رواية اشباح المخابرات الفصل السادس 6 بقلم اية محمد رفعت


 رواية اشباح المخابرات الفصل السادس 

وقف أمام المرآة يتأمل وجهه الذي تحيطه الكدمات التي تركها "كِنان" تذكارا له، امتلأت عينيه بالبغضاء والحقد تجاهه، فارتدى النظارات السوداء وهو يهمس بكره: 
_ماشي يا كِنان،  القلم هيتردلك عشرة حقي مبيبردش! 

أغلق زر جاكيته الاسود، واستدار ليغادر الجناح، رمق بازدراء  "رحيق" الجالسة على الفراش بتعبٍ، قد نقل لوجهها اصفرارا ملحوظا، وهتف بنزقٍ: 
_أنا لو كنت إتجوزت واحدة من اللي مرافقهم كان أفضل من إني أتصبح بوشك المقرف ده كل يوم،  مش عارف أنا مستحملك على إيه؟! 

رفعت وجهها بصعوبة إليه، حاربت الدوار العنيف الذي يهاجمها، ورددت: 
_يا ريت تخلص نفسك وتخلصني من العذاب ده،  طلقني وإنهي حياتك وحياتي المقرفة دي. 

نبع عنه ابتسامة شيطانية، واذ به يتجه إليها، تحركت "رحيق" من محلها خوفًا منه، وخاصة حينما جلس جوارها، نزع نظاراته وتمعن بها بنظرة لفحها منه الشر: 
_لو عايز أعمل كده إيه اللي كان مصبرني عليكي كل ده!!  إنتِ كارت رابح بالنسبالي، وأكيد جايلك وقتك، والوقت ده مش بعيد.

طالعته بعدم فهم،فتابع بما يخطط له:
_حبيب القلب راجع راجع، مش هسمحله يبعد عن البيت ده أكتر من كده،  فلما يرجع عايز أتشفي بيه وهو شايفنا أسعد زوجين في العالم كله.

وزم شفتيه وهو يتمعن بوجهها وجسدها بسخط:
_بس أكيد وقتها هحتاج أعملك عملية تجميل،  أو أشوف حد يعيد تأهيلك من تاني عشان ترجعي أنثى. 

قالها وعاد يرتدي نظاراته ثم نهض يغادر الغرفة، بعدما سدد لها أكثر من سهمٍ اخترق منتصف قلبها، ضمت "رحيق" ركبتيها بضعفٍ، ودموعها تتساقط دون توقف. 
                             ******
طرق على باب الغرفة للمرة الخامسة، وهو يعلم رفضها الصريح لرؤيته، ومع ذلك لم ينصَع لرغبتها، فمال على الباب يهاتفها: 
_رزان لو مفتحتيش الباب هكسره، وخلي اللي في القصر يتلموا علينا بما فيهم  هارون! 

مجرد سماع إسم أخيها اللعين، جعلها تهرول لتحرر الباب خوفًا من أن يعلم بما تفعله، انتابه حزن ومرارة مست حلقه من نظرات الذعر التي تحيط زُرقة عينيها. 

انسحبت من أمامه، وعادت للداخل، لحق بها "كِنان" حتى خرج خلفها للشرفة، خطف نظرة للخارج ثم قال: 
_من امبارح وإنتِ بتتهربي مني ومش سامحالي أطمن عليكِ!   

قالت وهي توليه ظهرها، ويديها تتمسك بسور الشرفة الخارجي: 
_أنا كويسة، شكرًا على اهتمامك. 

ازدادت حدة الألم الطاعن لقلبه، فاقترب يجاورها في وقفتها: 
_بطلي تكلميني بالنبرة دي، أنا عارف إن اللي عمله الكلب ده معاكِ مش سهل، ومقدر إنك موجوعة إنه جبرك تعملي كده، أنا متفهم ده وأخدت حقك منه فمفيش داعي للزعل ده كله. 

واستكمل مثيرًا اهتمامها حيال جملته: 
_أنا عندي الحل اللي هيخلصك من قذارة هارون. 

استدارت بلهفة إليه، ومُقلتيها تلمع بحبه الواضح له، تجاهل "كنان" كل شيءٍ، وتحدث: 
_أنا فهمته إننا هنتجوز،  فده هيهديه شوية، لحد ما أقدر أنفذ اللي في دماغي. 

تلاشت ابتسامتها ومن خلفها سعادتها التي تبخرت: 
_وإيه اللي في دماغك؟ 

رد عليها بما ينوي فعله: 
_ههربك من هنا يا رزان، وجودك هنا مع هارون وعثمان مش هيخليكي تعيشي في سلام، لازم تبعدي لمكان آمن. 

أمسكت دموعها رغم اختناقها داخل أهدابها، فخرج صوتها مرتعشًا: 
_طيب وليه كدبتك متبقاش حقيقة ونتجوز! 

دس يده بجيب بنطال بذلته الرمادية وهو يتنهد بتعبٍ من الحديث بهذا الأمر مجددًا: 
_تاني يا روز، هنرجع لنفس الحوار ده تاني!!   قولتلك ألف مرة أنا منفعكيش. 

بالرغم من الشموخ الذي تحلت به طوال تلك السنوات قبالته، ولكنها الآن في أشد مراحل ضعفها، خاصة بما تعرضت له بالامس، فاذا بها ترنو تجاهه، تتمسك بسترته وهي تجاهد قول تلك الكلمات الثقيلة على لسانها: 
_بس أنا شايفة عكس كده، كِنان أنا بحبك وعارفة إنك بتحبني، جوازنا هو اللي هيحميني وهيحمي حبنا. 

حل يدها عنه وابتعد للخلف خطوة هاتفًا بسخرية: 
_لو جوازي كان حماية ليكِ من هارون وعثمان ازاي هو نفسه مقدرش يحمي مراته وابنه من اللي أعلى منه! 

وتابع بقوة وسخط: 
_رزان إنتِ عارفة ومتأكدة إن شغلنا شمال كله، حتى لو معندكيش معلومات كافية عن طبيعة الشغل ده. 

أخفضت وجهها أرضًا تترك دموعها وآلآمها تنهمر بصمتٍ، زفر "كِنان" غاضبًا: 
_هو إنتِ ليه مصرة تدفني نفسك جوه المستنقع القذر ده!!  

ورنا يهز يدها بعنف وعصبية: 
_ إفهمــــــي بقـــا إنتِ مش هتقدري تتأقلمي معايا، صورة ملاك عيلة التميمي اللي رسمهالي دي مزيفة، أنا أبشع من هارون نفسه،  ولعلمك أنا اللي ماسك إدارة الكباريهات من فترة، ومقضيها من واحدة للتانية، يعني جوازي منك هيخليكِ نسخة من رحيق، فلو إنتِ قابلة بده معنديش أي مانع أخدك حالًا على أقرب محامي ونتجوز،  ها جاهزة تتحملي خيانتي ليكِ ؟؟ 

جحظت عينيها بعدم تصديق، وفتيل الوجع يزداد بشكلٍ جعله يندم لما قال، سحبت رزان يدها منه بعنفوانٍ، ومازالت تتطلع له بصدمة، أرغمت بها لسانها على نطق: 
_بره... إطلع بره، مش عايزة أشوفك تاني، إمشي!! 

ابتلع ريقه بتوترٍ من حالتها التي بدت غير مريحة بالمرة، وخاصة حينما توالت بصراخها وطلبها له بالرحيل، تحرك "كِنان" للخارج وصوت بكائها يهوى إليه كالسوط القاس، شعر أنه نال من قلبه قبل أن ينال منها، ولكنه بما فعله يحافظ عليها، فإن كان الديزل بذاته فشل بالحفاظ على زوجته وابنه، كيف سيفعل هو؟!! 
                          ******
الرهبة ، الخوف، القلق أحاسيس طبيعية يتسم بها جنس البشر مهما كانت قوة الشخصية، وها هي تحاول أن تحارب تلك المشاعر بكل قوتها، ولكنها كانت تغلبها وتزداد مع كل خطوة تخطوها مع الخادم الذي حمل عنها حقيبة ملابسها للملحق الجانبي للقصر الخاص بالضيوف، ومن ثم أرسل معها خادما آخرا يقودها إلى جناح "عثمان التميمي".

اتبعته" قدس" وخفقات قلبها المُضطرب تكاد أن تصيبها بالإغماء، ومع ذلك كانت خطواتها صلبة، تنم عن ثبات هيئتها المخادعة. 

توقفت خلف الخادم الذي وقف عند الدرج، يشير لها على باب الجناح من بعيد، فاذا بها تزوي حاجبيها بدهشةٍ: 
_ألن ترافقني للداخل؟ 

أجابها الخادم وعينيه أرضًا: 
_لا يا سيدتي، هذا هو الجناح. 

تعجبت من طريقته، فإن كان هذا الشخص عاجزا فمن سيقوم بفتح الباب لها، وقد بدل أنه مُغلق من الداخل، ظنت أن هناك خادما أخرا بالداخل يشرف على خدمته، فاستكملت طريقها وطرقت بخفة على باب الجناح. 

راقب الشاشة الضخمة بتمعنٍ، يتفرس بملامحها بغموض مخيف، فاذا به يبتسم بسخرية، وهو يتجرع كوب العصير خاصته، ويحرك مقعده ليصبح قبالة الشرفة بينما يردد بصوتٍ قوي: 
_آيلا افتحي الباب. 

حررت الآلة المتحكمة بالجناح بأكمله باب الجناح وهي تقول بصوت وصل إلى مسمع "قدس" التي تفاجأت كليًا: 
_كما تأمر سيدي. 

حافظت "قدس" على ملامح وجهها بثبات، رغم أن اعتماده على نظام هكذا يثير الفضول ويضاعف خطر مهمتها، ولجت للداخل بخطوات تعمدت جعلها رقيقة، دافئة مثل الفتيات التي لم تكن طباعها تنتمي لهن يومًا. 

سلطت بصرها على ذلك الذي يوليها ظهره، ولكنها في ذات الوقت كانت ترى كل جزء من الجناح بمهارة اكتسبتها من العمل داخل الجهاز، قد تبدو نظرتها نظرة طبيعية صوبه، ولكنها لم تكن تراه بالفعل، تود استكشاف موضع تلك الألة المتحكمة بالجناح بالكامل. 

حافظت على صمتها، ومازالت تقف بمنتصف الردهة الطويلة، بينما ينتظر هو أن تخطو تجاهه متلهفة لعلاج شخصٍ هامٍ مثله، ومثلما اعتاد من الاطباء. 

ارتشف "عثمان" من كوب العصير، ومازال ينتظر أن يعكس زجاج الشرفة انعكاسها، وحينما لم يجد لها صوتًا أو رؤية حرك المقعد باشارة يده فلف صوبها مباشرة! 

مجرد تحرك المقعد بتلك الطريقة سبب لها دهشة مريبة، لأول مرة ترى مقعدا متحركا بهذا الشكل وبطريقة العمل العجيبة تلك، حتى سرعته بالاستدارة جعلتها تهتز من فرط الغرابة. 

اقتبست نظرة دقيقة إليه، بدا أنه بالخامسة والثلاثون من عمره، ملامح وجهه قاسية بشكل مرعب، رغم أنه جذاب بدرجة كبيرة، عينيه رمادية اللون وشعره الاسود القصير يمشطه للخلف بثبات يقتبس من قوة شخصيته. 

راقب "عثمان" تلك الفتاة بامعانٍ، بدت من بذلتها النسائية السوداء أنها ذات جسدٍ هزيلٍ، عساه لا يعلم ما تستطع تلك الهزيلة فعله!  

يطول الصمت والسكون بهما، كأن المشهد سقطت عنه الكاميرات، وبات كل شيءٍ ساكنًا، حتى مزق الجلباب الصامت بصوته القوي: 
_هتفضلي واقفة في مكانك كتير! 

كادت أن تستعمل قوة شخصيتها، ولكنها ستزرع فيه جمام الشك منذ الوهلة الاولى، فاذا بها تطول كتفيها بينما تهتف بتوتر مصطنع: 
_بحاول أتأقلم على كل اللي بيحصل ده. 

نجحت باستمالة فضوله حول مقولتها، فسألها: 
_وإيه اللي بيحصل! 

رنت صوبه خطوتين قائلة: 
_دي حكاية لفة وغريبة أوي، بس تقدر تقول إن الحاجة الطبيعية اللي فيها إنت! 

ضيق عينيه الرمادية بذهولٍ من حديثها الغير مفهوم، فرنت نحوه بقوة، ومن ثم وضعت الحقيبة التي تحملها على الاريكة المقابلة منه، وجلست تفتح سحابها، وهي تخبره بسلاسة ودون أن تتطلع إليه: 
_يعني لسه واصلة المستشفى من 48 ساعة، يدوب نازلة أول يوم قالولي المدير عايزك، طبعًا أنا خوفت جدًا بالرغم من اني واثقة إني ملحقتش أعمل أي مصيبة ولا حتى سنحت ليا الفرصة أقولهم سلام عليكم حتى. 

وتابعت وهي تعقم يدها أمامه، وترتدي القفازات بتمهلٍ: 
_دخلت للمدير لاقيته شكله مريب فعرفت إن دعوة ماما اتحققت بس بالعكس، وخصوصًا لما قالي اني هعالج شخصية مهمة جدا في ايطاليا، أنا عارفة إني دكتورة شاطرة جدا بس مش لدرجة إني اتشقط من المستشفى في أول يوم!! 

لم يرمش له جفنًا وهو يتابع تلك الفتاة العجيبة، بينما تتابع هي وهي تحضر أدواتها: 
_بس المريح في الأمر إنك عربي، مع إن ملامحك مدياني إحساس إنك مش عربي خالص. 

ضيق رماديتاه بحدة، وأجزم أنها غير سهلة بالمرةٍ، تريد الايقاع به لمعرفة جنسيته من اللقاء الأول فماذا بعد؟  

استقامت "قدس" من محلها، واتجهت صوبه، تنحني على ركبتها أمامه لتتفحص ساقه، فاذا به يرفع كفه باشارة جعلت المقعد يرده للخلف عن محلها، فتطلعت له باستغرابٍ بينما يردد بثبات: 
_أنا لسه مسمحتش بده. 

تركت الجهاز الصغير الذي تحمله، وقالت بسخرية: 
_أمال أنا هنا ليه؟! 

بقوة تليق بنظراته الصارمة قال: 
_طلوعك هنا الجناح عشان تعرفي تعليمات وقواعد القصر، لكن بدايتك لعلاجي بالتوقيت اللي أشوفه مناسب. 

اصطكت أسنانها ببعضها البعض، وكل ما تستمع له صوتها الداخلي الذي يأمرها بأن تسحب المشرط الموضوع بحقيبتها الطبية وتنال من رقبة ذلك الوغد المتعجرف، ولكنها تُهدِّئُ ذاتها وتضع مهمتها الاساسية أمامها هدفًا تسعى له. 

نزعت عنها القفازات، ونصبت عودها بشموخٍ، بينما تتساءل بصوتٍ هادئ، ونظرات غير مبالية به: 
_وإيه تعليمات معاليك؟ 

لمس بنبرتها السخرية، يعهد من نظرات عينيها أن تلك المرأة تملك قوة خفية، لا تبدو على ملامحها الهادئة وجسدها الهزيل، فقال بفظاظةٍ: 
_بقائك هنا هيطول، عشان كده محتاجة تعرفي تعليمات وقواعد القصر، وأولها إنك ممنوع تسيبي الملحق وتدخلي القصر بدون أذن رسمي مني أنا شخصيًا، ثانيًا مهما حصل جوه حدود القصر ده فأنتِ صماء مبتسمعيش وعامية كمان بتشوفيش. 

ربعت يديها قبالته، وألحقت بنظرة ساخرة: 
_وإيه كمان؟ 

نظراته الحادة وقوله الصارم كان كالسيف الذي صدر أمره بقطع رقبة إحدهم: 
_كل خطوة ليكِ هتكون بحدود أنا رسمهالك، ومش مسموحلك تخرجي براها. 

حلت عقدة ذراعيها وقالت باستهزاءٍ: 
_مش حابب تحددلي مواعيد أكلي وشربي كمان!  

واستدارت تغلق حقيبتها، ثم استعدت للرحيل قائلة بمكر ودهاء: 
_خليهم يجيبولي شنطي، أنا مش موافقة على شروطك شوف دكتور تاني ترسم عليه حدود وقيود وتعليمات، أنا مش هكمل! 

مضت "قدس" بطريقها للخروج، وما رسمته وحسبته أتاها حينما قال: 
_الخروج  مش بسهولة الدخول لهنا. 

توقفت ولفت بجسدها إليه تهتف باستنكارٍ: 
_ليه حبسني في معتقل! 

حلت تكشيرة وجهه الغامض، وقال بثقةٍ: 
_لا، بس أعتقد انك مش بالغباء اللي يخليكِ ترفضي  مليون يورو. 

بالرغم من أن المال لا يعنيها، ولكنها برزت في مُقلتيها نظرة أوحت له بأن المال قد راق لها، ورددت باتقانٍ لدورها: 
_مليون يورو! 

استند على ذراعيه التي تعانق بعضها، وبصرامة هتف: 
_ماتيو! 

اتجه بصرها إلى باب الجناح ظنًا من أن الخادم سيدخل لها، وحينما وجدت الباب مازال مُغلقًا، استدارت إليه مجددًا، فصعقت وانتفضت للخلف بفزعٍ، حينما رأت أمامها إنسانا أليا ضخم الجسد، باللون الأسود، يرفع صوبها حقيبة بها مبلغا ضخما من المال، وهو يهتف بحروف سريعة محال أن يتمكن من النطق بها أي آلي: 
_تفضلي سيدتي. 

تراجعت للخلف بخوفٍ، وهي تتفقد ذلك الذي يتابعها ببسمةٍ تشفي، بينما يردد ببرود: 
_إيه يا دكتورة، مش معقول شجاعتك اتبخرت لمجرد إنك قابلتي ماتيو!  

ابتلعت ريقها بصعوبة، وبصعوبة سلخت نظراتها عنه وتطلعت إليه، فقال: 
_ده نص المبلغ، والنص التاني هتاخديه وبزيادة لو قدرتي فعلًا تعالجيني. 

ورفع يده يقبضها، فاذا بالمقعد يستدير ويتحرك صوب الشرفة، بينما ينهي هو اللقاء بعنجهيةٍ: 
_لما هحتاجلك هبعتلك يا دكتورة! 

تطلعت له بغضب واستدارت تحمل الحقيبة التي يحملها الريبوت، ثم اتجهت إلى باب الغرفة حيثما فُتح باشارة منه. 

هبطت "قدس" وعلامات الصدمة تجتاز وجهها بأكمله، على ما يبدو بأن تلك المهمة شبه مستحيلة، مهمة تعجيزية، خرجت للملحق وكل ما تفكر فيه كيف ستخبر الفريق بما رأته داخل الجناح، من تطور خطير ومرعب لا ينذر بخيرٍ قادم بالمرة! 
                           ******
تابع العمل لساعة كاملة، يحاول بها توفير مكالمة آمنة قد يقتبسها مع من تمزق قلبه من شدة شوقه لها، فأتاه صوتها الناعم تردد بلهفةٍ: 
_زيـن! 

أغلق عينيه بقوةٍ، ومال لمقدمة السرير من خلفه، يهتف بحبٍ: 
_الرأفة بقلب زين اللي عشق رقة صوتك وغرقان في حبك. 

علم بأنها ستبوخه مثل كل مرةٍ، ولكنه تفاجأ بها تقول: 
_إنت مش هتيجي القصر؟  طولت في غيابك المرادي عن كل مرة. 

ابتسم بعشقٍ قاتل، وقال: 
_ده يا بختي لو كنت وحشتك وعايزة تشوفيني. 

عادت لطباعها الحازمة: 
_وبعدين معاك يا زين!  

استمعت لضحكة صادرة منه، بينما يقول: 
_كوكيز قلبي الدايبة في الشوكولا دوب، هتبدأها بالزعل وأنا مصدقت عرفت أكلمك! 

حذرته بصرامة جعلته يبتسم بحب: 
_هضطر أقفل المكالمة وأنا عايزاك في حاجة مهمة ومصدقت بردو إنك كلمتني! 

تنهد وهو يهتف بجدية: 
_طيب أعمل إيه؟  لا إنتِ قابلة نكتب كتابنا ولا حتى عمي!  وكمان حطالي قيود بكلامي معاكي أصعب من قيود إبليس توابيت!. 

ردت ببسمة رقيقة: 
_كده أفضل يا سيادة الرائد، المهم مش هشوفك قريب، عايزة آخد رأيك في حاجة تخص شغلي. 

رد بخبث: 
_إنتِ عارفة إني زي الشبح بظهر وبختفي بسرعة البرق، فخليكي منتظرة ظهوري بأي وقت. 

زفرت بضيق وقالت: 
_مهو الموضوع اللي عايزاك فيه مش هيستنى ظهورك فجأة. 

=خلاص قوليلي دلوقتي وأنا معاكِ وسامعك. 

تنهدت بقلقٍ، وفاهت: 
_خايفة ترفض وتزعلني. 

اتسعت بسمته الجذابة، ورد عليها: 
_ميجيش من قلبي أزعلك يا روحي، أي حاجة هتبسطك هوافق عليها بدون تفكير. 

تحمست لجملته، وأسرعت تخبره بحماس: 
_في بعثة طالعه من المستشفى بتاعتنا وكذه مركز مهمين، نقوا عدد من الدكاترة وأنا من ضمنهم،  استأذنت بابي ووافق، ومش فاضل غيرك، أنا حابة أطلع مع زميلاتي يا زين، ممكن توافق بليز! 

كبت ضحكة حينما استمع لرجائها الاخير، قُذف إليه عدد من الذكريات التي تخص طفولتهما، تذكر كيف كان يحمل طلبها بنهايته نفس الرجاء وبنفس الصوت الطفولي، تنهد وعشقها يصل به حد النخاع، ثم سألها: 
_والبعثة دي لفين؟ 

ردت بلهفة: 
_إيطاليا. 

اعتدل بجلسته وتركيزه يزداد لما تقول: 
_فين في ايطاليا،  واسم المستشفى إيه؟ 

اجابته باستغراب من طريقته: 
_معرفش التفاصيل، ومهتمتش اسأل الا لما أخد أذنك الأول. 

هدأ قليلًا، ثم قال بامعان: 
_عمي عرف أنها بايطاليا؟ 

أكدت له: 
_آيوه يا زين،  ما أنا قايلالك إنه وافق وفاضل إنت، بليز وافق، عشان خاطري. 

ارتخت تعابيره المرتبكة، وقال بحب: 
_خاطرك غالي عليا ومقدرش أكسره، سافري يا مارال بس خدي بالك من نفسك، ولما تعرفي اسم المستشفى والعنوان ابعتيلي على نفس الرقم ده. 

ضحكت بسعادة أطربته: 
_حاضر، ميرسي يا زين، إنت أسعدتني بجد، أنا متحمسة جدًا عشان عدد كبير من المركز التابع لأنكل عمر الجارحي طالع معانا، منهم رحمة، دي بقت صديقتي جدا جداا. 

زوى حاجبيه بدهشة: 
_رحمة مين؟  

أجابته باستغراب من عدم علمه: 
_بنت أنكل عدي!  

تذكر أن لرفيقه شقيقة تؤاما له، فقال: 
_آه فاكرها، المهم تاخدي بالك من نفسك، وخليكِ واثقة إني حواليكِ وجانبك في كل مكان! 
                               ******
حمل الشطيرة التي صنعها والنسكافيه خاصته ثم استدار ليتجه إلى مقاعد الرخامة، فوجد زوجا من العيون الفاتنة ترمقانه بغضبٍ قاتل، كبت "ياسين" ضحكاته بصعوبة وهو يعلم كل العلم ما يصيبها، ومع ذلك تصنع الهدوء القاتل، وبثبات قال: 
_صباح الخير عنيدة هانم، تحبي أعملك فطار معايا؟ 

تجاهلت ما يقول، واقتربت تقف قبالته وجهًا لوجه، لا يفصلهما سوى لوح الرخام الفاصل بينهما، تنحنح مبتسمًا وهو يخطف نظرة للسكاكين الموضوعة بالحامل جوارهما: 
_أوعي عقلك يتهور وتسحبي سكينه منهم، بالله عيونك قاتلة أكتر منهم! 

تخلفت عما قال، وحررت قباع غضبها بقولٍ لفته بمكر: 
_سيادتك إيه الخطوة الجاية اللي المفروض نعملها بعد ما اتاكدنا إن العاملات مش متورطين بالشغل الشمال إياه، وبعد ما استغلتني عشان تبلغ القادة بالنقطة دي امبارح. 

سحب رشفة طويلة من المج الذي يحمله، ومن ثم تطلع لها وهو يجيد صنع الدهشة فجأة: 
_أنا استغليتك يا ميري!!  إيه الكلام العجيب المريب ده! 

أدمت شفتيها السفلية بغضب قاتل، وأخفضت بصرها لساعة يده ساخرة منه: 
_بقولك إيه يا قائد بلاش تتصرف وكأن مفيش حد ذكي في الفريق غيرك، إنت تعمدت تروح الكافيه امبارح وإنت عارف انه بيقفل بالمعاد ده، وقفت ترغي على البار وتعمدت تخليني أعمل مشكلة مع الشخص الوحيد اللي كان موجود هناك في نفس فترة تواجدنا، عشان تقدر تسلم الساعة اللي عليها شفرة المعلومات اللي جمعتها. 

أبصرها ببراءة لا تمس له بصلة: 
_ازاي وساعتي لابسها أهي! 

ضيق زُرقتها الفاتنة بسخرية، فضحك وهو يستكمل تناول كوبه، مرددًا: 
_حاولي تثبتي إننا بدلنا الساعات، مش هتعرفي، أنا ظاهر بالكاميرات وأنا داخل وخارج بيها، شغل مخابرات بقى! 

تغاضت عن تلك المشاجرة الخاسرة أمامه، وتساءلت وهي تكبت غضبها بتحكمٍ: 
_إيه الخطوة اللي المفروض أخدها دلوقتي يا سيادة القائد. 

راق له ما تحاول فعله لتتفاداه، فسحب الكوب، يرتشف منه وهو يتطلع لها بثبات ورثه بجدارة عن "الدنجوان"، ثم نطق بحروف ثقيلة عليه: 
_هتنزلي تقدمي في الوظيفة. 

ورفع الساعة يتفحص الوقت بضيق ملحوظ: 
_هتكوني هناك بعد ساعة تقريبًا، يدوب تستعدي. 

احتلتها ابتسامة حماس لما هو قادم، فتركته وصعدت للاعلى بصمت، جعله يتابعها والقلق عليها يساوره رغمًا عن أنفه، فاذا به ينتبه ل" زين" الذي يرنو إليه وهو يضع الحاسوب على الرخام ويهتف بارهاقٍ: 
_عايز قهوة يا جارحي. 

سدد له نظرة حارقة، وصاح: 
_خدامك سعاتك أنا! 

أجابه وهو يعيد فتح حاسوبه: 
_ما أنت عارف أمور المطبخ دي ماليش فيها، ومكنش عندي فرصة أتعلم حاجة أصلًا، زائد رحيم زيدان مكنش سايبلي فرصة اعمل حاجة في حياتي غير التدريبات والاسلحة، والله أعلم لو كان قفشني في المطبخ بعد كل التمارين دي كان هيعمل معايا إيه! 

نهض يتحرك صوب النيران، يعد له ما طلب، فاذا به يقول بحماس: 
_يبقى كرم منك لو عملتي مع القهوة بيض بالبسطرمة وياريت تكترلي الشطة. 

استدار يرمقه بغضب، فتابع "زين" وهو يدعي الحزن: 
_أعملك إيه نفسك في الأكل بيفكرني بأمي، وهي وحشتني فوق ما تتخيل بحاول أعوض فقداني ليها ولأكلها بيك! 

وأضاف بحنق مضحك: 
_مشوفتش أمي بقالي سنة ونص إيه برودة المشاعر اللي بقت عندك دي يا جارحي! 

وتابع وهو يشير على الثلاجة الضخمة المجاورة له: 
_خدلك لفة كده يمكن تلاقي جلاش أو رقاق تعملهولي باللحمة تبقى قدمتلي حضن دافي وعميق من الست الوالدة. 

اقترب منه "ياسين" بغضب، وطرق الرخام بقوة أفزعت "زين" حتى كاد بالسقوط عن المقعد: 
_هسيب المهمة باللي فيها وهبقى طباخ جنابك أنا، إنت صاحي تهرج على الصبح ولا إيه!! 

سحب الحاسوب إليه بعدما شمله بنفور: 
_خلاص مش عايز حاجة، نفسي اتسدت! 

ضم "ياسين" شفتيه بضيق، فعاد يستكمل صنع كوب القهوة، وفجأة سحب المقلاة وشرع بصنع البيض مثلما طلب والآخر يراقبه بطرف عينيه بابتسامة ماكرة، وكأنه يعلم بأنه لن يهون على رفيقه. 

عاد "ياسين" يضع من أمامه فنجان القهوة، والمقلاة ومد له طبق الخبز، طرق "زين" بيديه وشرع بتناول طعامه وهو يهتف بسعادة: 
_هو ده الكلام، كده نشتغل بضمير. 

أغلق عينيه بتلذذ مع أول لقمة تناولها وهو يغني باشادة: 
_الله عليك يا حبيب والديك. 

تبسم رغما عنه، وعاد إلى مقعده يرتشف الكوب بينما تحوم عينيه إلى باب غرفتها العلوي، متسائلًا: 
_وصلت لحاجة من مراقبتك ليه؟ 

أجابه "زين" وهو يتناول طعامه: 
_لا، بس حاسس إن الشخص ده وراه كوارث، وزي ما أنت عارف أنا مستني أي مدخل ليه. 

هز "ياسين" رأسه بتفهمٍ، فتساءل "زين" هو الآخر: 
_وإنت وصلت لحاجة؟ 

أجابه ومازال بصره يراقب الطابق العلوي: 
_اتاكدنا إن العاملات مالهمش علاقة بأعمالهم المشبوهة دي، لذا مرين هتتحرك على طول. 

توقف عن مضغ الطعام، وقال بجدية تامة: 
_بالسرعة دي؟ 

تطلع له "ياسين"، وقال: 
_مفيش وقت يا زين، كل ما اتحركنا بسرعة يكون أفضل لينا. 

وأضاف وهو يسحب شيئًا من جيب سترة الترينج الرياضي الذي يرتديه: 
_إنت عارف إنك لازم تعمل ده قبل ما هي تطلع من هنا. 

راقب ما يقربه منه، وعاد يستكمل طعامه قائلًا: 
_إنسى يا حبيبي، أنا مزاجي رايق النهاردة ومش هعكره مع مروان اشطا،  أنا بتنازلك عن المهمة دي بصدر رحب. 

تابعه بدهشة لسرعة انسحابه، وقال مستنكرًا فعلته: 
_بس إنت ايدك أخف مني بكتير. 

نصب كتفيه بغرورٍ وهو يقول: 
_طبعًا مش أستاذ الحركة دي يبقى أبويا، لازم ايدي تبقى أخف وأسرع. 

سدد له نظرة قاتلة، فتنهد" زين" وقال وهو يبعد المقلاة عنه: 
_عشان أعمل كده لازم أقف أرغي معاها، وهي مش بتديني فرصة لده أصلًا،  إنت الوحيد اللي بتنجح تستفزها بكلامك فبتقف تحاربك وتجاريك بالردود المستفزة بتاعتك وبتاعتها، إنت اللي هتقدر تعمل كده. 

وسحب فنجان قهوته يرتشفه بتلذذٍ وهو يشير للدرج: 
_استعن بالله وتوكل عليه. 

زم "ياسين" شفتيه وهو يعود ليرفع بصره نحو الاعلى، فاذا به يسحب ما تبقى بالكوب رشفة واحدة، ثم تركه على الرخامة بقوة، ونهض يتجه للاعلى، و"زين" يتابعه بضحكة ساخرة، وتمتم: 
_عندك حق، دي عايزة قوة خارقة عشان تقنعها باللي هتعمله، ربنا معاك!! 

صعد "ياسين" الدرج للاعلى، وقبل أن يطرق بابها، وجدها تفتح الباب وتندفع للخارج،  تفاجأت "مرين" به، زوت حاجبيها باستغراب، بينما هو يتطلع لها مشدوهًا. 

كانت ترتدي فستانا من اللون الاسود، يصل لبعد ركبتها، وترتدي حذاءا من البوت النسائي أخفى المتبقي من ساقيها تمامًا، ما لها تزداد فتنة كل يومٍ عما يسبقه! 

تنحنح بخشونة، وقال مستحضرًا ثباته الهادر: 
_هتتحركي دلوقتي؟ 

هزت رأسها وهي ترتدي الحقيبة، فابتسم وسألها وهو يشير على ما ترتديه: 
_الفستان ده مُلَغَّم ولا نضيف؟ 

اتسعت ابتسامة لها رغمًا عنها، وقالت بخبث: 
_يعني كنت معاك وكان مُلَغَّم بكمية الاسلحة اللي خدتها مني، تفتكر وأنا رايحة أقابل هارون التميمي هيكون نضيف مثلًا؟ 

هز رأسه ضاحكًا، وحك منخاره: 
_كده اتطمنت عليكي! 

عدلت الحقيبة، وما كادت بالتحرك للاسفل، حتى سحب السجادة من أسفل قداميها بمهارة وسرعة دون أن تنتبه لها، فكادت بالسقوط على الدرج، فاذا به يقبض على ذراعها وبالآخر دس بها القلم الذي يشبه الإبرة الطبية بها، ثم جذبها عن الدرج بسرعةٍ فائقة، جعلتها تطالعه بصدمة وعدم استيعاب لما فعله. 

رفعت معصمها تتفحص موضع الألم الغامض الذي احتلها، وعينيها تتوزع بين يدها وإليه، مرددة بدهشةٍ: 
_إنت عملت إيه؟ 

رفع كفيه الفارغ مما كان يمسك به منذ قليلٍ، وببراءة قال: 
_ولا حاجة، كنتِ هتقعي فمسكتك! 

دققت النظر بيدها مجددًا، وصاحت بغضبٍ بما شكت به: 
_عملت إيه يا ياسين؟! 

ارتسمت بسمة خبيثة على وجهه، وعاد يكرر ما قاله بالاسفل لها: 
_التهمة الخطيرة اللي في عيونك دي مينفعش تتأخد ضدي بدون دليل، هل معاكِ اثبات إني زرعتلك جهاز تعقب؟  طول مفيش دليل يبقى مفيش تهمة. 

كزت أسنانها بغضب ساحق، فتحررت ابتسامته الماكرة، بينما يهبط للاسفل، لحقت به وانتزعت الحقيبة تقذفها إليه، فاستدار يتلقفها دون أن يرى ما كانت تنتوي فعله!!! 

زفر "زين" بارهاق مما يحدث بينهما، وعاد يتمعن بحاسوبه وهو يرتشف القهوة غير عابئٍ بهما، بينما تصرخ الاخيرة بجنون: 
_إنت مالكش الحق إنك تعمل معايا كده بدون إذني!   وبعدين بأي حق تحطلي جهاز تعقب! 

جلس على مقعده وهو يقول ببرود: 
_بحق إن والدك سلمك عهدة في رقبتي، فيأكون أد المسؤولية دي من أولها يا اعتذر ليه وأقوله آسف أنا مش قدها. 

وأضاف بصرامة قاطعه: 
_عمومًا احنا فيها، لو عايزاني أوقفه هعملها حالًا بس وقتها هيكون معاكِ أمر مباشر مني بالانسحاب الفوري، ليكِ حرية الاختيار. 

اشتعلت عاصفتها القاتلة وهي تتطلع له، بينما يتجاهلها قدر المُستطاع، فرمقت ابن عمها بنظرة غاضبة وقالت: 
_زين إنت ساكت ليه؟ 

تنهد "زين" بضيق من غضبها الغير مُبرر، وقال: 
_ساكت عشان اللي هقوله هيزعلك، أنا عايز أفهم إنتِ كل حاجة دايمًا معترضة عليها كده!!  

وأضاف وهو يستدير بجسده إليها: 
_ما أنا عملت نفس الشيء مع قدس، وزرعت نفس الجهاز ليها، معترضتش ليه؟!   سيادتك إنتِ خارجه من هنا وداخله وكر الشياطين برجليكِ وهتفضلي فيه لفترة طويلة، فلو لقدر الله حصلك حاجة المفروض نعمل إيه؟؟ 

صرخت أمامه بغضب يفوق غضبه: 
_على الأقل يقولي وآ.. 

قاطعها "زين" بانفعال: 
_وكنتِ هتوافقي يعني، إنت اتخلقتي عشان تعاندي وترفضي كل شيء في الدنيا، يا ريت تسيبك من لعب العيال ده وتقدري حجم الخطر اللي احنا داخلين عليه.

وقبل أن تجادله، صاح بنفاذ صبر:
_ أنا معدنيش خلق لمشاكلك وجنانك ده سامعة!! 

أمسك "ياسين" يده يدفعه بخفة، وهو يهتف بضيق من صياحه المفاجئ: 
_مالك في إيه؟  أعصابك فلتت منك على الصبح،  هدي شوية الحوار مش مستاهل! 

استدار يتطلع له باسترابة وفاه: 
_دي حد يشوفها وأعصابه متفلتش! 

واستكمل وهو يسحب حاسوبه:
_أنا داخل أكمل شغلي جوه أفضل ليا وليها. 

وتركهما وأنسحب، بينما تراقبه "مرين" وهو يتخفى من أمامها والضيق والانزعاج يحتل وجهها، فاذا بالآخر يقول: 
_ها اختارتي إيه؟ 

استدارت إليه بغيظٍ وهمست بحقد: 
_على الاساس إنك مديني حرية الاختيار!   

وتركته واتجهت تستعد للرحيل، فرنا خلفها يناديها: 
_مريـن. 

وقفت محلها ومازالت بشرتها تلتهب من شعلة غضبها، لحق بها حتى وقف قبالتها، وقال بقلق شعرت به: 
_خدي بالك من نفسك، الكلب ده مش سهل. 

لانت تعابيرها رغمًا عنها، يكفيها أنه منع عنها غضب "زين" ولم يقبل بأن يزعجها أكثر من ذلك، فاذا بها تقول في رقةٍ: 
_متقلقش أنا عارفه هتعامل إزاي. 

هز رأسه ودعمها بقوله: 
_واثق فيكِ وعارف إنك قدها. 

اندهشت من جملته، فسحبت ارتباكها وتوترها وغادرت من أمامه،  بينما ظل هو محله يراقبها وهو يعلم بأن القلق والخوف سيكونان مصيره حتى ينتهون من تلك المهمة. 

                             *******
كادت أن تسقط أرضًا من هول ما رأت، تحمل بين يديها هلاكها، لا تصدق أن و بالرغم من كل الاحتياطات التي اتخذتها منذ زواجها منه إلا إنها وبالنهاية حملت منه! 

تحركت بصعوبة إلى الخارج، وعينيها مُسلطة على اختبار الحمل المنزلي الذي تحمله بين يديها، حتى وصلت لحافة فراشها، فألقت بثقل جسدها من فوقه، لدرجة رُج جسدها من شدة سقوطها. 

دموعها تتهاوى دون توقف، بينما تكبت بيدها صرخات تنازع أن تتحرر من داخلها، ورأسها يهتز بعنف رافضة هذا المصير المأساوي، حدوث ذلك رغم اتخاذ كل الاحترازات جعل عقلها لا يستوعب ذلك، وإن كان زوجها بمثل هذا الجنون الشيطاني كيف سيكون جنينها! 

حررت "رحيق" كفها بضعف، ومعه تتحرر صرخة تحررت بانكسارٍ، حتى ودت لو أنها تُلقي بذاتها من الشرفة لتتخلص مما تحمله ومن حياتها برمتها. 

رفعت ساقيها عن أرضية الغرفة الباردة، وزحفت للخلف تضم ركبتيها، بينما تتساقط دموعها دون توقف، وإذ فجأة يُرسم من أمامها ذكرى أشد ألمًا مما هي به! 

##
وصلت السيارة أمام محيط القصر في تمام السادسة مساءًا، هبطت منها "رحيق" تمنح السائق المال، وتتجه للداخل بخطواتٍ مرتبكة، ولكنها مُرغمة على ذلك، فلقد فاض الكيل بها وهي تحاول أن تعلم ما أصاب "تيام" فجأة، أصبح يهمل مكالماتها، وآخر مرة تحدث معها كان يبدو أن هناك أمرا ما يزعجه، وكلما حاولت أن تعلم ما به كان يتحجج ويغلق الهاتف، ويمتنع عن لقائها. 

وصلت للقصر الداخلي تقدم ساقًا وتؤخر الآخرى، حتى قابلتها الخادمة. فقالت ببسمة مرتبكة:
_أتيت لرؤية تيام أين هو؟ 

تعجبت الخادمة من سؤالها، ولكنها أجابت: 
_لا أعلم سيدتي ولكني رأيته يحمل حقيبة سفر، يغادر بها مع السيدة تالا. 

زوت حاجبيها بدهشةٍ:
_إلى أين؟ 

كادت الخادمة أن تخبرها بعدم علمها بذلك، ولكن إشارة"هارون" جعلتها تنسحب دون أن تستكمل حديثها. 

التفتت "رحيق" للخلف، لتبصر ما جعلها تصمت فجأة، فاذا بها ترى "هارون" أمامها، وهو يدعي استعداده للخروج، وقف يرحب بها ترحابا كان مصطنعًا بشكلٍ تفاجأت به: 
_إيه النور ده كله،  رحيق هانم هنا بنفسها. 

لطالما كانت ترتاب منه، تخشاه، نظراته المرعبة، وطريقته معها، ابتلعت "رحيق" ريقها بتوتر وقالت: 
_أنا كنت جاية أشوف تيام، وعرفت إنه لسه نازل من شوية،  همشي وهبقى أكلمه. 

واستدارت على الفور تتهيأ للرحيل، فأوقفها قائلًا: 
_أنا لسه مكلمه وقالي إنه على الطريق، ارتاحي خمس دقايق وهيكون وصل. 

تطلعت صوبه وهي تتمسك بحقيبتها بارتباكٍ، لحق نبرتها المرتبكة: 
_عشان بس متأخرش، هبقى أكلمه أفضل. 

أشار باصرارٍ ونظراته يخفيها وابل شيطاني: 
_مش هتتأخري ولا حاجة،  وهو أكيد يعني هيوصلك بعربيته. 

اضطرت أن ترضخ له، فاتجهت للاريكة الذهبية الفخمة، جلست عليها بتوتر، بينما يتجه هو للمقعد المقابل لها، يضع ساقًا فوق الأخرى، ونظراته لا تنحاز عنها. 

كانت بأبهى جمالها، ترتدي تنورة سوداء واسعة، ومن فوقها كنزة من الصوف الأبيض، خصلاتها تنحدر من فوقها كالشلال، وعينيها الخضراء وُضع فيها جمال الطبيعة. 

فركت أصابعها بارتباكٍ، ومُقلتيها لا تفارقان باب القصر المفتوح على مصرعيه، وكلما رأته يتطلع لها بصمت مطول ازدادت خفقات قلبها قلقًا، شيءٌ ما بداخلها يطالبها بالفرار من هنا. 

نصبت قامتها المتوازنة، وقالت بتلعثم: 
_أنا همشي أحسن، واحدة من العاملات قالتلي إنها شافته نازل بشنطة سفر مع تالا، يمكن نقل في الشقة اللي أخدها جنب المطعم. 

وقف قبالتها وقال ينفي: 
_لا طبعًا تيام عمره ما يسيب القصر، هو نزل يوصل تالا المطار وراجع. 

زوت حاجبيها باستغراب:
_المطار!! 

توسعت عينيه بشكل تعمد به أن يثير فضولها: 
_إي ده هو إنتِ متعرفيش ولا إيه؟ 

نجح أن يجعلها تُلقي خوفها، قلقها، ارتباكها منه، لشيءٍ أبعد من ذلك، فاقتربت منه بخطوة مترددة: 
_أعرف إيه؟!! 

ضم شفتيه بخبثٍ: 
_الظاهر إن تيام كان مخبي عليكِ. 

مس وترا حساسا بينهما، بالفعل كانت تشك أنه يُخفي أمرًا ما، وكلما حاولت أن تعلم ما به كان ينسحب، رنت إليه تسأله بلهفة: 
_مخبي عليا إيه؟  من فضلك إتكلم! 

عاد يحتل مقعده بجلسته العنجهية، وهو يضع ساقه فوق الأخرى: 
_آسف مش هقدر، طالما تيام أخفى عليكِ الأمر مقدرش أصرحلك أنا بيه،  بس اللي أقدر أقولهولك إنه بيمر بظرف صعب ومحتاجلك جنبه. 

كاد عقلها أن ينسلخ من رأسها، فترجته بتوسل: 
_أنا مش فاهمه حاجة، بس حاسة فعلًا إنه مش بخير، من فضلك يا هارون صارحني وأنا أوعدك إني هتفهم اللي هتقوله مهما كان. 

رفع سوداوية عينيه لها وهو يدعي براءته، وأشار للخادمة التي تقترب منهما: 
_طيب اهدي اهدي، هحكيلك، بس الاول اشربي العصير ده عشان تقدري تسمعيني وإنتي هادية. 

تغاضت عما تقدمه لها الخادمة، وفاهت: 
_مش عايزة، أنا هادية صدقني، قولي بس! 

أصر بإشارته للكوب: 
_مش هتكلم إلا لما تشربي وتهدي. 

اضطرت على مضضٍ أن ترتشف بضعة قطرات من الكوب، ثم أعادته على الصينية التي حملتها الخادمة وتطلعت صوب "هارون" بخوفٍ من أن تكون الكمية التي تناولتها قليلة، فمنحها ابتسامة نبعت بنجاح ما أراد، وما أراد سوى الشر! 

ثقل رأسها بشدة، وفجأة مالت على الأريكة، وأغلقت عينيها مستسلمة لدوار حاد أطاح بها في لحظةٍ. 

ظهر الوجه الحقيقي للشيطان الذي يتنكر في شكل إنسان، مال يحملها ويصعد بها للأعلى، تاركًا حقيبتها على الأريكة، يعلو بداخلها رنين هاتفها برقم "تيام"، يحاول الوصول لها بعد أن رأى عدد المكالمات الصادرة منها إليه، ليته عاد عساه أن يتمكن من انقاذ حبٍ كاد أن يفديه بروحه مرارًا. 

وضعها" هارون" على الفراش، ومن ثم إتجه للثلاجة الصغيرة الخاصة بجناحه، جذب منها إبرة رغم أنها باهظة الثمن إلا أنها رخيصة لتضيع شرف نساء عِشن يحافظن على أنفسهن، ومصيرهن أسوء من الموت، حينما تصرخ كلًا منهن بأنها لا تفعل تلك الافعال المنحطة، وما يشهده عقلها يؤكد لها أنها بالفعل فعلت، كأنها أصبحت امرأة أخرى غير التي تربت عليه!! 

رنا إليها بنظراته الحقيرة، يبعد خصلاتها عن وجهها وهو يهتف ببسمة قذرة: 
_جيتيلي برجليكِ،  أنا لسه محذره من شوية قبل ما يسيب القصر، والظاهر إتهاون بكلامي وفكرني بخوفه وبس. 

وضحك بصوتٍ مقزز بينما، يتفرس الإبرة الطبية التي يحملها: 
_أبقى غبي لو خدت اللي أنا عايزه وإنتِ بالحالة دي، لا أنا هوريكِ السحر اللي صنعه حبيب قلبك، لازم تشوفي نتايجه المبهرة نظري وعملي! 

ومال يدس بوريدها الإبرة وهو يهمس بدناءة: 
_هيأخد وقت لما يشتغل، تكوني فوقتي من المنوم ومفعوله يكون بدأ وده المطلوب!! 

إنتهى من فعلته وإتجه يقف بعيدًا عن الفراش، بعدما استدعى الخادمة المُتواطئة معه بفعلتها الوضيعة. 

بدأت "رحيق" باستعادة وعيها تدريجيًا، ويدها تضم جبينها بتعبٍ، فمالت تجلس على الفراش وهي تتأوه بألمٍ، وفجأة انتفضت وهي توزع نظراتها بينهما: 
_هو... هو إيه اللي حصل؟ 

أسرعت الخادمة تقول: 
_لا شيء سيدتي فقدتي وعيك، وحملك السيد هارون إلى هنا لحين وصول الطبيب. 

ارتبكت "رحيق" وشعرت بعدم راحتها لوجودها هنا، فقالت وهي تحاول تخطيهما: 
_أنا عايزة أمشي. 

أمسك بها "هارون" حينما كادت أن تسقط أرضًا، وقال بطيبة مخادعة: 
_هتمشي إزاي وإنتِ حالتك كده يا رحيق، ارتاحي الدكتور على الطريق. 

وأشار للخادمة بنظرة خبيثة: 
_إذهبي وهاتفيه مجددًا. 

أومأت الخادمة برأسها، وغادرت تسحب باب الغرفة، مما دفع "رحيق" أن تصيح برعب: 
_سبني أنا عايزة أمشي! 

ولكن قدميها كانت ثقيلة بشكلٍ جعلها تستند على ذراعه بشكلٍ كلي، فسندها حتى وضعها على الاريكة، وقال بحزن مصطنع: 
_أنتِ شكلك تعبانه، استريحي الدكتور زمانه على وصول. 

فشلت بالنهوض عن محلها، لقد نصب لها الشباك ووقعت مقيدة به، اجتاحتها حرارة شديدة، ودقات قلبها توثب أن توقفه، شيء غامض يحدث معها.

ابتسم ذلك اللعين الذي يراقبها بامعانٍ، وحينما تيقن من سريان مفعول العقار، عاد يحمل زجاجة المياه الباردة، جلس جوارها يقدم لها المياه، وهو يدعي أنه يساعدها. 

نجح أن يجعلها هي من تقدم على أول خطوة بينهما، وقد تصنع معارضتها ولكنه بالنهاية حقق مبتغاه القذر! 

ثلاثون دقيقة كانت أسوأ تحول قلب حياتها رأسًا على عقب، سحبها من ضياء الضوء لعتمة الظلام، فتحت عينيها بتعبٍ شديد، وهي تحاول أن تتذكر ما حدث معها، وقد بدأت الرؤيا تتضح لها مرة أخرى، لتسقط من فوق رأسها غيمة أدمت حياتها بالكامل، وخاصة حينما رأت الوضع الذي هي فيه، ومن بات جوارها!. 

حاولت أن تستحضر صوتها الهادر مرارًا، وهي تتطلع لمن يجاورها، يرتشف كأسه ببرود كأن شيئًا لم يكن! 

جاهدت مجددًا حتى نطقت بصوتٍ هادر: 
_إنت عملت إيه؟!!!!! 

لف صوبها بصدره المكشوف، وقال وهو يتجرع كأسه: 
_أنا!!   ولا حاجة، أنا نفذت اللي طلبتيه! 

برقت بعينيها بصدمة، وهزت رأسها بجنون وهي تسحب غطاءها لتستر به ذاتها: 
_لا... لا.. إنت حيــــــوان... أنا هوديك في داهية يا كلب. 

لم تتأثر ملامحه، بل استمر بتناول مشروبه وهو يقول ببرود:
_ولا تقدري تعملي حاجة، لإن ببساطة اللي حصل بمزاجك. 

لكمته بعنف وعصبية جعلتها تصرخ: 
_اخرس، اخــــــرس يا حقير أنا أشرف من إنك تتهمني اتهام قذر زي ده، تيـام مش هيسيبك، هيقتلك! 

ضيق عينيه بسخرية: 
_يقتلني أنا!! 

واعتدل بجلسته وهو يسحب الحاسوب من جواره: 
_طيب يا أم الشرف طالما عايشة الدور، أفوقك منه قبل ما تصدقيه. 

وفتح الحاسوب، بينما تطالعه هي بدهشة، وهو يشير لها: 
_الجناح كله مليان كاميرات. 

ومرر لها الحاسوب قائلًا ببسمة انتصار: 
_بصي بنفسك واتأكدي تيام هيقتل مين فينا. 

كل ما تعرضت له لا يساوي ما رأته بعينيها، لا تصدق أنها قد أضاعت أخلاقها لتلك الدرجة الوضيعة، هزت رأسها وهي تتراجع للخلف، وتشير صارخه: 
_لا... لا... أنا مستحيل أعمل كده، لا كدب كدب. 

ضحك وقال باستهزاء: 
_أكيد يعني ملحقتش أبرمج ولا أحذف حاجة، ثم إن اللي حصل حاضر كله في ذهنك وفاكراه. 

ومال يطالعها بنظرة قوية واثقة: 
_مش إنتِ بردو فاكرة اللي حصل يا رحيق؟ 

توالت لها ذكرى ما حدث بالكامل، ليؤكد صدق حديثه اللعين، تهاوت على الفراش تصرخ وهي ترطم وجهها بجنون أدمى ملامحها الرقيقة، بينما يستكمل هو ارتشاف الخمر والسيجار ببرود

تركها تخرج ما فيها من بكاء استمر لوقتٍ طويل ولم تيأس، حتى قال بجمود: 
_خلصتي!  

نهض عن الفراش يتجرع كأسه مرة واحدة، ويقول بفحيح شيطاني مهيب: 
_ودلوقتي مفيش قدامك أي حلول تانية غير اللي هتسمعيه مني!! 
 
أفاقت من ذكراها اللعينة ودموعها تنهمر دون توقف، كبتت "رحيق" صرخاتها ومالت على الفراش تبكي وهي تهمس بخفوت: 
_يا ريتني كنت موت قبل ما يحصل كل ده!!  يا رب ريحني من اللي أنا فيه! 
                                *******
وبينما هناك بداية لنبض جنين هناك انتزاعًا للآخر، وكلاهما كانا نطفة لشيطانٍ لعين،  على أحد الأسرة التابع لاحدى المستشفيات السرية الخاضعة لعائلة التميمي،  فتحت تلك الشقراء عينيها بتعبٍ شديد، والوجع يمزق أحشاءها بعد أن تم انتزاع جنينها ذو الثلاثة أشهر. 

وضعت كفها تتلمس بطنها الذي بات فارغًا كالارض البور، ودموعها تنشق على وجنتها حزنًا، فاذا بدخان سيجارٍ يلفح جانب وجهها الأيسر، وصوته الساخر يصل لها: 
_هي أول مرة ولا إيه؟؟ 

شملته بنظرة غاضبة، فضحك "هارون" وقال وهو يضع ساقه فوق الأخرى: 
_فوقي كده يا صوفي ورانا شغل كتير. 

احتقنت أودجتها، وصاحت بتقزز منه: 
_إنت معندكش دم، اللي مات ده ابنك وإنت اللي أمرت بقتله، إزاي حتى مش حزين عليه!! 

توالت ضحكاته المخيفة بشكلٍ أرعبها، وجعلها تود أن تسحب حديثها، وخاصة حينما نهض يدعس سيجاره بالمطفأة الجانبيه، ثم مال لفراشها، يتطلع لها باستحقارٍ، وفجأة قبض على خصلة رأسها الصفراء، يجذبها بقوة وعنف: 
_ابن مين يا ***،  يا بت ده أنا اللي بوقعك في طريق الشخصيات المهمة والسياسيين عشان تلقطيلهم معاكِ كذه فيلم نساومهم بعد كده بيه. 

وأضاف وهو يشيعها بنظرة وضيعة: 
_تحبي أعدلك الافلام اللي عامل لهم إخراج بنفسي!

حاولت أن تحل عقدتها وهي تردد ببكاء: 
_صدقني ده ابنك يا هارون. 

نالتها صفعة من يده وهو يصرخ بنفور: 
_اخرسـي، حتى لو ابني تفتكري لما أعوز أخلف هخلف منك إنتِ يا***. 

بكت بانكسار بينما يتابع ببرود مريب وهو يرى الدماء تنسدل بجانب فمها : 
_أوف، شوفتي خلتيني أشوه وشك الجميل إزاي وإحنا محتاجينه في الشغل! 

وربت على كتفها بقوة ألمتها: 
_فكك من حوارات المسلسلات التركي دي، وركزي في شغلنا يا صوفي، والا هتكوني كتبتي نهايتك بإيدك. 

قالها ورحل من أمامها، رحل متجهًا إلى الكافيه حيث سيجد من يظنها ضحيته الجديدة، ولكنه لا يعلم أن هلاكه سيكون زفافًا له على يدها!! 
                               *******
خرج "تيام" من المطعم الخاص به، يتمشى على الرمال التي يرتطم بها الموج، ويديه بجيب سرواله الأبيض. كان شاردًا، حزينًا، حتى استحوذت عينيه على مشهد اهتم بكل تفاصيله، لدرجة جعلت ساقيه تقودانه إليه. 

طاولة منعزلة خاصة بالمطعم، تنزوى بركنٍ منعزل، وضع من فوقها العديد من أدوات الرسم، وبوجهته اللوحة التي سلبت عقله من شدة جمالها وإتقانها، كانت تجسيدا حيا لمنظر المياه والرمال والسماء، حتى ذلك الفنان المحترف الذي يوليه ظهره كان يلصق بأرضيتها القواقع والرمال بشكلٍ مبهر. 

وقف خلفه يتأملها بانبهار، جعل لسانه يرضخ للنطق: 
_يا لك من فنان مبدع. 

ارتسمت بسمة ثقة على وجهه، واستدار ببطءٍ صوب هدفه، يطالعه بعسليته الساحرة بخبث، وقد تحقق هدفه وأتى الطعم بالفريسة إلى محله، بالطبع من كان سيختار "رحيم زيدان" لمواجهة ذلك المخترع داهية الذكاء، سوى "الجنرال"!!!                  
                 *******  
  صف" نوح" سيارته ومال لها يحذرها: 
_يا بنتي راجعي نفسك، كِنان مش بيحب حد يجيله هنا، حتى أنا! 

أجابته "رزان" بقوة واصرار: 
_نوح قولتلك إنت بره الليلة، مش هقوله إنك اللي جبتني. 

وكادت أن تهبط من السيارة، ولكنه أوقفها حينما سألها: 
_طيب قوليلي إنتِ جاية هنا ليه؟   وليه خلتيني أتصل بكِنان أشوفه في أي كافيه،  روزي لو في  حاجة في دماغك المجنونة دي صارحيني بيها بدل ما يعلق رأسي ورأسك على باب القصر. 

سحبت كفها وقالت وهي تتخفى بقبعة ضخمة، ونظارة سوداء تخفي ملامحها: 
_قولتلك مش هجيب سيرتك يا نوح. 

هبطت من السيارة تتسلل من الباب الخلفي، وهي تعقد العزم لقطع آخر خطوة قد تكون نهاية لقصة حبها، تريد أن تحصل على الخلاص، بداخلها إحساس قوي أنه قال ذلك ليُرغمها على الابتعاد عنه لحمايتها، تريد أن تنهي عذابها بشكل نهائي. 

تعرضت لأذى كبير ولم يعد بقدرها التحمل، ولكن هنا سيكون الختام لقصة كلما حاولت أن تنهيها يرفض قلبها ذلك. 

أزاحت "رزان" دموعها واستكملت طريقها للداخل، وقفت بالطابق الاول حيث يعج بالشباب والفتيات، يرقصون بشكلٍ فج، والكحول تملأ المكان برمته بشكلٍ جعلها تكاد أن تتقيأ، ومع ذلك استكملت طريقها للبحث عنه وبداخلها أمل قوي أنه كاذب! 
                               ******
سند رقبته للمقعد بارهاقٍ، وهو يتابعها على الشاشات من أمامه، تنهد بوجعٍ وهو يهمس: 
_عنيدة ومصرة إني أوجعك عشان تبعدي عني! 

عانق أصابع كفيه بعضهما، وسندهما على مقدمة أنفه. ثم ترقب انضمام من طلبه، حتى ولج يهتف: 
_تحت أمرك يا باشا. 

قال و مازال محني الرأس: 
_رزان عايزها توصلي في الاوضة اللي جنب المكتب، وبدون ما حد يتعرضلها سواء وهي طالعه أو وهي نازلة. 

أومأ "حيدر" له في طاعة: 
_حالًا يا باشا. 

تنهد وهو يعود ليتطلع لملامح وجهها من جديد، تلك الحمقاء لن يستطيع إقناعها إلا أن ترى ما تخشاه قبالة عينيها. 

نهض يتجه للغرفة المجاورة لمكتبه، حيث أعد العدة ليقنعها بما أتت تبحث عنه!  
                           *****
ارتعبت "رزان" حينما رأت "حيدر" أمامها بجسده المرعب، يسد طريقها وهو يسألها بمكر زرعه فيه سيده: 
_أنسة رزان حضرتك بتعملي إيه هنا؟؟  

ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وإدعت قوتها: 
_مالكش دعوة. 

وكادت أن تتخطاه، فعاد يضع ذراعه يمنعها من استكمال الطريق: 
_أنا حابب أساعدك، انتِ شايفة المناظر حواليكِ عاملة ازاي؟  أخاف حد فيهم يضايقك! 

خطفت نظرة لمن حولها، وقد تضاعف خوفها لصدق ما قال، فعادت تطالعه وهي تتساءل: 
_كِنان فين؟ 

أشار لها أن تتبعه، فولج من باب جانبي درجا صغيرا معدنيا، اتبعته حتى وقف أمام غرفة يشير لها بهدوء عليها، ازدردت ريقها بصعوبة، واتجهت تفتح بابها، تمضي خطوات كالطفل الذي يتعلم كيف يخطو أولى خطواته البطيئة.

فاذا بها تتطلع صوب الفراش الذي لعن كل ذرة حب حملتها بقلبها لهذا الخائن، الذي نجح بأن يوصل لها صورة كاملة تبني عليها فراقا وهجرا أبديا، ومع ذلك طالعها بنظرات قوية، غير نادمة. 

تهاوى الدموع من عينيها وهي تتطلع إليه، وفجأة ارتسمت ابتسامة صغيرة بلهاء، وهي تردد بصعوبة: 
_الظاهر إن أنا الوحيدة اللي من لحم ودم جوه العيلة دي. 

وتابعت بينما تتطلع إليه بقوة: 
_إنت كدبت لما قولتلي إنك أبشع من هارون،  إنت مالكش شبيه في القذارة يا كِنان.

وسحبت بصرها أرضًا، بينما تستدير لتغادر بخطوات غير واعية، تهمس بعدم اتزان: 
_أنا حبيتك!!!   حبيتك بجد!! 

اعتدل بجلسته وهو يميل للارض، يحبس تلك الدموع الحبيسة، بينما تغادر هي الغرفة وهي تهذي بكلماتٍ غير مرتبة، تتطلع أرضًا وتتحرك ببطء. 

استدار "كنان" تجاه تلك الفتاة التي طالبها بفعل أغرب ما طلب منها يومًا، وبغضب جحيمي قال: 
_إغربـي عن وجهـي الآن..
                **********
ظهر من أمامه بينما يتمرن على النصف السفلي الالكتروني، ليستقيم بجسده الذي بات قعيدًا لفترة، فاذا به يفتح رماديته وهو يتحكم بقبضته على استقامة الآلي، وفجأة ظهر "ماتيو" من أمامه، يقول: 
_لدي ما أريك إياه سيدي. 

سمح له "عثمان" باشارة يده، فاذا ببطن الريبوت يظهر كهيئة شاشة عرض، يعرض له لقطة لأول من قام بمعارضة أوامره للمرة الأولى، ومنذ الوهلة الأولى. 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة مخيفة، وهو يراها تتنقل بين حديقة القصر بحرية، غير مبالية بأوامره التي أصدرها بالصباح، فاذا به يردد بخبث مرعب: 
_الظاهر إنك مقدمة روحك قربان يا دكتورة، وأنا قابل!! 
                          ********
مر يتجه إلى مكتبه، ومن خلفه حارسان يتبعانه، فاذا به يمر من الطرقة التي تحوي عددا لا بأس به من الفتيات اللاتي أتين ليقدمن بالوظائف الشاغرة. 

كعادته تمعن بهن بوقاحة، وأغلبهن يتعمدن أن يبدين زينتهن من أمامه، وكأن قذارته باتت معروفة عنه للجميع. 

التمعت عينيه بابتسامة شهوانية، تبددت حينما سقطت عينيه على تلك الجامحة، التي لم ترفع عينيها صوبه قط، كانت تجلس بثبات وقوة لم يرَها في امرأة يومًا،  بل وتعمدت أن ترفع زُرقتها الفاتنة بنظرة محقرة إليه، ثم عادت ببصرها للبعيد كأنه هفوة غبار مُلوثة تمر من أمامه، امرأة اجتمع فيها جمال النساء بأكملهن من وجهة نظره، وبالرغم من أنها لم تكن مرته الاولى التي يرى فيها امرأة جميلة ولكن بتلك القوة والنظرة الغامضة لم يرَ! 

ثمة شيءٌ بعينيها يموج بحدة وكبرياء، حتى رنا هو إليها، فوقف قبالتها يهتف باعجاب: 
_ما اسمك يا فتاة؟ 

تجاهلته "مرين" وهي تحدجه بنظرة شرسة، فرمش غاضبًا من عنجهيتها وتجاهلها له، عاد يكرر بصوتٍ أكثر حدة: 
_أَ صماء أنتِ؟ 

رفعت رأسها الشامخ صوبه ومازالت تجلس بنفس هدوئها: 
_بلى ولكني لا أتعامل مع الوُضعاء أمثالك! 

واستطردت بنبرة قوية جعلت من حولها يترقبن رد فعل "هارون" برعب: 
_إن أردت أن تُحترم لا تكن وضيعًا. 

وقالت وهي تتحداه بنظرة حادة: 
_ربما لو طرحت سؤالك باحترام لوجدتني أجيبك بالشيء ذاته، والآن سأغادر يبدو أنني لن أرتاح بالعمل هنا!!!! 

وما أن استدارت لتغادر حتى صاح بعنفوان: 
_توقفي!! 
                                   *******
خرج من الغرفة مهمومًا لما اضطر بفعله، فاذا بهاتفه يعيد بالرنين للمرة الثالثة برقم "حيدر"، تعجب لاصراره بالوصول إليه. 

حرر" كِنان" زر الاجابة، فاذا بالاخر يردد: 
_رزان هانم على السطوح وعايزة ترمي نفسها يا باشا،  أنا مش قادر أسيطر عليها من فضلك اطلع بسرعة! 

ما أن استمع لذلك حتى سقط الهاتف منه وهو يهرول للاعلى كالمجنون، يجزم أن قلبه توقف أكثر من أربع مرات، ومازال يعافر للوصول للطابق الاخير الذي تباعدت مسافته فجأة!! 

وصل للطابق الاخير وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة، فوجد "حيدر" يكتفها، وهي تثور بين يديه وتحاول الصعود على المقعد الحديدي الذي بدا بأنها وضعته للتو، حتى تلقي بذاتها مثلما أخبره "حيدر". 

انخلع قلبه ورنا إليها بهلع،  نادمًا  أشد الندم من حالة الانهيار التي أصبحت عليها، ناداها: 
_رزان!! 

هدأ تعصب حركتها، واستدارت صوبه تقابله بكره شديد، أشار" كِنان" إليه وهو يأمره: 
_سبها وإنزل إنت، أنا هنا هتعامل معاها. 

إنصاع له "حيدر" وغادر يترك لهما المساحة، وقفت "رزان" تتأمله بكراهيةٍ شديدة، ودموعها تنهمر دون توقف، بينما ساقيها تتراجعان للخلف.

انتهت الحياة بالنسبة إليها في تلك اللحظةٍ التي رأته يخونها فيها، لقد تخلى عنها بتلك البساطة، ولم يبالِ بطعنة خيانته لها، هو أخبرها سابقًا بأنه يعشقها، يعشق التراب الذي تخطو من فوقه، أخبرها بأنها كل شيءٍ بالنسبة له  والآن تراه يتخلف عن كل وعوده فجأة!
 
ازدادت معاناتها حد الهلاك، ولم تجد إلا الموت سبيلًا للخلاص ،  استدارت تكمل طريقها ركضًا،  حتى وصلت إلى المقعد،  وقعت فوقه واستعدت للصعود على السور. 

صرخ فيها "كِنان" بجنون: 
_أوعــــى تعملي كده! روز اسمعيني!! 
 
لم تستمع إليه حتى حينما أفصح عما فعله ليبعدها عنه: 
_انتِ فاهمه غلط،  أنا عملت كده عشان أبعدك عني، محصلش بينا حاجة، صدقيني! 

 لم تنصَع لندائه ولو ظل عمره بأكمله يطالبها بالانصياع إليه لن تستمع، صعدت على السور، تتطلع للأرض التي تبعد عنها لمسافة تفزع لها الابدان. 

ارتعب وارتعش جسده حينما وجدها تقف على حافة الهلاك، تماسك بقوة وهو يترجاها: 
_رزان أنتِ عارفة إني بحبك، أنا عمري ما حبيت غيرك صدقيني، عشان خاطري ارجعي.
أنا اللي تعمدت أقولك كده الصبح عشان تيجي لحد هنا وتشوفي اللي شوفتيه،  يمكن بعدها تكرهيني وتقبلي إنك تهربي من الجحيم اللي انتي فيه،  صدقيني دي الحقيقة. 

منحته نظرة ساخرة، قبل أن تردد بأنين: 
_إنت مش مضطر تمثل الحقارة دي عشان تبعدني عنك،  انا هريحك مني وهرتاح أنا كمان منك ومن هارون ومنكم كلكم. 

واسترسلت ببسمةٍ طعنت قلبه بكل ما امتلكت وهي تهتف بالايطالية:
_امضي ولا تهتم، سبق وتحطم قلبي مرارًا قبل أن تفعل أنت. 

أشار بيده وهو يترجاها: 
_خلينا نتكلم وأنا أوعدك إني هعملك اللي انتِ عايزاه كله، مستعد حالًا نطلع على المحامي ونتجوز،  مش هفارقك أبدًا بس انزلي عشان خاطري يا روز! 

طعنته بزورقة عينيها، تجابه عينيه الدامعتان بكل قوتها، ومن ثم أغلقتهما بقوة، قبل أن تفرد ذراعيها للهواء، وهمست له قبل أن يسقط جسدها عن البناية: 
_أحببتك بصدق جاك!

سقط جسدها وعينيها مغلقة باستسلامٍ، حتى أنها شعرت كأنها ورقة تحمل بين طيات تيار الهواء العتي، انتظرت أن يعانق جسدها وابل من الآلآم،  ولكنها فجأة شعرت بيدٍ قوية تحملها، وجسدها بعدما كان يتفاوت بسرعة مرعبة بات ينخفض رويدًا رويدا. 

فتحت عينيها على مهلٍ، فبرقت بصدمة جعلت البرودة تكتسحها، عينيه البنيتين قريبة منها، شعره معكوس على عينيه بفعل الهواء الذي لفح وجهه، والمرعب لها ما ظهر من خلفه، جناحان عملاقان يظهران من خلف ظهره، من اللون الابيض، بينما تتدرج بنيته بشكلٍ ملحوظ! 

سحبت "رزان" كفها المسنود لصدره المكشوف، بينما تثور ساقيها بجنون وهي تهبط عن ذراعيه، تراجعت عنه للخلف بصدمة أسقطتها أرضًا بين تلك الاعشاب في تلك المنطقة المنعزلة التي نقلها إليها. 

راقبته بفزع وعينيها جاحظة بدون تصديق، وحينما انخضعا الجناحان له وتخفيا داخله، اقترب منها فزحفت للخلف وهي تجاهد لخروج كلماتها المرتعشة: 
_من أنت بحق الجحيم؟


تعليقات