت ابتسامة باهتة، تهز رأسها ببطء: 
_شكرًا يا بابا، شكرًا إنك حاسس ببنتك.
اختنق صوتها لكنها أكملت: 
_وحاضر… هقعد علشان الناس، بس اعرف إنك كده بتقتلني.
مدّ بلال يده نحوها: 
_ضي… تعالي معايا.
نفضت ذراعه بعنف: 
_ملكش دعوة بيا، أنا مش مستنية منك حاجة.
استدارت بسرعة، تكتم دموعها، واتجهت إلى غرفتها، وأغلقت الباب بقوة.
انفجرت غرام في أرسلان: 
_ليه كده؟! كان لازم تمد إيدك عليها؟!
تحركت تقول بصوت مكسور:
_بنتي هتضيع مني، البنت بتضيع مني.
جلس ارسلان ثم همس
_ليه يا يوسف… ليه يا ابني…
وصلت غرام إلى  منزل إلياس.
دلفت ، وأنفاسها متلاحقة، فاستقبلتها ميرال وهي تحمل فنجان قهوة.
توقفت ميرال: 
_في إيه يا غرام؟!
بصوت مرتجف:

مضى شهر لا يحدث فيه شيئا جديدًا، سوى عودة إلياس من عند يوسف، وزيارة اسحاق له 
_دي ساعة، كأنها اعتذار منك على كل كلامك 
قلبها يوسف بيده
_ودي فيها حاجة يعني ولا ايه
_مفيش فيها حاجة، مجرد هدية
_عمو اسحاق...!! 
قالها يوسف باعتراض 
ضحك وهو يحاوط كتفيه
_فيها مخدرات 
رفع يوسف حاجبه بسخرية 
_لا والله... توقف اسحاق امامه وحاوط ذراعيه 
_حبيبي كل اللي عليك تعمل اللي بقولك عليه، بلاش تعرف حاجة ممكن تأذيك
قطب حاجبه باستفهام 
_يعني ايه 
_مفيش يعني، انا عايزك تخليه يلبس الساعة دي بس، ومتخافش مفيهاش حاجة تئذيك
_مش بتكلم عن الأذى، مبحبش اعمل حاجة مش فاهمها 
_مفيش حاجة.. الساعة فيها جهاز تتبع مش اكتر، عايز اعرف بيعملوا اجتماعاتهم فين، 
_طيب ما أكيد هيفحصها
_مايفحصها، حد قالك عني غبي 
_يعني ايه 
_وبعدين يايوسف، نفذ وبس 
تنهد وقال 
_المهم اسمعني فيه موضوع تاني لازم اكلمك فيه
سحب نفسا وطرده وعيناه على يوسف
_تنزل مصر، ترضي الكل، لانهم زعلانيين وواخدين على خاطرهم منك، وخاصة ارسلان، اللي اتفاجئ من اللي عملته، هو بيحاول يبان عادي، لكن أرسلان أنا أكتر واحد عارفه، هو بيعمل كدا علشان مايزعلش اخوه، لكن قلبه شايل منك يا ابني 
والصراحة لو حد عمل مع بنتي كدا مش هسامحه
_لو سمحت ممكن منتكلمش في الموضوع دا 

بكمباوند الشافعي…
خرجت رولا بخطوات متثاقلة نحو سيارتها، ملامحها جامدة، لأنها لم تراه منذ يومين، تأففت والقت نظرة سريعة على منزل أرسلان ثم تحركت الى السيارة. كادت تفتح الباب، ولكن جاءها صوت غرام من خلفها:
_رولا…
توقفت، التفتت إليها باحترام: 
_نعم يا طنط؟
اقتربت غرام منها بابتسامة هادئة، رغم ترددها: 
_فاضية خمس دقايق؟
رغم دهشتها، ردّت بسرعة: 
_طبعًا يا طنط… ولو مش فاضية أفضالك.
ابتسمت غرام بخفة، ثم أمسكت يدها وسحبتها برفق نحو حديقة المنزل: 
_تعالي نقعد… عايزة أتكلم معاكي.
جلست رولا بصمت، تترقب، وقلبها بدأ يخفق دون سبب واضح.
تنهدت غرام، ثم قالت بصوت دافئ: 
_أنا بحبك يا رولا… أوعي في يوم تشكي في ده. وربنا عالم إنك عندي زي ضي وشمس… يمكن زعلت منك، آه، وزعلت أوي كمان، بس ده مش من فراغ.
سكتت لحظة، وكأنها تختار كلماتها: 
_بكرة لما تبقي أم، هتعرفي إن مفيش أغلى من الضنا. جرحك لبلال وجعني، بس اللي قهرني بجد، إني افتكرت إنك نزلتي ابنك بإيدك.
اهتزت عيون رولا، وارتجف صوتها وهي تقاطعها بسرعة:
_لا يا طنط… والله ما حصل! أنا مسقطتش ابني، هو نزل غصب عني، والله دي الحقيقة.
نظرت لها غرام طويلًا، ثم مدت يدها تربت على كفها بحنان: 
_عارفة يا حبيبتي… بلال قالي.
انكسرت الدموع في عيني رولا، وانفلتت منها شهقة مكتومة: 
_أنا عارفة إني غلطت في كلامي، بس كنت موجوعة، أنا كنت بحبه أوي.
ابتسمت غرام إبتسامة فيها صدق وإدراك: _ وهو كمان بيموت فيكي، ومش هكدب عليكي، قبل موضوع الجوازة التانية، كنت بشوف السعادة في عينه. بس يا بنتي، مفيش حاجة بتفضل زي ما هي.
تعلّقت نظرات رولا بها، وخوف خفي تسلل لقلبها: 
_يعني إيه…؟
رفعت غرام كفيها ومسحت دموع رولا بأنامل حانية: 
_يعني لازم تحافظي على جوزك، مفيش راجل مابيغلطش، بس الست الشاطرة هي اللي تعرف تاخد حقها من غير ما تخسر اللي بتحبه.
اشتعل الألم في صوت رولا: 
_بس اللي عمله مش غلطة، ده إهانة!
صمتت غرام قليلًا، ثم قالت بهدوء حاسم: _اللي حصل… حصل. مش هنفضل نعيط عليه. هو غلط… آه، وغلط كبير، بس كمان هو ندم. وانتي رد فعلك كان قاسي.
حاولت رولا تتكلم: _أنا…
قاطعتها غرام برفق: _سيبي اللي فات، فكري في اللي جاي. هو بيحبك… وطلق التانية.
اتسعت عينا رولا، وكأنها لم تستوعب: _إيه…؟ يعني طلقها؟
نظرت لها غرام بدهشة: 
_انتي مكنتيش تعرفي؟
ارتسمت ابتسامة مرتعشة على وجه رولا، اختلطت بلمعة دموعها: 
_انتي متأكدة؟
تنهدت غرام ، وكأنها أدركت خطأها: _شكلي بوظت المفاجأة، يلا يا بنتي، روحي شغلك بدل ما تتأخري.
نهضت رولا بسرعة، اقتربت منها وانحنت تقبّلها: 
_أنا بحبك… وعذرتك، عشان انتي أم، مكنتش فاهمة لكن ماما قالت لي حقك وغصب عنك
ابتسمت غرام بسعادة صادقة: 
_ربنا يسعدكم يا بنتي، أنا مش عايزة غير كده.
_إن شاء الله.
قالتها رولا وهي تتحرك بخفة، كأن الحزن انزاح فجأة عن كتفيها…وتحركت كفراشة عادت لها الحياة.
لكنها توقفت فجأة… وابتسامتها اختفت تدريجيًا، وهمست لنفسها بنبرة تحمل مزيجًا من الشك والدهاء:
_بتلعب بيا… ماشي يا بلال

بمنزل اسحاق وخاصة بمكتبه
_مش ملاحظ زياراتك ليوسف كترت يا اسحاق
_عادي كنت مسافر بلد قريبة، وقولت اطمن عليه، هو عيب ولا حرام 
انحنى يستند على المكتب
_اسحاق، انت رجعت شغلك تاني
_شغل ايه يلا، احنا كبرنا، انا بنتظر حفيدي، ربنا يسهل واخوك يجوز العيال 
_متقربش من يوسف يا اسحاق، هزعل منك، وصدقني زعلي هيبقى وحش 
نفخ اسحاق سيجاره بوجه أرسلان 
_اللي يشوفك يقول مطلّقش بنتك يعني ؟
_ايه اللي بتقوله دا يا عمو، يوسف قبل مايكون ابن أخويا بيكون ابني، انت ناسي انه متربي مع ولادي، زعلي منه حاجة، واني اضره حاجة تانية، دا انا افديه بروحي 
_متخافش يا ابن فاروق، معملتش حاجة ولو مش مصدق، روح اسأله 
ظل ارسلان ينظر اليه بصمت
_انا حافظك يا اسحاق
_بطل هبل يلا، يوسف دا اصلا هيفدني في  ايه، غير انه مش مدرب
_يعني رجعت شغلك، انا برضو، قولت اسحاق زي السمك
غير اسحاق الموضوع 
_المهم قولي عملت ايه في الراجل اللي اسمه ديفيد دا 
_اه.. زي ما هو، سايبه يلعب مع اسر ورولا
_طيب اسر محاولش يدور وراه
_دور... بس ملاقاش غير اللي انا عايز يعرفه
حك اسحاق ذقنه ونظر اليه
_طيب ازاي سكت بعد ماعرف ان دا اللي حاول يغتصب اخته
_اسر ذكي ياعمو، هو عايز يوصل، ايه العلاقة اللي يخليه يعمل كدا في اخته
_اممم.. مش ابن الشافعي، المهم خلي بالك كويس، الراجل دا خطير
_واخد بالي، وجاسر الألفي بنفسه متابع الموضوع، وهو دلوقتي بيروح ملهى ليلي كدا، والوضع هادي، ومبقاش بيتقابل كتير، مع الولاد، كلف حد من عنده
_ودا طبيعي 
_انا عايز اوصله انه طبيعي، وخاصة ان يزن اهتم بالموضوع 
_امم. ويزن ميعرفش
_لا... طبعا، انت ناسي انه اب، ومهما يتماسك مشاعر الابوة هتفرض عليه 
_عندك حق.. المهم عايزك تكلم الياس، نجوز الولاد، شمس خلاص باقي لها امتحان، والنص التاني تكمله، مبقتش قادر اسيطر على حمزة 
زفر ارسلان 
_والله كلمته كتير وهو رافض، مش قدامي غير ميرال، بحجة عايزين نفرح، وطبعا ماما فريدة 

مساء اليوم…
تسلّل إليه الشوق كعادته، فقاد خطواته إلى منزل يزن، وكأن قلبه يعرف الطريق وحده. وقف أمام المسبح، عيناه معلّقتان بالماء، ينتظرها
اقتربت منه بهدوء، حتى وقفت إلى جواره. شعر بها قبل أن يراها، فالتفت بعينين أنهكهما الاشتياق
_عاملة إيه؟
ابتسمت بخفوت، تخفي ارتباكها:
_كويسة الحمدلله إنت فين؟ مش بتبان ليه؟
زفر ببطء، وكأنه يفرغ ما بداخله:
_مشغول… ضغط شغل.
ثم نظر لها بجدية:
_اقعدي… عايز أتكلم معاكي.
جلست أمامه، كعادتها، على بعد مسافة
أشار بجواره:
_تعالي جنبي، ليه دايمًا بتحطي بينا مسافات؟
نظرت له بعينين تحملان عتابًا ووجعًا:
_مفيش مسافات يا بلال… إنت اللي واهم نفسك
سكت لحظة، ثم سأل بصوتٍ خافت، كطفل يخشى الإجابة:
_هو أنا مش بوحشك خالص؟
ارتجف قلبها، وفضحتها عيناها قبل كلماتها:
_مين قال كدا؟
اقترب بجسده بنبرة موجوعة:
_طريقتك، سكوتك، لو مت، ممكن تعرفي زي الغريب.
لم تحتمل نهضت في لحظة، وجلست بجواره دون تفكير، وكأنها تستسلم أخيرًا. أمسكت بذراعه ولفّته حولها، ثم دفنت رأسها في صدره، تستنشق أمانًا اشتاقت له حد الألم.
_علشان ما أضعفش كدا
همست بها بصوتٍ مكسور:
_علشان مبقدرش أشوفك زي الغريب، علشان بتوحشني بطريقة بتوجعني.
تجمّد جسده وخفق قلبه بعنف، وكل كلمة منها كانت تسقط داخله كاعترافٍ يرقص له قلبه
رفع وجهها ببطء، وتاه بعينين  تائهتين بين ملامحها، وكأنها أول مرة يراها… اقترب دون وعي، ولامس شفتيها بشوقٍ مكبوت، قبلة حملت كل ما لم يُقال، كل ما تأجّل، وكل ما احترق بينهما بصمت.
ابتعد بصعوبة، أنفاسه مضطربة، وكأنه خرج لتوه من حلمٍ خطير.
لكنها لم تتركه… علّقت عينيها بعينيه، ورفعت كفيها تلامس وجهه بحبٍ صادق:
_وحشتني أوي.
أغمض عينيه، وقبّل كفيها، يستسلم للحظةٍ سرقها من عمرٍ قاسٍ:
_أنا قولت لباباكي يديني وقت، لحد ما أشوف يوسف
فتح عينيه، وقال بصوت مختنق:
_بس أنا مش قادر يا رولا… أنا بهرب منك، علشان ما أخطفكيش من الدنيا كلها زي دلوقتي.
دفنت رأسها في عنقه، دون وعي منها أنها تشعل حربًا بداخله، فاهتز جسده وهمس باسمها… لكنها زادت اقترابًا، ولفّت ذراعيها حوله:
_كنت ناوية أعاقبك، بس مش قادرة، مش عايزاك تبعد، كفاية بقى، بقالنا سنة وشهرين وإحنا كدا، أنا تعبت.
أبعدها برفق، وأحاط وجهها بين كفيه، ينحني يقبّل دموعها بندمٍ صادق:
_حبيبتي… أنا آسف.
ثم أضاف يطمئنها:
_على فكرة، أنا بعدت عن كارما ومفيش بينا حاجة.
نظرت له بترقب:
_يعني طلقتها؟
هز رأسه بخفة، وعيناه لا تفارقانها:
_لأ… هي ما كانتش مراتي أصلًا، كان شغل وانتهى.
اقترب أكثر، وهمس بصوتًا امتلأ دفئًا وصدقًا:
_مراتي وحبيبتي واحدة بس، بحبها من عشرين سنة، من وهي عندها ست سنين متربعة في قلبي ومحدش قدر يقرب.
انكسرت كل الحواجز داخلها… اقتربت منه، تغرقه بقبلاتٍ تحمل حب سنواتٍ ضاعت دون فائدة
_بحبك اوي.. اوي... ليتها تصمت ولا تنطق شيئًا، فقد السيطرة،  فابتعد عنها فجأة يحررها قبل أن يفقد صوابه هذه المرة
نظرت إليه بألم... ابتعد بنظراته عن عيناها
_أنا كنت جاي أقولك، مسافر ليوسف بكرة.
نظر لها نظرة طويلة، ممتلئة بكل ما لا يستطيع قوله…
_خلي بالك من نفسك.
ثم استدار سريعًا… قبل أن تخونه مشاعره أكثر، ويأخذ قرارًا لن يستطيع التراجع عنه.

مضت شهور أخرى، لم يحدث فيها شيء يُذكر… سوى سفر حمزة وبلال إلى يوسف، ومحاولتهما المستميتة لإقناعه بالعودة، لكن رفضه ظل قاطعًا، لا يقبل نقاشًا.
في مساءٍ هادئ…
كان بلال منكفئًا على عمله، دلفت رولا إليه بخطوات مترددة.
_عايزة أتكلم معاك.
رفع عينيه إليها، يتأملها بنظرة طويلة قبل أن يومئ بصمت. جلست أمامه، تحاول التماسك.
_بكرة في حفلة لمعتز الدمنهوري… عاملها في الشركة، علشان خلصنا المشروع.
لم يتردد لحظة:
_مش موافق يا رولا.
عقدت حاجبيها بدهشة: 
_ليه؟ الراجل كان محترم جدًا… وكمان شكله جنتل.
ارتفع صوته بنبرة حادة: 
_قولت لا! مفيش روحة للمكان ده ومبحبوش أصلًا، افهمي بقى!
تنهدت بنفاد صبر:
 _وإنت لازم تحبه ليه؟ الشغل خلص خلاص.
ضرب بيده على المكتب: 
_رولا… مش هتروحي!
رفعت رأسها بعناد واضح: 
_هروح يا بلال.
قالتها ثم استدارت وغادرت دون انتظار رد.
ظل ينظر في أثرها يمرر يده بعصبية في شعره، ويركل المقعد بعنف.
التقط هاتفه واتصل بأسر: 
_اختك مش لازم تروح الحفلة دي، سامعني؟
جاءه صوت أسر هادئًا:
 _اهدى يا بلال، أنا هكون معاها، متقلقش.
صرخ فيه: 
_وأنا مش موافق! فاهم؟ مش موافق!
قالها وأغلق الهاتف بعنف.
في اليوم التالي…
تألقت رولا بفستان أسود أنيق، زينته بلمسات بسيطة، وحجاب أبيض أضفى عليها هدوءًا لافتًا.
خرجت فوجدت أسر بانتظارها، فأشار نحو منزل أرسلان:
_قولي لجوزك، علشان ما يزعلش.
فتحت باب السيارة بثقة: 
_أنا رايحة مع أخويا، مش لوحدي.

بمنزل أرسلان…
دخلت ضي غرفتها بعصبية، تجمع أغراضها بسرعة، لحقت بها والدتها.
_ضي… بتعملي إيه؟
ردت دون أن تنظر إليها:
 _ماشية، مش قادرة أقعد هنا لحظة كمان.
شهقت غرام واقتربت منها: 
_ليه يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟
استدارت فجأة، عيناها تشتعلان: 
_قولي إيه اللي ماحصلش! وكأني مش بنتكم… وكأن قلبي ما اتداسش عليه!
اهتز صوتها وهي تكمل: 
_أنا اتغدر بيا واتطلقت من غير ذنب! علشان وثقت في واحد ما يستاهلش وبعد ده كله بتتعاملوا معاه عادي!
حاولت غرام تهدئتها: 
_حبيبتي مش إنتي اللي طلبتي الطلاق؟
ضحكت بسخرية موجعة:
 _آه بس كنت مستنية يتمسك بيا! مش يرميّني بالسهولة دي!
اقتربت منها والدتها بحزن: 
_حتى لو ده كان جوزك، وما يصحش تغلطي فيه.
اتسعت عيناها بصدمة: 
_بتدافعي عنه؟ بعد كل اللي عمله؟
تراجعت خطوة، تمسح دموعها بعنف: _حتى أخويا محسش بيا! سابني وجري له وقعد معاه أسبوعين… ضحك وصور!
انحنت قليلًا نحوها:
 _كان بيحتفل معاه ولا كأني أخته!
انكسر صوت غرام: 
_متوجعيش قلبي يا بنتي…
ضربت صدرها بيد مرتجفة:.
_وإنتوا وجعتوا قلبي ليه؟ ليه سيبتوني أموت 
حاولت غرام تبرير وضع الياس وميرال
 _مهما كان، ابنهم، ولازم يفرحوا بيه.
صرخت فجأة: 
_كفااااية!
صمت ثقيل ملأ المكان.
_مش عايزة أسمع حاجة تاني… أنا ماشية، وسيباكم تاخدوا راحتكم.
صرخت غرام: 
_ضي!
لكنها لم تلتفت، حملت حقيبتها واتجهت للخارج.

وقف أرسلان أمامها، ينظر لحقيبتها: 
 _رايحة فين؟
رفعت عينيها إليه، بصوت مكسور:
 _همشي محتاجة أبعد شوية، هنا بموت يا بابا.
انفجر غاضبًا:
 _اتجننتي؟! إيه الهبل ده؟
_بابا…
قاطعها بعنف:
 _مفيش بابا! تدخلي أوضتك فورًا! عايزة الناس تقول بنت أرسلان قاعدة لوحدها؟!
حاولت غرام تهدئته: 
_اهدأ، هي مش في وعيها.
صرخ: 
_مش في وعيها؟! دي مش صغيرة!
اقتربت ضي منه بثبات غريب: _لو فضلت هنا دقيقة كمان… هموت نفسي
وفي تلك اللحظة، وصل بلال، والتقط كلماتها، فتجمد مكانه: _ضي… إنتي اتجننتي؟!

_محدش له دعوة بيا، أنا حرة في  نفسي!
لم تُكمل جملتها…
صفعة قوية دوّت في المكان، من أيدي والدها
شهقت غرام: _أرسلااان!
وضعت ضي كفها على وجنتها، ونظرت لوالدها بعينين  متسعتين، لا تبكي… فقط تنظر إليه بصدمة موجعة.
ثوانٍ مرت كأنها دهر…ثم ابتسمت ابتسامة باهتة، تهز رأسها ببطء: 
_شكرًا يا بابا، شكرًا إنك حاسس ببنتك.
اختنق صوتها لكنها أكملت: 
_وحاضر… هقعد علشان الناس، بس اعرف إنك كده بتقتلني.
مدّ بلال يده نحوها: 
_ضي… تعالي معايا.
نفضت ذراعه بعنف: 
_ملكش دعوة بيا، أنا مش مستنية منك حاجة.
استدارت بسرعة، تكتم دموعها، واتجهت إلى غرفتها، وأغلقت الباب بقوة.
انفجرت غرام في أرسلان: 
_ليه كده؟! كان لازم تمد إيدك عليها؟!
تحركت تقول بصوت مكسور:
 _بنتي هتضيع مني، البنت بتضيع مني.
جلس ارسلان ثم همس
 _ليه يا يوسف… ليه يا ابني…
وصلت غرام إلى  منزل إلياس.
دلفت ، وأنفاسها متلاحقة، فاستقبلتها ميرال وهي تحمل فنجان قهوة.
توقفت ميرال: 
 _في إيه يا غرام؟!
بصوت مرتجف: 
_فين أبو يوسف يا ميرال؟
_مالك؟ في إيه؟
لم تجب… فقط ارتفع بكاؤها.
خرجت فريدة على الصوت: 
_غرام؟! بتعيطي ليه يا حبيبتي؟
في تلك اللحظة… خرج إلياس.
_في إيه؟
اتجهت إليه مباشرة، دموعها تنهمر: 
_إنت جيت لي وقولت عايز تنقذ ابنك، ومايبعدش عن حضن أمه
ارتجف صوتها:
 _قولت لي ميرال هتموت لو يوسف سافر
اقتربت أكثر، وكادت ان تسقط امامه باانهيار: 
_أنا جاية لك النهاردة وبقولك، ابنك موت بنتي يا إلياس… بنتي بتموت!
تبدلت ملامحه، نظر لميرال وفريدة بقلق: _في إيه؟! إيه اللي حصل؟
همست وهي تبكي:
 _ضي… عايزة تسيب بيت أبوها، عايزة تعيش لوحدها
رفعت عينيها نحوه:
 _وعارف بسبب مين؟!
حاول التماسك: 
_غرام… اهدي أنا هتصرف.
صرخت من جديد:
 _لا! مش ههدي! بنتي قالت لو فضلت هنا… هتموت نفسها !
شهقت ميرال، وضعت يدها على فمها، بينما تجمدت فريدة في مكانها، نطقت كلماتها ثم استدارت وغادرت، تبكي بحرقة.

مضت عدة شهور أخرى، حتى وافق إلياس أخيرًا على زفاف حمزة وشمس، بعد أن كان قد رفض الفكرة تمامًا حين انتهت من دراستها…
وقبل حفل الحناء بيومين
في حديقة منزل إلياس، كانت شمس تجلس بين ذراعي حمزة، بينما يعبث بخصلات شعرها برفق، وعيناه لا تفارقان ملامحها
_شموسة… فستان الفرح عجبك يا حبيبتي؟ لو في أي حاجة مش عاجباكي قوليلي 
رفعت عينيها إليه، لكن ابتسامتها كانت باهتة
_نفسي أفرح بجد، قلبي وجعني أوي على يوسف
تبدلت ملامحه، احتضن وجهها بين كفيه، يمسح دموعها بإبهامه
_دموعك دي بتقتلني يا شمس، علشان خاطري بلاش تعيطي
اختبأت في صدره، تحاول أن تتمالك نفسها
_بحاول ياحمزة، والله بحاول. عارفة إني مزوداها، بس ده أخويا الوحيد، انت متعرفش يوسف كان بالنسبالي إيه
شدد من احتضانه لها
_أوعدك هكون لك الأخ قبل ما أكون الزوج
رفعت رأسها إليه، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها
_أنا متأكدة من كدا، هو أنا بحبك شوية؟
ابتسم بمشاكسة، ومرر أنامله قرب شفتيها
_طيب مفيش أي حاجة لجوزك الغلبان؟
احمرّ وجهها، ودفنت رأسها في صدره خجلًا، فضحك وهو يضمها أكثر
مرّ اليومان سريعًا
في غرفة شمس، اجتمعت الفتيات حولها، والبهجة تحيط بالمكان رغم ما يثقل قلبها. جلست آسيا تمسك كفيها، ترسم الحناء بعناية، ثم غمزت لها
_شموس… أرسم لك فين تاني؟
ردت شمس بصوت خافت، شارد
_أي حاجة… مش مهم
شهقت آسيا بتصنع
_إيه اللي بتقوليه ده! في عروسة زي القمر كدا وتكون زعلانة؟! قولي حاجة يا رولا
اقتربت رولا منها، تمسك يدها بحنان
_شمس حبيبتي، مينفعش كدا. على الأقل علشان مامتك. حاولي تعيشي سعادتك، بعد يومين هيكون عندك حياة جديدة
نظرت لها برجاء
_طيب… جربي تاني يا رولا، يمكن يكون اتصل. علشان خاطري
تنهدت رولا وهي ترفع الهاتف
_والله يا بنتي التليفون أهو، مفيش حاجة
سكتت شمس للحظة، ثم سألت بصوت منخفض
_طب… فين بلال؟
ردت رولا  ببرود
_معرفش ومش عايزة أعرف
وقبل أن تُكمل، دلفت فريدة إلى الغرفة بابتسامة واسعة
_القمرات بيعملوا إيه هنا؟
تحركت شمس إليها سريعًا، وكأنها وجدت ملاذها
_تيتا حبيبتي
احتضنت وجهها بحنان، تتأملها بإعجاب
_إيه الجمال ده كله! والله خسارة في الواد حمزة
ابتسمت شمس بخجل
_متقوليش كدا يا تيتا
رفعت فريدة حاجبها بمشاكسة، ونظرت للفتيات
_إيه رأيكم؟ ينفع نسيب الأميرة دي لحمزة كدا؟ أنا شايفة إن إلياس يرجع في كلامه
اتسعت عينا شمس بقلق حقيقي، وتمسكت بها بسرعة
_لا يا تيتا، والنبي! هيزعل أوي
انفجرت فريدة ضاحكة، وربتت على خدها
_يا بنتي بهزر معاكي… ده أنا أول واحدة عايزة أشوفك عروسة
ابتسمت شمس، لكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها…

بعد عدة ساعات
نزلت الفتيات إلى الأسفل، وامتلأ المكان بالموسيقى الصاخبة، وبدأت الضحكات تختلط بالإيقاع، وكل واحدة منهن تحاول سحب شمس إلى وسط الدائرة لتشاركهن الرقص. كانت تبتسم مجاملة، لكن عينيها تفضحان ما بداخلها
في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتف رولا.
التفتت شمس إليها بسرعة، بنظرة مليئة بالأمل
_مش هو؟
تنهدت رولا بخفة، وهي تنظر إلى الشاشة
_لا… وبعدين انتي مفكرة إنه بيتصل بيا؟! ده كلمتين على بعض… هروح أرد
هزّت شمس رأسها بصمت
_ماشي
تحركت رولا قليلًا بعيدًا، وأجابت
_أيوة
_اطلعي… أنا مستنيكي
عقدت حاجبيها باستغراب
_ضروري يعني؟
زفر بوجع واضح
_رولا… عايزك تيجي معايا لضي. نحاول نقنعها تحضر حنة شمس، مينفعش تغيب عن بنت عمها
أغمضت عينيها لحظة، ثم ردت بهدوء
_أنا روحت لها قبل كدا من غير ما تقول، ورافضة خالص
_طيب تعالي نجرب مرة تانية
سكتت لحظة، ثم قالت
_ماشي… جاية
بعد دقائق، كانت تسير بجواره، تعلقت بكفه، وتحركا متجهان إلى منزل ضي القريب من الكمبوند، ذاك المنزل الذي انتقلت إليه بعد محاولات كثيرة من إلياس مع أرسلان…
عند ضي في الحديقة، كانت تجلس على الأرض، تضم ساقيها إلى صدرها، تحدق في شاشة هاتفها التي تتقلب بصورٍ لهما صورة تلو الأخرى، ودموعها تنساب في صمتٍ موجع.
غدًا… ذكرى زفافهما.
ارتجف جسدها، ولم تعد تتحمل، فأغلقت الهاتف بعنف، وألقت برأسها للخلف، تنظر إلى السماء المزدحمة بالنجوم، وكأن كل نجمة تحمل ملامحه.
وضعت كفيها على أذنيها،  تحاول إسكات صوته الذي يهمس داخلها، ذلك الصوت الذي كان يومًا ملاذها، وأصبح الآن عذابها.
همست بصوتٍ مكسور، يخرج كأنين
_كذاب… كله كان كذب
قطع كلماتها صوت الخادمة
_الدكتور بلال جه، ومعاه مدام رولا
أزالت دموعها سريعًا، وأشارت لها بالانصراف
بعد دقائق وقفت أمامه، تنظر إليه بصمتٍ اقترب  منها ببطء
_هتفضلي زعلانة مني لحد إمتى؟
حولت نظرها إلى رولا، وكأنها تهرب منه
_انتوا رجعتوا لبعض؟
فتحت رولا فمها لترد، لكن بلال سبقها
_لا… أنا اللي جبتها. يمكن توافقي تيجي معاها علشان شمس، شمس ماتستاهلش كدا يا ضي، انتي أختها الكبيرة
رفعت عينيها إليه، ومرارة الألم تملأ صوتها
_وأنا كمان، مكنتش أستاهل غدر أخوها
اقترب أكثر، ورفع يده ليحيط وجهها برفق
_حبيبتي… أنا عارف إنك موجوعة من يوسف. بس عمك وبنته ذنبهم إيه؟ شمس زعلانة علشان محضرتيش، هو أخوها، آه، بس انتي كمان أختها
تراجعت خطوة للخلف
_هحضر الفرح يا بلال، ده اللي أقدر أقدمه، علشان الناس 
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة حاسمة
_محدش يطلب مني أكتر من كدا
وقبل أن يرد، قاطعهم رنين هاتفها
نظرت إلى الشاشة، ثم أجابت
_أيوة يا نور
جاءها صوته مرحًا
_عاملة إيه؟
تنهدت بهدوء
_كويسة الحمدلله
_لسه واصلني اللوكيشن… إيه الجمال ده يا ضي! واو، واو، واو بجد
تسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيها، رغم كل شيء
_بجد؟…
بعد فترة
كان بلال يجلس مع أسر في الخارج، يتحدثان بجدية
_مش شايف إن معتز الدمنهوري غامض زيادة عن اللزوم؟
صمت أسر لحظة، ثم نظر إليه بنظرة ذات مغزى
_في حاجة عمو أرسلان قالها، مش عارف انت تعرفها ولا لا
مال بلال للأمام باهتمام
_قال إيه؟
فتح أسر فمه ليتحدث، لكنه توقف فجأة مع صوت سيارة تتوقف أمام المنزل
التفت الاثنان في نفس اللحظة، 
ترجل حمزة من سيارته بثقة، وكأنه داخل معركة وليس حفل حنة، ابتسم بلال بسخرية
_الحنة للبنات يا ابن الجارحي
رفع حمزة حاجبه بتحدي
_ليه؟ دي قوانين في الدستور؟ أنا جاي أشوف مراتي…ومحدش يقدر يوقفني
ضحك أسر، وسحبه جانبًا
_سيبه يا بلال… خليه يدخل
تقدم حمزة بخطوات واثقة
_آه هدخل… ومفكرني هخاف؟ أنا هعمل اللي أنا عايزه
قفز بلال بخفة فوق سيارته، مشيرًا له بتحدي
_اتفضل يا حبيبي، محدش ماسكك
رمقهم حمزة بنظرة ساخرة، ثم تحرك للداخل… خطوة… اتنين… تلاتة
وفجأة اصطدم بشخص يقف أمامه
تراجع قليلًا، ثم قال باستغراب
_نعم؟
جاءه الرد هادئًا… 
_هو حضرتك بتعمل إيه هنا؟

_أنا… مستنيك
التفت بسرعة نحو بلال، الذي يستمتع بالمشهد
فعاد بنظره إلى إلياس، يحاول ترتيب كلماته
_أنا بس… كنت عايز… يعني
ظل إلياس ينظر إليه بصمت، حتى ازداد توتره
_حضرتك بتوترني على فكرة
ابتسم إلياس ابتسامة خفيفة
_ليه يا حنين؟ مفكر نفسك في امتحان الثانوية؟
انفجر بلال ضاحكًا
_وجاي يغش عندنا كمان
جزّ حمزة على أسنانه، فرفع إلياس حاجبه وأشار له
_لف… وريني قفاك
تعالت الضحكات، وأشار حمزة لنفسه بدهشة
_حضرتك بتقول لي أنا؟
رد إلياس ببرود
_لا… للحيطة اللي جنبك
نظر حوله باستغراب
_مفيش حيطة أصلًا… هو يقصد مين؟
تمتم إلياس بنفاد صبر
_حمزة!
ثم أشار إلى ساعته
_يلا… ارجع. عيب
اقترب حمزة منه محاولًا استرضاءه
_طب أقول لها كلمة واحدة بس، 
قاطعه بسرعة
_كلمة إيه؟! إنت اتجننت؟ يلا روح
ابتسم حمزة بمكر، وهو يملس على جاكيت إلياس
_ما أنا مش همشي، غير لما أشوفها
رد إلياس ببرود
_خليك أنت حر
في تلك اللحظة، وصلت سيارة آدم، برفقة زوجته ونجليه
نظر إلياس لحمزة بصرامة
_يلا… لف وارجع. متخلنيش أرجع في كلامي
ابتسم حمزة بثقة
_هترجع في كلامك إزاي يا عمو؟ الفرح بعد بكرة، عايز الناس تقول إيه؟
رد إلياس بهدوء مستفز
_عادي يا حبيبي، نقول العريس جاله وعكة صحية
شهق حمزة بصدمة
_إنت بتقر على جوز بنتك!
لكن إلياس تجاهله تمامًا، واتجه لاستقبال آدم
بينما وقف حمزة مكانه، ينظر خلفه بحنق… ثم ابتسم فجأة، وكأن فكرة مجنونة لمعت في رأسه
_ماشي يا إلياس… هنشوف

بالداخل 
دارت الفتيات حول شمس، يسحبنها إلى وسطهن، تتمايل خطواتها معهن رغم ثقل قلبها، يحاولن انتزاعها من حزنها ولو لدقائق…
تعالت الضحكات، واختلطت الزغاريد بالموسيقى، حتى انتهى أخيرًا حفل الحناء، وهدأت الأجواء شيئًا فشيئًا…صعدت للاعلى ولكنها توقفت تشهق
_انت بتعمل ايه هنا
_وحشتني الفراولة، وجيت اكلها عندكم
_بتهزر ياحمزة
وضع الطبق الذي يحمل فواكه ونهض متجها اليها
_وحياة شمس عندي، كنت قلقان عليكي، كلمتك وصوتك كان معيط 
اقتربت منه تدفن نفسها بأحضانه
_أنا بحبك اوي، 
ابتسم بحنان، تذكرت شيئا
_انت دخلت ازاي صح، وبابا
_سيبك منه، هو يقدر يعمل حاجة، طيب انا اهو، ولا قدر يوقف قدامي 
صمتت تنظر للارض بعدما لمحت والدها خلف حمزة، رفع ذقنها ينظر لعيناها
_أنا اهم حاجة عندي شمسي، وبعدين انتي ضحكتي علي، ينفع اسيب حفلة الياس امبارح علشان الفروالة وفي الاخر مادقتهاش
لم ترد عليه، كانت عيناها على والدها الصامت 
_مالك حبيبتي، ولا تكوني بتعملي كدا، علشان ماادقش الفراولة، والله قتيل الليلة هنا
_اشارت بعينيها على والدها، ولكنه لم يدرك ماتشير اليه، فجذبها من خصرها
_معقول ياشموسة تزعليني
انحنى الياس اليه
_لا مش معقول يااخويا
قفز مبتعدًا
_بسم الله، انت بتعمل ايه هنا
امسكه من تلابيبه، هو مين اللي بيعمل ايه هنا يلا
وصلت ميرال على صوت الياس، 
_في ايه... صمتت حين وجدت حمزة 
_انت لسة هنا 
التفت اليها الياس 
_يعني انتي اللي دخلتيه 
ابتعد عن الياس، ينظر الى ميرال
_سؤال رفيع المستوى، انتي اتجوزتيه ازاي، حضرتك حد مرهف الحس، انما هو 
حدجه الياس بنظرة 
_هو احسن الناس برضو، انا اللي استاهل، محبتش غير بنته
_حمزة ايه اللي بتقوله دا
_حمزة هينتحر بسبب ابوكي
_دقيقة واحدة لو لقيتك هنا والله لالغي الفرح 
_طب يرضيك اروح وانا نفسي في الفراولة
_ميرال.. صرخ بها الياس يشير اليه
_دقيقة لو لقيته والله لالغي الفرح 
تراجع سريعا ثم انحنى يقبل شمس على وجنتيها
_ربنا على الظالم والمفتري

مرّ اليومان سريعًا
وجاء يوم الزفاف…
انتهت شمس من زينتها، تجلس أمام المرآة، تتأمل نفسها وكأنها ترى شخصًا آخر… عروس جميلة، لكن بعينين تحملان وجع.
دخلت والدتها، فتلاقت أعينهما، فارتجف قلب شمس، تحاول أن تخفي ما بداخلها
_حلوة يا ماما؟
ابتسمت لها بحنان، رغم الدموع التي لمعت في عينيها
_زي القمر يا حبيبتي
دلفت فريدة، ومعها غرام ورحيل، فتوقفت كلماتهم ، يحدقن بها بانبهار
_ما شاء الله… دي عروسة ولا ملاك؟
ابتسمت شمس بخجل، بينما انسحبت ميرال بهدوء إلى الأسفل…
بعد قليل
هبطت شمس برفقة عمها أرسلان، بعدما أصرّ إلياس أن يكون هو من يسلّمها لحمزة…
كان يقف يتطلع الى ابنته بسعادة وعمها وابن عمها يسلمنها الى زوجها، لكن داخله يئن…وجع غياب ابنه في يوم كهذا كان أقسى من أن يُخفى.
ضجّت القاعة بالموسيقى والمباركات، والتفتت الأنظار إلى العروس…
وفجأة. ظصمت كل شيء.
انقطعت الموسيقى، وتبدلت الوجوه، 
عند مدخل القاعة، بدخول يوسف.
شهقت شمس، ثم اندفعت نحوه دون تفكير
_يوسف!!!
احتواها بين ذراعيه، ودار بها، وضحكته تحمل اشتياقًا وحنينًا
_ألف مبروك يا صغيرة
تعلقت به أكثر
_كنت عارفة إنك هتيجي… والله كنت عارفة
ابتعدت قليلًا، تبحث بعينيها
_ماما… بابا…
رفع يوسف عيناه التي وقعت  على اخر شخصٍ يريد أن يراه، لتهمس شفتيه: 
_ضي.
كانت تقف بعيدًا، تنظر إليه… بعينين امتلأتا بدموع حاولت حبسها، لكنها انحدرت رغمًا عنها، حارقة كالنار.
همس اسمها… دون صوت.
ارتجفت شفتيها، وارتسمت ابتسامة موجعة، تحركت خطوة نحوه
لكن قبل أن تصل، سبقتها ميرال، وارتمت في أحضانه
_حبيبي… وحشتني أوي
أغمض عينيه للحظة، ثم أجابها بهدوء، محاولًا التماسك
_وانتي كمان يا ماما… عاملة إيه؟
احتضنت وجهه بين كفيها، تتأمله بلهفة، والدموع تنهمر
_دلوقتي بس بقيت كويسة…
كادت الكلمات تختنق في صدرها، بينما هو يحاول أن يبدو ثابتًا
سحبها يزن برفق، بعدما لاحظ نظرات الجميع نحوهما
_ميرال… اهدي شوية
ثم التفت إلى يوسف بابتسامة خفيفة
_حمدالله على السلامة يا خالو
أومأ له يوسف، وبدأ يحيي الجميع باشتياق ولهفة، حتى توقفت خطواته.
أمامها.
_ضي.
كانت تقف ساكنة… عيناها خاليتان، لكن داخلهما يصرخ.
التقت نظراتهما، لحظة واحدة… لكنها كانت كفيلة أن تعيد كل شيء.
ذكريات، ضحكات، ووعود… وخيانة كسرت كل شيء.
اقتربت منه ببطء، رغم شعورها بنظرة والدها الرافضة، ورغم ارتجاف قلبها
وقفت أمامه مباشرة.
صوتها خرج ضعيفًا… لكنه كان يحمل كل ما بداخلها
.

_أوووه… دكتورنا الهربان وصل يا جماعة!
قالتها ضي بصوتٍ عالٍ، يخالطه سخرية لاذعة، بينما صفقّت بكفيها ببطء، وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها.
اقترب منها يوسف خطوة
_عاملة إيه يا ضي؟
ضحكت بخفة، ثم التفتت سريعًا نحو والدها وعمها،  وعادت بنظرها إليه
_كويسة يا دكتور… مكنش ناقصني غير رجعتك، صدقني
شدّت رولا على ذراعها بخفة
_ضي… الناس بتبص علينا
لكنها لم تهتم، رفعت ذقنها بتحدي
_إيه؟ مش برحب بعبقرينو العيلة؟ كبير العيلة؟ صاحب المبادئ والأخلاق؟
زفر يوسف بصبر، محاولًا احتواء الموقف
_ضي… ممكن نتكلم بعدين؟
اقتربت أكثر… حتى تلامست أنفاسهما، وقالت بنبرة منخفضة لكنها قاطعة
_مبقاش بينا كلام يا دكتور… اللي اتكسر ما بيتصلحش
توتر الجو للحظة، فتدخل يزن سريعًا، بعدما لاحظ نظرات إلياس وأرسلان المتحفزة
_حبيبتي… بعدين، علشان خاطر شمس
تراجعت ضي خطوة، وأشارت له بيدها بسخرية
_اتفضل يا دكتور
عادت الموسيقى تدوي في القاعة، وكأن شيئًا لم يحدث…
التفتت الفتيات حول شمس، يسحبنها للرقص، بينما جلس يوسف بجوار والدته وفريدة، يحاول أن يهدأ.
وقعت عيناه على غرام الجالسة في الطرف الآخر
_إزي حضرتك يا طنط؟
أجابته دون أن تنظر إليه
_كويسة
ربتت ميرال على كتفه برفق
_اعذرها يا حبيبي…
ثم نظرت إليه باشتياق
_شوفتي يا ماما… الدنيا من غيره كانت ناقصة فرح
رفع يوسف يد والدته، وقبّلها بحنان
_كنتي وحشاني أوي
ابتسمت فريدة وهي تشير نحوه
_قوم يا حبيبي… ارقص مع أختك، دي نسيت جوزها ومشغولة بيك
أومأ برأسه، ونهض متجهًا نحو شمس، 
ما إن رأته، حتى تركت حمزة، واندفعت نحوه تعانقه
_وحشتني أوي!
ضمّها بحنان، ثم ابتعد قليلًا، وبدأ يرقص معها، يحاول أن يعوضها عن غيابه
دقائق، ثم حملها ودار بها، لتعلو ضحكاتها الصافية، وكأن الحزن لم يمر بها يومًا
اقترب بلال منه، يربت على كتفه
_ليك وحشة يا وحش
ابتسم يوسف وهو ينظر سريعًا نحو رولا
_إنت كمان وحشتني… عامل إيه؟
_الحمد لله… إيه؟ مش هنوجب مع شموسة؟ يلا نرجع نتشقى تاني
قطّب جبينه بعدم فهم، وفجأة
انطفأت الأضواء!
ثوانٍ من الظلام، ثم أضاءت القاعة مجددًا على نغمات شعبية صاخبة، ومع دخول أسر وحمزة إلى الساحة، 
تجمع الشباب حول بعضهم، وبدأوا الرقص بحماس، لتشتعل القاعة بالتصفيق والضحك والهتافات
كانت لحظات من البهجة الخالصة، 
وقف إلياس يتابع ابنه بعينين ممتلئتين بالفخر، بينما اقترب أرسلان بجواره
_فاكر كانوا بيعملوا إيه وهما صغيرين؟
ابتسم إلياس بحنين
_تصدق لو قلتلك… يا ريتهم يرجعوا تاني
ربت أرسلان على كتفه
_ربنا يبارك لك فيه يا حبيبي
اقترب يزن ضاحكًا
_إسحاق عايز يولع فيهم… حولوا القاعة لسوق!
التفت أرسلان نحو إسحاق، الذي كان يقف مع أحد ضيوفه المهمين، فغمز له بخفة، ثم عاد بنظره، لتقع عيناه على ضي التي
كانت تتحرك ببطء نحو الشباب
تمتم بقلق
_ربنا يستر… منك يا بنتي، ما تبوظيش ليلة بنت عمك
توقفت ضي على مقربة منهم، 
وقفت تراقبهم بصمت
ضحكاتهم، قربهم من بعض، تماسكهم رغم كل الخلافات…وعينها عليه هو فقط
تابعت كل حركة، كل ضحكة، كل التفاتة…
كان يضحك وكأنه لم يتألم يومًا، وكأن قلبًا لم يُكسر بسببه
وفي لحظة، رفعوا حمزة عاليًا، يهتفون باسمه، لتتعالى الصرخات والضحكات، حتى انتهت الرقصة
ابتعد يوسف قليلًا، يلتقط أنفاسه، واتجه نحو سترته، يسحبها من أحدهم بعدما خلعها أثناء الرقص
ارتداها ببطء…وعيناه تتجهان نحو شمس، يتأمل فرحتها برضا
عاد الهدوء نسبيًا، وبدأت الرقصات الثنائية—
بلال مع رولا، أسر مع سدن، وحمزة مع شمس…أما هو…فوقف وحده للحظة.. حتى توقفت أمامه.

_عايزة أرقص معاك
قالتها ضي بهدوءٍ مخيف، وهي تمد كفها نحوه.
رفع يوسف عينيه إليها، وفي لحظة، ارتجف جسده بالكامل، كأن مجرد اقترابها أعاد له كل ما حاول دفنه.
_عايزة أرقص معاك… واعتبرها رقصة وداع يا دكتور
ابتلع ريقه بصعوبة
_ضي… مينفعش انتي بتقولي إيه؟
رفعت ذقنها، بعنادٍ ممزوج بوجع
_أنا مش باخد رأيك، لأنك هترقص معايا
وصل بلال سريعًا، يحاول سحبها
_حبيبتي تعالي، أنا عايز أرقص معاكي
التفتت له بحدة
_ماطلبتش منك… اسكت، ثم عادت بنظرها إلى يوسف
خفضت عينيها إلى كفيها، ثم رفعتهما ببطء، وقالت بصوت منكسر رغم محاولتها الثبات
_إيدي وجعتني اعتبرها أمنية حياتي، أو آخر فرصة للغفران
تجمد مكانه…نظر إلى كفيها، وكأنهما تحملان كل ما بينهما من حكايات لم تُقال
ثم رفع عينيه، 
ليجد إلياس وأرسلان يقفان على بُعد، يراقبان بقلقٍ وترقب
اقترب أرسلان بخطوات سريعة
_فيه إيه؟
ردت دون أن تلتفت له
_بكلم طليقي يا بابا… ولو عايز فرح أخته يعدي على خير… يرقص معايا
شهق أرسلان
_ضي! إيه اللي بتعمليه؟! اتجننتي؟!
لكنها لم تسمع… أو ربما لم تعد تريد أن تسمع أحدًا
اقتربت خطوة أخرى من يوسف
_هترقص معايا… ولا لأ؟
سكت لحظة…لحظة أطول من العمر كله
ثم رفع يده ببطء، وأمسك كفها.
بمجرد أن تلامست الأيدي، كأن صاعقة مرت بينهما
رجفة خفية، لكنها كانت كافية لتفضح كل ما حاولا إنكاره
تراجع الجميع دون وعي
وكأنهم أدركوا أن ما يحدث ليس مجرد رقصة… بل مواجهة بين قلبين لم يُشفى أحدهما
تحركا معًا نحو ساحة الرقص، من يراهما…يقسم أنهما عاشقان حتى الموت
لكن الحقيقة أنهما يقفان على حافة النهاية
توقّف أمامها، أنفاسه متسارعة، وعيناه لا تستطيعان الهروب منها
رفعت يدها قليلًا، توقفه
_لحظة يا دكتور، 
ابتسمت ابتسامة موجعة، كأنها تودّعه بالفعل
_من حقي أختار الموسيقى، اللي هودعك بيها
كل كلمة خرجت منها، كانت خنجرًا يغرس في صدره.. ثم همست
_شوفت؟ أنا بعرفك قبلها إزاي
تركته، واتجهت إلى منسق الموسيقى، وسط صمتٍ تام يخيّم على القاعة، 
الكل يترقب… والقلوب مشدودة
تحرك إلياس خطوة، والقلق ينهش صدره من عيناها التي لمح بها الضياع، علم انها لن تشعر سوى بالقهر، اتجه بنظره الى ارسلان لكن أرسلان أوقفه بنظرةٍ حائرة، 
وفجأة—انطلقت الموسيقى.
هادئة… ثقيلة… تحمل في نغماتها وجعًا لا يُحتمل
عادت إليه… ومدت يدها من جديد، مع صدح موسيقى التانغو، لتقترب منه حد التلامس 
_هنرقص تانغو يادكتور 
تجمّد يوسف مكانه.. يردد الكلمة بذهول، رغم ارتفاع الموسيقى
_التانغو…دارت حوله على نغمات الموسيقى 
_اه رقصة العاشقين… والصراع… والاقتراب الذي يشبه الاحتراق
رفعت عينيها نحوه، ثم مرّت بنظرة خاطفة على إلياس وميرال 
نظرة لم تكن عابرة، بل كانت إعلانًا صامتًا أن شيئًا ما، سيموت الليلة.

تعليقات