رواية فوق جبال الهوان الفصل التاسع والستون
عُرف عنه بنهمه الكبير وشرهه الشديد لتناول الطعام بكافة أنواعه، خاصة ما تُعده والدته من أجله، إلا أنه كان هذه المرة فاقدًا للشهية، وعلى غير عادته اكتفى بالتقاط لقيماتٍ معدودة، ورفض أن يأخذ معه البقية، ليقود سيارته على مهلٍ متجهًا إلى فيلا عائلة زوجته، وعقله مشغول بالتفكير في كارثة زواجه التي توهم أنها كمصباح "علاء الدين" السحري؛ لكنها كانت كالوبال عليه.
راح يعتصر ذهنه ليفكر في طريقة تمكنه من التخلص من هذه الزيجة المشؤومة بأقل خسائر ممكنة، ودون أن يفقد ماء وجهه بعدما كان يتباهى بالأمر.
زفــر "راغب" الهواء من رئتيه في مللٍ، ونظر بغير اكتراث للحملة المرورية التي تسد الطريق أمامه، مما جعلت حركة السير بطيئة نسبيًا. أوقف سيارته أمام الضابط المسئول عن مراجعة رخص القيادة حينما أشار إليه، وسأله مبتسمًا بلزاجةٍ وهو يخفض من الزجاج المجاور له:
-خير يا باشا؟
لوح بيده موجهًا أمره المباشر لشخصه:
-البطاقة والرخص يا حضرت.
ليرد في شيءٍ من الاعتراض:
-أنا ورقي سليم.
صاح به الضابط في غلظةٍ، وقد باتت ملامحه منزعجة:
-إنت مش هتعرفني شغلي، البطاقة والرخص أوام.
ازدرد ريقه، وردد في طاعة وهو يخرج أوراق السيارة:
-ماشي يا باشا.
ناوله ما أراد، ليعطي الضابط أمره لآخر يقف خلفه:
-خد يا أمين، اكشفلي على البطاقة دي!!
انعكست الحيرة على قسمات وجه "راغب"، وتساءل في استرابةٍ:
-هو في حاجة؟
إلا أن الضابط تعامل معه برسميةٍ، وخاطبه بغير تساهلٍ:
-بشوف شغلي، عندك اعتراض؟
هز كتفيه معقبًا:
-لأ يا باشا، اتفضل.
لحظات مضت عليه وهو جالس في مكانه يراقب بعينين شبه قلقتين حركة الضباط وأمناء الشرطة، ليعود إليه الضابط، وعلى تقاسيمه تلك الابتسامة الغريبة، طرق بكفه المبسوط على باب سيارته بقوةٍ وهو يأمره في صرامة:
-اركنلي على جمب وتعالى.
اندهش "راغب" للغاية من مطلبه، وعلق بحاجبين معقودين:
-نعم!
ليهدر به بنفس الصوت الأجش القوي:
-سمعتني، اركن على جمب.
أحس بالعرق البارد يتصبب من جبينه، فتساءل في توترٍ:
-هو في إيه؟
فرقع الضابط بإصبعيه ليأمر تابعيه بمتابعة سيارته ومراقبتها قبل أن يكلمه:
-هتعرف دلوقت.
لوى "راغب" ثغره في تأففٍ، وأدار عجلة المقود للجانب ليتمكن من نقل السيارة إلى بقعة شبه خاوية، ولسان حاله يردد:
-هي ناقصة عطلة!!!
فور أن ترجل منها، وجد حفنة من الأمناء تحيط به، وكأنهم يشكلون طوقًا أمنيًا حوله يمنع هروبه. تفاجأ "راغب" بأحدهم يقوم بوضع الأصفاد الحديدية حول معصميه، فزمجر محتجًا وهو يقاومه:
-إنت بتعمل إيه؟ فك الكلبشات دي...
لترتفع نبرته الغاضبة أكثر وهو يصيح معترضًا على إلقاء القبض عليه دون وجه حق:
-إنتو متعرفوش أنا مين ولا نسيب مين؟
نظر إليه الضابط شزرًا، وخاطبه في استحقارٍ:
-لأ منعرفش، بس إنت صادر ضدك حكم بالحبس يا أستاذ!!!
تدلى فكه للأسفل في صدمةٍ جلية، استغرقه الأمر بضعة ثوانٍ قبل أن يستفيق من حالة التيه التي انتابه، فصرخ في احتجاجٍ:
-إنت غلطان يا باشا، أنا طول عمري ماشي جمب الحيط وماليش في اللوع.
تعامل معه الضابط بجفاءٍ وبلا مبالاة:
-الكلام ده تقوله في النيابة.
ردد مدهوشًا، وقد انسحبت الدماء من وجهه:
-نيابة كمان!!
أصدر الضابط أمره إلى مرافقيه مشيرًا بيده:
-خده في البوكس ووديه على القسم يا أمين.
في التو أطاعه تابعه وهو يهز رأسه بإيماءةٍ صغيرة:
-تمام معاليك.
على قدر استطاعته قاوم "راغب" جره إلى سيارة الشرطة، وصوته الصارخ يجلل في الأرجاء:
-يا حضرت الظابط اسمعني، إنت غلطان، أكيد ده تشابه أسماء، أنا معملتش حاجة!!!
لكن الضابط تجاهله تمامًا، وتحرك تجاه الحملة المرورية مكملًا حديثه بشبح ابتسامة انتصار، فإذ ربما ينال مكافأة مجزية على مجهوداته، بجانب الحصول على ترقية استثنائية:
-شوفلنا اللي بعده!
................................................
بتمهلٍ وحرص، قاد "وهبة" سيارة الدفع الرباعي بعدما استقلها "غيث"، وكذلك "دليلة"، عبر الطرقات التي تعج بالمركبات المتزاحمة محاولًا التركيز في قيادته. أعاد تشغيل المذياع ليغطي صوته على الضوضاء المنبعثة من الأبواق المحيطة بهم، في بعض الأحيان كان يجري مكالمات هاتفية موجزة يُسير بها أعماله العالقة، ويتابع أيضًا تطورات التحقيقات عند تكيته.
فيما ظل "غيث" مثبتًا ناظريه على المرآة الجانبية، حيث يظهر انعكاس وجه غاليته من الزاوية التي ينظر إليها، فكلما حاز على لمحةٍ منها، التمعت عيناه بهذا الوهج المتشوق إليها، لقد كان يشبع بطريقة خفية هوى نفسه المتلهفة عليها، ليته عرفها بعيدًا عن تلك الظروف القهرية التي أجبرتهما على ذلك الارتباط المحفوف بالتردد والندم! ولكن عاد ليلوم نفسه، فلولا تلك الظروف لما تقابل معها، بات غارقًا في أفكاره التحليلية إلى أن انتشله منها "وهبة" بسؤاله المستفهم:
-محتاج حاجة نجيبها في سِكتنا يا كبير؟
رد باقتضابٍ وقد باعد عينيه عن "دليلة" ليحدق في وجه رفيقه:
-تسلم يا واد عمي.
ليتوجه "وهبة" كذلك بسؤاله إلى ضيفته التي تجلس بالخلف متسائلًا في أدبٍ:
-ناجصك حاجة يا سِتنا؟
علقت بابتسامةٍ متكلفة:
-الحمد لله خير ربنا موجود.
استغل "غيث" الفرصة لتجاذب أطراف الحديث معها، فالتفت بجسده قليلًا للجانب، ونظر ناحيتها مستطردًا:
-عنتجلوا عليكم شوي.
ليأتيه تعقيبها جافًا، وصادمًا رغم واقعيته:
-ما تقولش كده، احنا برضوه ضيوف عند الريس "وهبة".
قست تعابيره، وأطبق على شفتيه مانعًا نفسه من قول شيء يزيد من تعقيد الأمور بلا داعٍ، ليستدير متطلعًا أمامه بنظراتٍ قاتمة، فيما اعترض "وهبة" على ما فاهت به بشيءٍ من العتاب:
-بــاه، لازمته إيه الحديت الماسخ ده عاد؟ إنتو صحاب مطرح!
تنهدت موضحة بإصرارٍ، وكأنها ترسل رسالة ضمنية إلى "غيث":
-معلش دي الحقيقة، وإن شاء الله لما تظبط الدنيا معانا هنروح مكان تاني.
فهم مضمونها في الحال، وهنا لم يتمالك نفسه، وصاح في لهجةٍ آمرة متعمدًا تغيير مجرى الحديث:
-ركز في الطريج يا ابن الناس، مش عايزين نعملوا حادثة الله لا يجدر، ووجتها مش عنلحجوا نكون ضيوف عند حد!!
لاحظت "دليلة" كيف اتسمت نبرته بالانفعال والضيق، ورغم ذلك التزمت الصمت متحاشية التطرق في أي حديث جانبي آخر، ليكمل "وهبة" القيادة، وأجواء الصمت المشحون تحط على ثلاثتهم.
......................................
حبها أحادي الجانب الذي تحول مع الجفاء إلى غيرة قاتلة، وبعد النبذ والهجر أصبح هوسًا بالانتقـــام والثــأر. محملة بمشاعرها المغلولة، زارت "أحلام" بيت والدها ليس لتوده كما يظن البعض، وإنما لتبث سمومها ضد ابن عمها "غيث"، فتقلب الطاولة على رأسه، وتسحب بساط الزعامة –كما تسميها- من تحت قدميه.
أمسكت بقفطان أبيها، وطرحته على كتفيه في ترفقٍ ليرتديه بعدما نفضت من عليه الغبار الخفيف بالفرشاة لتخاطبه في خبث، لتثير حفيظته:
-يابا احنا كبار البلد، وما يصحش الحديت الداير عن واد عمي، ده يقل منينا.
لكنه بدا غير مكترثٍ بما يُقال، وهتف في هدوءٍ:
-هو راجل مهما عمل، مافيش ملامة عليه...
لتبدو نبرته أكثر تحذيرًا وهو يلتفت ناظرًا إلى ابنته التي يفهم جيدًا كيف تفكر:
-وبعدين مالكيش صالح بيه، هو حــر.
أشاحت بوجهها بعيدًا عن نظرته التي تكشفها، واستطردت مكملة في لؤمٍ:
-مش الحديت يمسنا إياك!!
سألها مستعلمًا:
-كن حد اشتكالك!
انتهزت الفرصة وأكدت له بنفس أسلوبها الماكر بعدما عاودت النظر ناحيته:
-إيوه، جوزي "محروس" خبرني، الناس بلسانهم العِفش دايرين يلسنوا، وأني الصراحة دمي فــار، ماجبلش حد يجيب سيرتنا مهما كان مين!
حدجها بنظرة مستخفة قبل أن يخبرها:
-عرجع وأجولك مالكيش صالح، يعمل ما بداله، مافيش حاجة تعيبه.
إلا أنها عادت لتتذمر من اتخاذه لصفه بهذا القدر العظيم من التحيز:
-بس ده كَبيرنا، واللي آ...
لم تتمكن من إتمام جملتها للنهاية، حيث انقــض عليها قابضًا بيده على عنقها، وضاغطًا عليه بقسوةٍ، فتأوهت من الألم، ونظرت إليه بعينين جاحظتين، لينهرها في حدةٍ:
-"أحـــلام"! فكرك أني مش فاهم إيه اللي ورا حديتك ده؟
حملقت فيه بتوترٍ بعدما انكشفت حيلتها، ليزيد من ضغطه على مجرى تنفسها محذرًا بصرامةٍ:
-نصيحتي ليكي ركزي مع جوزك أحسن، سمعاني؟ وإلا أني اللي عَجطع خبرك من الدنيا بيدي.
حينما شعر بانقطــاع أنفاسها، وبمعاناتها للحصول على قدرٍ من الهواء، أرخى أصابعها ودفعها للخلف بقسوةٍ، فارتدت جسدها، وهي تشهق بصوتٍ مسموع، ليتبع ذلك سعالًا متحشرجًا حتى باتت قادرة على استعادة انتظام أنفاسها. لم تجرؤ على رفع رأسها إليه، وهسهست وهي تفرك عنقها:
-ماشي يا بوي، اللي تجول عليه.
راقبته بطرف عينها وهو يغادر البيت، لتستقيم في وقفتها المخزية، ولسان حالها يردد في حــرقة وحقد:
-إيه عامله سِحر إياك؟ مش جابل عليك الهوا الطاير!!!!
...........................................................
خطتها لم تكن بهذه الدرجة من التعقيد، كانت خطواتها واضحة ومحددة، دس جرعات صغيرة للغاية وتوزيعها في التوابل العشبية وكل ما تستخدمه من إضافات أثناء طهي الطعام، فتضمن تعرضها وحدها فقط للتسمم، خاصة مع سفر زوجها خلال تلك الفترة. استغلت "وجدان" غياب ضرتها اللعينة، وصعدت إلى منزلها لتفتح بابه بنسخة المفتاح الأخرى التي احتفظت بها سرًا، بعدما أمر "محروس" كلا زوجتيه بإعادة ما لديهما إليه.
فور أن وقفت بالصالة، نظرت بازدراء للمكان، كم ودت لو أمسكت بعود ثقاب وأشعلته بالكامل؛ لكنها تمالك أعصابها، ثم سارت نحو المطبخ، وبدأت في تنفيذ خطتها بهدوءٍ، حيث وضعت في كل علبة بلاستيكية أو زجاجية جرعة ضئيلة من السُم، ومزجتها جيدًا بالمكونات، انتشت وهي تتخيل هلاك غريمتها الحقــيرة، فهمست في تشفٍ:
-وجت ما يَجيني خبرك هطلع جُرص على روحك، ولو إنك ما تستهليش يتعمل فيكي معروف.
تأكدت من وضع كل شيءٍ في موضعه، قبل أن تخبئ بقايا كيس السم في الجيب النسائي لعباءتها السوداء، لتندفع بعدها مغادرة المنزل في سرعة وخلسة مثلما دخلته.
.............................................
-نورت المكان يا ابني.
قالتها "عيشة" بترحيبٍ ووِدٍ وهي تمد يدها لمصافحة "غيث" الذي ولج إلى صالة البيت، ليبادلها التحية الطيبة بابتسامة مهذبة، وعيناه مسلطتان عليها:
-امنور بيكي يا حاجة، كيف أحوالك؟
ردت عليه باسمة:
-الحمد لله في نعمة....
لتشير بيدها نحو رأسه المضمد متابعة حديثها إليه وقد عبست قسماتها قليلًا:
-ألف سلامة عليك.
قال في نبرة راضية:
-جدر ولطف.
تحركت "دليلة" لتقف بجوار والدتها، بينما استطرد "وهبة" قائلًا وهو يهم بالمغادرة:
-أني عفوت على التكية، وراجع واخري، تؤمروش بحاجة؟
تولت "عيشة" الرد عليه، فاستطردت في ألفةٍ:
-كتر خيرك، ربنا يسلم طريقك.
ليقول وهو يغلق الباب خلفه:
-فوتكم بعافية، سلام عليكم.
خرجت "إيمان" من الداخل لتستقبل الضيف، فرحبت به برسميةٍ غير معتادة:
-سلامتك يا "غيث" بيه.
التفت ناظرًا ناحيتها وهو يرد باندهاشٍ لا يخلو من قدرٍ من الاستنكار:
-بيه!!
أوضحت له عن قصدٍ، وكأنها تضع الحدود بين الجميع منذ البداية:
-أه طبعًا، المقامات محفوظة دلوقت.
بحكم خبرتها، وفطنتها، أدركت "عيشة" توتر الأجواء، فسرعان ما تدخلت قائلة بمحبةٍ:
-تعالى يا ابني، أنا جهزتلك الأوضة اللي جوا ترتاح فيها، ولو عوزت أي حاجة نادي عليا.
حاد ببصره بعيدًا عن "إيمان"، وعلق في امتنانٍ:
-كتر خيرك يا حاجة، أني لسه بصحتي، وجادر أخدم نفسي.
حافظت على ودية ابتسامتها وهي ترد:
-ربنا يحفظك يا رب.
رافقته إلى الغرفة التي خصصتها من أجله، فيما سارعت "إيمان" بسؤال شقيقتها في فضولٍ:
-ها؟ عمل معاكي حاجة؟ احكيلي.
هزت رأسها نافية قبل أن تجيبها:
-لأ، بس أنا هتعامل معاه ميري طول ما هو قاعد هنا، يعني علشان مايفهمش حاجة غلط.
كتفت "إيمان" ساعديها أمام صدرها، وخفضت من نبرتها قائلة في نبرة موحية:
-أنا استغربت لما ماما قالتلي إنه جاي يقعد معانا هنا.....
لتسكت للحظةٍ قبل أن تنهي جملتها صراحة:
-الظاهر عندها أمل إنكم ترجعوا لبعض.
غلفت المرارة نبرتها حينما أعلمتها:
-احنا حكايتنا خلصت....
لتكافح بأعجوبة تلك الغصة التي علقت في حلقها وهي تتابع:
-وبعدين فرصة وهو موجود هنا يطلقني رسمي عند المأذون.
أمعنت "إيمان" النظر في وجه شقيقتها، كأنما تستكشف نواياها الحقيقية، وابتسمت قائلة:
-ماظنش، عينيه بتقول غير كده.
رفضت الانسياق وراء المظاهر هاتفة في حزمٍ:
-دي أوهام.
واندفعت إلى غرفة النوم الرئيسية لتهرب من نظرات شقيقتها التي كانت ولا تزال عند موقفها، فحمحمت بصوتٍ خافت:
-مش بالساهل يفرط فيكي حتى لو نطق بالعكس.
..................................................
بعدما ارتاح لبعض الوقت، احتاج "غيث" للتواصل مع عائلته لطمأنتهم على أحواله؛ لكن بطارية هاتفه المحمول نفذ شحنها، فأراد إعادة ملئها بالطاقة باستخدام الوصلة المخصصة لذلك. أعاد ارتداء جلبابه بحذرٍ لئلا يصيب رأسه، وهندم هيئته نسبيًا، ثم ولج إلى خارج الغرفة وهو يحمحم بصوتٍ خشن ليلفت انتباه أهل البيت.
لم يجد أدنى استجابة، فاتجه نحو المطبخ ليجد "عيشة" مشغولة بطهي الطعام، تطلعت إليه فور أن رآته يقف عند عتبته تسأله بصوتها الأمومي الحاني:
-عامل إيه دلوقت يا ابني؟
رد بإيجازٍ:
-الحمد لله.
تابعت في همةٍ:
-شوية والأكل يخلص وهجيبلك تاكل.
علق بنبرة ممتنة:
-تسلمي يا ست الحاجة...
ليرفع يده للأعلى ويضعها على مؤخرة عنقه ليرفكه برفقٍ، ثم سألها:
-ملاجيش عندك وصلة شاحن؟
أجابته مشيرة بعينيها:
-مع "دليلة"، هي برا، واقفة في البلكونة بتنشر الغسيل.
اضطربت مشاعره، وتلبكت حواسه حينما سمع اسمها، فأطرق رأسه مرددًا في تحرجٍ طفيف:
-تسلمي يا حاجة.
قرأت ما بدا على محياه من ارتباكٍ، وتنهدت داعية لكليهما بصدقٍ ورجاء:
-ربنا يصلح حالكم يا ابني.
............................................
نفضت منامتها القطنية المبتلة بقوةٍ لتفرد أطرافها، فلا تتجعد على حبل الغسيل حينما يكتمل جفافها. صبت جام تركيزها فيما تفعل، فلم تشعر بقدوم "غيث" في محيطها. اعتبر الأخير نفسه محظوظًا للاحتفاظ بذكرى أخرى لها وهي تتصرف بتلقائية ودون تحفظ. كم تمنى لو استطاع أن يطوقها بذراعيه، ويضمها إلى صدره، فيشعر بدفء جسدها بين أحضانه، مجرد تخيل حدوث ذلك الأمر جعلت حواسه تئن من الشوق.
سرَّه أنها كانت ترتدي حجابها وهي تقوم بتلك المهمة الروتينية، فلم تظهر مفاتنها لعوام الناس مثلما تفعل بعض النساء وتتعمد الخروج للشرفة بما لا يليق أثناء نشر الثياب، لم يشعر بشفتيه وهما تتقوسان عن ابتسامةٍ ندية.
فيما ظنت "دليلة" أن شقيقتها جاءت لمساعدتها حينما لمحت خيالًا ورائها، فطلبت منها بصوتٍ غير واضح بعض الشيء، وهي تضع مِشبَك الغسيل في فمها:
-ناوليني عباية ماما يا "إيمان".
حوَّل "غيث" نظرته نحو كومة الغسيل المتكومة أمامه، وبدا في حيرة من أمره، فانحنى للأسفل قليلًا محاولًا تخمين أي واحدة تقصد، لتدير "دليلة" ذراعها للخلف في غير صبرٍ، فصدمته بعنفٍ في موضع جرحه وهي تتساءل:
-إنتي مش شيفاها ولا إيه؟
تأوه "غيث" من الألم المباغت الذي عصف به، وهتف في استعتابٍ:
-ليه الجسوة دي؟
شهقت مصدومة لرؤيته، تجمدت لحظيًا، وكأنها تستوعب حقًا تواجده بالشرفة، ابتلعت ريقها وصاحت في ارتباكٍ، وآثار المفاجأة تظهر على تعابير وجهها:
-إنت بتعمل إيه هنا؟
أبقى يده على موضع الألم وهو يجيبها:
-كنت جاي أسألك عن شاحن.
لتسألها في تعجبٍ، وإصبعها يشير نحو الملابس المبتلة:
-وإيه اللي هيجيبه هنا جوا طبق الغسيل؟
ليرد عليها بتجهمٍ قليل:
-ما إنتي طلبتي مني أجيبلك عباية الحاجة.
تذكرت مطلبها، وردت بحرجٍ:
-أه صح.
لتنتبه إلى يده التي كانت لا تزال موضوعة على الضماد الطبي، فتساءلت باهتمامٍ:
-لسه بتوجعك؟
قال وهو يخفض ذراعه:
-شوي.
اعتذر منه بترددٍ:
-أنا أسفة، مكونتش أقصد.
ليقول باسمًا:
-ولا يهمك.
ليتجه الاثنان بأعينهما نحو "إيمان" التي أتت على وجه السرعة وهي تضبط حجابها لتقول في تعجلٍ:
-"دليلة"، أستاذ "عادل" كلمني وقالي إنه جاي كمان دلوقت.
نظر "غيث" نحو "دليلة" التي تحدثت بجدية:
-عرفتي ماما؟
أومأت برأسها قائلة:
-أيوه، وقالت نظبط الصالة علشان نستقبله.
لم يكن الأمر ليشغل بال "غيث" بأي حالٍ، ولاعتبر القادم ضيفًا عاديًا لولا أن ظهر الاهتمام الزائد على "دليلة" التي ألقت ما في يدها، وانطلقت خارج الشرفة هاتفة:
-تمام، أنا جاية معاكي
ليتخشب في موضعه، وأمارات التعجب الممزوجة بالانزعاج تفترش وجهه. ما لبث أن احتدت نظرته بشكلٍ أكبر، فراح يكز على أسنانه في غيظٍ وهو يدمدم مع نفسه متسائلًا:
-مين "عادل" ده كمان ............................ ؟!!
