رواية ظل بعد ظل الفصل السادس 6 بقلم ياسمين النعيمي

 

 

 

 

رواية ظل بعد ظل الفصل السادس بقلم ياسمين النعيمي


مرّ يوم …
و أركان بعده ما مرتاح.
صحى أكثر من مرة … وعيه صار أوضح … بس عيونه … كل مرة تنفتح، تدور نفس السؤال.
- قيس ...
و كل مرة … نفس الجواب ينقال له.
"زين … يتحسن …"
يهز راسه … يسكت …
بس ما مقتنع.
كأنه … ما راح يهدأ إلا إذا شافه بعينه.
بعد يومين …
الصبح كان أهدأ.
الشمس داخلة من الشباك … و الغرفة مو بنفس ثقل الأيام الأولى.
أركان كان شبه جالس … مسنود على الوسادة … تعبان.
الباب انفتح بهدوء …
خطوتين بطيئة … و صوت خفيف:
- يواش …
زياد.
و وياه …
قيس.
واقف … صح ثابت بس مو بحيله ...
إيد زياد على خصره … يسنده … و خطواته محسوبة.
كل خطوة … واضح بيها الجهد.
أركان رفع عيونه …
و بهاللحظة …
كل ملامحه تغيّرت.
مو بس ارتاح …
انفك شي داخله.
- قيس …
صوته طلع أضعف من شعوره.
قيس رفع عيونه عليه … و رغم التعب … ابتسم.
- ها ول اركان … شلونو جبدي وياك ؟
ضحكة خفيفة طلعت من زياد ...
أركان حاول يبتسم … بس عيونه امتلت أكثر.
قيس تقدم خطوة … و الثانية أصعب …
زياد انتبه له أكثر:
- تكَيّد ...
بس قيس هز راسه:
- هدني يول ...
قرب أكثر …
وقف يم السرير …
لحظة صمت بينهم …
نظرات طويلة … مختصرة كلشي.
بعدين قيس انحنى شوية …
الحركة كانت ثقيلة عليه … واضحة.
زياد مد إيده بسرعة تحاوط ظهره بدون لمس ...
و قيس كمل …
و بصعوبة … وصل لراسه …
و باسه.
بوسة خفيفة … بس بيها كل امتنانه لرب العالمين الي سلمه.
- الحمد لله على سلامتك …
أركان غمض عيونه لحظة …
و دمعته نزلت بدون ما يقاوم.
إيده ارتفعت ببطء … مسك إيد قيس.
- انت بخير ؟
قيس ابتسم بتعب:
- بخير حبيبي بخير ... كَالولي يون باسمك اله ثلاث ايام ...
ضحك أركان بخفة … أول ضحكة صدگ من أيام.
صوته خفت شوية:
- توة هاد كَلبي عليك ...
زياد ابتسم:
- اجاك يمشي على رجليه، هساعك صدكَت ما بيه شي ؟!
و اركان تأمل قيس يقول لزياد،
- هذا انت ما تعَرف معزتو بكَلبي ... انت جنت زِغير و اني زغير اخوتي مالي احد بعمري و هذا اكبركم ...
تمسك بإيد قيس و عيونه بعيونه يقول،
- جانت امك من عدها شغل تخليه وياي، مرة ورا مرة لمن صارت اذا تريدو اني ما انطيها ...
ابتسم قيس يقول،
- يعني امي بلتك بية ؟!
ضغط على إيده يقول،
- أحسن بلوة ابتليتها بحياتي ... ما اوفيها حكَها ...
زياد قال،
- امي تسلم عليك ...
رد له أركان،
- الله يسلمها و يعافيها ... سلّم عليها ...
الباب انفتح بهدوء خفيف …
ريّا دخلت خطوة …
وقفت أول شي يم الباب، كأنها ما حبت تقطع اللحظة.
أبوها … متمسك بإيد قيس، و عيونه بعيونه كأنه بعده يتأكد إنه صدگ واقف أمامه.
و تسمعه يقول إنه"أحسن بلوة ابتلاها بحياته"
ابتسمت بدون ما تحس … خطوة ورا خطوة … تقربت بهدوء، وقفت يم السرير من الجهة الثانية.
ما حچت …
بس نظرتها مرّت على قيس، لحظة قصيرة … و رجعت لأبوها.
زياد لمحها … و ابتسم بخفة:
- ريّا دحكي شلون صار زين بس لانّو اجالو قيس ..
و هي كملت له تنغز ابوها،
- ايي لاحظت ... صار لنا أيام ننتظره يتحسن و ما تحسن بشوفتنا ...
و التفتت على زياد،
- اذا عمي يتبناني خل اروح وياه و اخلي له الجو هو و قيس ...
و التفتت لأبوها بنظرة تأنيب،
- ترى اني بنتك مو هو ...
STORY CONTINUES BELOW

ضحكوا و مد لها إيده يقول بنبرة حب بس بكسرة تعب،
- انتي بنتي و امي و ام بيتي ... 
أخذ إيدها و رفعها يبوسها و يقول،
- الله لا يحرمني منچ …
و هي دنكَت تبوس إيده الي ماسكة بإيدها،
- ولا يحرمنا منك حبيبي ...
انفتح الباب مرة ثانية …
الدكتور دخل، و أول ما شافهم مجتمعين، ابتسم:
- واضح الزيارة اليوم غير.
زياد رد:
- دكتور هذا علاج نفسي … مو زيارة.
الدكتور ضحك بخفة، بس قرب مباشرة لأركان، و نبرته رجعت مهنية.
- نفحصك عادي بوجود الكل ؟!
ابتسم أركان يقول،
- كلهم ولدي دكتور ...
و الدكتور ابتسم،
- الله يحفظكم ...
بدأ يفحصه … بهدوء … يركّز على التفاصيل.
قيس ظل واقف … بس واضح عيونه عليه بكل حركة.
سأل بهدوء:
- شلونه دكتور … أحسن؟
الدكتور رفع نظره، و هز راسه بثقة:
- إي … واضح التحسن … أحسن من قبل بهواي.
تنفس أركان بارتياح خفيف …
قيس ابتسم، و قال بنبرة مازحة:
- يعني جبدي فاد بيه لو بعد؟
الدكتور ضحك:
- شكله فاد هواي.
قيس غمز:
- زين … كَلت لو ما فاده … حتى نردّه.
أركان ضحك …
بس فجأة لزم بطنه:
- هاا …
ريّا تحركت فوراً:
- لا تضحك بابا …
الدكتور رفع إيده:
- إي إي … لا تضحكوه هواي … بعده تعبان.
بس هو هم ضحك وياهم شوي …
بعدين رجع يركز على أركان … و نبرته صارت أهدأ:
- بس فعلاً … واضح التحسن مو بس من العلاج.
نظراته مرّت عليهم:
- وجودكم حواليه فارق … الله يحفظكم ...
سكتوا لحظة …
و أركان ناظرهم … و ابتسم بهدوء.
الدكتور تأمل قيس بنظرة و أشر له للباب،
- انت لازم ترتاح ... ما يصح توكَف هواية ...
هز راسه،
- شوي و ارد دكتور ...
و سأل:
- وين حجي سلمان عنكم؟
زياد رد:
- أخذ بريك و يجي ...
هز راسه:
- هسة بس يشوفه بهالحال يفرح ...
الجو هدأ …
بس مو نفس قبل.
هالمرة … بيه حياة.
بعد أيام …
الأيام بدأت تمشي أبطأ … بس أخف.
أركان … صار يجلس أكثر. مو لفترة طويلة … بس كافي حتى يحچي بدون ما يتعب بسرعة.
صوته بعده ضعيف … بس وضح أكثر.
و أهم شي … عيونه بطّلت تدور بضياع ...
صار يعرف: قيس موجود و بخير ...
أكله بعده محدد و صحي و ممنوع من أي أكل روتيني و عادي، مسلوق، بدون دهن، بدون بهارات، بدون صلصات و هواية ممنوعات ...
قيس …
كل يوم يتحسن شوية
أول يومين … كان بس يوقف.
بعدين … خطوة … ورا خطوة.
و زياد يمه دائماً،
- يواش …
- لا تستعجل …
و قيس يرد:
- خليني ارد اعتمد على روحي يول ...
يضحك … بس واضح التعب.
الروتين الجديد
صار عندهم روتين:
الصبح: فحص أركان
بعده: قيس يتمشى بالممر
الظهر: يجتمعون بالغرفة
العصر: واحد يرتاح … والثاني يراقب
ريّا …
كانت بين الاثنين.
مرة يم أبوها … مرة تراقب قيس من بعيد …
و بدون ما تحس … صارت تعرف خطواته من صوته.
مرّة…
قيس حاول يمشي بدون مساعدة.
خطوة … ثانية …
بعدين وقف فجأة.
ريّا كانت واقفة بعيد … تحركت خطوة بدون وعي:
- ديربالك …
رفع عيونه إلها …
و ابتسم:
- قابل جاهل يولي !!
سكتت لحظة … بعدين قالت بهدوء:
- لا … بس ما مجبور تستعجل ...
نظراته ثبتت عليها لحظة …
و لأول مرة … ما رد.

أركان
بالليل …
كان يصحى أحياناً ...
بس مو مثل قبل.
ما يسأل … بس يتأكد:
- قيس نام ؟ البنات بخير ؟
و لما يعرف إنه بالغرفة الثانية مرتاح … و إنه البنات بخير،
يهز راسه … و يرجع ينام.
بعد أسبوع
الأمور صارت أوضح.
أركان:
يستوعب أكثر
يحچي أطول
بس بعده يتعب بسرعة
قيس:
يمشي بشكل أفضل
يعتمد على نفسه أكثر
بس يحتاج أحد يمه احتياط
جالسين بالصالة كلهم ...
سلمان كان ساكت أكثر من العادة.
بعدين قال بهدوء:
- لازم ارد لاهلنا …
سكتوا.
و اعترض أركان،
- وين تريد ؟! بعدني مشتاكَ لك !!
تأمله سلمان بنظرة طويلة صامتة ثم رد،
- ارد اجي حبيبي، بس يم اهلنا الوضع تعبان ...
سكت ثواني و تابع،
- ناس رايحة رادة تتناني، و هذا عدنان استفرد بيهم بغيبتي ... لا اني ولا قيس هناك تا نردّه ...
نظراته راحت لقيس:
- و انت ...
قيس فهم قبل لا يكمل.
هز راسه:
- أظل هينا شوي بعد …
سلمان تنفس بارتياح خفيف:
- زين …
ريّا كانت ساكتة …
بس فهمت: مرحلة ثانية راح تبدي ...
يوم السفر…
الصبح كان أهدأ من كل الأيام اللي قبله …
بس هذا الهدوء … مو راحة كاملة.
كان بيه شي واقف بالنص …
مثل لحظة قبل الفراق.
باب الغرفة مفتوح نص فتحة …
و الهوا الخفيف داخل … يحرك ستائر الشباك بهدوء.
أركان كان جالس … مسنود،
تعبه بعده واضح …
بس مو مثل قبل.
عيونه كانت تراقب …
مو شي محدد …
كأنه ينتظر اللحظة بدون ما يريدها تجي.
الباب انفتح بهدوء …
سلمان دخل أول.
خطواته ثقيلة شوي … مو من التعب …
من الشعور.
وقف لحظة يم الباب …
يتأمل أخوه.
نفس المكان …
بس مو نفس الحالة.
قرب ببطء …
و بدون حچي …
مد إيده.
أركان رفع عيونه عليه …
و ابتسم.
ابتسامة هادية …
بس بيها شي يقول:
"وصلنا لهنا…"
سلمان دنكَ عليه …
حضنه بحذر …
كأنه خايف يأذيه.
إيده كانت ثابتة على ظهره …
بس الضغط خفيف …
و النفس اللي طلع منه …
كان أطول من مجرد حضن.
باس راسه يقول،
- دير بالك على روحك …
صوته طلع ناصي …
و بيه رجفة حاول يخفيها.
أركان رد …
بنفس الهدوء:
- روح انت … لا تخاف عليّ …
سكت لحظة …
و بعدين زاد، بصوت أخف:
- اني بخير … دامني شفتك ...
سلمان غمض عيونه لحظة،
كأنه يستوعب الجملة، و نظر له نظرة طويلة يقول،
- و اني جنت لاهف اشمك يول ... الحمد لله الي سلمك ...
بعدين بعد عنه شوية 
بس إيده بعدها على كتفه.
قيس كان واقف يم السرير …
يسند نفسه على الحافة بخفة.
عيونه بيناتهم …
و صامت.
سلمان التفت له …
و نظراتهم التقت.
ما احتاجوا كلام.
بس تقدم خطوة …
و وقف امامه.
- لا تتعب روحك يول، و عينك من عمك …
قالها بهدوء.
قيس ابتسم …
ملامحه تعبانة بس ثابتة،
- لا توصيني …
سكت لحظة …
بعدين أضاف بنبرة أهدأ:
- هذا مو غريب عليّ …
نظرة سلمان تغيّرت بشيء من الفخر.
مد إيده …
و حطها على كتف قيس …
ضغط خفيف …
أدري.
بس هاي "أدري"…
كانت مليانة أكثر من كلمة.

زياد دخل من وراهم …
شايل أغراضه،
و الجو حاول يخففه شوي:
- يلا تره لو ظلينا هيچ، الطيارة تخلينا و تمشي ...
ابتسموا بخفة …
بس الضحكة ما كانت كاملة.
زياد تقدم لأركان …
و دنكَ عليه شوية
- دير بالك علر روحك … و على اخوي ...
أركان ابتسم:
- انت دير بالك على أبوك ...
غمز لريّا وهو ينسحب:
- ديري بالج عليهم …
هي كانت واقفة شوية بعيد …
تراقبهم بهدوء.
ابتسمت بخفة:
- بعيوني ...
سلمان رجع نظره لأركان …
و هالمرة …
ما كان أكو كلام.
بس خطوة قريبة …
و إيده راحت لراسه …
مسح عليه ببطء …
مثل ما كان يسوي من زمان.
أركان غمض عيونه للحظة …
و سمح له.
هاي الحركة …
كسرت كل التماسك الباقي.
- روح سلمان لا تهد حيلي …
قالها أركان بهدوء.
مو لأنه يريدهم يروحون …
بس لأنه يعرف …
لو تأخروا أكثر …
الفراق يصير أصعب.
سلمان هز راسه …
دار ظهره …
خطوة …
و وقف.
رجع التفت له مرة أخيرة.
نظراتهم التقت …
و كل شي انقال بهاي النظرة.
طلعوا.
الباب انغلق وراهم بهدوء…
و الغرفة رجعت هادية.
أركان ظلت عينه للباب …
ثواني … يمكن أكثر.
بعدين نزل عيونه …
تنفّس ببطء.
قيس تحرك … تبعهم لبرا و لما طلعوا رجع له ...
قرب أكثر …
و جلس يمه.
بدون ما يحچي.
الصمت بينهم …
مو ثقيل.
بس بيه شي واضح:
صاروا أقل …
بس أقرب ...
أول ما انفتح الباب …
رهف ركضت:
- جدووو!
ارتمت بحضنه بقوة …
و هو نزل لمستواها، حضنها و باس راسها:
- شو جدو اليوم ؟!
صفنت تتأمله و تقوله،
- انت كبيير .. اني ما عندي جدو ... 
و سألها،
- و تريديني جدو ؟!
هزت راسها تقول،
- ريّا كَالت انت جدو ...
ضحك و رد،
- هاذ هو اذا ريّا تكَول، اني جدو ...
- وين رايح؟!
سكت لحظة …
و ابتسم بهدوء:
- عندي شغل لازم اروح ...
رهف عقدت حواجبها:
- لا تتأخر …
ضحك بخفة:
- حاضر تامر أمر رهوفة … ما أتأخر.
رغد كانت واقفة وراها …
تحاول تبين طبيعية …
بس عيونها تفضحها.
قربت خطوة:
- تروحون هسة؟
هز راسه:
- إي يابا.
مد إيده إلها …
و لما قربت، حضنها.
حضن هادي …
بس أطول من العادة.
- ديري بالج على روحج …
همسها بإذنها:
- و على أبوچ … و على اختج ...
هزت راسها و همست له بعيون مليانة دموع،
- راح اشتاق لك عمو ...
و هو ضمها لصدره يمسد على راسها و يوزع بوساته على شعرها يقول،
- و اني جن عايف روحي و راد بليّاها ... تعودت عليجن يا يابا ...
الطريق للمطار
ريّا كانت تسوق …
و الجو ساكت شوية. مشحون بحزن الوداع ...
النزول كان سريع …
بس الوداع … لا.
سلمان وقف أمام ريّا …
حط إيده على راسها:
- الله يحفظچ يا يابا …
بعدين بنبرة أهدأ كمل،
- ريّا يابا ما اوصيح على ابوج اني ...
ابتسمت له،
- بعيوني عمو ...
سكت و كمل،
- و قيس …
رفعت عيونها إله،
بانتباه.
كمل:
- هو زلمة … و كَد نفسو … بس هالفترة مريض.
نبرته صارت أوضح:
- خليه بعيونج … لا يتعب نفسو … تابعيه تراه راس يابس ...
ريّا هزت راسها فوراً:
- حاضر عمو … لا توصّي.
ابتسم لها:
- أدري بيچ.
زياد ودّعهم بخفة أكثر …
بس هو هم، نظرته طولت عليها ...

طلعوا ...
و هالمرة …
ريّا ظلت واقفة …
عيونها وراهم …
لحد ما اختفوا.
رجعت للبيت …
الهدوء كان مختلف.
مو نفس قبل.
دخلت …
رغد و رهف بدواماتهم ... هي راجعة كانت من دوام الشفت الليلي قبل خروجهم للمطار ...
سمعت صوت خفيف من الغرفة.
قيس.
دخلت بهدوء …
كان جالس …
مسنود،
واضح تعبان شوية.
إيده على جبينه …
قربت خطوة:
- دايخ؟
رفع عيونه إلها:
- شوي … مو شي.
سكتت لحظة …
بعدين قالت بهدوء:
- اصبر.
طلعت بسرعة …
رجعت بكاس مي و حبة المسكن.
قربت له:
- أخذ هذا.
تردد:
- لا عادي …
رفعت حاجبها:
- لا عادي شنو؟ أخذ.
أخذها ... يتمتم،
- تالي عمري اصير ابلع مسكنات اكثر من ريّا ...
ردت له،
- اي شتسوي هذا نصيبك !!
و شرب مبتسم،
سكتوا لحظة.
بعدين قال بهدوء:
- شكراً يابا ...
ريّا ردت بدون تردد:
- أبوك وصاني عليك.
سكون.
قيس رفع عيونه إلها …
نظرة مختلفة.
مو زعل …
بس شي أقرب للاستغراب …
و شوية كرامة مجروحة.
- وصّاج عليّ؟
قالها بنبرة خفيفة …
بس بيها معنى واضح.
كأنو: "انا مو محتاج أحد يوصّي عليّ"
ريّا شافته …
و فهمت.
بدون ما يقول أكثر.
تقدمت خطوة …
وقفت أمامه …
و نبرتها هادئة … بس ثابتة:
- لا تكابر.
سكت …
عيونه عليها.
كملت:
- انت رجال … و محد يشك بهالشي.
وقفت لحظة …
و خففت نبرتها:
- بس انت مريض هسة.
إيده كانت بعدها على الطاولة …
حركت نظرها عليها …
و رجعت له:
- و اني دكتورة.
سكون لحظة …
كلامها اجى بمكانه.
مو تقليل …
تنظيم.
نزل عيونه شوية …
و تنفس بهدوء.
بعدين رجع رفعها:
- زين دكتورة …
ابتسمت بخفة:
- زين مريضنا …
رجعت خطوة:
- تحتاج شي ثاني؟
هز راسه:
- لا.
بس قبل لا تطلع …
قال بهدوء:
- ريّا.
التفتت له.
نفس النظرة …
بس أهدأ:
- شكراً … مرة الاخرى ...
ابتسمت بخفة:
- ماعرف على شنو، بس عفواً.
و طلعت.
و هو …
بقى مكانه.
بس هالمرة …
إسلوبها دوخه !!!
مرّت اسبوعين …
و كأن الأيام كانت تمشي على مهل …
تتأكد من كل خطوة … قبل ما تسمح للي بعدها تجي.
قيس …
ما رجع فجأة.
رجع …
شوي شوي.
اكتمل تحسنه و صارت حركته و نشاطه أكثر حيوية و معتمد على نفسه بالكامل ...
واقف و يتحرك بخفة بالغرفة ...
ريّا كانت واقفة يم الباب …
من غير ما يحس.
تراقب.
مو بعين الدكتورة بس …
بعين وحدة … مرت بكل لحظة من ضعفه.
و هسة …
تشوفه واقف.
قوي.
مثل ما كان …
يمكن أكثر.
- شكلك ما تحتاجني بعد.
قالتها بخفة.
التفت لها …
و ابتسم:
- لا مسؤولياتج ما اخلصت ... مو ابوي وصّاج عليّ ؟!
سكت لحظة …
و أضاف بهدوء:
- كملي للاخر ...
نظرتها ثبتت عليه لحظة …
بعدين رجعت لطبيعتها:
- شنو بعد ؟! 
- شعرفني اني زلمة مريض ...
قلّصت عيونها تتأمل كلامه و سألته،
- بالله شتكَول لعمي اذا رحت ؟! 
و رد بصدق،
- ريتني كل يوم مريض تا تداروني هالشكل ...
رفعت حواجبها باستغراب،
- هسة ترجع لعائلتك و هناك يهتمون بيك احسن ...
و تركته و مشت ....

بالمساء …
البيت هادي.
ريّا نازلة من الدرج …
و قبل لا تدخل للصالة …
سمعت صوته.
قيس.
جالس ويا أبوها.
- أركان … اني لازم ارد.
صوته هادي …
بس واضح القرار.
أركان سأله بهدوء:
- مستعجل؟
- مو مستعجل … بس تأخرت جثير.
سكت لحظة …
و كمل بنبرة أخف:
- شغلي … و المستشفى … و مرضاي يتنوني.
أخذ نفس و أردف،
- و هباوي … طاكَ كَلبي عليها … ما معلّم أبعد عنها كل هالمدة.
ريّا توقفت مكانها.
خطوة وحدة …
و وقفت.
اسم "هباوي"…
وقع بهدوء …
بس واضح.
شي بسيط انقبض داخلها …
هو ليش ما يجيب غير سيرة بنته ؟! و شنو سر التعلق هذا بيها !!
سكون خفيف مرّ …
بعدين قيس مال شوي للأمام …
نبرة صوته تغيّرت …
مو أعلى …
بس أثقل.
و أكو شغلة …
أركان رفع عيونه إله.
قيس كمل … ببطء محسوب:
- رايح هالفترة … و يمكن أتأخر لانو الشغل تراكم عليّ.
سكت لحظة …
و بعدها قال الجملة الغامضة لها،
- بس أريد اردّ … و اسمع خبر عن طلبي القديم.
سكون.
الجملة نزلت بثقلها.
أركان ما جاوب فوراً …
بس عيونه ثبتت عليه.
فاهم.
فاهم أكثر من الكلام شي هي ما فاهمته ...
قيس ما فسر …
ولا وضّح.
بس أضاف بهدوء:
- ما مستعجل … بس ما ناسي.
نظرة مباشرة …
واضحة …
بدون تحدي …
بس بيها موقف.
أركان تنفّس ببطء …
و أول مرة …
ابتسم ابتسامة خفيفة مختلفة.
مو مزاح …
ولا تهرّب.
- طلبك …
سكت لحظة …
و كمل:
- اني ما نسيته.
نظراتهم تلاقت …
و هالمرة …
الكلام كان أقل من الفهم.
أركان أضاف بهدوء:
- بس تعَرف … مو كل شي ينطلب … ينّطى بساع.
قيس هز راسه:
- أدري.
سكت …
و بعدها قال:
- و لو اكو سبب للرفض كَول كَبل لاروح، تا ارتب وضعي و ارضيكم بإذن الله ... 
أخذ نفس و ركز عينه بعينه يقول بثقة،
- عمي اني شاري ...
أركان تأمل عيونه و الإصرار الي بيها و رد،
- و النعم منك ...
صفنت بحديثهم الي سمعته بدون قصد ... و احتارت بكمية الغموض الي تحيطه !! شنو السر الكبير الي بينهم ؟!
نزلت عيونها لحظة …
و رجعت رفعتها.
عدلت نفسها …
و دخلت.
كأنها ما سمعت شي.
- شلونكم؟
ابتسمت.
قيس التفت لها …
نفس النظرة …
بس أقصر هالمرة.
.
و اجتهم العاصفة رهف
ركضت له:
- عمووو ...
انحنى لها بسهولة هالمرة …
بدون تعب.
شالها …
و افتر بيها فرة خفيفة.
- ها رهوفة … شناسية اليوم ؟!
ضحكت و حضنت رقبته تبوس خده بوساات هواية ...
و سألته،
- عمو تظل يمنا ؟!
و هو يهمس لها،
- اروح و ارد ...
- لااا لا تروح.
وقف الحركة …
و نزلها بهدوء.
كَعد أمامها:
- لازم أروح شوي.
- لا.
قالتها بعناد طفولي.
ابتسم …
و عض خدها:
- أرد لج … وعد.
سكتت لحظة …
تفكر …
بعدين سألت:
- شوكت تروح ؟!
نزل لمستواها أكثر:
قريب.
ريّا كانت تراقبهم …
ابتسامتها خفيفة …
بس عيونها …
مو بنفس الخفة.
و هو ملتهي وية الصغيرة يكلمها عن هبة و يبدو إنه معرفهم و تعرف عنها هواية منه ...
تستمر القصة أدناه

الصبح كان هادئ مثل الأيام المضت …
كَاعدين كلهم …
بس بيه هدوء غريب.
قيس واقف يم الباب …
لابس، جاهز …
و الجنطة يمه.
أركان طالع من غرفته …
خطواته أبطأ من قبل …
بس ثابت.
وقف أمامه …
يلا … نمشي.
قيس رفع عيونه عليه …
و فوراً هز راسه:
- وين تريد ؟! بيك حيل الدرب ؟!
أركان لوّح بيده كأنه الموضوع بسيط:
- ما بية شي يول ...
قيس تقرب خطوة …
نبرته هادية … بس بيها حرص واضح:
- لا تتعب روحك … توك متعافي و الكَعدة الطويلة تتعبك ...
أركان ابتسم بخفة:
- تعافيت تاوصلك ...
سكون خفيف مرّ بينهم …
قيس زفر أنفاسه …
و قال بهدوء محسوب:
- عمي … دكَولها بصراحة ...
أركان رفع عينه:
- شني ولك ؟!
قيس ثبت نظره عليه:
- إذا ما تثق بية … أكَدر اروح لوحدي ما لازم تطلع … ولا حتى ريّا تطلع وياي.
الجملة طلعت بهدوء …
بس معناها واضح.
أركان سكت لحظة …
بعدين أخذ نفس و ابتسم ابتسامة خفيفة … بيها شوية عتب:
- هالشكل شايف تفكيري تعبان ؟!
قيس ما جاوب …
بس نظرته قالت كلشي.
أركان قرب خطوة …
نبرته صارت أهدأ … أعمق:
- لو ما أثق بيك …
جان ما خليتك جوا سكَف بيتي أكثر من شهر.
سكت لحظة …
و كمل و عينه بعينه:
- و ادري بيك … رايد بنتي.
سكون.
قيس ما انصدم …
بس نزل عيونه لحظة …
و رجع رفعها بثبات:
- واضح.
أركان هز راسه:
- واضح من زمان.
بعدين تنهد بخفة:
- بس ترى الموضوع مو بهالشكل.
قيس سأل بهدوء:
- شلون؟
أركان ابتسم …
و جلس على الكرسي القريب:
- مو اني الاركض بوراكم خاف تحجون و خاف تدحكَون قيس !! ولا أخاف تكَعدون سوا. هل الكم فوكَ الشهر سوا، و مو كل شي صار جدّام عيني ...
رفع عيونه إله:
- انتو مو جهال.
قيس وقف يسمع باهتمام.
أركان كمل:
- إذا رايدها … هذيج هي بنت عمك.
سكت لحظة …
- روح حاجيها ...
قيس تنفّس ببطء …
أركان أضاف بهدوء ناضج:
- انت عقلك براسك … و هي عقلها براسها.
رفع حاجبه بخفة:
- وين عايش اني … حتى أفكر حجيتوا لو لا؟
قيس ابتسم …
و رد يتأمله شلون أنفاسه متسارعة، و تعب،
- دحكَ شلون تعبت !!  
و أركان رد مستسلم،
- يول والله هذا الحيل خان بيّة ...
- لا تكابر اركان، انت زلمة وضعك لسّا ما استقر ... ارتاح و رد لحيلك و اني راد لك ما ابطي جثير ...
استسلم للأمر الواقع و التفتوا لريّا الي نزلت من الدرج مبدلة ملابسها و مستعدة ...
تقول لهم بمزاح خفيف،
- السايق جاهز ...
ابتسموا لطلتها هذه .. ودّعوا بعض ...
و ريّا انطلقت بيه للمطار  ...
السيارة تمشي بهدوء …
الشارع شبه فارغ …
و الصوت الوحيد هو خفة إطارات السيارة على الطريق.
داخلها …
سكون.
مو ثقيل …
بس مليان أشياء ما تنحچي.
قيس كانت عينه للأمام …
ساكت.
ريّا مركزة على الطريق …
بعد كم دقيقة …
التفت لها فجأة:
- بعده عندج صداع ؟!
السؤال طلع بهدوء …
بس مو عابر.
تفاجأت شوية …
بس جاوبت:
- شوية … يروح و يجي.
قيس عقد حواجبه خفيف:
- يمتى اخر مرة ؟!
- البارحة.
سكت لحظة …
بعدين قال بنبرة أوضح:
- مو زين هالشكل.
ابتسمت بخفة … تحاول تخفف الموضوع،
- عادي.
رد فوراً:
- لا مو عادي.
نظرت له …
كمل بهدوء … بس بنبرة جدية:
- تعب جم يوم لو صداع يوم يومين مفهوم، 
بس إذا طول … لازم ينفهم ليش.

لحظة سكون ...
ريّا خففت سرعتها شوية …
مو لأنها تحتاج …
بس لأنها بدأت تفكر.
قيس قال:
- افحصي.
- إن شاء الله.
التفت لها … نظرة مباشرة:
- لا تأجلين السالفة ريّا ...
رفعت حاجبها:
- حاضر دكتور.
ابتسم بخفة،
- مو دكتور يولي،
و رد بهدوء،
- ابن عمج و رايد مصلحتج ...
سكون.
الجملة وقعت …
و استقرت.
رجع نظره للطريق …
و كأنه اكتفى.
بعد شوية…
قيس قال:
- تعبناج ويانا ...
ردت:
- عادي، اهم شي سلامتكم ...
سكتت لحظات ثم أردفت،
- مرينا بأصعب ظروف، وكَفتك هذه ما أنساها أبد.
و انّبها بهدوء،
- ريّا لا نعيد الحجي بهالسالفة يابا، أزمة و عدت ان شاء الله و ردّينا اقوى ...
المطار بيّن من بعيد …
الطريق قصر فجأة.
ريّا سألت:
- تجينا بعد ؟!
سكت لحظة …
- كَريّب ان شاء الله.
بعدين أضاف:
- بس اخلص شغلي.
وقفت السيارة …
قيس فك الحزام …
بس ما نزل مباشرة.
نظر لها …
نظرة هادئة …
واضحة.
قال:
- ديري بالج على روحج.
ابتسمت:
- انت هم.
سكت لحظة …
بعدين كمل … بنبرة أخف بس أوضح:
- و … لا تهملين الصداع.
هزت راسها:
- حاضر.
وقف لحظة …
و بعدها قال الجملة بهدوء، كأنها وصية:
- إذا تحتاجين مني أي شي … لا تترددين.
سكون لحظة عم بينهم …
- أرقامي عند أبوج.
نظرتها ثبتت عليه …
كمل:
- و اني حاضر بأي وكت.
ما كان بيها مبالغة …
ولا استعطاف …
بس وضوح رجل يعرف حدوده … و نيّته.
ريّا ابتسمت …
بس هالمرة ابتسامة أهدأ:
- شكراً.
هز راسه بخفة …
فتح الباب …
نزل.
مشى خطوتين…
و رجع وقف.
التفت عليها …
نظرة قصيرة … و ابتسامة صغيرة ...
بس كافية.
هي ثبتت نظرها عليه …
و بدون كلام …
انفهم شي بينهم …
مو واضح بالكامل …
بس موجود.
هو هز راسه …
و مشى.
ريّا ظلت بمكانها …
إيدها على الستيرن.
رفعت إيدها …
و لمست جبينها …
هالمرة …
تذكرت كلامه.
و همست بهدوء:
- لازم ...
شغلت السيارة …
و مشت.
بس هالمرة …
مو بس راجعة للبيت …
راجعة وياها شي منه.
البيت رجع ساكن …
بس مو نفس السكون اللي كان قبل.
هذا سكون …
بيه بقايا أصوات.
ريّا دخلت …
حطت مفاتيحها …
نظرتها مرّت على الصالة …
نفس المكان …
نفس الأثاث …
بس إحساسه مختلف.
مرّت من جنب غرفة أبوها اللي كان قيس يشاركه بيها…
وقفت لحظة.
بدون سبب واضح.
بس …
كأن المكان بعده يحتفظ بشي.
سألها ابوها،
- ها يابا وصلتيه ؟!
- اي بابا ...
تنهد يقول،
- يصل بالسلامة ان شاء الله، روحي ريحي يابا.
رهف ...
رهف أول وحدة حسّت بالفرق.
ثاني يوم …
ركضت للغرفة على أبوها،
عيونها تدور بالغرفة  ...
و سألت:
- بابا … وين عمو؟
- راح حبيبتي.
سكتت لحظة …
بعدين قالت:
- هسة يرجع ؟
ما جاها جواب واضح.
من ذاك اليوم…
صارت كل ما تشوف التلفون تسأل ابوها،
- تحجي وية عمو ؟! انطيني ...
و تسولف وياه سوالف عجّبتهم، رهف بطبيعتها هادئة و دلوعة، تسولف، بس قيس سحرها بإسلوبه و خلى لسانها ينطلق  ... لا و بعد تدور عليه ... كل ظنهم إنه بس يروح تنساه ...
مرت فترة و رجعت شوية طبيعية، ما تظل تسأل عنه، بس تتذكره.

رغد 
رغد تغيّرت …
بس بطريقة ما تنحچي.
صارت أهدأ.
أقل تعليق.
أكثر مراقبة.
مرات تشوف ريّا …
واقفـة …
سرحانة …
تلمس جبينها.
تفهم تعبها صارت أكثر،
بس ما تسأل.
تكتفي تقول:
- عندچ دوام باچر؟
و تمشي.
ريّا
ريّا رجعت لحياتها …
الدوام …
المواعيد …
المرضى …
كلشي طبيعي.
بس مو هي نفسها.
أشياء صغيرة تغيّرت:
إذا جاها صداع …
ما تتجاهله فوراً
تقعد لحظة …
تحط إيدها على جبينها …
و بدون ما تحس …
تتذكر صوته:
" افحصي " لا تأجلين"
و هي متجاهلة الموضوع، ما سوت فحص تعرف منه السبب، و الي خلاها تأجل اكثر انه هذه الفترة خف صداعه، يجيها مرات و مرات ...
أركان …
هدأ أكثر.
يجلس لوحده …
وقت أطول.
أول فترة مرات بالغلط ينادي:
- قيس …
و يسكت.
يتذكر.
بس مو حزين.
بيه ارتياح.
لأنه شاف …
مو بس زاروه …
شافهم رجال وقفوا بظهره بالأزمة.
مرات يسأل:
- شو ما خابر هذا اليوم !!
و يتصل عليه هو يسأل عنهم ...
الاتصالات
بالبداية …
كل يوم.
فيديو …
ضحك …
رهف تعيط:
- عمو شوف لولو!
قيس يضحك …
يحچي …
يسأل عن الكل.
بعدين …
يوم بعد يوم.
بعدين …
حسب الفراغ.
بس …
كل اتصال …
يرجع نفس الإحساس.
قيس دائماً يسأل:
- عمي شلونه؟
- البيت شلون؟
- البنات زينات؟
و…
اسم ريّا …
ما جابه أبداً ... بس يسأل عن البنات ...
الدنيا ليل.
البيت هادئ.
ريّا بغرفتها …
الضوء خفيف.
جالسة على السرير …
و الصداع رجع.
مو قوي …
بس موجود.
رفعت إيدها …
لمست جبينها.
غمضت عيونها لحظة …
و جا صوت ببالهـا:
“افحصي”
فتحت عيونها.
مدّت إيدها أخذت موبايلها، و رغم انها دكتورة دخلت تسوي بحث عن أسباب الصداع هذه ... طبيعته، و ليش يتكرر ؟! و ما تعرف ليش مترددة و خايفة تسوي فحص ... من شنو خايفة ؟ ما تدري !!
بس تعرف انه ما تريد يطلع شي سيء و البيت يدخل بنوبة مرض ثانية ...
مرّت الأيام …
و أركان … رجع.
مو مثل قبل تماماً ...
بس أقرب شي إله.
يروح و يرجع …
يجلس بالصالة …
يشرب چايه بالمكان اللي يحبّه …
حتى صوته … رجع بيه ذاك الثقل الطبيعي.
مرات ينادي:
- ريّا … جيبيلي الدوا.
مو لأنه ما يكدر يكَوم …
بس لأنه يحب يحس إنهم حواليه.
بعد ثلاث شهور …
شي بسيط بدأ.
أركان صار يتعب بسرعة.
مرة …
وهو كَاعد يشرب چايه …
حط الاستكان فجأة.
إيده رجف خفيف.
ريّا انتبهت:
- بابا شبيك ؟!
- عادي … يمكن دوخة.
قاست ضغطه.
رقم عالي.
مرّة ثانية …
أعلى.
الأيام اللي بعدها …
صار البيت يرجع لحالة ترقّب.
الأدوية موجودة …
المتابعة موجودة …
بس الضغط …
ما ينزل.
أركان يحاول يطمنهم:
- عادي … تصير.
بس صوته …
ما كان مقنع حتى لنفسه.
بليلة كانت هادئة …
أكثر من اللازم.
ريّا كانت بغرفتها …
و فجأة …
صوت شي وكَع على الأرص.
قوي.
قلبها وكَع،
ركضت لجوا تشوف و صرخت،
- باباا ...
شافته …
على الأرض واكَع، و الطبلة واكَعة بجانبه ...
جسمه ثقيل …
نفسه مو منتظم …
و عينه … ما واعية.
- بابااا!! تسمعني؟!
ماكو رد.

كلشي صار بسرعة … رغد نزلت تركض على صوتها،
صوتها:
- رغد! اتصلي بالإسعاف!
رهف بدت تبچي بدون ما تفهم.
ريّا …
إيدها ترجف …
بس عقلها مشتغل.
تقيس …
تصرخ …
توجّه …
بس داخلها …
شي كان ينهار.
بعد ما طلعوا بالإسعاف …
حاولوا يسعفوه بس ماكو استجابة منه ...
وصلوا للمستشفى، تلقفوه بالطوارئ، 
تجمعوا عليه،
الدكاترة …
الحركة …
الانتظار …
و بعدين …
الكلمة اللي محد يريد يسمعها
" جلطة ... دخل بغيبوبة "
ريّا
واقفة.
أمام الباب.
ما تبچي.
بس عيونها …
فارغة.
نفس المكان …
نفس الإحساس …
بس هالمرة …
أثقل.
موبايله بإيدها.
فتحته.
وقفت لحظة.
بعدين …
بدون تفكير …
فتحت اسم: قيس
اتصلت.
رد بسرعة.
- ها أركان ...
و صوته تغير أول ما سمع نفسها.
هي ما قدرت تمسك نفسها:
- قيس … بابا …
سكتت …
نفسها انكسر.
- صارت بيه جلطة …
سكون.
ثواني …
بس ثقيلة.
صوته رجع …
هادئ … بس حازم:
- وينكم هسة؟
- بالمستشفى …
- لا تخافين … اني جاي.
همست له بضعف،
- اني خايفة ...
و رد بسرعة يطمنها،
- لا ريّا لاا، انتي قوية ... اكَفي لحيلج لمن ما أصلكم ...
سكت كأنه يفكر و سأل،
- وينه هو، صاحي ؟!
و نزلت دموعها تهمس،
- بغيبوبة ...
و هو يردد،
- لا إله إلا الله ...
رجف صوتها وية دموعها تتمتم،
- اني ضايعة ... الله يخليك تعال ...
- جاي والله جاي. 
سكت شوية و أردف،
- ريّا صوتج هذا ما يطمن، اكَفي لحيلج تاشوف دربي ...
ما قال “إن شاء الله”
ما قال “أشوف”
قال: جاي.
✈️ قيس
بمجرد ما غلق الخط …
ما انتظر.
رتب سفره.
و بلغ أبوه، بطريقة مناسبة، حتى لا ينجلط هو الثاني ...
ثاني يوم بنفس الوقت ...
قيس وصل.
دخل المستشفى …
نفس الممر …
نفس الريحة …
بس هالمرة …
هو مو المريض.
شاف ريّا …
واقفة.
نفس المكان.
نفس الوقفة.
قرب.
وقف أمامها.
ما قال شي بالبداية.
هي رفعت عيونها …
أول ما شافته …
انكسرت.
مو بصراخ …
بس دمعة نزلت من عيونها …
بهدوء.
قال بهدوء:
- اشش لا تبجين، لا تبجين ...
طبطب على كتفها بعفوية،
- اني هين لا تخافين ...
سألته باستسلام لقيادته الآن،
- شنسوي ؟!
و هو أشار بأصابعه لصدره،
- انتي اخذي نفس، كَولي يا ألله، و الي كاتبه الله يصير !! 
ظل يسأل و يستفسر من الأطباء عن حالته ... الطبيب المشرف على زراعة الكبد أكد لهم بتقارير طبية انه العملية نجحت و كبده استشفى80% ... الكبد ما بيه مشكلة ... المشكلة بضغط الدم ضربت قلبه بسرعة قياسية ...
يومين مرت و وضعه ما تحسن، يسوء يوم عن يوم ...
قيس طلع برّه.
اتصل.
- يابا ... أركان وضعو مو خوش ...
- ما تحسن ؟! شني السالفة قيس ؟!
سكت شوية و رد،
- ما يستجيب لأي محفزات، غيبوبة من يوم الوكَع لليوم ...
سلمان فز قلبه للوضع، مشغول بشغل مهم كان و ظن الموضوع أبسط، لما تطور الوضع قال،
- اليوم اخلي زياد يحجز لنا ...
سكت و رجع سأله،
- البنيّات شلونهن ؟! 
و قيس رد له بصدق،
- باسوأ حال، حت ريّا ما غير تبجي و مستسلمة فرد نوبة ...
ظل يردد،
- لا إله الا الله ... 
و قالّه،
- الله يكَومه الهن سالم ... انت وضع عمك مو بايدك، بس البنيّات عينك لا تفارجهن يابا ... اني و الكاتبه الله يصير ...

يومين مرت ...
كان الليل ثقيل …
أثقل من كل الليالي اللي مرّت على ريّا بحياتها.
صوت الأجهزة بالعناية المركزة كان منتظم …
لكن قلبها هي … مو منتظم أبداً.
وقفت يم السرير.
تنظر لأبوها.
أركان …
وجهه شاحب …
أنفاسه متقطعة …
و جهاز الأوكسجين يغطي نصف ملامحه.
قبل أيام فقط …
كان يتكلم وياها.
و الآن …
جسد ساكن … يحارب بصمت.
إيدها كانت تمسك بإيده.
باردة … لكنها ماسكتها بقوة، كأنها تخاف تضيعه إذا تركته.
الباب انفتح.
التفتت.
دخل سلمان …
و خلفه زياد.
وجوههم متعبة من السفر …
لكن القلق كان أوضح من التعب.
سلمان ما تكلم.
بس تقدّم بسرعة.
وقف يم السرير …
و نظر لأخوه.
لحظة صمت طويلة.
ثم همس بصوت مكسور لأول مرة: 
-أركان …
ماكو رد.
قلب ريّا انقبض.
- عمو … بعده ما وعى.
سلمان مد إيده … و سحبها لحضنه ... صار لها أيام لا ليلها ليل ولا نهارها نهار و هسة اجاها الحضن الحنون، ربّت على ظهرها يتمتم،
- لا تبجين يا يابا، لا تبجيين ... بإذن الله يكَوم لحيلو ...
و هي تشهكَ بحضنته و تتمتم،
- عمو أحس بابا تعب كلش ... يريد يعوفنا ...
- لا حبيبتي لاا، اذكري الله ... ابوج قوي، و انتي كَدها ... 
و هي بعدت راسها عن حضنه و دموعها تنزل بغزارة على وجهها و تتمتم،
- لالااا ... اني مو قوية ... اني اريد ابوية ...
رجعها لحضنه يربت على ظهرها بدون كلام، دقايق مرت و ابتعدت عن حضنه، وجهها أهدأ، بس ملامحها منهارة ...
التفت سلمان لأخوه ... لمس جتفه يقول،
- أركاان ... كَوم يول حلتلك النومة !!
ثواني …
و ببطء …
تحركت جفون أركان.
ريّا شهكَت: 
- بابا …!
فتح عيونه بصعوبة.
نظر …
مو واضح بالبداية …
ثم استقرت عيونه على سلمان.
لحظة …
و كأن السنين كلها رجعت بهاللحظة.
صوته طلع ضعيف جداً: 
- جيت…؟
سلمان ابتسم رغم دموعه: 
- جيت … وين أروح و انت بهالحال؟
حاول أركان يبتسم …
بس ما قدر.
عيونه تحركت …
وقعت على ريّا.
- ريّا …
قربت منه فوراً: 
- حبيبي بابا … اني هنا.
مد إيده بضعف …
وهي مسكتها بسرعة.
ضغط خفيف …
كأنه كل قوته بهالضغطة.
- لا تخافين …
دموعها نزلت فوراً: 
- ما أخاف … اذا انت زين … انت راح تكَوم.
هز راسه بخفة …
كأنه يعرف.
ثم التفت لسلمان.
نظرة طويلة …
بيها شيء من النهاية.
- سلمان …
- همم.
- البنيّات …
صوته انكسر.
سلمان قرب أكثر: 
- لا توصّي … هن بناتي حبيبي ...
تنفس أركان بصعوبة …
ثم حرك عيونه …
يدور على قيس.
كان واقف شوية ورا … ساكت.
من أول ما دخل … و هو ما اقترب.
كأنه يعرف …
إن هذي لحظة مو إله.
لكن أركان شافه.
- قيس …
تقرب فوراً.
وقف يمه.
- ها عمي …
رفع أركان عيونه إله …
نظرة مختلفة هذه المرة.
مو نظرة مريض …
ولا عم …
نظرة رجل … يسلّم أمانة.
- دير بالك عليهن …
قيس بلع ريقه بصعوبة: 
- حاضر.
- و … ريّا …
هنا …
قلب ريّا وقف لحظة.
التفتت لأبوها.
أركان أخذ نفس بصعوبة…
ثم قال ببطء: 
- هذا الزلمة … طلبج مني …
ريّا تجمّدت.
الدموع توقفت لحظة من الصدمة. صدمة الموقف ... و صدمة هذا الخبر ... هو يوصي ؟! ليش يوصي ؟!
نظرت لقيس بسرعة …
و قلبها خفق بعنف.
- و اني …
كمل أركان بصوت متقطع: 
- وافقت …
سلمان علّق عيونه بيه …
كان يعرف.
بس هذه أول مرة تنقال بالعلن.
-  إذا انتي …
نظر لها مباشرة … بكل ما تبقى من وعيه: 
- إذا انتي موافقة …
صوته كاد يختفي: 
-  أموت … و اني مرتاح …
دموعها انفجرت.
- بابا لا تحچي هيج … لاا …
قربت وجهها من إيده … تبوسها و هي تبجي: 
-  انت ما راح تروح … لا تخليني … بابا لا تعوفني احتاجك ...
سحب نفسه بصعوبة …
ثم همس: 
- اسمعي كلام عمج … و قيس …
سكت لحظة …
- لا تظلين لوحّدج …
كلمة “وحدج”…
كسرت كل شيء بداخلها.
هزت راسها بسرعة و هي تبجي: 
-  ما أبقى … بس انت لا تعوفنا …
ابتسم ابتسامة خفيفة جداً …
كأنه يطمنها.
ثم عيونه رجعت لسلمان.
نظرة أخيرة …
طويلة …
بيها وداع.
سلمان ضغط على إيده بقوة: 
- أركان … لاا … بعد وكت حبيبي …
و أركان لفظ أنفاسه الأخيرة ينطق بصعوبة،
- أمانتك ...
و خط الجهاز تغيّر.
الصوت المنتظم …
صار حاد.
- دكتور!!
صوت ريّا ارتفع وهي تبجي.
الممرضين دخلوا بسرعة.
سحبوهم للخلف.
لكن هي ما قدرت تترك إيده.
- باباااا …
صوتها انكسر …
أكثر من أي مرة بحياتها.
سلمان سحبها بقوة لحضنه.
ضمها لصدره و هي منهارة.
- بس … بس يابا … بس …
لكنها كانت تبكي بشكل ما يتسيطر عليه ...
زياد وقف مكانه …
مصدوم … عيونه تدمع بصمت.
و قيس …
وقف بعيد خطوة.
ما اقترب.
بس عيونه …
ما فارقت السرير.
واقف بثبات …
لكن داخله …
كان ينهار بصمت.
خارج الغرفة …
الصوت خف.
الضوء أبيض بارد.
و ريّا …
كانت بحضن عمها.
تبجي …
بكاء طفل فقد كل شيء.
و بداخلها …
آخر جملة من أبوها تتكرر:
“إذا انتي موافقة… أموت واني مرتاح…”
و من هاللحظة…
حياتها انقسمت نصين:
قبل …
و بعد ...

تعليقات