رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس 6 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس 

عند أروى…
مع انتهاء المحاضرة الأخيرة، بدأت القاعة تفرغ تدريجيًا من الطلاب، بينما ظلت أروى جالسة لثواني قصيرة تجمع أغراضها ببطء، وكأنها تحاول استعادة هدوئها بعد يوم دراسي طويل. كان التعب يثقل كتفيها قليلًا، لكن ذلك لم يمنعها من الحفاظ على تلك الهيئة الواثقة التي اعتادت أن تظهر بها أمام الجميع.
نهضت من مقعدها أخيرًا، وخرجت من القاعة مع بقية الطلاب، تسير بخطوات هادئة عبر الممر الواسع للجامعة. الهواء في الخارج كان منعشًا قليلًا، لكن ما إن رفعت بصرها حتى تجمدت خطواتها للحظة قصيرة، هناك، على بعد خطوات منها، كان يقف مروان.
لم تتغير ملامحها كثيرًا، لكنها شعرت بانقباض حاد في صدرها، مجرد رؤيته أعاد إلى ذهنها كل ما حدث بينهما، وكل ما حاولت نسيانه خلال الأيام الماضية.
ضيقت عينيها بضيق واضح، ثم تجاهلته تمامًا، وأكملت طريقها وكأنه غير موجود.
لكن صوته لحق بها سريعًا، يحمل نبرة اعتذار حاول أن يجعلها صادقة:
"أروي، أنا اسف."
توقفت أروى عن السير ببطء، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تستدير نحوه. عقدت ذراعيها أمام صدرها في حركة تعكس تحديها الواضح، ثم نظرت إليه نظرة متعالية قليلًا وهي تقول:
"اسف على أيه بقى أن شاءالله؟"
اقترب منها مروان خطوة، وقد بدت عليه علامات التوتر، كأنه يحاول اختيار كلماته بعناية هذه المرة. وقف أمامها مباشرة وقال بصوت حاول أن يجعله هادئًا:
"اسف على الطريقه اللى كلمتك بيها المرة اللي فاتت، أنا عملت كده لما حسيت انك هتضعي مني، وانتي عارفه أنا بحبك قد ايه."
لكن كلمات الحب التي نطق بها لم تحدث التأثير الذي كان يتمناه.
بل على العكس، ارتسمت على وجه أروى ابتسامة ساخرة، ابتسامة خفيفة لكنها تحمل قدرًا واضحًا من الاستهزاء.
قالت بنبرة لا تخلو من السخرية:
"بتحبني! طيب ومرام، واللي حصل ما بينكم فى الويك اند؟ ده كان ايه أن شاءالله، بتتسلى؟"
ارتبك مروان للحظة، ثم هز رأسه سريعًا بالرفض، وكأنه يسارع إلى نفي كل شيء قبل أن يزداد الموقف سوءًا.
قال محاولًا التماسك:
"محصلش ما بينا حاجه صدقيني، الفيديوهات والصور اللي وصلت ليكي كلها Ai، أنا مافيش غيرك فى قلبي."
لكن أروى لم تكن بتلك السذاجة التي كان يراهن عليها.
اشتدت ملامحها، وضغطت على أسنانها بقوة، بينما اشتعلت في عينيها شرارة غضب واضحة.
قالت بحدة:
"مروان ابعد عن سكتي احسنلك، انت متعرفش أنا بنت مين، وبابي ممكن يعمل فيك ايه، اتقي شري وبلاش أنا."
لم تنتظر ردًا منه.
استدارت فورًا وبدأت تسير نحو خارج الجامعة، وكأنها تحاول إنهاء هذا اللقاء المزعج بأسرع وقت ممكن.
لكن مروان لم يستسلم بسهولة.
أسرع خلفها، ثم أمسك بذراعها فجأة محاولًا إيقافها وهو يقول:
"أروى استني."
لكن قبل أن تتمكن أروى حتى من الرد، حدث شيء غير متوقع.
يد قوية امتدت فجأة وأمسكت بذراع مروان بعنف، تبعده عنها بقوة واضحة، وصوت رجولي حاد قال بلهجة تحمل تهديدًا صريحًا:
"لو ايدك اتمدت تاني عليها هقطعهالك فاهم."
تجمد مروان في مكانه لثواني، ثم التفت بغضب نحو صاحب الصوت وقال:
"مين انت؟ سيب دراعي."
أما أروى…
فبمجرد أن وقعت عيناها على الرجل الذي يقف أمامها، تبدلت ملامحها تمامًا. اختفى الضيق الذي كان يملأ وجهها قبل لحظات، وحل مكانه شعور مفاجئ بالسعادة.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها وهي تقول بفرح واضح:
"أحمد!"
نظر إليها أحمد بابتسامة دافئة للحظة قصيرة، ثم عاد ببصره إلى مروان، وتبدلت نبرته إلى صرامة واضحة وهو يقول:
"ملكش فيه أنا مين، بس وحياة امك لو لمحتك بتقرب منها تاني هقتلك بأيديا دول فاهم."
أنهى كلماته بدفعة قوية أبعدت مروان إلى الخلف، ثم التفت إلى أروى وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
"تعالي معايا أنا هوصلك."
لم تتردد أروى لحظة.
أومأت برأسها بسعادة، ثم تحركت معه نحو سيارته، وقد شعرت بشيء من الأمان ينساب إلى داخلها وهي تسير بجانبه.
فتحت باب السيارة وصعدت إلى المقعد الأمامي، وأغلقت الباب خلفها، بينما دار أحمد حول السيارة وجلس خلف المقود.
ما إن استقرت في مكانها حتى التفتت إليه بعينين تلمعان بسعادة واضحة، وقالت بتساؤل:
"انت كنت جاي ليا أنا؟ ولا كنت معدي صدفه من هنا؟"
ابتسم أحمد تلك الابتسامة الرجولية الهادئة التي تحمل قدرًا من الثقة، ابتسامة خطفت قلبها دون أن تشعر، ثم قال:
"ايوه انا كنت جاي ليكي انتي."
قفز قلبها في صدرها فجأة، وكأن كلماته أشعلت داخله فرحًا لم تستطع إخفاءه.
قالت بفضول:
"ليه هو فيه حاجة؟"
هز رأسه بالنفي مجيبًا بهدوء:
"لا مافيش بس قولت اجي اطمن عليكي واشوفك لو محتاجة حاجه."
تنحنحت أروى قليلًا، وكأنها تحاول إخفاء ذلك الارتباك الذي تسلل إليها، ثم قالت مترددة:
"علشان كده بس؟"
لاحظ أحمد تلك المراوغة اللطيفة في نبرتها، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يقول بمكر:
"امم، علشان كده، ولا انتي قصدك حاجه تانيه؟"
ارتبكت أروى أكثر، وحركت رأسها بسرعة نافية وهي تقول بخجل واضح:
"لا لا، م مش قصدي حاجه ابدا ابدا."
تعالت ضحكات أحمد الرجولية على كلماتها المرتبكة، فضحكته كانت عميقة ودافئة، جعلت قلبها يخفق بقوة دون أن تستطيع السيطرة على نفسها.
نظرت إليه بعينين يملؤهما الإعجاب وقالت بصوت خافت:
"ضحكتك حلوة اوي."
رفع إحدى حاجبيه بتسلية وهو يقول مازحًا:
"امم، اعتبر كلامك ده معاكسه، ولا إعجاب؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقد ازداد توترها أكثر، وقالت بسرعة:
"ها!! م مش قصدي حاجه والله."
اعتدل أحمد في جلسته خلف المقود، ووضع يده على عجلة القيادة قبل أن يقول بنبرة مرحة:
"أنا همشي واوصلك بدل ما أكلك ببرأتك اللي تجنن دي."
ثم أدار السيارة، وتحرك بها خارج أسوار الجامعة، بينما بقيت تلك الابتسامة الهادئة مرسومة على وجهه، ابتسامة جعلت قلب أروى ينبض بطريقة مختلفة تمامًا.
كانت تنظر أحيانًا إلى الطريق الممتد أمام السيارة، وأحيانًا أخرى تسرق نظرات خفية نحوه، تحاول أن تبدو طبيعية بينما قلبها لم يكن هادئًا على الإطلاق.
ترددت قليلًا قبل أن تتكلم، وكأن سؤالًا يدور في رأسها منذ لحظات لكنها لم تجرؤ على إخراجه بصوت مسموع. أخيرًا استجمعت شجاعتها، والتفتت إليه بخجل واضح وهي تقول بتساؤل:
"ا انت مش هتسألني، اللي كان ماسك دراعي ده عايز مني ايه؟"
لم يبد أحمد مستعجلًا لمعرفة التفاصيل، بل بقي محتفظًا بتلك الابتسامة الهادئة التي ارتسمت على وجهه منذ قليل، أجابها بنبرة متفهمة:
"لو حابة تقولي من نفسك، بسمعك، لو مش حابه، طبعا انتي حرة مش هغصبك."
شعرت أروى بشيء من الارتياح في طريقته، لم يحاصرها بالأسئلة، ولم يحاول الضغط عليها، بل ترك لها المساحة لتتحدث كما تشاء، أخذت نفسًا خفيفًا، ثم بدأت تشرح ما حدث وهي تحاول ترتيب كلماتها رغم توترها الواضح:
"د ده كان فيه ما بينا إعجاب، أو يعني كنت وهمه نفسي اني معجبه بي، بس لما مسافرتش معاه اجازة الويك أند اللي فاتت، وصلتني فيديوهات وصور مش كويسه مع بنت معانا وبتحبه، فأنا لما جه يكلمني قلتله ابعد عني وملكش دعوة بيا تاني، وقلتله على الصور والفيديوهات دي، لاقيته بيهددني أن انا ليه وفضل يقول كلام عبيط، ساعتها ضربته بالقلم ومشيت وقطعت من وقتها الكلام معاه، والنهاردة لاقيته جاي يقولي اسف وانا بحبك والاسطوانه الكدابه بتاعته ولما رفض كلامه ده لتاني مرة، جري ورايا ومسكني بالشكل اللي انت شوفته ده."
استمع أحمد إلى كلماتها بهدوء، وعيناه ما زالتا تراقبان الطريق أمامه، لكن ملامحه لم تفقد تلك الابتسامة الخفيفة التي بدت وكأنها تحمل فهمًا أعمق لما تقوله.
ثم سألها بهدوء:
"طيب افرضي، لو موصلش ليكي الصور والفيديوهات دي، كنتي هتفضلي معاه وتحبي؟"
أسرعت أروى تهز رأسها بالرفض، وكأن الفكرة نفسها أصبحت مستحيلة الآن، وقالت بسرعة:
"لا طبعا، أنا قعدت اتكلمت مع خالو تامر، وحكيت ليه كل حاجه، وهو قالي كلام فتح عيوني، ووقتها اكتشفت أني ولا بحبه ولا حتى معجبه بي دول كانوا مجرد شوية انبهار وراحوا لحالهم، وكمان يعني اليوم ده حصل حاجه خلتني اعيد التفكير من أول وجديد."
رمقها أحمد بنظرة سريعة جانبية، ثم أعاد تركيزه إلى الطريق وهو يسألها بفضول هادئ:
"ممكن أعرف أيه هي الحاجه اللي حصلت، لأن تقريبا اليوم ده اللي اتقابلنا فيه أول مرة وكنتي زعلانه علشان اهلك رافضين انك تسافري لوحدك."
بمجرد أن ذكر ذلك اليوم، شعرت أروى بأن الكلمات علقت في حلقها فجأة.
ابتلعت ريقها بتوتر، وشعرت بحرارة خفيفة تتصاعد إلى وجهها بينما حاولت الرد بتلعثم:
"ها! ا اه فعلا أ اتقابلنا اليوم ده لاول مرة."
أومأ أحمد برأسه قليلًا، ثم أعاد السؤال بنبرة أكثر وضوحًا:
"ايوه، ايه هي الحاجه اللي حصلت خليتك تعيدي التفكير من أول وجديد؟"
ازداد احمرار وجنتيها أكثر، ولم تستطع رفع عينيها نحوه. كانت تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان أحمد يتابع ارتباكها بابتسامة خفيفة.
قال مشجعًا إياها على الكلام:
"هااا، قولي يلا ساكته ليه؟"
أغمضت أروى عينيها للحظة قصيرة وكأنها تستجمع شجاعتها، ثم قالت بصوت خفيض يحمل خجلًا واضحًا:
"ل لما قابلتك."
لم يتكلم أحمد هذه المرة، بل اكتفى بالإيماء لها برأسه، وكأنه يشجعها على الاستمرار.
أنزلت أروى رأسها أكثر وهي تكمل بصوت خافت:
"ل لما عملت مقارنه ما بينكم لاقيت فيه فرق كبير جدا بينك وبينه."
اتسعت ابتسامة أحمد بسعادة حقيقية لم يحاول إخفاءها، ثم سألها بتسلية خفيفة:
"واشمعنا أنا اللي عملتي مقارنه معاه؟"
ازدادت أروى ارتباكًا، ورفعت يدها لتغطي جزءًا من وجهها وكأنها تحاول الاختباء من نظراته، ثم قالت بصعوبة:
"ع علشان اتشديت ليك، و ولاقيت فيه فرق كبير ما بينكم، فرق ما بين السما والأرض، لصالحك طبعا."
كانت كلماتها بسيطة، لكنها خرجت بصدق واضح جعل نظرة أحمد تتغير قليلًا.
نظر إليها بهدوء، ثم قال بنبرة أعمق قليلًا:
"يعني الاحساس اللي أنا حسيته ليكي، انتي كمان حسيتي بي ليا؟"
لم ترفع أروى عينيها نحوه، بل اكتفت بالنظر إلى الأسفل، ثم أومأت برأسها بخجل شديد تأكيدًا لكلماته.
عندها مد أحمد يده ببطء، ووضع أصابعه أسفل ذقنها بلطف، رافعًا وجهها قليلًا حتى تنظر إليه، ثم تكلم بنبرة دافئة مليئة بالعاطفة:
"أنا كمان اتشديت ليكي يا أروى، بس كنت خايف من فرق السن اللي ما بينا يكون عائق فى علاقتنا، بس خالك تامر طمني، وقالي هيقعد معاكي الاول يتأكد من مشاعرك ليا، وبعد كده همشي كل حاجه رسمي."
ارتسمت على وجه أروى ابتسامة خجولة، وأومأت برأسها بالموافقة، بينما كان قلبها يخفق بسرعة لم تستطع إخفاءها.
ابتسم أحمد ابتسامة هادئة ثم قال بجدية لطيفة:
"لحد ما يبقى كل حاجه رسمي ما بينا، علاقتنا هتكون فى حدود الصداقة، مافيش اي تجاوزات حتى بالكلام، بمعنى كلام حب ولا مسكت أيد ولا الكلام ده، وبعد ما تبقى حلالي، هعيشك كل لحظة فى عمرك فى رومانسيه، هعرفك يعني ايه عشق أحمد لأروى، مش هخليكي تندمي على حبك ليا، يعني مش عايزك تزهقي ولا تستعجلي على حاجه دلوقتي، أنا بحافظ عليكي، علشان انتي جوهرة غاليه، وبنت اخت اخويا وصاحبي، وأنتي اقرب حد ليه، وكمان علشان انا الأكبر سناً، يعني الاكتر نضج، والعقل الأكبر، فى العلاقه دي، فهمتي يا أروى؟"
كانت كلماته تحمل قدرًا كبيرًا من الاحترام والمسؤولية، جعل أروى تشعر بشيء مختلف، شعور بالأمان لم تختبره من قبل.
أومأت برأسها وهي تقول بتوتر خفيف:
"ف فهمت."
ابتعد أحمد بيده عنها بلطف، ثم ابتسم لها بهدوء قبل أن يواصل القيادة.
كانت السيارة تشق طريقها بهدوء عبر الشوارع الواسعة، حتى بدأت ملامح المنطقة التي تسكنها تقترب تدريجيًا.
وبعد دقائق قليلة، انعطف بالسيارة نحو الطريق المؤدي إلى فيلا غريب، بينما ظل الهدوء يملأ الأجواء، لكن هذه المرة كان هدوءًا دافئًا، يحمل بداية شعور جديد بينهما.
    ***************************
بمكتب رنيم…
كان المكتب غارقًا في صمت ثقيل، صمت بدا وكأنه يضغط على الجدران كما يضغط على صدرها.
جلست رنيم خلف مكتبها بلا حراك تقريبًا، وعيناها شاردتان في الفراغ أمامها، بينما عقلها كان يعيد نفس المشهد مرارًا وتكرارًا، ذلك المشهد الذي حدث منذ قليل، وكأنه يرفض أن يختفي من ذاكرتها.
شاهين.
مجرد التفكير في اسمه كان كفيلًا بأن يعيد إلى داخلها موجة جديدة من الغضب والارتباك معًا.
أسندت رأسها ببطء فوق سطح المكتب، وأغمضت عينيها قليلًا، محاولة أن تجمع أفكارها المتناثرة.
كانت تفكر في حل، أي حل يمكن أن يخرجها من هذا المأزق الذي وجدت نفسها فيه فجأة، الشركة على وشك الانهيار، والضغوط تتراكم فوقها من كل اتجاه، وكأن القدر قرر أن يختبر قدرتها على الصمود دفعة واحدة.
وفي وسط هذا كله، تسلل إلى ذهنها اسم آخر، اسم افتقدته فجأة بشدة.
حسام.
وجوده في الشركة كان دائمًا يمنحها شعورًا بالثبات، كان يعرف كيف يدير الأمور بعقل هادئ وخبرة واسعة. أما الآن، فقد شعرت بأنها تقف وحدها في مواجهة عاصفة لا تعرف كيف تهدأ.
بقيت على تلك الحال وقتًا طويلًا، غارقة في أفكارها لدرجة أنها لم تنتبه إلى الطرقات المتكررة على باب مكتبها. كانت الطرقات تزداد إلحاحًا، لكنها لم تصل إلى وعيها المنشغل.
وفجأة انفتح الباب.
دخلت جواهر بخطوات سريعة، وقد ارتسم القلق بوضوح على ملامحها. اقتربت منها، ثم وضعت يدها برفق على ظهرها تربت عليه قائلة بتساؤل:
"رنيم فيه أيه؟ عماله اخبط عليكي من بدري ومش بتردي وحتى لما دخلت محستيش بيا."
انتفضت رنيم من مكانها وكأنها عادت إلى الواقع فجأة. رفعت رأسها سريعًا، وعيناها ما زالتا تحملان أثر الشرود والحزن، نظرت إلى جواهر بصوت مختنق وقالت:
"جواهر!! فيه حاجه؟"
هزت جواهر رأسها بعدم فهم، وقطبت حاجبيها وهي تقول بجدية:
"انتي اللي فيه حاجه يا رنيم، أنا مش عبيطه عنك، اتكلمي، قوليلي ايه اللي وصلك للحالة دي؟"
اعتدلت رنيم في جلستها قليلًا، محاولة أن تستعيد مظهرها المتماسك، لكن صوتها خرج ضعيفًا بعض الشيء وهي تقول:
"مافيش يا جواهر متشغليش بالك انتي."
تنهدت جواهر بنفاذ صبر، ثم هزت رأسها بيأس وهي تقول:
"أنا عارفه هوجع قلبي معاكي على الفاضي، وفى الاخر مش هتتكلمي برضه."
ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتي رنيم وهي تراقبها تتحرك، ثم سألتها بهدوء:
"رايحه فين كده؟"
أجابتها جواهر بإرهاق واضح:
"هروح ما صدقت اليوم خلص، وانتي مش هتروحي يا بنتي؟"
هزت رنيم رأسها بالنفي وقالت:
"لا روحي انتي، أنا لسه ورايا شغل كتير."
أومأت جواهر برأسها بتفهم، ثم اقتربت منها قليلًا وقبلت وجنتها بحنان قبل أن تغادر المكتب مسرعة.
ظلت رنيم تتابعها بعينيها حتى اختفت من أمام ناظريها تمامًا، وعندما أُغلق الباب من جديد عاد الصمت ليغمر المكان.
تراجعت بظهرها إلى الخلف حتى استندت إلى المقعد، وبدأت تحركه قليلًا للأمام والخلف وهي غارقة في التفكير.
كانت تحاول أن تجد مخرجًا، خطة، أي فكرة تنقذ الشركة من هذا الفخ الذي نصب لها بإحكام.
لكن أفكارها لم تبقى عند تلك النقطة طويلًا.
فجأة، وبدون إرادة منها، عاد ذلك المشهد ليقتحم عقلها مرة أخرى.
قبلة شاهين.
تجمدت للحظة، وكأنها لم تكن تتوقع أن تستعيد ذاكرتها تلك اللحظة بهذه الوضوح.
رفعت يدها ببطء، وتحركت أصابعها نحو شفتيها دون وعي، ولمستها بخفة.
شعرت بإحساس غريب يجتاحها، إحساس لم تستطع تفسيره.
لم يكن مجرد غضب أو تقزز كما توقعت، بل شيء أكثر تعقيدًا أربكها بشدة.
انتبهت إلى نفسها فجأة، وكأنها استيقظت من غفلة.
سحبت يدها سريعًا، ثم انتفضت من مكانها وهي تهز رأسها بقوة رافضة ذلك الشعور الذي لم تفهمه.
كيف يمكن أن تتذكر تلك اللحظة بهذه الطريقة؟
وكيف سمحت لنفسها حتى بأن تستعيدها؟
وقفت بسرعة وكأنها تحتاج إلى الهروب من المكان كله.
خرجت من المكتب بخطوات سريعة، واتجهت إلى المصعد الكهربائي. ضغطت الزر بعصبية، وما إن وصل حتى دخلته فورًا، وكأنها لا تريد البقاء ثانية واحدة أخرى في ذلك الطابق.
هبط المصعد ببطء، لكن الدقائق بدت أطول مما ينبغي.
ما إن وصلت إلى الأسفل حتى خرجت مسرعة نحو موقف السيارات. ركضت تقريبًا حتى وصلت إلى سيارتها، فتحت الباب بسرعة وجلست خلف المقود، ثم أدارت المحرك وانطلقت بالسيارة.
كانت تقود بسرعة جنونية، دون أن تفكر في الطريق أو الوجهة.
كل ما شعرت به أنها تحتاج إلى الهواء، إلى مساحة أوسع تتنفس فيها بعيدًا عن ذلك الشعور الخانق الذي سيطر عليها منذ قليل.
كانت المدينة تمر أمامها كخطوط ضبابية، الأضواء تختلط ببعضها، والأصوات تتلاشى خلف ضجيج أفكارها.
وفجأة، ضغطت على المكابح بعنف.
توقفت السيارة بشكل مفاجئ، فانحنى جسدها قليلًا إلى الأمام قبل أن تعود إلى الخلف.
رفعت رأسها ونظرت أمامها، لكنها لم تكن ترى شيئًا حقًا.
كان بصرها موجهًا إلى الطريق، لكن عقلها كان في مكان آخر تمامًا.
ضربت عجلة القيادة بيدها بقوة، ثم خرجت منها صرخة عالية، صرخة تحمل كل ما كتمته داخلها طوال الوقت.
في تلك اللحظة فقط، انهارت.
مرت عليها لحظة ضعف قاسية، شعرت فيها وكأنها ليست تلك المرأة القوية التي يعرفها الجميع.
بل مجرد إنسانة هشة، دمية صغيرة تتقاذفها يد القدر بلا رحمة.
انهمرت دموعها بغزارة، واهتز صوتها وهي تقول:
"محتاجك اوي يا بابا، محتاجه حضنك ضمتك ليا، محتاجه ضحكتك الحلوة، صوتك وانت بتقولي يا زهرتي، وانت بتقولي يا قلب وعمر بابا، محتاجه أسند عليك، أنا ضعيفه اوي، ومهما حاولت أظهر اني قوية، الدنيا بتيجي عليا وتكسرني وتظهر ضعفي."
رفعت عينيها نحو الفراغ أمامها، وفجأة خيل إليها أنها ترى ابتسامة سلطان.
ابتسامته الدافئة التي كانت دائمًا تمنحها الطمأنينة.
رأته يفتح ذراعيه لها، كعادته، وكأنها ما زالت تلك الطفلة الصغيرة التي تركض نحوه لترتمي في حضنه.
سمعت صوته في خيالها، شعرت بمداعبته لها، بكلماته الحنونة، بكل التفاصيل التي حفظها قلبها ولم تنسها يومًا.
لكن تلك الصورة لم تدم طويلًا.
في لحظة واحدة، اختفى كل شيء.
بقيت وحدها مرة أخرى داخل السيارة، وسط الطريق، والدموع ما زالت تبلل وجهها.
ابتسمت ابتسامة حزينة بين دموعها وقالت بصوت مكسور:
"ربنا يرحمك يا حبيبي."
مسحت دموعها ببطء، ثم أعادت تشغيل السيارة من جديد.
هذه المرة كانت حركتها أهدأ قليلًا، وكأنها استنزفت جزءًا كبيرًا من ألمها في تلك اللحظات.
انطلقت بالسيارة في طريق العودة، متجهة إلى المنزل.
      *************************
عند شاااهين…
عاد شاهين إلى مكتبه بخطوات هادئة ظاهريًا، لكنها في الداخل كانت محملة بتوتر خفي لا يظهر بسهولة على ملامحه. فتح الباب ودخل، ثم أغلقه خلفه ببطء وكأن العالم الخارجي لم يعد يعنيه في تلك اللحظة.
اتجه مباشرة نحو مكتبه، وجلس على مقعده الجلدي، مستندًا بظهره إلى الخلف قليلًا.
لكن رغم محاولته الظهور بمظهر الرجل المسيطر على كل شيء، كان هناك شيء ما يعبث في داخله.
أغمض عينيه للحظة قصيرة، وفجأة عاد المشهد إلى ذاكرته بوضوح مزعج.
رنيم.
وتلك اللحظة التي اقترب فيها منها.
شعر برغبة غريبة، ملحة، تجتاحه دون أن يفهمها تمامًا.
رغبة في العودة إليها مرة أخرى، في الاقتراب منها، في تذوق شفتيها من جديد.
فتح عينيه ببطء، وكأن الفكرة نفسها أربكته.
لم يكن معتادًا على هذا النوع من المشاعر.
لم يكن الرجل الذي يسمح للحظات عابرة أن تتسلل إلى داخله وتربك خططه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ابتسامة خفيفة لكنها حملت في طياتها شيئًا من التسلية وهو يتذكر لحظة قربه منها، تلك اللحظة التي رأى فيها الارتباك والغضب معًا في عينيها.
لكن سرعان ما تبدلت ملامحه.
انتبه إلى نفسه فجأة، وكأن عقلًا آخر داخله أيقظه من ذلك الشرود.
حرك رأسه بالرفض، ثم مرر يده على وجهه ببطء.
لا، لا يجب أن يسمح لنفسه بالانجراف خلف هذا الشعور.
ما حدث لم يكن سوى لحظة، لحظة يجب أن تبقى كما هي، لا أكثر.
لم يكن من المفترض أن تتحول إلى شيء يقيده أو يؤثر على قراراته.
بل العكس تمامًا.
كان يريد أن تكون تلك اللحظة قيدًا لها هي، أن تربكها، أن تضعفها، أن تجعلها تفقد توازنها.
أما هو، فلا يمكن أن يسمح بأن ينقلب السحر على الساحر.
عيناه أصبحتا أكثر قسوة وهو يستعيد تركيزه من جديد.
لديه خطة، خطة رسمها بعناية، ولن يسمح لأي شعور عابر أن يجعله يتراجع عنها، هدفه واضح، كسرها، إذلالها.
مد يده نحو الهاتف الموضوع على المكتب، والتقطه ببطء، ثم أجرى اتصالًا.
انتظر لبضع ثواني حتى جاءه الرد من الطرف الآخر.
وعندها تغيرت نبرته تمامًا، أصبحت حادة، باردة، ومليئة بالغضب وهو يقول:
"نفذ اللي قلتلك عليه، تروح لكل الشركات، وتنبه عليهم يسحبوا شغلهم من شركة الدسوقي، مش عايز ولا عميل عندهم فاهم."
لم ينتظر ردًا طويلًا.
أنهى المكالمة فورًا، وألقى الهاتف على المكتب أمامه، ثم أسند ظهره إلى المقعد مرة أخرى.
نظر أمامه بنظرة مظلمة تحمل وعدًا قاسيًا، وكأن صورة رنيم كانت تقف أمامه في تلك اللحظة.
وقال بصوت منخفض لكنه مليء بالتوعد:
"مبقاش أنا، لو مكنتش اجيبك تحت رجلي راكعه يا رنيم الدسوقي."
قبض على الهاتف بقوة بين يديه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة، ابتسامة شر واضحة، تعكس الرجل الذي اعتاد دائمًا أن يحصل على ما يريد، مهما كان الثمن.
    **************************
خرجت جواهر من مبنى الشركة بخطوات متباطئة، وكأنها تمهل نفسها لحظات إضافية قبل أن تغادر هذا المكان الذي اعتادت أن ترى عند بوابته وجهًا مألوفًا ينتظرها كل يوم. عيناها أخذتا تجولان في محيط المكان بعفوية معتادة، تبحثان عن تلك السيارة التي طالما كانت علامة حضور جواد الدائمة. لكنها لم تجد شيئًا، لا سيارته، ولا ظله، ولا حتى ذلك الشعور المطمئن الذي كان يغمرها حين تراه ينتظرها.
توقفت للحظة، وقد انعقد حاجباها في دهشة خفيفة.
كان الأمر غريبًا عليها، بل شديد الغرابة.
فجواد، مهما كان انشغاله، لم يتأخر يومًا عن القدوم لأخذها، وكأن ذلك الموعد الصغير كان طقسًا يوميًا لا يسمح لنفسه بكسره.
تسللت إلى قلبها نغزة قلق خفية، لكنها حاولت أن تتجاهلها. تقدمت نحو سيارتها وصعدت إليها ببطء، وأغلقت الباب خلفها، بينما ظل عقلها منشغلًا بذلك الغياب المفاجئ.
مدت يدها إلى الهاتف، تبحث عن اسمه في قائمة الأسماء، وما إن وجدته حتى ضغطت عليه دون تردد. وضعت الهاتف إلى أذنها، تنتظر صوته الذي اعتادت أن يجيبها سريعًا، لكن الثواني مرت ببطء ثقيل، ولم يأتي الرد.
خفضت الهاتف قليلًا، وزفرت بضيق، كأنها تحاول أن تطرد تلك الغصة التي بدأت تتسلل إلى صدرها.
أعادت الاتصال مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، لكن الصمت كان الجواب الوحيد.
وضعت الهاتف أمامها، فوق المقعد المجاور، ثم أدارت محرك السيارة وتحركت بها نحو البيت. غير أن الطريق لم يكن هادئًا كما اعتادت؛ فقد كانت يدها تمتد بين لحظة وأخرى إلى الهاتف، تعيد الاتصال من جديد، وكأنها ترفض الاعتراف بأن هناك خطبًا ما.
مع كل مرة يرن فيها الهاتف دون أن يجاب، كان القلق يتضخم داخلها أكثر.
دقات قلبها أخذت تتسارع، وأفكار كثيرة بدأت تتزاحم داخل رأسها؛ ماذا لو حدث له مكروه؟ ماذا لو كان في مشكلة؟ لماذا لا يرد؟
لم تشعر بنفسها إلا حين وجدت السيارة تتوقف أمام الفيلا.
تنفست بعمق، محاولة أن تستعيد هدوءها قبل أن تترجل، لكن في تلك اللحظة تحديدًا، أضاء الهاتف فجأة بإشعار رسالة جديدة.
التقطته بسرعة، وقلبها يخفق بأمل مفاجئ.
لا بد أنها رسالة من جواد، ربما يعتذر، أو يفسر سبب تأخره.
لكن ما إن فتحت الرسالة حتى اتسعت عيناها بذهول صاعق، كأن الزمن تجمد فجأة حولها.
لم تكن كلمات، بل صورة.
صورة لمشهد لم يخطر ببالها يومًا أن تراه، ولم يتسلل حتى في أسوأ كوابيسها.
جواد، يحتضن فتاة أخرى، يقبلها في حميمية واضحة، وكأن العالم كله اختفى حولهما.
تجمدت أنفاسها في صدرها.
رفعت يدها إلى فمها بلا وعي، بينما راحت رأسها تتحرك ببطء في إنكار مرتبك، كأنها ترفض تصديق ما تراه عيناها.
لكن الصورة لم تختفي، ولم تتغير.
والدموع، التي حاولت مقاومتها للحظة، بدأت تتساقط تباعًا على وجنتيها.
في تلك اللحظة، وصل إشعار آخر.
هذه المرة كان عنوانًا لمكان ما.
قرأت العنوان، وقلبها يخفق بعنف.
لم تحتج إلى تفسير، فقد فهمت فورًا أن هذا هو المكان الذي يوجد فيه جواد الآن.
قبضت على عجلة القيادة بقوة، وكأن غضبًا مفاجئًا اشتعل داخل صدرها.
لم تفكر، لم تتردد، لم تسمح للعقل أن يتدخل.
أدارت السيارة بسرعة حادة، وانطلقت بها كأنها تهرب من شيء، أو ربما تركض نحوه.
الطريق بدا أطول من المعتاد، والمدينة من حولها تمر كضباب سريع، لكنها لم تكن ترى شيئًا بوضوح.
كل ما كان أمام عينيها هو تلك الصورة، وذلك الشعور الذي بدأ يمزق قلبها ببطء قاسي.
وأخيرًا توقفت السيارة أسفل البناية التي يشير إليها العنوان.
ظلت للحظة جالسة مكانها، أنفاسها تتصاعد باضطراب واضح.
أغمضت عينيها قليلًا، ثم أخذت نفسًا عميقًا طويلًا، وأخرجته ببطء، كأنها تحاول أن تجمع شتات نفسها قبل المواجهة.
مسحت دموعها بعنف سريع، كأنها غاضبة من ضعفها، ثم فتحت باب السيارة وترجلت.
خطواتها نحو المدخل كانت حادة، مشحونة بشيء بين الغضب والانكسار.
دفعت الباب بقوة، ودخلت إلى الداخل دون أن تتوقف.
اتجهت مباشرة نحو المصعد، وضغطت زر الطابق المذكور.
كانت الثواني داخل المصعد تمر ببطء خانق، وكأن الجدران تضيق حولها مع كل لحظة.
وحين وصل المصعد أخيرًا، خرجت منه بخطوات متسارعة حتى وصلت إلى الباب المقصود.
وقفت أمامه للحظة، ويدها ترتجف قليلًا.
رفعت يدها، وضغطت على جرس الباب.
مرت ثواني بدت لها كأنها دهر كامل.
وأخيرًا فتح الباب.
وجدت أمامها فتاة ترتدي ملابس فاضحة، تقف بارتباك عند المدخل.
لكن جواهر لم تمنحها حتى فرصة للكلام؛ دفعتها بقوة بعيدًا عن الباب، ودخلت إلى الداخل بعاصفة من الغضب.
كانت خطواتها سريعة، حادة، حتى وقعت عيناها على باب إحدى الغرف المفتوحة.
اقتربت، وما إن وقفت عند العتبة حتى تجمدت في مكانها.
المنظر أمامها كان كافيًا ليحطم ما تبقى من صمودها.
انهمرت دموعها بغزارة، وراحت رأسها تتحرك في رفض موجوع، بينما خرج صوتها بصعوبة ثقيلة:
"ليه يا جواد؟ ليه تعمل فيا كده؟ طيب لو محبتنيش ليه تكذب عليا، وتوهمني بحبك؟ أنا فتحت عيني على حبك يا جواد، ليه تنزلني لسابع أرض، بعد ما طلعتني لسابع سما، رد عليا ليه يا جوووواد؟"
كان جواد متمدت على السرير صدره عاري ومرتدي بنطال قطني فقط، انتفض من مكانه واقترب منها وتكلم بتوتر: 
"جواهر! انتي جيتي هنا ازاي؟"
دفعته بقوة بصدرة وتكلمت بصراخ: 
"هو ده كل اللي يهمك، أنا جيت هنا إزاي؟ انت إزاي بجح اوي كده، ده انت طلعت ممثل كبير اوي يا جواد، حسك عينك تفكر تقرب مني تاني فاهم."
أنهت كلامها وركضت سريعا نحو الباب.
لكن جواد لم يتركها تمر هكذا؛ ركض خلفها بسرعة، وأمسك بذراعها بقوة، والغضب يشتعل في صوته:
"اصبري انا جاي أوصلك."
دفعته بقوة بعيد عنها وتكلمت بغضب:
"أبعد عني انت ايه؟ مش بتفهم، ملكش دعوة بيااا."
ثم اندفعت خارج المكان مسرعة، كأنها تهرب من جرح مفتوح لا تستطيع احتماله.
هبطت الدرج بخطوات متعثرة، حتى وصلت إلى الخارج.
صعدت إلى سيارتها بسرعة وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تحتمي بداخله من العالم كله.
أسندت رأسها على عجلة القيادة، ولم تعد تقاوم أكثر.
انفجر بكاؤها أخيرًا، بكاء موجع، يخرج من أعماق قلب انكسر فجأة دون إنذار.
لكن طرقات خفيفة على زجاج السيارة جعلتها ترفع رأسها ببطء.
نظرت بعينين حمراوين، لتجده يقف هناك.
جواد.
تقلص وجهها بغضب ممزوج بالألم، وضغطت على أسنانها بقوة، ثم أدارت السيارة فجأة وانطلقت بها بسرعة جنونية، تاركة إياه خلفها.
وقف جواد مكانه للحظة، يمرر يده في شعره باضطراب واضح، ثم زفر بضيق شديد.
وبعد ثواني، اتجه إلى سيارته، وصعد إليها، وانطلق هو الآخر خلف الطريق، بسرعة لا تقل جنونًا عن سرعتها.
    **************************
عادت رنيم إلى الفيلا بعد يوم طويل أثقل روحها بما لا يقال، كانت خطواتها على الدرج بطيئة، كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا غير مرئي، عبئًا من التفكير والقلق الذي لم يفارقها منذ لقائها الأخير بشاهين، وصلت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم تقدمت نحو السرير وكأنها تسير داخل ضباب كثيف من الأفكار.
ارتمت على الفراش بلا مقاومة، واستلقت على ظهرها، بينما بقيت عيناها معلقتين بالسقف في صمت عميق، لم تكن ترى شيئًا حقًا، كانت غارقة في بحر من الأفكار المتشابكة، تحاول أن تجمع أطرافها دون جدوى.
تسللت إلى صدرها مشاعر متضاربة؛ غضب مكتوم، قلق غامض، وإحساس خفي بأن شيئًا ما يحاك في الخفاء، شيئًا لم تتضح ملامحه بعد، لكنه يقترب بخطوات ثابتة.
ظل الصمت يلف الغرفة، حتى قطع سكونه فجأة صوت رنين الهاتف.
ارتجف تركيزها للحظة، فاعتدلت في جلستها سريعًا، ومدت يدها نحو الهاتف. ضغطت على زر الإجابة، محاولة أن تخرج صوتها طبيعيًا، لكن الكلمات تجمدت في حلقها عندما جاءها صوت الموظف من الطرف الآخر، محملًا بقلق واضح:
"العملاء كلها انسحبوا فى وقت واحد، وكلهم عايزين فلوسهم، هنعمل ايه يا باشمهندسة رنيم؟"
في تلك اللحظة، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
نهضت من مكانها بصدمة واضحة، واتسعت عيناها بعدم تصديق، أخذت تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا، كأن الحركة وحدها قادرة على استيعاب هول ما سمعت، رفعت يدها إلى شعرها تمرر أصابعها خلاله باضطراب، بينما خرج صوتها مهتزًا، يحمل مزيجًا من الذهول والغضب:
"ازاي ده حصل؟ دي مصيبه كبيره، اكيد فيه حد وراه..."
توقفت فجأة في منتصف الغرفة.
جملة لم تكملها، فكرة باغتتها فجأة، كوميض حاد في عقلها.
تقلصت ملامحها، واشتعل شيء ما داخل عينيها عندما ارتسم اسم واحد في ذهنها، شاهين.
شعرت بالغضب يتصاعد داخلها كالنار، حتى أصبح صوتها أكثر حدة وهي تقول:
"أنا عرفت مين اللي وراه اللي حصل ده."
أنهت المكالمة بسرعة، وكأنها لم تعد تحتمل ثانية إضافية من الانتظار. أمسكت الهاتف بإحكام، وبدأت تبحث بين الأرقام عن ذلك الرقم الذي اتصل منه قبل أيام. كانت أصابعها تتحرك بسرعة، بينما قلبها يخفق بعنف.
وأخيرًا وجدته.
ضغطت على زر الاتصال دون تردد، ورفعت الهاتف إلى أذنها، تنتظر.
ثواني قليلة مرت، لكنها بدت أطول مما يجب.
حتى جاءها صوته أخيرًا.
حينها لم تحاول حتى أن تخفي غضبها، بل قالت مباشرة:
"عايزه اقابلك."
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، صمت بدا مقصودًا، كأنه يستمتع بتوترها.
ثم تكلم أخيرًا بصوت هادئ:
"معنديش مانع، منتظرك فى شقتي."
اشتعلت عيناها غضبًا فور سماع كلماته، وقالت بحدة واضحة:
"بتحلم يا شاهين، أنا عايزة اقابلك فى مكان عام."
وصلها صوته مجددًا، هذه المرة مصحوبًا بضحكة خفيفة تحمل استفزازًا واضحًا، قبل أن يقول بهدوء:
"اوك، واحده واحده، النهاردة طلبتي نتقابل فى مكان عام، بكرة تطلبي نتقابل فى مكان خاص، وبعده تكوني فى حضني."
قبضت على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، وضغطت على أسنانها محاولة كبح غضبها، ثم قالت بحدة:
"لما تعرف تعض ودانك، سعتها هبقى فى حضنك يا شاهين."
جاءها صوته هذه المرة هادئًا، لكنه يحمل شيئًا مخيفًا في نبرته:
"مين عارف، مش يمكن انتي اللي تطلبي القرب ده يا قلب شاهين."
أغمضت عينيها لحظة، تحاول أن تمنع غضبها من الانفجار، ثم قالت بنفاد صبر واضح:
"أنا هستناك فى كافيه"..."
لم تمنحه حتى فرصة الرد، أغلقت الخط سريعًا، وكأنها لو استمعت لصوته ثانية واحدة أخرى قد تفقد أعصابها تمامًا.
التقطت حقيبة يدها بسرعة، وخرجت من الغرفة بخطوات سريعة متجهة نحو الدرج، كانت أفكارها تشتعل داخل رأسها؛ غضبها من شاهين، وصدمة ما حدث في الشركة، كلها تتزاحم في داخلها كعاصفة لا تهدأ.
هبطت إلى الأسفل، وفتحت باب الفيلا لتغادر.
لكنها توقفت فجأة.
إذ اندفعت جواهر إلى الداخل مسرعة، وكأنها تهرب من شيء ما.
اتسعت عينا رنيم بقلق، فأمسكت بذراعها سريعًا وقالت بتساؤل مشوب بالدهشة:
"جواهر! مالك فيه ايه؟"
لم تجبها جواهر بالكلمات فورًا.
بل ارتمت فجأة داخل حضنها، وأمسكت بها بقوة، وكأنها تبحث عن ملجأ يحميها من الألم الذي يفتك بها. كانت شهقاتها متقطعة، ودموعها تنهمر بلا توقف، قبل أن تقول بصوت مكسور بين البكاء:
"جواد طلع بيخوني يا رنيم، مطلعش بيحبني زي ما كنت مفكرة، شوفته بعيني فى حضنه واحده وبيبوسها، أنا مش قادرة اصدق هتجنن يا رنيم هتجنن."
تصلبت ملامح رنيم للحظة.
لم تبدو الدهشة على وجهها بقدر ما ظهر الغضب. ارتسمت على شفتيها ابتسامة مشدودة تخفي احتقانًا واضحًا، ثم قالت بصوت مختنق بالغضب:
"مش ده اللي كنتي بتزعلي مني لما بجيب سيرته، قلتلك، مش ده اللي يليق بيكي، ابن ترنيم واطي وندل زي أمه، اطلعي اوضك وانا هروح مشوار بسرعه، ولما ارجع نبقى نشوف هنعمل ايه."
اومأت جواهر برأسها ببطء، والدموع ما زالت تغمر وجهها، ثم تحركت بخطوات متثاقلة نحو الدرج وصعدت إلى غرفتها.
وقفت رنيم مكانها للحظة تراقب أثرها حتى اختفت.
ثم تشددت ملامحها، واشتعل الغضب داخل عينيها وهي تقول بمرارة:
"هو ده اللي بنخده من ترنيم وعيلتها، الدموع وبس."
تنفست بعمق، كأنها تحاول أن تستعيد تماسكها.
ثم استدارت وتحركت إلى الخارج، صعدت سيارتها وأدارت المحرك.
وبعد لحظات، انطلقت بها نحو إحدى الكافيهات، نحو لقاء لم تكن تنوي أن يكون مجرد حديث عابر، بل مواجهة تضع فيها حدًا لتلك المهزلة التي بدأت تلتف حول حياتها.
     *************************
خرج شاهين من غرفته بخطوات هادئة لكنها حاسمة، وقد بدا وكأنه يستعد لمعركة يعرف تفاصيلها جيدًا. كان يضبط أزرار قميصه بعناية وهو يهبط الدرج ببطء، ملامحه هادئة ظاهريًا، لكن في عينيه بريق خفي لا يخطئه من يعرفه؛ بريق رجل يمضي نحو خطوة خطط لها منذ زمن.
ما إن وصل إلى الأسفل حتى لمح والدته جالسة في الصالة، تتأمل شيئًا ما بشرود، وكأنها تنتظر تلك اللحظة تحديدًا. اقترب منها، وانحنى قليلًا ليضع قبلة خفيفة على رأسها، ثم ابتسم لها بحنو وهو يقول:
"الجميل بيفكر فى ايه؟"
رفعت مريم رأسها إليه ببطء، وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة تحمل الكثير من الخبث والرضا، ابتسامة امرأة ترى خطتها تتحقق خطوة بعد أخرى. قالت بنبرة يغلفها الشر الواضح:
"الخطه ماشيه زي ما أنا عايزة واحسن كمان، تاني خطوة تمت بنت سمية وحسام، شافت خيانة ابن ترنيم وغريب بعينيها، وده هيفتح سكه للي جاي."
لم تتغير ملامح شاهين كثيرًا، لكنه ابتسم ابتسامة مشابهة، تلك الابتسامة التي تشبه ابتسامة الصياد حين يرى فريسته تقع داخل الشرك الذي نصبه. قال بنبرة هادئة:
"والخطوة التالته تمت، وبنت سلطان طلبت تقابلني علشان خسرت كل حاجه، وهتوافق على كل اللي هطلبه منها، مقابل أن اساعدها ترجع الشركه تاني زي الاول."
تعالت ضحكات مريم في المكان، ضحكات ممتلئة بنشوة الانتصار قبل أن تكتمل المعركة حتى، ثم قالت بارتياح واضح:
"ايوه كده فرحت قلبي، ولسه اللي جاي هيكون دمار عليهم كلهم."
ابتسم شاهين ابتسامة باردة، ثم انحنى مرة أخرى وقبل رأسها، قبل أن يستدير متجهًا نحو الباب. فتحه وخرج بخطوات ثابتة، وكأن كل شيء يسير كما خطط له تمامًا.
صعد إلى سيارته، وأدار المحرك، ثم انطلق بها نحو الكافيه حيث تنتظره رنيم.
وبعد وقت قصير، وصل أخيرًا.
أوقف سيارته، وترجل منها، ثم دلف إلى الكافيه بخطوات واثقة. كانت عيناه تبحثان بين الطاولات حتى وقعتا عليها.
كانت تجلس هناك، تنتظره.
في اللحظة التي رآها فيها، تسللت إلى ذهنه ذكرى تلك القبلة المفاجئة بينهما. للحظة قصيرة، أغمض عينيه وكأنه يحاول أن يهدئ تلك الدقات الغريبة التي بدأت تضرب صدره، دقات لم يعتد أن يشعر بها.
لكنها لم تدم طويلًا.
فتح عينيه من جديد، واستعاد هدوءه المعتاد، ثم تحرك نحوها ببطء. عندما وصل إلى الطاولة، جلس أمامها ووضع قدمًا فوق الأخرى، وابتسامة مستفزة ترتسم على شفتيه، قبل أن يقول بنبرة متعالية:
"خير!"
نظرت له بضيق واضح وقالت:
"انت عارف انا هنا ليه."
حرك رأسه بالرفض وقال بهدوء حذر:
"لا معرفش."
أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول أن تكبح غضبها، ثم قالت بصوت مختنق:
"ماشي هقولك انا هنا ليه، الشركه انت اللي وراه انسحاب العملاء منها صح؟"
اومأ رأسه بهدوء وقال:
"ايوه انا، ودي كانت البدايه، قلتلك أنا همحي شركة الدسوقي، وانتي مصدقتيش."
ارتجفت أنفاسها قليلًا، لكنها حاولت أن تحافظ على هدوئها، وقالت بصوت مختنق:
"طيب هتستفاد ايه لما تعمل كده؟ لو كل ده علشان المناقصة اللي اخدها منك، مستعدة ارجعها ليك، بس ارجوك بلاش موضوع العملاء ده، الشركه دي من ريحة بابا الله يرحمه، وغاليه عليا."
ظل ينظر إليها بصمت لعدة لحظات، وكأنه يزن كلماتها، أو ربما يستمتع بتلك اللحظة التي يرى فيها كبرياءها يلين قليلاً.
ثم حرك رأسه بالرفض وقال ببساطة:
"أنا مش عايز المناقصه."
تقلصت ملامحها بدهشة واضحة، وقالت بتساؤل:
"اومال عايز ايه؟"
اقترب منها قليلًا، وسحب المقعد الذي تجلس عليه نحوه، حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة جدًا. مال بجسده نحوها، وقال بصوت هامس:
"عايزك انتي!"
اتسعت عيناها بصدمة، وتراجعت بمقعدها إلى الخلف بسرعة وكأنها تحاول أن تضع مسافة بينها وبينه، وقالت بتوتر واضح:
"ح حضرتك انت شايفني ازاي؟ ايه اللي بتقوله ده؟ لو سمحت خلي كلامنا على الشغل وبس."
اعتدل في جلسته من جديد، وارتسمت على وجهه ملامح غرور واضحة وهو يقول:
"لا اوعي تفهمي غلط، أنا مش عايزك حبًا فيكي ولا لسواد عيونك، لا انا عايز أذلك، أكسرك، امسح بكرامتك الأرض، لو وافقتي، من بكره شركتك هترجع واحسن من الاول، موافقتيش يبقى، أستعدي للجاي."
أغمضت رنيم عينيها لثواني، تحاول أن تضبط انفاسها التي بدأت تتسارع، وكأنها تقاتل حتى لا تفقد سيطرتها أمامه.
ثم قالت بهدوء حذر:
"وأيه السبب وراه كل اللي انت عايز تعمله معايا ده؟"
مال بجسده قليلًا، ومد يده ببطء نحو ساقها، وبدأ يحركها بلمسة تحمل استفزازًا واضحًا، وقال بنبرة هادئة:
"بحب احتفظ بالاسباب لنفسي، بس متخافيش مع كل اللي قولته ده، هظبطك."
في اللحظة التالية، قبضت رنيم على يده بقوة، وأبعدتها عنها بعنف، ونظرت إليه بعينين تشتعلان غضبًا، وقالت من بين أسنانها:
"لا عاش ولا كان اللي يفكر يذلني ولا يكسرني، الشركه دي انا هقدر ارجعها احسن من الاول، ويا أنا يا انت يا شاهين."
استقامت في جلستها، ورفعت رأسها بكبرياء واضح، ثم نظرت إليه بتحدي وقالت:
"انت وقعت مع الشخص الغلط يا شاهين، علشان مش انا اللي بتسلم بسهولة، نفسي أطول من عمرك اصلا، والساحه ما بينا."
ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، لكن في عينيه لمع بريق إعجاب خفي، وقال:
"عجبني اوي عنادك، وده اللي محلي اللعبه ما بينا."
نظرت إليه بكره شديد، وأمسكت حقيبة يدها، ثم حركت أصابعها أمامه محذرة وقالت:
"بلاش تستقل بيا، علشان أنا بنت راجل الدنيا كلها كانت بتعمله ألف حساب، وبنت سلطان الدسوقي متتكسرش بسهولة كده."
في تلك اللحظة تغيرت ملامحه قليلاً.
استقام بجسده واقترب منها خطوة، ثم انحنى قليلًا ليهمس بجوار أذنها بكلمات باردة كالسكاكين:
"امم، ابوكي اللي كان رميكم وبيحب واحده تانيه ومش سأل فيكم، سلطان الدسوقي، اللي مكانش بيعمل حاجه غير أنه يستقوى على الستات ويأذيهم، سلطان وصمة عار فى حياتك، هو سبب عذابك فى اللي فات من عمرك وفى اللي جاي."
ثم ابتعد عنها فورًا، وكأنه ألقى قنبلة في قلب المكان.
استدار وغادر الكافيه دون أن يلتفت خلفه.
أما رنيم، فبقيت واقفة في مكانها، كأن الكلمات التي قالها أصابتها بالشلل.
كان وجهها شاحبًا، وعيناها معلقتين بالفراغ.
شيء ما داخلها بدأ يتحرك، إحساس غامض بأن وراء كل هذا العداء سرًا أكبر، وأن تلك الحرب التي أعلنها شاهين عليها ليست مجرد لعبة انتقام عابرة.
بل لعبة قديمة، بدأت قبل أن تدرك هي نفسها أنها جزء منها.
      


تعليقات