رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الثامن والستون 68 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الثامن والستون 

لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين" 
هكذا هي الحياة… لا تمضي على وتيرةٍ واحدة، ولا تمنح الحب شكلًا واحدًا. فيها من يلتقي ليُشفى، ومن يفترق ليبقى، ومن يحب ليصبر، ومن يخطئ ليتعلّم.

تمضي الحكايات دون أن تُعلن أسماءها. تتشابك الطرق كأنها تعرف بعضها، ثم تتباعد كأن اللقاء لم يكن. قريبون حدّ الارتباك، وبعيدون حدّ الصمت… ولا شيء يُقال كاملًا.

هناك قلوبٌ تُمسك ببعضها خفيةً، كأنها تخشى الضوء، وأخرى تترك أثرًا يشبه الجرح، دون أن تعترف أنها كانت سببًا فيه. شيءٌ ما يبقى معلّقًا بين ما كان يمكن أن يكون… وما لم يحدث.

أحدهم ينتظر دون أن يدري ماذا ينتظر، وآخر يهرب دون أن يعرف ممّ يهرب… وبينهما شعورٌ يتكوّن، ثم يتلاشى، ثم يعود كأنه لم يغب.

ليست كل الطرق تؤدي، ولا كل النهايات تُغلق. بعض الحكايات تُفهم متأخرة… وبعضها لا يُفهم أبدًا.

ركع بلال أمامه بسرعة، يحاول أن يسنده، لكن ما إن لمس كتفه حتى انقبض وجه يوسف بألمٍ حاد، وخرجت منه أنفاسًا متقطِّعة موجوعة، فعرف أنَّ الأمر أخطر ممَّا ظن.
_طيب..خلاص، خلاص يا يوسف، متتحرَّكش..افرد جسمك بالراحة.
كان صوته مهتزَّا رغم محاولته التماسك، بينما عيناه تتحرَّكان فوق جسده بخوفِ طبيبٍ يعرف جيدًا معنى تلك النظرات الجامدة، وذلك العرق البارد الذي غطَّى وجهه.
اقترب إلياس بخطواتٍ مضطَّربة، وعيناه معلَّقتان بابنه الملقى أمامه.
_بلال..ايه اللي حصل؟
رفع بلال رأسه إليه، وملامحه متجهِّمة على غير عادته.
_هات عربية إسعاف فورًا..مينفعش أي حركة من غير تثبيت لظهره، ممكن الأذية تزيد.
شحب وجه إلياس أكثر:
_ليه، عمل ايه؟
ابتلع بلال ريقه بصعوبة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ لكنَّه مرعب:
_كان فيه إصابة قوية في الفقرات..وكنت شاكك انزلاق غضروفي حاد، انتظرت نعمل إشاعة أخيرة، بس جه موضوع ضي، ربِّنا يستر ميكونش فيه ضغط على الأعصاب.
سقطت الكلمات فوق قلب إلياس كالصاعقة.
حاول يوسف أن يرفع رأسه لوالده، يريد فقط أن يطمئنه أنَّه بخير، لكن الألم كان ينهش ظهره بعنف حتى أنَّه عجز عن التقاط أنفاسه بصورة طبيعية، واكتفى بأن أغمض عينيه بقوة، بينما أصابعه انغرست بالأرض من شدَّة الوجع.
اقتربت ضي بخطواتٍ مرتجفة، وجسدها كلُّه ينتفض رعبًا، كانت تظن أنَّه يبالغ فقط ليمنعها من الرحيل..لم تتخيَّل أبدًا أن يصل به الأمر لهذا الحد.
هبطت أرضًا بجواره، والدموع تتكوَّر داخل عينيها المرتعبتين:
_ليه عملت كدا؟... إنتَ كنت عارف إن ضهرك تعبان..ليه يا يوسف؟ حرام عليك...
ارتفع صدره بأنفاسٍ متلاحقة، وحاول أن يتحدَّث، أن يقول أي شيء يهدِّئها، لكن الألم سرق صوته، فاكتفى بالنظر إليها بعينينِ ممتلئتينِ بالوجع.
أمَّا ميرال...
فكانت تقف بعيدًا كأنَّ الحياة انسحبت من جسدها دفعةً واحدة.
وجهٌ شاحب؛ وعينانِ متَّسعتان بصدمةِ أم ترى ابنها يتألَّم أمامها دون أن تستطيع إنقاذه.
تردَّدت كلمات بلال داخل رأسها بشكلٍ مرعب:
"ممكن ميعرفش يمشي تاني..."
اهتزَّت شفتاها، وانسابت دموعها ببطء وهي تهمس كمن يناجي القدر:
_ليه..ليه ابني يحصل له كلِّ دا؟
في تلك اللحظة، اندفع آسر للداخل بعدما لمح ركض بلال لداخل منزل عمَّته، لكنه توقَّف وشهقة خرجت منه وهو يرى يوسف ممدَّدًا على الأرض، وضي تبكي بجواره، وبلال يمنعه من الحركة، بينما إلياس يقف ممسكًا هاتفه بيدٍ مرتعشة.
_في إيه؟!.يوسف!
اقترب بسرعة، لكن بلال أوقفه بحدَّة:
_محدش يقرَّب منه! أي حركة غلط ممكن تأذيه أكتر.
قالها بلال بغضب، وهو يساعد يوسف أن يفرد ظهره ببطء. 
صمتٌ دام بالمكان.. 
لا يُسمع فيه سوى أنفاس يوسف المتألِّمة، وبكاء ضي المكتوم، وصوت ميرال المنهار وهي تدعو الله بخوف أمٍّ رأت ابنها يسقط أمام عينيها، ولم تملك إلَّا الدعاء ألَّا يخسر القدرة على الوقوف مجدَّدًا.

بعد ساعة.. 
وقف بلال أمام شاشة الأشعَّة يتابع الصور بتركيزٍ شديد، يقلِّبها واحدة تلو الأخرى.
تحرَّكت عيناه فوق الفقرات القطنية، ثم زفر ببطء وأغمض عينيه للحظة:
_الحمدلله..بعيد عن الأعصاب.
اقترب إلياس بسرعة:
_يعني إيه؟ طمِّني يا بلال.
أشار بلال إلى الأشعة:
_فيه انزلاق غضروفي بسيط مع التهابات شديدة في الفقرات القطنية بسبب الحادث..والعضلات كلَّها متشنجة من الضغط اللي حصل على ضهره.
_يعني مفيش كسر؟. 
_مفيش كسر خطير، فيه شرخ بسيط وإجهاد قوي في الفقرات..لكن المشكلة إنِّ حالته كانت محتاجة ثبات تام بعد الحادث.
رفع إلياس حاجبيه بعدم فهم:
_يعني إيه؟
التفت إليه بلال بنظرةٍ متعبة:
_يعني كان المفروض ما يتحرَّكش أصلًا…وهو شال ضي واتحرَّك بيها.

مرَّر بلال يده في شعره بعصبية مكتومة:
_يوسف كان داخل على إصابة أخطر من اللي قدَّامنا دلوقتي، لو الانزلاق ضغط على الأعصاب وقت ما شالها، كان ممكن يفقد الإحساس برجليه أو يدخل في شلل مؤقَّت على الأقل.

همس إلياس بعد لحظة:
_بس هوَّ كان ماشي طبيعي…
أجابه بلال بهدوء:
_وقت الصدمة الجسم بيفرز أدرينالين يخلِّي المصاب يتحرَّك ويتحمِّل فوق قدرته، وبعدها الألم الحقيقي يبدأ يظهر..علشان كدا حالته ساءت بسرعة بعد ما وصل.
أخفض بلال رأسه للحظة، ثم أعاد النظر إلى الأشعة:
_الضغط اللي عمله على ضهره وهوَّ شايلها زوِّد الالتهاب والانزلاق…بس الحمدلله  ما وصلش للأعصاب.
سألت ميرال بصوتٍ مرتجف:
_هيخف..صح؟
أومأ لها بلال: 
_هيخف، بس لازم لازم يلتزم، ممنوع أي مجهود، ومحتاج علاج طبيعي بعد فترة، وأوَّل أسبوع الألم هيكون قاسي جدًّا عليه.
تنهَّد بلال بإرهاق، ثم تمتم وهو يطفئ شاشة الأشعَّة:
_عنيد..كان ممكن يضيَّع نفسه في لحظة.
الحمد لله  أهمّ حاجة مفيش تدخُّل جراحي.
تردَّد إلياس بخوف، فتساءل:
_يعني رجله؟
ربت بلال على ظهره: 
_العصب سليم يا عمُّو…اللي حصل كان ضغط مفاجئ على الفقرات بعد المجهود اللي عمله، والالتهاب ضرب على العصب للحظات ففقد القدرة إنُّه يحرَّك رجله من شدِّة الألم والتشنُّج.
والضغط الزيادة وقتها كان ممكن يحوِّل الإصابة لشلل فعلي لا قدَّر الله.

_الحمدلله إنَّها وقفت على كدا."
أومأ الياس بعد تنهيدة عميقة وكأنه كان محبوسًا. 

بالخارج كانت تقف ساكنة تمامًا عيناها على باب الغرفة، تنظر إليه و قلبها يرتجف داخلها بعنفٍ مؤلم.
أغمضت عيناها وأنفاسها متقطِّعة، تتذكَّر صدى كلماته يلتفُّ حول روحها بلا رحمة…بحبِّك.
كم تمنَّت لو استطاعت أن تكرهه؛ لو استطاعت أن تنتزع اسمه من قلبها كما ينتزع المرء شوكةً أنهكته.
لكنَّه لم يكن مجرَّد رجل أحبَّته، كان شيئًا تسلَّل إلى أعماقها حتى صار جزءًا منها، جزءًا يؤلمها وتخشى فقدانه بنفس القدر.
أغمضت عينيها بقوة، تستعيد كلَّ ما فعله بها، كلَّ مرَّة بكت فيها بسببه، كلَّ مرَّة شعرت فيها أن قلبها يُسحق بين يديه دون أن ينتبه.
لقد كسرها..ترك داخلها ندوبًا لن تمحوها الأيام بسهولة، حتى أصبحت تخجل من ضعفها أمامه، وتغضب من قلبها لأنه ما زال يرتجف له، وما زال يخاف عليه أكثر ممَّا يخاف على نفسه.
لكن عندما رأته يسقط بتلك الطريقة، فلقد تمزَّق شيئًا بداخلها.
لم تستطع أن تمحو صورته وذلك الألم الذي ظهر على وجهه، وعجزه للحظات، وصوتهم المذعور حوله… كلُّ ذلك أعاد إليها شعورًا مرعبًا، شعور امرأة رأت الحياة تُسحب من بين يديها فجأة.
ومنذ تلك اللحظة…وهي تشعر أنَّ روحها بوجوده فقط، لا تريد شيئًا سوى أن تراه بخير. 

تمنَّت لو عاد بهما الزمن دون عتاب، دون خصام، دون كلَّ هذا الخراب بينهما…حينها ستضمُّه..تضمُّه وكأنها تحاول أن تطمئن قلبها المرتعب بأنه ما زال هنا، ما زال يتنفَّس..وأنَّه لن يتركها أبدًا 
خرجت من آلامها وأمنياتها مع 
خروج بلال بجوار إلياس، وخلفهما الفراش المتحرِّك يشقُّ طريقه نحو إحدى غرف المشفى، ظلَّت عينها معلَّقتينِ به، تتابع كلَّ حركة تصدر عنه..تحاول أن تطمئن قلبها الذي يصرخ بين ضلوعها. 

التفتت سريعًا نحو أخيها، وتساءلت بصوتٍ يختنق خلف خوفها: 
_طمِّني..يوسف كويس صح؟
اقترب منها ما إن لمح شحوب وجهها وارتجاف جسدها حتى جذبها إلى صدره بحماية، يربت على ظهرها برفق، رغم القلق الذي ينهش داخله هو الآخر:
 _حبيبتي اهدي…إن شاء الله خير.
انحدرت دموعها دون مقاومة، وهزَّت رأسها بعجز: 
_طمِّني يا بلال..بالله عليك قول إنُّه كويس.
ابتلع غصَّته، ثم شدَّد احتضانها قليلًا: 
 _إن شاء الله هيبقى كويس..تعالي.
سحبها معه متَّجهًا خلف إلياس وميرال نحو الغرفة.
دلفوا جميعًا ليجدوا الممرِّضين ينقلون يوسف بحذر إلى الفراش، يتحرَّكون حوله ببطءٍ شديد، وكأنَّ أي حركة خاطئة قد تضاعف ألمه.
اقترب آسر يساعده على الاعتدال، فجأةً انقبض وجه يوسف من الوجع رغم محاولاته إخفائه.
خطت هي نحوه بخطواتٍ مرتجفة، حتى توقَّفت بجوار الفراش، وقلبها يعتصر لرؤيته بتلك الحالة.
همس آسر بتحذير: 
_على مهلك.
تنفَّس يوسف بصعوبة، ثم تمتم بابتسامةٍ باهتة يحاول بها طمأنتهم: 
_أنا كويس يا بني…بلال بس بيحبِّ يهوِّل.
رمقه بلال بامتعاضٍ واضح، قبل أن يقترب منه وينخفض قليلًا أمامه: 
_يا بني متخلِّنيش أتعلِّم فيك، إنتَ كنت هتودِّي نفسك في داهية.
رفع يوسف حاجبه رغم الإرهاق:
 _امشي من قدَّامي يا متخلِّف…واحد فاشل.
انفجر بلال ضاحكًا بصوتٍ مرتفع، ضحكة خرجت رغمًا عنه بعدما عاش دقائق من الرعب الحقيقي، بينما اقتربت ميرال من يوسف تمسِّد على خصلاته بحنان أمٍّ كاد قلبها يتوقَّف منذ قليل.
_ألف سلامة حبيبي.
رفع عينيه إليها، ولأوَّل مرَّة ظهر ضعفه الحقيقي خلف ابتسامته:
 _الله يسلِّمك يا حبيبتي..أنا كويس، الواد ده اللي أهبل.
ردَّ بلال سريعًا: 
_شوفوا إزاي! أومال مين اللي كان بيقول: الحقني يا بلال…مش قادر.
غمغم يوسف بإنهاك: 
_اخرس يا متخلِّف..وأنا اللي غلطان إنِّي افتكرتك دكتور بتفهم.
لكزه بلال بخفَّة وهو يضحك، لكن خلف تلك الضحكات كانت عيناه تفضحان خوفًا حقيقيًّا عليه.
أمَّا إلياس…فكان يقف بصمت في زاوية الغرفة، يتابع المشهد بعينين مثقلتينِ بالرعب الذي عاشه منذ سقوط ابنه.
وهو يرى فلذة كبده قبل قليل ينهار أمامه، عاجزًا حتى عن الوقوف، ورأى الألم يمزِّق ملامحه وهو يحاول التماسك…حينها شعر وكأنَّ قلبه يُسحق ببطء داخل صدره.
قبض على يده بقوة، محاولًا إخفاء ارتجافها، لكن عينيه ظلَّتا معلَّقتين بابنه، وكأنهما تتأكَّدان كلِّ ثانية أنه ما زال أمامه…ما زال يتنفَّس.
ما أصعب شعور الأب حين يرى ابنه يتألَّم ولا يستطيع أن يحمل عنه وجعه..وما أقسى العجز حين يقف رجلٌ أفنى عمره يحمي أبنائه، ثم يكتشف أن هناك لحظات لا يملك فيها سوى الدعاء والخوف.

تغلغلت الدموع داخل عيني إلياس، حتى شعر أنَّ البقاء هنا سيكشفه.. سينهار ويظهر ضعفه الذي حاول أن يخفيه أمامهم.
استدار سريعًا وغادر الغرفة بخطواتِ متعثِّرة، يحاول أن يمحو صورة آلام ابنه حين سقط لا حول له ولا قوَّة، ورغم هروبه لكن يوسف التقط ضعفه
رأى كتفي والده المنهارين لأوَّل مرَّة، ورأى ذلك الثقل الذي انحنى فوق ظهره خلال دقائق قليلة، فشعر بألمٍ أشدَّ من ألم جسده نفسه.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ قلبه لم يحتمل رؤية والده بتلك الحالة.
ثم توقَّفت عيناه على ضي…
كانت تقف بعيدًا، شاحبة الوجه، وكأنَّ روحها عالقة بين الخوف والغضب والخذلان.
مدَّ يده نحوها ببطء، ثم قال بصوتٍ هادئ متعب: 
_ممكن تسيبوني مع مراتي شوية؟
التفتت ميرال نحو ضي، ثم عادت تنظر إلى ابنها بمكرٍ خفيف تحاول به تخفيف آلامه: 
_يعني بتطرد أمَّك علشان مراتك؟
غمغم يوسف بتعب، و ابتسامة باهتة مرَّت على شفتيه: 
_خلِّيها عليكي يا ميرال…ولَّا أقول إنجازاتك مع إلياس للواد بلال وآسر؟
اتَّسعت عيناها بصدمةٍ مصطنعة، ثم ضحكت رغم دموعها، وانحنت تقبِّل جبينه بحنان: 
_فداك أمَّك يا حبيبي.
رفع كفَّها بين يديه وقبَّله بحبٍّ صادق: _ربِّنا يخلِّيكي ليَّا يا ستِّ الكل.
خرج الجميع بهدوء.
ساد الصمت للحظاتٍ طويلة، ثقيلة، حتى كان صوت أنفاسهما يُسمع بوضوح.
ظلَّ يراقبها وهي واقفة مكانها، كأنَّ بينهما مسافاتٍ لا تُقاس بخطوات.
ثم قال بصوتٍ خافت: 
_هتفضلي واقفة عندك كتير؟
تحرَّكت نحوه ببطء، خطواتها متردِّدة، تخشى من الاقتراب رغم اشتياقها إليه، تعلم أنَّها ستنهار ضعفًا أمامه. 
أشار لها بالصعود بجواره بعدما فرد ذراعيه بتعب:
 _تعالي في حضني.
ما إن سمعت كلماته حتى انسابت دموعها من جديد، وهزَّت رأسها بألم: 
_ليه بتعمل كدا يا يوسف، عايز توصل لإيه؟
خفض عينيه قليلًا، ثم تمتم بصوتٍ موجوع:
 _تعالي يا ضي…مش هقولِّك حاجة، ولا هنتكلِّم في حاجة.
ضحكت بمرارة خرجت ممزوجة بالبكاء:
 _مبقاش فيه حاجة نقولها أصلًا…أنا تعبت منَّك أوي.
انكمش قلبه مع كلماتها، لكنَّه لم يعترض.
فقط صمت للحظات، يسحب نفسًا طويلًا، يحاول جمع شتات روحه، ثم زفره ببطء:
 _آسف..عارف إنِّي أذيتك، بس غصب عنِّي.
توقَّفت أنفاسه لحظة، قبل أن يكمل بصوتٍ بالكاد خرج:
 _أنا عايزك تبقي سعيدة…وأنا مش هعرف أسعدك، كل اللي هعمله إنِّي هأذيكي…وبس.
ارتجفت شفتيه رغم محاولته التماسك:
 _صدَّقيني..إنتِ غالية عليَّا أوي… ومستعد أضحِّي بنفسي كلَّها، المهمّ تكوني سعيدة.
خرجت منها شهقة باكية، وكأنَّ قلبها تمزَّق أخيرًا أمام ذلك الوجع المختبئ داخله.
اقتربت بسرعة حتى دفنت رأسها في صدره، تبكي بحرقة أرهقت روحها قبل عينيها.
_إنتَ واحد غبي يا يوسف…وغباءك كسرلي قلبي.
أغمض عينيه، وكأنَّ كلماتها أصابته في أعمق نقطة داخله.
رفع ذراعيه بحذر بسبب ألمه، ثم حاوط جسدها برفقٍ شديد، كأنَّه يخشى أن تنكسر بين يديه.
دفن وجهه بخصلاتها وهمس بصوتٍ مختنق: 
_غبي..بس بحبَّك، صمت لحظة، ثم أردف بألمٍ صادق: 
_ولا عمري فكَّرت أأذيكي.
رفعت رأسها ببطء، لتصبح عيناها مقابل عينيه مباشرة…
رأت داخلهما تعبًا، وخوفًا، وحبًّا موجوعًا حدَّ الاختناق.
همست وهي تبكي:
 _بس إنتَ أذيتني…
اهتزَّت نظراته، وشعر بأنَّ كلماتها طعنة استقرَّت بقلبه.
ولأوَّل مرَّة..لم يجد أي كلمة يدافع بها عن نفسه.
اعتدلت جالسة وأزالت دموعها: 
_حاسس بإيه دلوقتي؟. 
نظر إليها، وجهها الشاحب وعيناها التي ذبلت..رفع كفَّيه يزيل بقايا دموعها: 
_ما توجعيش قلبي يا ضي، أنا موجوع كفاية. 
شهقة ببكاء رغمًا عنها: 
_مش عارفة أعمل إيه، مش قادرة أسامحك، وفي نفس الوقت مش قادرة أعيش من غيرك. 
أشار بعينه على ذراعه: 
_نامي..إنتي تعبانة، لسة جسمك تحت تأثير السم. 
قطبت جبينها متسائلة: 
_سم!! إزاي، أومال الدكتور قال قرحة ليه؟!. 
مرَّر أنامله على وجنتها:
_يعني إنتي مش حاولتي تقتلي نفسك علشان اللي حصل بينَّا؟. 
شهقت تشير إلى نفسها: 
_أنا أقتل نفسي؟! أعوذ بالله، وليه علشانك، أموت كافرة علشان أذيتني؟! 
قطب حاجبيه هو الآخر: 
_يعني إيه الكلام دا، إنتي ما شربتيش حاجة؟. 
_لا..قالتها  بتذمُّر، ثم تابعت:
_مش أنا اللي آذي نفسي علشان راجل، مش شايف حبِّ مراته. 
_ضي قرَّبي عايز أقولِّك حاجة. 
انحنت ظنًّا أنه سيقصُّ لها، ولكنَّه فاجأها حين احتضن ثغرها يقبِّلها بنهمٍ واشتياق، كأنَّه لم يلمسها من قبل، حاولت دفعه ولكن تذكَّرت إصابته..ترك شفتيها، ينظر لعينيها المنغلقة: 
_آسف متزعليش منِّي، واسمعيني كويس.. 
عارف تماديت معاكي، بس تأكَّدي دا من حبِّي.
_حبَّك..تقتلني وأنا عايشة، أومال لو بتكرهني، هتعمل إيه؟. 
نظر لداخل مقلتيها مباشرة: 
_دعيت أكرهك، لكن حبَّك بيزيد وكأنه بيعاندني، احتضن كفَّيها وقال وهو يبتعد بالنظر من عينيها:
مش عايز أطفال، وإنتي عايزة، ودا مش هقدر عليه...مش عايز.
وضعت كفَّها على فمه قبل أن يكمل حديثه..

اسكت يا يوسف...علشان منزعلش من بعض أكتر من كده، متخلِّنيش أندم... قلبي بقى شايل منَّك فوق طاقته.
تمتمت بها ودموعها تنحدر فوق وجنتيها المرتجفتين، كأنَّ كل حرف يخرج من صدرها ممزوجًا بوجعٍ لم يندمل يومًا.
ضمَّ رأسها إلى صدره بصمت، يحاول أن يخفي ارتجافة قلبه عنها، لكن أنفاسه الخانقة فضحته، فضحته تلك الـ"آه" المحترقة التي مزَّقت روحه قبل جسده، لم يجد كلمة واحدة تستطيع تضميد ما فعله بها، فكلُّ اعتذار بدا حقيرًا أمام دموعها.
ارتجف جسدها بين ذراعيه من شدَّة البكاء، فمرَّر يده فوق ظهرها بحنانٍ مرتعش، كأنَّه يخشى أن تنكسر أكثر.
_خلاص..اهدي، متزعليش اللي إنتي عايزاه هعملهولك، أهمِّ حاجة أشوفك سعيدة.
رفعت رأسها إليه ببطء، تنظر إلى عينيه الغارقتين بالألم والحزن معًا..تعشقه حدَّ الجنون...حدَّ أنَّ روحها ما زالت تركض إليه رغم كلِّ ما فعله بها، لكن عقلها كان يصرخ بداخلها رافضًا ذلك الحب الذي سحق كرامتها تحت قسوته.
كيف لقلبٍ أن يحبَّ من أوجعه إلى هذا الحد؟
ساد بينهما صمتٌ خانق، لا يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متقطِّعة وقلوبٍ تنزف بصمتٍ مرعب.
أومأ لها بصعوبة، وكأنَّ الكلمات تخنقه:
_قوليلي عايزة إيه يا ضي..وأنا تحت أمرك.
شهقت ببكاءٍ موجوع، ثم قالت بصوتٍ مهتزّ:
_عايزة آخد حق وجع قلبي منك يا يوسف...كلِّ لحظة عشتها وأنا بتوجع بسببك.
ازدادت دموعها انهمارًا وهي تنطق بما يرفضه قلبها قبل لسانها:
_عايزة أوجعك...أوجعك أوي...زي ما وجعتني.
ابتسم..يا الله، أي ابتسامة كانت تلك؟ ابتسامة رجلٍ ينهار بالكامل ويحاول ألَّا يُرعب المرأة التي يحبُّها بحجم خرابه، أزال دموعها وما زالت ابتسامته الحزينة على وجهه:
_وأنا فداكي..لو ده هيريَّح قلبك.
بكت بصوتٍ مرتفع، وانهالت بقبضتيها فوق صدره، تضربه وكأنَّها تنتقم من كلِّ ليلةٍ نامت فيها باكية بسببه، بينما احتواها هو أكثر، يضمُّها إليه: 
_خلاص...اهدي، اعملي فيَّا اللي إنتي عايزاه...بس بطَّلي عياط، ابتلع غصَّته بصعوبة، وهمس بصوتٍ مكسور:
_ولو عايزة أطلَّقك نهائي..هعملها.
شهقت بألمٍ حاد، وكأنَّ الكلمة ذبحت قلبها حيًّا، وصرخت داخل أحضانه:
آآآه...
آه واحدة فقط..لكنها خرجت محمَّلة بوجعِ امرأةٍ تعشق حدَّ الثمالة، وتُقتل ببطء على يد الرجل نفسه. 
آآآه...
لم تكن صرخة...
بل روحًا كاملة تتمزَّق داخل صدر امرأة أحبَّت حدَّ الهلاك، امرأة كلَّما حاولت النجاة من حبيبها، عادت إليه أكثر غرقًا به.
آه خرجت منها كأن قلبها يُنتزع حيًّا، كأنها تبكي عمرًا كاملًا من الخذلان والحنين والقهر، تبكي حبًّا لم تستطع قتله رغم أنه قتلها ألف مرَّة.
كانت تصرخ بين ذراعيه طلبًا للأمان... من الرجل نفسه الذي سرق الأمان من قلبها
ويا لقسوة الحب...
حين يصبح معشوقك هو وطنك الوحيد، وهو الحرب التي تهدمك في الوقت ذاته.
تشبَّثت بقميصه بقوة، تبكي بانهيار، بينما أغمض عينيه بعجزٍ قاتل، يشعر أن ذراعيه اللتين تضمَّانها الآن..هما نفسيهما من حطَّما قلبها. 
هنا بدا الحبُّ بينهما وكأنه لعنة قاسية...
قلبان يتشبَّثان ببعضهما حدَّ الاختناق، لكن كلُّ اقترابٍ بينهما يفتح جرحًا جديدًا لا يتوقَّف عن النزيف.
ظلَّ يهدِّئها كطفلٍ رضيعٍ حتى هدأت وغفت بنومها بين أحضانه، أبعد وجهها عن أحضانه، يسبح بعينيه فوق وجهها المرهق، ثم قبلة حانية فوق جبينها بها ألف اعتذار. 

بالخارج...قبل قليل..
اندفعت خطواته داخل أروقة المشفى كالإعصار، وجهه مشتعل بالذعر والغضب معًا، فلقد أتى من المطار على المشفى بعد علمه بما صار لابنته، دلف يبحث عن إلياس، وما إن وقع بصره عليه حتى توقَّف أمامه بعينينِ تشتعلان نارًا:
_يعني إيه بنتي تتسمِّم في بيتك في وسط الأمن دا كلُّه؟!.

نهض إلياس ببطء، والتعب بادٍ على وجهه كأنَّ سنواتٍ مرَّت فوق عمره خلال ساعاتٍ قليلة، ثم اقترب منه يحدِّق بعينيه بعمقٍ مرعب:
_يعني عايز تفهمني إنَّك متعرفش مين اللي عملها؟
عايز تقنعني إنك مش عارف حاجة؟
تهرَّبت نظرات أرسلان للحظة، لكن إلياس لم يترك له فرصة للهروب، اقترب أكثر حتى أصبحا وجهًا لوجه، ثم قال بصوتٍ خرج مخنوقًا بالغضب:
_إنتَ كنت فين بقالك أسبوع؟.وماتقولش شغل، اقترب خطوةً أخرى وغرس عينه بأعين أرسلان:
_يوسف عمل الحادثة إزاي يا أرسلان؟
صمت أرسلان ولم يرد، ولكن ملامحه كانت تنطق بما عجز لسانه، ابتسامة حزينة ظهرت على وجه إلياس ولكن بلا مرح..

_أقولَّك أنا...حد لعب في فرامل عربيته، وخلَّاها تبان حادثة عادية...زي آلاف الحوادث اللي بتحصل كلِّ يوم، محدش يشكِّ فيها.
تراجع خطوةً للخلف يضحك بمرارة موجوعة، ثم أردف:
_على اساس أبوه مش هيدوَّر على حاجة، ماهو يوسف طيب مين اللي ممكن يأذي دكتور؟
لا هوَّ ظابط...ولا ليه عداوات بالشكل ده..
أي حد هيفكَّر إنها صدفة.
ثم أشار نحوه بعنف، وصوته بدأ يهتز:
_بس تفكيرك خانك وإنتَ بتقول إلياس عمره ما هيشكّ إنها مدبَّرة.
ولو شك...هيقول أكيد حد من أعدائه.
ما هو أعداؤه كتير.
صمت لحظة، ثم انفجر بصوتٍ مرتفع موجوع:
_بس إنت الغبي يا ابن أمِّي وأبويا!
مكنتش فاهم إنِّي كنت بعدّ أنفاس ابني من يوم ما خرج من بيتي!
ارتجف فكُّ أرسلان وهو ينظر إليه، بينما أكمل إلياس بعينينِ ممتلئتينِ بالقهر:
_اللي كسرني مش اللي حصل...
اللي كسرني إنك كنت عارف وساكت.
هزَّ أرسلان رأسه بسرعة، وصوته خرج مرتبكًا:
_إلياس وحياة ربِّنا ما كنت أعرف حاجة..والله العظيم أنا زيي زيك، ما فهمتش إيه اللي حصل، ولا حتى عرفت إسحاق طلب إيه بالظبط.
تجمَّد إلياس للحظة، ثم أعاد الكلمة ببطءٍ قاتل:
إسحاق...
ضحك ضحكة قصيرة موجوعة، كأنَّ الاسم وحده يكفي لتمزيق ما تبقَّى بداخله:
_تمام..يعني كنت عارف أو شاكك، بس
كان المفروض أول ما شمِّيت خطر... تيجي تقولِّي.
_أقولَّك إيه؟
أنا عرفت إنك حاطط حماية على يوسف ومراقبه، ما شكِّتش أبدًا إن الموضوع واصل لكده.
اقترب منه إلياس أكثر، وعيناه احمرَّتا بقهر أبٍ كاد يفقد ابنه:
_آه...كنت بحميه.
بس غبائي إنِّي متخيلتش إنِّ إسحاق ممكن يورَّطه مع الناس دي..عمري ما فكَّرت إنُّه يفرَّط في روح ابني.
اختنق صوته، وخرجت دموعه رغمًا عنه، فخفض رأسه للحظة كأنَّ كرامته تؤلمه أكثر من بكائه:
_ابني كان هيموت في ثانية يا أرسلان...
ثانية واحدة بس!
ثم رفع عينيه إليه بانكسارٍ مرعب:
ولحدِّ دلوقتي متفكَّرش إنُّهم هيسيبوه..
بدليل البنت اللي دخَّلوها لحياته...
وبنتك نفسها كانت هتضيع.
لكزه بيده في صدره بعنفٍ مكتوم:
أنا زوَّرت تحليل البنت علشان الولاد ما يتهوَّروش...
 ابنك وابني بقوا جوَّه دايرة خطر، وكلِّ ده علشان إسحاق يجري ورا طموحه على حساب روح ابني.
هتف أرسلان بسرعة:
_مش طموح...صدَّقني.
ولو كان قالَّك، إنتَ نفسك مكنتش هتعترض..
أنا عارف قدِّ إيه بتحبّ بلدك.
ضحك إلياس بمرارة، دموعه تنحدر رغمًا عنه:
_بلدي؟
أفديها بعمري...بروحي..بكلِّ حاجة.
ثم أشار إلى صدره بعجزٍ موجوع:
_بس مش ابني يا أرسلان...
مش ابني.
صمت للحظة، ثم قال كلماتٍ ممزَّقة من قلبه:
_ربِّنا ما يكتبها عليك...
إنَّك تبقى واقف شايف الموت بيخطف ابنك من بين إيديك، وإنتَ عاجز.. 
ارتجف صوته أكثر، وانكسرت آخر ذرَّة صمودٍ داخله:
ساعتها هتفهم إنِّ الراجل ممكن يستحمل الدنيا كلَّها...إلَّا وجع ابنه.. والنهاردة كان ممكن يعجز وما يقدرش يمشي تاني، مش كفاية وجع الخلفة، ابني بيضيع وأنا مش قادر أعملُّه حاجة. 
ربت أرسلان على كتفه:

_إلياس..حقَّك، والله حقَّك تزعل وتتوجع، بس دي مش أول مرَّة الدنيا تضربنا.
إحنا عدِّينا أكتر من كدا، وكلِّ مرة كنَّا بنقف من تاني…ويوسف هيبقى كويس، لازم يبقى كويس.
قالها بصوتٍ يحاول أن يبدو ثابتًا، لكنَّه كان يرى الانكسار يتسرَّب من عينيه ببطء.
تراجع إلياس للخلف يهزُّ رأسه بعجز، وكأنَّ الكلمات لم تعد تصل إليه، ثم سقط بجسده فوق المقعد، بعد انهياره، انهيار
رجلٌ طالما وقف شامخًا كالجبل، تهتزُّ الدنيا من حوله ولا يهتز، لكنَّه الآن بدا كأنَّ شيئًا داخله قد تحطَّم بالكامل.
مرَّر كفِّه فوق وجهه بعنف، يحاول أن يلتقط أنفاسه المختنقة، إلَّا أنَّ صدره كان يعلو ويهبط بوجعٍ مرير، وعيناه معلَّقتان بباب غرفة ابنه.
_أنا تعبت…مبقتش قادر.
خرجت منه مهزوزة، مكسورة، لا تشبهه أبدًا.
_أوَّل مرَّة أحس إنِّي عاجز بالشكل ده… أول مرَّة أحس إني مش قادر أحمي ابني.
اختنق صوته في النهاية، بينما انحنى بجسده للأمام، يضمُّ رأسه بين كفَّيه، كرجلٍ سُحقت قوَّته دفعةً واحدة، ولم يتبقَّ منه سوى أبٍ يرتجف خوفًا على ابنه.
وصل يزن إليهما، ينظر لباب الغرفة التي بها يوسف:
_إيه اللي حصل، يوسف عامل إيه؟.
تساءل بها بوصول طارق هو الآخر، وخلفه غرام ورحيل وعيونهم بها ألف سؤال. 
ولكن غرام تساءلت:
_فين ميرال، مش باينة ليه؟. 
أشار إلياس إلى بعض الغرف: 
_جوَّا...شوفيها يا غرام، خايف تقع من طولها. 
أومأت سريعًا، ثم دلفت إليها تتبعها رحيل بخطواتٍ هادئة.
بالداخل…
كانت تجلس فوق سجَّادة الصلاة، تضمُّ مصحفها بين يديها المرتجفتين، وعيناها تتحرَّكان فوق الآيات بصعوبة بعدما حجبت الدموع رؤيتها.
بدا الحزن وكأنه ينهش روحها بصمتٍ قاسٍ، حتى أنَّ أنفاسها نفسها خرجت مثقلة بالوجع.
اقتربت غرام ببطء وجلست بجوارها، ثم انحنت تُقبِّل رأسها بحنان، وسحبت المصحف من بين يديها برفق.
 رفعت ميرال عينيها إليها حتى انهارت بالكامل، انفجر بكاءها المكتوم دفعةً واحدة، وارتمت داخل أحضانها كطفلةٍ أرهقها الخوف.
_الحمدلله يا حبيبتي…الحمدلله إن ربِّنا نجَّاه، إن شاء الله هيبقى كويس، وربِّنا ما يضرُّكم فيه أبدًا.
شهقت بين بكائها، وكلماتها تخرج متقطِّعة من فرط ألمها.
_ابني يا غرام…ابني مكتوب عليه الوجع من يوم ما جه الدنيا…ليه كل شوية الحياة بتاخده منِّي بالطريقة دي؟ ليه قلبي لازم يفضل مرعوب عليه كدا؟
أغمضت عينيها تستغفر ربَّها بحرقة، وكأنها تتمسَّك بأي شيء يثبِّت قلبها المرتجف.
جلست رحيل بجوارها من الجهة الأخرى، وأمسكت يدها تضغط عليها بحنان:
_وحِّدي الله يا ميرال…والله ربِّنا الحافظ، وإن شاء الله هيقوم ويكون بخير، ربِّنا ما هيكسر قلبك عليه. 
اعتدلت ميرال قليلًا، تمسح دموعها المرتجفة، ثم خرج صوتها منهكًا: 
_إحساس صعب أوي…صعب إنِّك تبقي واقفة مستنية كلمة، كلمة واحدة بس ترجَّع لك روحك…وأنا كلِّ دقيقة كنت بحسِّ إنِّي بموت، ومش قادرة أعمل له حاجة.
شهقت تكمل بوجعٍ مزَّق صوتها:
_كلِّ ما أفتكر شكله وهو واقع قدَّامي، بحس قلبي بيتسحب منِّي.
مسَّدت غرام على ظهرها بحنان، وعيناها امتلأتا بالدموع رغم محاولتها التماسك:
_بلال طمِّنا الحمدلله، وقال إنَّها راحة ومتابعة بس، وإن شاء الله هيرجع طبيعي زي الأوَّل وأحسن كمان.
هزَّت رأسها بعجز، وكأنَّ قلبها يرفض الاطمئنان خوفًا من الخذلان:
_يارب يا غرام…يارب، بس الخوف وحش..الكلام بيطمِّن شوية، إنَّما قلبي لسه مش مطمِّن.
تنهَّدت رحيل، ثم اقتربت منها أكثر تربت على كتفها بحنان:
_افتكري من شهر بس كنَّا خايفين نخسره، وكنَّا بندعي يقوم على رجليه بأي شكل…الحمدلله إنَّها جت على قدِّ كدا، الحمدلله إن ربِّنا سترها.
ارتجفت شفتاها، ثم رفعت عينيها للسماء وهمست بصوتٍ مبحوح غارقٍ بالدموع:
_الحمدلله على كلِّ حال…الحمدلله إن ابني لسه معايا.
التفتت إلى غرام وقالت:
_معرفش إيه اللي حصل بين ضي ويوسف، قالت لي عايزة تطلَّق منه، شوفيها يا غرام، اعرف لي إيه اللي حصل. 
_طيب اهدي، بنتي بتاعة كلام، قال تطلَّق، دي كانت هتموت لو ما اتجوزوش، بتسمعي الكلام. 
هزَّت رأسها بالرفض، لأنَّها تعلم ابنها جيِّدًا:
_للأسف شكل يوسف وجعها أوي، كانت بتتكلِّم وموجوعة منه. 
صمتت غرام تطالعها بتفكير على مكالمة ابنتها بالأمس، وصوتها الحزين، ظنَّت من مرضها، خرجت من شرودها:
_هتكلِّم معاها، بس أنا عارفة بنتي مستحيل تبعد عنه، ممكن يكون إيه اللي حصل يعني.

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

بمكتب بلال، طرقت الباب ودلفت إليه، رفع عيناه المرهقتين إليها، ثم نهض من مكانه، اقتربت تضمُّه... حاوط جسدها، يدفن رأسه بحجابها.
_عامل إيه، مرجعتش إمبارح ليه؟.
_آسف حبيبتي، النهاردة إن شاءلله هنبات في بيتنا الليلة. 
_إن شاءلله حبيبي، خرجت من أحضانه:
_طمِّني على يوسف، كويس؟.
سحب كفَّيها وتحرَّك إلى الأريكة..
_يا حرام يوسف، تلاقي ضي هتموت عليه.
_هيَّ عنده، ومانع الزيارة، خلِّيها يمكن تخفِّف وجعه. 
اعتدلت تسحب كفَّيه:
_عندي خبر حلو، ومينفعس يتقال إلَّا في بيتنا، فإنت اللي بتأخَّر.
ضحك يضمُّ وجهها بين كفَّيه:
_صدَّقيني إحنا معمول لنا عمل. 
دفنت نفسها بأحضانه: 
_مش مهم المهم تكون بتحبِّني، ومكتفي وبس. 
أغمض عيناه يستمتع بكلماتها، ثم تساءل:
_خبر إيه يا حبيبي؟.
اعتدلت تنظر إليه بابتسامة:
_تؤ...في بيتنا، المهمِّ يوسف هيبات ولَّا إيه؟.
_لا هيروح بس على بالليل، وكدا كدا هتابعه هناك.
توقَّفت متَّجهة إلى حقيبتها ثم قالت:
_هعدِّي على يوسف أطمِّن عليه، وبعدين هعدِّي على آسيا نتغدَّى مع بعض، ونتقابل بالليل. 
_تمام خدي بالك من نفسك.
قبلة سريعة على وجنتيه، ثم غادرت المكان. 

مساءً…
عاد يوسف إلى منزله..
كان يتحرَّك ببطءٍ شديد، وكأنَّ جسده لم يعد يخصُّه، بينما رافقه طاقم طبي كامل أوصى به بلال بنفسه، خوفًا من أي حركة خاطئة قد تُعيده لنقطةٍ أسوأ من البداية.
لكن ما إن وقعت عينا ضي على الممرِّضة التي دخلت خلفه، حتى انعقد قلبها بضيقٍ حاد.
اقتربت من إلياس سريعًا، وقالت بصوتٍ حاولت جعله ثابتًا:
_أنا كفيلة أساعده يا عمُّو.
نظر إليها إلياس طويلًا، يرى إرهاقها الواضح وشحوب وجهها الذي لم يتعافَ بعد، ثم قال بهدوء:
_حبيبتي…إنتِ لسه تعبانة، ويوسف حالته محتاجة متابعة..
وبلال مش هيقدر يسيب شغله ويقعد طول الوقت، والممرِّضة دي خبرة كبيرة جدًّا.
هزَّت رأسها برفضٍ سريع:
_بس وجودها معاه مش مريَّحني.
تنهَّد إلياس، يحاول احتواء عنادها دون أن يجرحها:
_ضي…دي مش مسألة راحة أو عدمها، دي صحِّة يوسف.
أي حركة غلط ممكن تدمَّره.
ازدادت أنفاسها اضطِّرابًا، وقالت بعنادٍ متعب:
_طيب علِّمني أنا…وأنا أعمل كلِّ حاجة.
اقترب منها أكثر، وقال:
_اسمعيني كويس…
الممرِّضة دي مساعد أكبر أخصائي مخ وأعصاب، يعني فاهمة كلِّ تفصيلة في حالته..
يوسف فقرات ضهره لسه مش مستقرَّة بالكامل، وأقلِّ غلطة ممكن تخلِّيه ما يعرفش يقف على رجله تاني.
ارتجف قلبها بعنف عند الجملة الأخيرة، وانخفضت عيناها أرضًا.
ربتت غرام على كتفها بحنان:
_اسمعي كلام عمِّك يا حبيبتي…
بلال قال الأسبوع ده أهمِّ أسبوع في علاجه، ولو عدَّى على خير ممكن يتجنِّبوا التدخُّل الجراحي، وإنتِ عارفة العملية دي هتكون صعبة عليه قدِّ إيه.
أغمضت ضي عينيها للحظة، وكأنَّ الكلمات أثقلت روحها أكثر ممَّا تحتمل، ثم تمتمت بخفوت:
_خلاص…اللي تشوفوه اعملوه..
معنديش طاقة أجادل حد.
قالتها وانسحبت ببطء نحو الأعلى.
راقبتها ميرال حتى اختفت، ثم اقتربت من غرام هامسةً بقلق:
_إنتِ اتكلِّمتي معاها؟
جلست غرام وهي تزفر بتعب:
_ما قالتش حاجة واضحة…بس قالت إنها تعبت من بروده، وإنُّه اتجوزها غصب.
عقدت ميرال حاجبيها، وقلب الأم بداخلها يرفض التصديق:
_لا…فيه حاجة أكبر من كدا.
أنا حاسَّة إنِّ بينهم كارثة وإحنا مش فاهمينها.
وافقتها غرام بصمتٍ قلق، قبل أن تنهض  قائلة:
_هروح أنا..أرسلان لسه واصل، ولو احتجتي أي حاجة كلِّميني.
_تمام يا حبيبتي.
في الأعلى…
كان بلال يقف يشرح للممرِّضة التعليمات اللازمة بدقَّة شديدة، بينما جلست ضي بالقرب منهما تستمع لكلِّ كلمة بتركيزٍ مرهق.
أمَّا إلياس، فكان يتابع بصمتٍ 
بينما يوسف مستلقيًا بضيقٍ واضح، نفاذ صبره يزداد مع كلِّ كلمةٍ تُقال، يشعر أن الجميع يتعامل معه كعاجز.
ضغط على فكِّه بقوة ثم قال بحدَّة خافتة:
_لو خلَّصتوا المحاضرة دي…أنا عايز أنام.
التفت إليه بلال بهدوء:
_يوسف إحنا بس بنفهِّمها..
قاطعه سريعًا، ونبرة رجولته المجروحة خرجت أقسى ممَّا أراد:
_ومش محتاج ممرِّضة يا بابا.أنا مش طفل.
اقترب منه إلياس محاولًا تهدئته:
_حبيبي دي بس علشان... 
رفع يوسف يده بإرهاق، وأوقفه:
_بابا…أنا فاهم حالتي كويس.
وهعرف أتعامل مع نفسي، الحمدلله أنا مش عاجز.
ساد الصمت للحظة…
حتى الممرِّضة نفسها بدت محرجة من انفعاله، لكنها تحدَّثت بلطفٍ مهني:
_دكتور يوسف، وجودي مش هيضايق حضرتك؛ أنا بس هتابع تدريبات الحركة علشان الضغط ما يبقاش غلط على الفقرات.
أدار وجهه بعيدًا عنها، وعيناه امتلأتا بضيقٍ خانق:
_متشكِّر جدًّا…بس أنا عارف بقول إيه.
أمَّا ضي…فكانت واقفة تراقبه بصمت، قلبها يتمزَّق بين خوفها عليه، ووجعها منه، وعجزها عن الاقتراب كما كانت تفعل دائمًا.
ولأوَّل مرة…شعرت أن المسافة بينهما أكبر من أي ألمٍ جسدي قد يمرُّ به.

رفع يوسف نظره نحو والده، وقد بدا الضيق واضحًا بعينيه، وكأنَّه ينتظر انتهاء ذلك النقاش بأي طريقة.
في المقابل، عقدت ضي ذراعيها أمام صدرها وقالت بجمودٍ متعمَّد:
_أتمنى يا عمُّو تكون اقتنعت…قلت لحضرتك مش محتاجين مساعدة.
التفت إليها يوسف تلقائيًا…
ورغم الجفاء الظاهر بينها وبينه، إلَّا أنَّ شيئًا داخله ارتخى حين لمح غيرتها الواضحة، ورفضها أن تترك امرأة أخرى تتولَّى أمره.
ابتسامة خافتة مرَّت بعينيه دون إرادة.
تنهَّد إلياس باستسلامٍ أخير، ثم اعتذر للممرِّضة وتحرَّك معها للخارج، بينما توقَّف بلال أمام يوسف يرمقه بامتعاضٍ ساخر:
_عارف إنك تستاهل اللي بيحصلَّك؟
عيِّل بارد ومستفز.
رفع يوسف حاجبه بتعب، وأشار ناحية الباب:
_خد الباب في إيدك وإنتَ طالع…مش ناقص صداع.
هزَّ بلال رأسه بيأس وغادر.
بعد دقائق…
خرجت من الداخل بعدما بدَّلت ثيابها، ترتدي منامة ناعمة بلونٍ أزرق هادئ، تصل لركبتيها، بينما انسدلت خصلاتها الفحمية حول وجهها بإهمالٍ زادها رقَّة.
كانت تحمل بين يديها ثيابه، وفي الوقت نفسه تتحدَّث عبر الهاتف مع رولا:
_مبروك…أخيرًا هتباتوا في بيتكم.
قالتها مع ابتسامةٍِ خافتة.
_الله يبارك فيكي يا روحي…المهمِّ جو عامل إيه؟
استرقَّت نظرة نحو يوسف، فوجدته منشغلًا بهاتفه، وكأنَّ وجودها لا يعنيه، فقالت بهدوء:
_كويس الحمدلله…هقفل علشان تجهزي قبل رجوع بلال.
أغلقت الهاتف، ثم اقتربت منه بخطواتٍ هادئة، ومدَّت له الثياب:
_جبتلك لبس…يلَّا علشان تغيَّر.
رفع عينيه إليها ببطء…
ظلَّ ينظر لها للحظاتٍ طويلة دون كلام، حتى شعرت بتوتُّر غريب تحت نظراته.
ثم قال بصوتٍ خافت، لكنَّه صادق حدَّ الوجع:
_لمَّا قومت من النوم وملاقيتكِش… افتكرتك رجعتي بيت باباكي.
جلست على ركبتيها أمامه، وبدأت تفكُّ أزرار قميصه وهي تتجنَّب النظر إليه:
_مينفعش أسيبك في ظروفك دي، 
خفّ الأول، علشان محدش يقول أرسلان معرفش يربِّي بنته واتخلِّت عن جوزها وهوَّ مريض.
ردَّد كلماتها ببطء، وكأنَّها طعنته دون قصد:
_اتخلِّت عن جوزها…
ثم أبعد عينيه عنها، وقال بصوتٍ أثقلته المرارة:
_أنا هعرف أتصرَّف..
مش عايزك تقعدي معايا غصب عنِّك 
ومش عاجز أخدم نفسي.
أمسك يدها قبل أن تكمل فتح أزراره، كانت يده دافئة رغم ضعفها:
_لمَّا أعجِّز…هطلب مساعدتك..
سيبيني، قومي شوفي عايزة تعملي إيه.
رفعت حاجبها وهي تنظر له باستفزازٍ واضح:
_وإنتَ مفكَّرني هسمع الكلام لمَّا تقول الكلمتين دول؟
ثم فجأة…سحبت القميص بعنف من فوق كتفه، فانطلقت أزراره في كلِّ اتجاه.
اتَّسعت عيناه بصدمة وهو ينظر للقميص:
_إيه اللي عملتيه ده؟!
إنتِ بتاكلي إيه؟ طيَّرتي زراير القميص!
اقتربت منه أكثر، حتى باتت عيناها أمام عينيه مباشرة، وقالت بحدَّةٍ مشوبةٍ بوجع:
_علشان منتعبش من بعض يا دكتور…
ملكش دعوة بيَّا، ومش عايزة رأيك مهما كان اللي بعمله.
نظر إليها لثوانٍ…ثم، رغم كلِّ شيء، ابتسم.
ابتسامة صغيرة متعبة، لكنها خرجت من قلبه. 
رفع إصبعه وداعب طرف أنفها بحنانٍ تلقائي:
_مجنونة…بس بحبِّك.
تصلَّب شيئًا داخلها للحظة…
لكنها دفنت ارتباكها سريعًا، والتقطت الكنزة وألبستها له وهي تردُّ بسرعة وكأنَّها تهرب من تأثيره عليها:
_وأنا مبحبكش.
قالتها بغضبٍ طفولي، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا.
أمَّا هو…
فصمت، لم يرد هذه المرَّة.
يعلم أنَّها تكذب…يعلم أنَّ قلبها ما زال متعلِّقًا به حدَّ الألم، لكن سماعها تنطقها بتلك السهولة ترك شيئًا موجعًا داخله.
ظلَّ يراقبها بصمت…
يراقب حركتها، يديها المرتبكتين، محاولاتها المستمرَّة للهرب منه رغم بقائها بجانبه.
ثم شاهدها تبتعد لتجمع الثياب، فسألها بهدوء:
_هتنامي…ولَّا هتفضلي صاحية؟
أجابته دون أن تنظر إليه:
_هفضل شوية.
وظلَّت تجمع ثيابهما بصمت…
بينما عيناه لم تفارقها أبدًا، وكأنَّ خوفه الحقيقي لم يكن من ألمه، بل من اليوم الذي قد تستدير فيه فعلًا وترحل.
كيف يخبرها بحقيقة ألمه؟..

بمنزل بلال…
انتهت رولا من ترتيب آخر قطعة بثيابها داخل الخزانة، ثم وقفت تتأمَّل الغرفة حولها برضا خافت.
كلُّ شيء أصبح جاهزًا لتلك الليلة التي انتظرتها طويلًا..ليلة عودتهما الحقيقية.
تنهَّدت بهدوء، تتذكَّر كيف عادت إلى بيتها منذ ثلاث أيام فقط، بعد إصرار إلياس وطارق وبلال على إقناع والدها أثناء غياب أرسلان، لكن الفرحة لم تكتمل وقتها بسبب ما حدث مع ضي ومرضها المفاجئ.
أمَّا اليوم…
فأخيرًا أصبح لها وحدها.
وقفت أمام المرآة تتأمَّل انعكاسها للحظات، ثم رفعت أحمر الشفاه تمرِّره بعناية فوق شفتيها، بينما ارتجف قلبها بحماسٍ أنثوي ناعم.
تراجعت تفتح علبة عطورها، تختار بين روائحها المفضَّلة، حتى استقرَّت على واحدة يعرفها بلال جيِّدًا…الرائحة التي كان يقول دائمًا إنَّها تشبهها.
نثرت القليل منها حول عنقها، في اللحظة  التي دوى صوت فتح الباب بالخارج.
اتَّسعت ابتسامتها تلقائيًّا، وخرجت إليه سريعًا.
دلف بلال للداخل وهو يخلع سترته بتعب يومٍ طويل، لكن خطواته تباطأت فجأة…
عيناه راحتا تتجوَّلان بين الإضاءة الخافتة، والشموع الصغيرة، والرائحة العبقة التي ملأت المكان، حتى توقَّفت أنفاسه تمامًا عندها.
كانت تقف أمامه بقميص نومٍ أبيض ناعم، مطرَّز بفراشاتٍ صغيرة من اللون نفسه، بينما ارتفعت خصلاتها للأعلى كاشفةً عن عنقها. 
هبطت عيناه ببطء على تفاصيلها، وكأنه يتأمَّل لوحة أبدعها فنَّان واقع في الحب.
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، نظراته تلتهمها دون خجل، حتى توقَّف أمامها تمامًا وهمس بصوتٍ أجش:
_الحور العين دي هتنام في حضني الليلة..من غير ما نحسب الساعات.
لم تجبه…بل فاجأته حين رفعت كفَّيها حول عنقه وقبَّلته بشوقٍ جنوني، قبلةُ امرأة اشتاقت لرجلها حدَّ الوجع.
تجمَّد للحظة من جرأتها، قبل أن يستجيب لها بعشقٍ أعمق، يحتوي شفتيها بخبرة رجلٍ يحفظها عن ظهر قلب.
ابتعدت عنه بصعوبة حين خانتها أنفاسها، بينما قبض هو على خصرها بقوة، يتأمَّل احمرار وجنتيها بعينينِ مشتعلتين:
_حبيبتي…إيه الجمال ده؟
ابتسمت بخجل، وتورَّد وجهها أكثر:
_جاهز للمفاجأة؟
ضحك بخفوت وهو يقترب أكثر:
_هوَّ فيه مفاجأة أحسن من اللي أنا شايفه ده؟
سحبت يديها من حوله وأشارت لملابسه:
_خد دش وغيَّر هدومك…لمَّا أجهِّز السفرة..
إنتَ عارف بقالنا قدِّ إيه ما أكلناش لوحدنا؟
انحنى قليلًا حتى أصبح قريبًا من وجهها:
_قدِّ إيه يا روحي؟
رفعت عينيها نحوه، ثم وضعت كفَّيها على وجنتيه، وغرقت داخل نظراته التي لا تعرف سوى العشق:
_من يوم فرح شمس…فاكر اليوم ده؟
انحنى يقبِّل جانب شفتيها بحنان:
_وده يوم يتنسي؟
كفاية إنِّك كنتِ فيه.
وضعت إصبعها فوق شفتيه تمنعه من الإكمال وهمست:
_بلال…غيَّر وتعال، هستناك.
قالتها وابتعدت نحو غرفة الطعام، بينما بقي يراقبها حتى اختفت، وقلبه يزداد نبضه
بعد دقائق…
خرج يبحث عنها، فوجدها تقف أمام الطاولة تضع الأطباق الأخيرة.
كانت الشموع تنعكس فوق ملامحها بنعومة ساحرة، حتى شعر بارتجاف قلبه داخل صدره.
اقترب منها ببطء، ثم حاوطها من الخلف بذراعيه.
أغمضت عينيها، تستمتع بحرارة أنفاسه قرب أذنها، وهمست بنعومة:
_بلال…يلَّا علشان نتغدَّى.
لكنَّه أدارها إليه، يحدِّق بعينيها:
_إيه هي المفاجأة؟
صمتت للحظة…
ثم لمعت عيناها بسعادة غامرة، وسحبت كفَّيه برقَّة، قبل أن تضع بداخلهما حذاءً صغيرًا للغاية.
قطب حاجبيه بعدم فهم، ينظر للحذاء ثم لها:
_دي المفاجأة؟
جزمة عيِّل صغير؟ ودي أعمل بيها إيه…أعلَّقها في الميدالية؟
اتَّسعت عيناها بصدمة من غبائه، ثم ضربت كتفه بغيظ:
_لا علَّقها في رقبتك!
سحبها فجأة نحوه حتى اصطدمت بصدره، وقال وهو يضحك:
_بتتريقي عليَّا يا روليتا؟
طيب بذمِّتك أعمل إيه بجزمة نونو؟حد قالِّك صباعي وجعني وعايز أفصله بجزمتك؟
دفعته بغضبٍ حقيقيّ هذه المرَّة:
_إنتَ أصلًا مستفز وغبي ومش عايز تفهم!
ثم أمسكت يده بعنف، ووضعتها فوق بطنها. 
ارتبكت ضحكته وهو ينظر لها، بينما خرج صوتها مرتجفًا من فرط المشاعر:
_هنا فيه ابنك يا غبي، هتبقى أب.
صمتٌ كاملٌ بالمكان سوى من أنفاس رولا.

نظر إلى يده فوق بطنها، ثم إلى وجهها، وكأن عقله توقَّف عن استيعاب أي شيء.
ثوانٍ طويلة مرَّت…
قبل أن يهمس بصوتٍ مرتعش بالكاد خرج منه:
_إيه؟
اتَّسعت عيناه فجأة، ثم نطق بذهولٍ حقيقي:
_إنتِ حامل!! طب إزاي؟
شهقت وهي تنظر إليه بصدمة، قبل أن يشتعل وجهها غضبًا في ثانية واحدة.
ابتعدت عنه بسرعة وهي ترفع ذراعيها بانفعال:
_إزاي؟! حلمت بيه يا حبيبي، فقومت من النوم لقيته جنبي!
رفع حاجبه باستفزاز :
_طيب وأنا بحلم كتير…ليه مبيتحقَّقش؟
ضربت الأرض بقدمها تصرخ به بغيظ:
_بلااااال!
انفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ، ضحكة خرجت من قلبه بكلِّ السعادة التي يحملها، ثم اندفع نحوها فجأةً وحملها بين ذراعيه يدور بها في المكان:
_هيبقى عندنا رولا تانية مجنونة!
تعالت ضحكاتها وهي تضرب كتفه بخفَّة:
_بلال نزِّلني! دوخت.
أنزلها بحذرٍ هذه المرَّة، لكن ذراعيه بقيتا ملتفتين حول خصرها.
اقترب أكثر…حتى لامس جبينه جبينها، وأنفاسه اختلطت بأنفاسها، ثم همس بصوتٍ ممتلئ بعشقِ عاشق:
_مش مصدَّق، 
أخيرًا هيبقى عندي ولد…إنتِ أمُّه!!.
ذابت نظراتها للحظة، قبل أن تنتفض غيرتها الطفوليَّة المعتادة:
_أومال مين هتكون أمُّه يا دكتور 
إن شاء الله يعني؟!
ارتفعت ضحكاته مجدَّدًا، ثم جذبها إلى صدره بقوة وهو يهزُّ رأسه بعدم تصديق:
_بحبِّك يا مجنونة…
بس قوليلي، إمتى حصل الحمل ده؟
تجمَّدت ملامحها للحظة…
ثم جحظت عيناها وهي تدفعه بقوة:
_إنتَ قليل الأدب ومستفز!

قالتها وابتعدت، ولكنه حملها مرَّةً أخرى بسرعة وهو يضحك بجنون، بينما تشبَّثت بعنقه خوفًا من السقوط.
_والله ما تزعلي أبدًا..الزعل غلط على الوِلا!
ثم اقترب بوجهه من بطنها يهمس بمبالغةٍ طفولية:
_وأخيرًا هسلِّم على ابني.
خبطته بكتفه وهي تضحك رغم خجلها:
_بلال نزِّلني، ما تبقاش مجنون!
توقَّف لحظة ينظر إليها بمكر، ثم غمز بعينه:
_الله يرضيكي..الولا يزعل، مش لازم أطمِّن على صحِّته؟
هزَّت ساقيها في الهواء، لكنه تحرَّك بها نحو الغرفة دون أن ينزلها، بينما ضحكاتهما ملأت المكان أخيرًا بعد أيام طويلة من التعب والضغط.
اقتربت منه تضرب صدره بخفَّة:
_إنتَ مستحيل تبطَّل استفزاز!
قبَّل وجنتها سريعًا وهو يهمس قرب أذنها بحبٍّ واضح:
_ويا ريتني أبطَّل…
دا أنا لسه هجنِّنك أكتر.
ثم ضمَّها إليه بقوة، وكأنه يحتضنها  هي، وطفله.

صباح اليوم التالي...
كانت تتمسَّك بكفِّه، وعيناها تلمعان بحماسٍ طفولي لم تستطع إخفائه، بينما هو يرمقها بين الحين والآخر بابتسامةٍ هادئة.

دلفا إلى منزل والدها، تركت كفَّ بلال وركضت مباشرة نحو والدها، ألقت نفسها بين ذراعيه تقبِّل وجنتيه بحب، ثم انتقلت سريعًا إلى والدتها، وبعدها إلى آسر الذي نظر إليها باستغراب.
توقَّفت أخيرًا بمنتصف الصالة، والتفتت إليهم جميعًا وعيناها تلمعانِ بفرحةٍ لم تستطع احتواءها:
_مستعدِّين للمفاجأة؟
رفع يزن حاجبه ينظر إليها بريبة: 
 _خير...هتوَّلعوا البيت ولَّا إيه؟
ضحكت بخفَّة، ثم قالت وهي تشير إلى نفسها بحماس: 
_هتبقى جدُّو يا جدُّو.
ساد الصمت لثانية...
قطب يزن جبينه وهو ينظر إليها، ثم إلى رحيل الجالسة جواره:
 _إنتي فاهمة حاجة من العيال المجانين دول؟
قهقهت رحيل وهي تضع كوب القهوة.
قطع بلال نظراتهم:

 _مالك يا عمُّو، بنتك بتقولَّك هتبقى جدُّو...إيه الصدمة في كدا؟
اتَّسعت عينا يزن فجأة، ثم نظر إلى بلال بذهولٍ مصطنع:
 _دا إيه ياض السرعة دي؟! دا إنتَ طلعت أسرع من الصاروخ نفسه!
ابتسم بلال بثقةٍ مستفزة، ثم غمز له قائلًا:
 _إمكانياتي مش عند أي حد.
شهق آسر ضاحكًا بينما ضرب يزن كفًّا بالأخرى: 
_لا والله؟! طب ما تعلِّمنا يا أخويا بدل البخل العلمي دا.
مال بلال للخلف واضعًا يده بجيب بنطاله:
 _أبقى أشوفلك معاد فاضي، هحاول معاك علشان السنِّ برضو.

التقط يزن علبة المناديل وقذفها نحوه:
 _خد يا روح أبوك!
انفجرت الضحكات، بينما احمرَّ وجه رولا بخجلٍ شديد، وحاولت الدفاع عنه بسرعة..
فالتفت إليها يزن قائلًا:
_كنتي بتستغفيلني يا بت وتقولي يا بابا بلال  تعبان أصلًا، وحرارته كانت عالية، ونمت ومصحيتش غير الصبح...
نظر إليها يزن بصدمة مفتعلة: 
_وهوَّ شغَّال الله ينور يعني؟! وإنتي يا هبلة يضحك عليكي بكلمتين!
شهقت بخجل واختبأت فورًا خلف ظهر بلال، متشبِّثة بقميصه، بينما ابتسم بلال هو باستمتاعٍ واضح، يشير باستفزاز إلى يزن:
_شوفت بتتحامى بيَّا. 
اقترب يزن منهما وعيناه تتجوَّل بينهما:
 _ماهو لازم يا أخويا مش صاروخ... استغلِّيت البت عشان بتحبَّك يا ندل.
رفع بلال كتفيه ببراءة مزيفة: 
_يا عمُّو والله من كتر اللي حصلِّنا أنا شخصيًا مش فاهم حملت إزاي.
اتَّسعت عيناها بصدمة، ثم لكزته بقوة في ظهره: 
_بتقول إيه يا متخلِّف إنتَ؟!
أشار إلى يزن بجدية زائفة:
 _بفهَّم أبوكي..اللي أنا أصلًا مش فاهمه.

شهق آسر ضاحكًا بقوة، بينما جزَّ يزن على أسنانه واقترب منه مهدِّدًا: 
_مش مكسوفين من نفسكم أنتوا الاتنين؟
ثم التفت إلى ابنته بإصبع مرفوع: 
_دي الثقة اللي ادتهالك؟
رفع بلال حاجبيه بدهشة:
 _أيه يا عمُّو فيلم صراع في الوادي دا،  إحنا متجوزين على فكرة.
لكزه يزن في كتفه بعنفٍ خفيف:
 _اخرس يا واد! مش عايز أسمع صوتك، ليك نفس تهزَّر؟.

اقتربت رحيل منهم محاولةً تهدئة الأجواء، وعلى شفتيها ابتسامة حنونة:
 _حرام عليك يا يزن...ضيَّعت فرحتهم.
ابتسم بلال: 
_مين قالَّك؟ إحنا فرحانين جدَّا...مش مهمّ الباقي.
ضيَّق يزن عينيه نحوه: 
_حيوان.
وضع بلال يده على صدره متصنِّعًا الصدمة:
 _ربِّنا يسامحك...أنا راجل متربِّي ومش هرد عليك.
ثم التفت سريعًا، وأمسك كفَّ رولا وسحبها خلفه:
 _يلَّا بينا...دا اللي مصحياني من الفجر مخصوص عشان يبوَّظ فرحتنا.
ضحكت رولا وهي تحاول إيقافه: 
_بلال استنى بس...
لوَّح يزن بيده خلفهما: 
_امشوا يلا وخدها معاك يا صاروخ أفندي.
لكن رغم كلماته الساخرة، كانت الابتسامة ارتسمت على وجهه.
راقب خروجهما للحظات، ثم تنهَّد بخفوتٍ وعيناه امتلأتا بالسعادة.
طالعته رحيل بابتسامةٍ هادئة:
 _طيب كان لازم تخنقهم كدا؟
جلس على مقعده مجدَّدًا، ثم أشار لها أن تكمل طعامها: 
_اقعدي يا رحيل...العيال دول فلتوا على الآخر.
اتَّجهت عيناه نحو آسر الجالس بصمتٍ غريب، يحدِّق بشروده في الفراغ.
_آسر...مالك؟. 
قالها بدخول آسيا تلقي تحيَّة الصباح:
_صباح الخير على الجميع. 
ردَّت رحيل وأومأ لها يزن:
_صباح الخير حبيبتي...التفتت إلى آسر:
_آسر لو فاضي محتاجاك في حاجة. 
نهض يزيل بقايا الطعام وهو ينظر إلى والدته: 
_ماما مش هاجي النهاردة، لو احتجتي حاجة كلِّميني. 
قالها وخرج، وهي خلفه. 
_آسر...التفت ينظر إليها ببرود: 
_عايزة إيه؟. 
اقتربت منه وهي تتطلَّع إليه:
_عايز أتكلِّم معاك. 
ارتدى نظَّارته، واتَّجه إلى سيارته: 
_مش فاضي... 
فتحت باب السيارة وجلست تنظر للأمام. 
رفع حاجبه ينظر إليها: 
_مش قولت لك مش فاضي، 
_لازم نتكلِّم، في موضوع مهم. 
ظلَّ ينظر إليها بصمتٍ للحظات ثم قام بتشغيل السيارة وغادر. 

بكليِّة الإعلام.. 
صعدت الى القاعة وهي تتحدَّث بهاتفها: 
_تمام حبيبي عندي محاضرة مهمَّة وبعد كدا هعدِّي عليك. 
دلفت الى القاعة ظنًّا محاضرة أحد الأساتذة، ولكنَّها تفاجأت بوجوده بالقاعة.
توقَّفت بمنتصف القاعة لا تعلم أتعود أم تكمل طريقها لأحد المقاعد، فهي لم تحضر محاضراته منذ ذلك اليوم. 

حمحم بخفَّة وهو يضع بعض الأوراق فوق المنصَّة، ثم قال بصوتٍ هادئ لكنه يحمل هيبته المعتادة:
_الكلِّ في مكانه علشان نبدأ المحاضرة.
توقَّفت متردِّدة، لمحَتها إحدى صديقاتها ولوَّحت لها سريعًا:
_فرح...تعالي، مكانك هنا.
التفتت إليها فرح، ثم تحرَّكت بخطواتٍ بطيئة متحفِّظة، بينما هو كان منشغلًا بالحديث مع أحد الطلَّاب، لم ينتبه لدخولها.
جلست بمقعدها تحاول أن تبدو طبيعية، لكن قلبها كان ينبض بعنفٍ غريب لا تفهم سببه، أخرجت قلمها وبدأت تعبث به بلا تركيز، بينما ارتفع صوته بالمحاضرة يملأ القاعة بثقته المعتادة.
أنهى حديثه مع الطالب، ثم استقام واقفًا أمام المنصَّة، وبدأ يشرح بهدوءٍ عميق، عيناه تتحرَّكان بين الوجوه بتركيز، إلى أن توقَّفتا عليها...
ثانية واحدة فقط...
لكنَّه أدرك فورًا أنها لم تكن تعلم بتغيير موعد محاضرته مع أحد الأساتذة، وإلَّا لما أتت.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه دون إرادةٍ منه، ابتسامة أربكته هو نفسه.
أمَّا هي، فتعمَّدت إشاحة وجهها عنه، وأخذت تقلِّب صفحات الدفتر وكأنَّ الأمر لا يعنيها، رغم أنها كانت تشعر بنظراته تخترق ثباتها المصطنع.
قطع شرحه فجأة...
ثم تحرَّك بين المقاعد بخطواتٍ هادئة أربكت أكثر من طالبة، حتى توقَّف أمام إحدى الطالبات وقال:
_ممكن تقولي نبذة عن اللي قولته؟
اعتدلت الطالبة بسرعة وبدأت تتحدَّث بتوتُّر، فأومأ لها بهدوء، ثم انتقل لغيرها..واحدة تلو الأخرى...
إلى أن توقَّف أخيرًا أمام مقعد فرح.
ساد الصمت لثانية...
ثم قال وهو ينظر إليها مباشرة:
_والأستاذة هتكمِّل.
كان يظنُّ أنها لم تنتبه لكلمة واحدة، ظنَّ أنَّها كانت شاردة عنه... 
رفعت عينيها إليه ببطء، وفي عينيها عنادٌ طفوليّ مستفز، ثم أغلقت قلمها بهدوء واستقامت في جلستها.
وبدأت تتحدَّث...لا تتلعثم...لا تتردَّد...
أعادت بداية شرحه حرفًا حرفًا، ثم انتقلت لكلِّ نقطة ذكرها، وكأنَّ عقلها كان يسجِّل أنفاسه لا كلماته فقط.
هدأت القاعة بالكامل...
حتى هو نفسه لم يعد يسمع سوى صوتها.
كانت تتحدَّث بثقةٍ هادئة، بينما عيناها لا تهربان منه هذه المرَّة، وكأنها تتحدَّاه أن يشكَّ للحظة أنها لم تكن منتبهة.
ومع كلِّ كلمة تخرج منها، كان يشعر بشيءٍ داخله يزداد اضطرابًا.
انتهت أخيرًا...
فأغلقت دفترها بهدوء ونظرت إليه بثبات.
أمَّا هو، فظلَّ واقفًا مكانه للحظات، يحاول استيعاب تلك الفتاة التي اقتحمت تركيزه بهذه الطريقة المرعبة...
فتاة كلَّما حاول التعامل معها كطالبة عادية، اكتشف أن قلبه يرفض ذلك تمامًا.

بعد فترة خرجت من القاعة، متَّجهة للخارج مع صديقاتها:
_ليه  محدش قالِّي؟. 
_نسينا والله..بس ايه يا بت إيه الجمال دا، كنتي قمرين النهاردة. 
_ميرسي دا أقلِّ ما عندي.
_يا ولا، ياولا...تمتمت بها صديقتها، اقترب أحد الشباب وتوقَّف أمامها:
_فرح عايز أتكلِّم معاكي. 
تأفَّفت صديقتها: 
_يا دي النيلة مش هنخلص بقى من البرود دا. 
تحرَّكت ولم ترد عليه، فأسرع بالوقوف أمامها:
_فرح...لو سمحتي 
قالها وهو يجذب كفَّيها...بخروج عمران متَّجهًا إلى سيارته، توقَّف على ذلك المشهد.
🔥🔥
بكمبوند الشافعي...
جلست غرام في الحديقة،  تحاول أن تخفي حزنها، عيناها معلقتان بالفراغ، بينما دموعها تنساب بصمتٍ موجع.
خرج بلال يبحث عنها، بعدما انشغل أرسلان مع رولا بالداخل، فتوقف أمامها بقلق.
_ماما... قاعدة لوحدك ليه؟
انتفضت قليلًا، مسحت دموعها سريعًا، ثم رسمت ابتسامة باهتة لا تشبهها.
_مفيش يا حبيبي... تعالى اقعد.
جلس جوارها يتأمل وجهها طويلًا، ثم قال :
_مش المفروض نعرف عمي
ارتجف قلبها وكأن الكلمات أصابت جرحًا مفتوحًا، فخفضت بصرها وهمست:
_أكيد لازم يعرف... بس مش دلوقتي، خليها بالليل.
عقد حاجبيه، يراقب خوفها  خلف هدوئها.
_فيه إيه يا ماما؟ انتي مش فرحانة علشان جايلك حفيد؟
اهتزت شفتيها، ثم انسابت دموعها رغماً عنها.
_وفيه أم في الدنيا تزعل من خبر زي ده يا بلال؟... بس قلبي وجعني على ميرال وإلياس... مهما كان، يوسف ابنهم الوحيد، وكل يوم بمصيبة شكل.
تلاشت ابتسامته فجأة، وكأن أحدهم أطفأ فرحته.
كيف لم يفكر فيهم؟
كيف نسي وجع ابن عمه الذي بمثابة اخيه وهو يطير من سعادته؟
خفض رأسه هامسًا بندم:
_أنا ماخدتش بالي... ويوسف أصلًا حالته...
ابتعدت بعينيها للبعيد
_طيب... رأيك مانقولش خالص؟
التفتت إليه فورًا، وقالت بحزم أمٍ تعرف ثقل الأسرار:
_ودي حاجة تتخبى يا ابني؟ أكيد هيفرحولكم... بس قلب الأب والأم صعب. بكرة لما تبقى أب هتفهم.
صمتت قليلًا، ثم خرج صوتها مكسورًا:
_ميرال مقطعة قلبي... ام مهما كان شايلة هم ابنها الوحيد ليل ونهار، حتى وهي بتضحك بتحاول تخبي وجعها
تنهد بلال بقهر:
_يوسف هيبقى كويس إن شاء الله... لو كنت اعرف كنا أجلنا، حاسس إن فرحتي ملهاش طعم دلوقتي.
ربتت على كتفه بحنانٍ موجوع.
_كل حاجة بتيجي بأوانها يا حبيبي... وربنا أذن بالفرحة دي. بس خلي رولا تهدى شوية، بلاش فرحتكم تبقى قدامهم زيادة. حتى لو مش هيبينوا، الوجع بيبان في العيون.
أومأ بصمت، ثم نهض متجهًا نحو منزل إلياس بخطوات ثقيلة، يشعر وكأن سعادته تحولت لعبء فوق صدره.
همس لنفسه وهو يقترب من الباب:
_إزاي أفرح وأخويا موجوع بالشكل ده...
دلف للداخل بتردد، ليجد الجميع حول طاولة الطعام.
وقعت عيناه على يوسف، الجالس بصمت بينما تضع ميرال الطعام أمامه 
_صباح الخير...
خرج صوته مهتزًا، فرفع إلياس رأسه إليه بقلق.
_صباح النور يا حبيبي... مالك؟
أشارت ميرال للمقعد بابتسامة دافئة.
_تعالى افطر معانا... ضي نازلة حالًا.
جلس بلال بمواجهة يوسف، يحاول أن يبدو طبيعيًا رغم الفوضى داخله.
_عامل إيه النهاردة؟
كان  يحتسي قهوته ببطء، ثم قال بهدوء متعب:
_الحمد لله... بعد الفطار عايز أتمشى شوية، لازم أتحرك.
تدخل بلال سريعًا:
_ما تستعجلش يا يوسف.
رفع يوسف عينيه نحوه، وفيهما عناد موجوع.
_بلال... شغلي وسفري وكل حاجة واقفة. مش هفضل كدا.
وفي تلك اللحظة وصلت ضي وجلست بجواره 
_شغل إيه وسفر إيه يا أبو شغل؟... انت مفكر نفسك هتسافر تاني؟
التفت إليها بنظرة طويلة.
_ومين هيمنعني إن شاء الله؟
ث نظر لوالده بإصرار:
_أنا هكمل اللي سافرت عشانه، ومحدش له حق يوقفني.
رفعت ضي حاجبها بتحدٍ طفولي وهي تسحب طبق القشطة أمامها.
_أنا همنعك يا حبيبي.
ثم بدأت تأكل بهدوء متعمد.
رمقها يوسف بصدمة ممتزجة بغيظ خافت.
_انتي هتمنعيني؟
ردت دون أن تنظر له:
_افطر يا يوسف... ولما تخف نبقى نتخانق براحتنا.
ضحك بسخرية خافتة.
_لا كتر خيرك يا ستي.
في تلك اللحظة اندفعت رولا للداخل بمرح
_بلال! أنا زعلانة منك علشان قولتلك محدش يقولهم غيري!
انتفض بلال واقفًا يحاول إيقافها بعينيه، لكن رولا لم تنتبه.
اقتربت من ميرال تدللها كعادتها:
_عمتو... شوفتي غدر بيا؟
ضحكت ميرال بخفة رغم حزنها:
_غدر بيكي إزاي يا حبيبتي؟
التفتت رولا إلى بلال الذي كان يكاد يختنق من التوتر، ثم قالت بعفوية كاملة:
_مدام ماقالش... يبقى سماح يا بَبلاوي.
وأخذت نفسًا طويلا قبل أن تصرخ بسعادة طفلة:
_هيبقى عندنا بيبي!
..
صمت ثقيل... موجع.
تجمدت ابتسامة ميرال  فوق شفتيها.
انخفضت عينا إلياس ببطء نحو ابنه، وكأن الكلمات اخترقت قلبه مباشرة.
زادت ابتسامة رولا  دون أن تدرك ما فعلته، ثم التفتت إلى ضي بحماس:
_عقبالكم يا ضي إن شاء الله!
اختنق الهواء داخل صدر ضي، والتفتت بعينيها فورًا نحو يوسف، رأته يشيح بوجهه ببطء...
لكنها لمحَت تلك اللمعة المؤلمة التي ظهرت بعينيه قبل أن يخفيها.

أما ميرال...فابتسمت.
ابتسامة أم مكسورة تحاول أن تكون قوية، ثم قالت بصوت مرتعش:
_مبروك يا حبايبي... ربنا يتمم لكم بخير.
لكن يدها التي كانت فوق الطاولة...
كانت ترتجف بشدة.. وعيناها على ابنها 
اقتربت رولا الى يوسف 
_طبعا حضرة الدكتور، هيكون خال وعم الولا، فلازم... فجأة سحبت محفظته واخذت الفيزا
_هدية البيبي، ولو لقيت فيها مايستاهل، امرنا لله هنسمي الواد يوسف
تجمدت يده حول فنجان القهوة، ونظر أمامه للحظات طويلة بلا أي رد فعل، فقط شيء انكسر داخل عينيه فجأة

توقفت ضي فجأة ثم قالت
🔥🔥🔥🔥

بعد شهر 
ساعدته في تبديل ملابسه 
_معرفش ليه، حاسة عاجبك التلزيق دا 
سحبها بقوة من خسرها 
_هو فيه احسن من كدا تلزيق
رفعت حاجبها تشير ليده
_ايدك يادكتور، احنا بينا اتفاق 
_أنا عيل ورجعت في كلامي 
_طيب وسع ياعيل بقى قالتها ودفعته متناسية الامه، ليشهق بألمٍ واضح.. 
انحنت فوقه سريعًا 
_يوسف مش قصدي، مرت بعيناها على جسده وارتجفت شفتيه مع تلألأ الدموع بعيناها
_خلاص اهدي أنا كويس
عانقته تبكي وهي تتمتم
_أنا اسفة مكنش قصدي 
حاوط جسدها بذراعيه، وابتسم بخبث
_الله... ياريتك عملتي كدا من زمان، الواحد نسي الاحضان
اصابها الجنون من تمثيله، ماذا تفعل وهي بين ذراعيه، كيف تخرج من ذلك الحضن الخبيث الذي تلاعب بمشاعرها
صمتت للحظات، ثم اقتربت تدفن رأسها في عنقه
_وانت كمان وحشتني أوي حبيبي 
سحب ذراعيه من فوق جسدها، يبعدها عن احضانه، فابتعدت سريعا تزيل دموعها 
_احترم نفسك، مش عيب تبقى دكتور طويل عريض وتستغل ضعفي وتمثل علي 
جز على اسنانه، من فعلتها، وتمنى ان يصفعها على وجهها تلك المتلاعبة
_اطلعي برة دلوقتي، بدل مااقوم لك 
انحنت تغمز اليه بشقاوة 
_طيب نفسي والله يادكتور، وريني طولك كدا، وعاقبني 
قالتها وتراجعت تشير اليه 
_هروح البس، اصلي مش ضمناك الصراحة، ست وراحل في اوضة لوحدهم اكيد تالتهم يعني... توقفت مستديرة اليه
_ياترى تالتهم ايه يادوك 
_الشيخ الشعراوي ياختي، بيعلمهم الدين، انتي ناسية انك مراتي يابت 
رفعت حاجبها بخفة على رده المرح 
_مؤقتا يادوك
_دا  ظرف زمان طويل النفس، شكلك ساقطة عربي، اخف بس ووعد احسن درس عربي مكون من 3 حروف
_ماتستهبلش
_الله يسامحك، بتشتميني سبعون الف من الملائكة هيلعنوكي يازوجتي الجميلة
ضربت أقدامها بالارض واتجهت لغرفة الملابس وهي تسبه 
مساء وصلت شمس برفقة حمزة، ترجلت من السيارة، ونزل هو الاخر
_حبيبتي لو لسة تعبانة ممكن اخد اجازة واقعد معاكي 
دفنت نفسها في احضانه تستنشق رائحته بوله
_لا هبقى كويسة دلوقتي، هطلع انا لماما، وانت خلي بالك وانت سايق واول ماتوصل كلمني
لمس وجنتيها ينظر لشحوب وجهها، ثم انحنى يطبع قبلة اعلى جبينها
_خلي بالك من نفسك 
نظرت اليه بصمت وتردد معا.. رفع ذقنها يسبح بعيناها 
_مالك ياشمسي 
_ممكن تبوسني 
ابتسم على طفلته البريئة، ثم انحنى يحتضن ثغرها بقبلة شغوفة
_ماتتلم ياحيوان، ايه وحشتك مسافة الطريق
_ابتعد عنها بصعوبة، ثم قبل جبينها، وهي اختفت باحضانه خجلا من والدها 
استدار الى إلياس 
_ماتغض بصرك، لازم عيونك علينا يعني
_تصدق انت صح ياحلوف 
اشار الى شمس التي تبتعد بنظراتها خجلًا من والدها
_تعالي حبيبتي، وحشتيني 
خطت اليه، فضمها بحنان وهو ينظر الى حمزة 
_ايه واقف كدا ليه، مش وراك شغل
_خلي بالك منها
ضحك الياس، وضمها اليه يتلاعب بغيرة الاخر
_يلا على شغلك، مش جبت لي المهم، مش محتاجك
ابتسم حمزة وهو ينظر بساعته
_جاي لك بعد يومين، وورانا مباراة ياعمو 

بعد عدة ساعات 
تدور بغرفتها، فمنذ خروجه مع بلال لم يهاتفها، علمت انه سيزور تلك القبيحة التي تدعى دارين... التهمت نيران الغيرة قلبها، تذكرت حديث الطبيب بعدما ذهبت اليه بتحاليل يوسف،وكانت من كلماته التي ادمت قلبها
_فيه امل لكن مع حد تاني، يعني ممكن يكون عنده فرصة للانجاب، لكن لااسف مش معاكي...اشتعل صدرها،وهي تشعر بأنها تختنق، في تلك اللحظة استمعت الى طرقات على باب الغرفة، ثم دخول رولا وشمس 
_قاعدة هنا ليه... ليه مانزلتيش 
_ماليش نفس، ومضايقة
_وانا كمان، معرفش دي هرمونات الحمل ولا ايه
تمددت شمس على فراش اخيها
_وانا عايزة انام بس
ثار غضب ضي قائلة: 
_انتو جايين تنقطوني... اطلعوا برة ياختي منك ليها، مش نقصاكم 

اعتدلت شمس فوق الفراش فجأة، وعيناها تلمعان بمكرٍ طفولي رغم تعبها.
_فاكرين لما كنا بنتخنق زمان بنعمل إيه؟
شهقت رولا وكأن الفكرة أنقذتها من الاختناق، فقفزت من مكانها تصفق بحماس.
_والله برافو عليكي يا بت يا شمس!
رمقتها ضي بصدمة وغضب وهي تعقد ذراعيها:
_إنتوا مجانين؟! ناسية إنك حامل يا هبلة؟
زفرت رولا بضيق وهي تعود للجلوس فوق الفراش، ثم وضعت يدها فوق قلبها بتمثيل درامي.
_أهو شوفتوا؟ حتى الزعل ممنوع عن الحوامل... هتفجر والله.
ضحكت شمس بخفة، ثم التفتت إلى ضي بعينين متحديتين.
_هي حامل... إنما إحنا لأ يا ضي. إيه رأيك؟
ضيقت ضي عينيها تنظر لهما، تحاول التمسك بعقلها للحظات، لكنهما كانتا تنظران إليها بنفس النظرة القديمة... نظرة البنات الثلاثة حين يهربن من الوجع بالجنون.
وأخيرًا استسلمت.
_تمام... بس ماترجعوش تعيطوا، ماليش دعوة.
شهقت شمس بانتصار وهي تهبط من فوق الفراش.
_يلا شجعيني بقى، أصلّي بنام وأنا واقفة.
ثم صاحت وهي تتجه للخزانة:
_الدخلة دي عايزة بدلة رقص! كان نفسي ألبسها لاخوكي . بس خسارة فيه، والله ما أنا حارماكم من حاجة.
ضحكت شمس رغمًا عنها، بينما رولا كانت تصفق بحماس طفولي.
وبعد دقائق...
خرجت ضي من الغرفة الأخرى.
بدلة رقص حمراء التفّت حول جسدها بانسيابٍ ساحر، تكشف من أنوثتها أكثر مما تخفي، وخصلاتها السوداء تنسدل حول وجهها بعشوائية زادت حضورها اشتعالًا.
ضغطت على الأغنية الشعبية، فصدح الصوت بالمكان، وبدأت تتمايل بخفة، بخطوات ناعمة لكنها ممتلئة بالحياة، من يراها يقسم انها ليست التي كانت منذ قليل 
اعتدلت شمس تضحك وهي تقترب منها، تتراقص بهدوء وتصفق على الإيقاع، بينما نهضت رولا أخيرًا وهي تحتج بصوت مرتفع بسبب الموسيقى:
_وأنا كمان ماليش دعوة! بس عايزة بدلة رقص، ماليش فيه!
انفجرت ضي ضاحكة، ثم جذبتها من يدها لتشاركهما الرقص، وارتفعت أصواتهن مع الأغنية وضحكاتهن تملأ الغرفة لأول مرة منذ أيام.
ضحكات حقيقية...
ضحكات فتيات يحاولن سرقة لحظة حياة من وسط كل هذا الوجع.
بعد دقائق...
كان بلال يساعد يوسف في الصعود إلى غرفته ببطء،  توقفت خطواته فجأة عند باب الغرفة، على صوت ضحكات عالية وموسيقى شعبية تهز المكان.
رفع حاجبه بدهشة.
_البنات عندي بيعملوا إيه؟
هز بلال كتفه ضاحكًا.
_والله معرفش... رولا قالت رايحة لضي، وقالت عايزة هدية البيبي.
ضحك يوسف بخفوت رغم إرهاقه.
_مراتك دي مادية أوي... أخدت الفيزا ولسه بتقول مش عم وخال الواد.
قهقه بلال وهو يطرق الباب بخفة.
وفجأة اندفعت شمس من الداخل وهي تصرخ:
_ضي! جوزك جه!
صمتت ضحكاتهن، بينما استمرت الاغنية تدوي بالمكان:
"آه لو لعبت يا زهر... واتبدلت الأحوال..."
دفع يوسف الباب ببطء...
ثم توقف مكانه تمامًا.
عينيه اتسعتا بذهول عل ضي التي 
كانت تقف بمنتصف الغرفة، تتنفس بسرعة من أثر الرقص، خصلاتها مبعثرة فوق كتفيها، وبدلة الرقص الحمراء تلتف حول جسدها بطريقة جعلت أنفاسه تختل للحظة.
تجمدت هي الأخرى فور رؤيته.
أما شمس...
فسحبت رولا، واندفعتا للخارج وسط ضحكاتهما، على نظرات يوسف، بينما بلال أغلق الباب خلفه وهو يضحك بصوت مكتوم يغمز لرولا
"اه لو لعبت يازهر" 
تحركت سريعا من امامه، ولكنه ركض خلفها
_استني يابت عندك 
بالداخل مازال واقفًا عند الباب، ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة.
تاهت عيناه بها بالكامل...
حتى الألم الذي كان ينهش ظهره اختفى للحظات.
ابتلعت ضي ريقها بتوتر، ثم عقدت ذراعيها حول نفسها وهي تتمتم بخجل حاولت إخفاءه: 
_إيه... بتبص كدا ليه؟
اقترب خطوة بطيئة، وعيناه لا تفارقها.
_هو أنا ينفع أبص في حتة تانية أصلًا؟ بعد اللي شايفه دا، البتاعة دي نسيوا يحطوا فيها القماش ولا ايه
اقترب وعيناه لم تفارق عيناه 
_لو قاصدة تموتيني مش هتعملي كدا، ايه لسة مااخدتيش حقك مني 

ارتجف قلبها بعنف من نبرته، ورغم ذلك استدارت سريعا للداخل وهي تقول 
_لا... لسة يادكتور 

بعد فترة اتجهت الى مكتب الياس، حتى تقص له ماقاله لها طبيب النساء، مدت يدها لفتحه ولكنها توقفت على كلمات الياس 
_مالك اخد البنت شقتك القديمة، واللي اسمه موسى دا نزل مصر 
_هي متعرفش اننا عرفنا انها حاولت تسمم يوسف صح 
_لا متعرفش، وكلامنا عن ضي لما شربت مكان يوسف، قرحة
نفث الياس سيجاره 
_واقتنعت ماتخفش، مالك بيعرف يتصرف، خاصة لما بعت لها حرامية في الشقة، وخلاها تلجأ لنا
_صدقني كل ماافتكر ان حد من الولاد كان هيموت بسببها، ببقى نفسي اروح اموتها
_اهدى ياارسلان، مش دا اللي انا عايزه، انا عايز اسحبهم واحد واحد 
تراجعت للخلف تردد كلمات الياس 
_كانت عايزة تقتل يوسف، يعني لو انا ماشربتش شوية ودلقت الباقي كان يوسف ممكن يكون... 
اصابها الجنون ولم تفكر كثيرا 
بعد قليل 
هبط يوسف بخروج ارسلان من غرفة الياس 
_ضي فين ياعمو 
هز كتفه بوصول غرام 
_اومال ضي فين ياغرام 
_هي مجتش، قالت لي هعدي على بابا قبل ماتطلع ليوسف
_تعدي علي فين
_في مكتب إلياس
صمت يستوعب حديثها ثم تسائل: 
_من امتى الكلام؟! 
_نص ساعة تقريبًا، نهض من مكانه وحاول الاتصال بها، ولكنها لم ترد، اتجه إلى مهاتفة إلياس
_ضي شكلها سمعت كلامنا، وهتروح للبنت 
أغلق إلياس الهاتف، يزفر بغضب
_ودي مين هيسكتها
_فيه حاجة ولا إيه
_فيه إنك لازم تروح تنقذ البنت قبل ما ضي توصلها، وانت أكيد عارف رد المجنونة 
_وايه اللي عرفها
اقعد ياحبيبي، احكي لك، وهي تروح تقتـ ل البنت 
نهض مالك وهو يضحك 
_هو مش ينفع اقدم استقالتي منكم 
_لا ياحبيبي، السؤال مش كدا، تقولي مش ينفع تتبرى من العيلة دي 
غادر مالك، بينما رفع الياس هاتفه
_انت فين يابنت ارسلان
_عند ابنك في المستشفى، متخافش ياعمو انا بنت اصول وحارسة المحروس ابنك
_ياكذابة أنا شايفك، ابني ايه اللي في المستشفى يابت، ماانتوا رجعتوا من الضهر، ارجعي فيه هناك كلـ ب بلدي مستنيكي 
_متخافش علي بعرف أعـ ض بردو، ماهو ابويا كان شغال في المخابرات وعمي امن دولة، مفيش جوزي جوزي الطيب
_البركة فيكي ياختي، ارجعي ياضي واحنا هنتعامل معاها
_والله لأمو تها، انت ازاي هادي كدا، دي كانت هتموت ابنك 
_وابني زي الفل ارجعي علشان مازعلش منك 
اغلقت الهاتف، تنظر للطريق
_مش لما اخد حقي، تذكرت حديث والدها مع الياس انها كانت تريد تسمــ يم يوسف 
_والله لاشربه لك ياحيوا. نة 
وصلت للمكان المنشود، اقترب منها احد افراد الامن
_ضي هانم فيه حاجة 
_اه.. عمو إلياس بعتني اخد البنت اللي جوا


تعليقات