رواية ظل بعد ظل الفصل السابع بقلم ياسمين النعيمي
المستشفى بعده بنفس برودته ... بس ريّا تغيّرت.
وقفت لحظة أمام باب الغرفة ... مسحت دموعها بكفها ... عدلت نفسها ... و دخلت.
مو لأنها صارت قوية ... بس لأنها قررت تبين قوية.
داخلها ...
كان أكو صوتين:
واحد يقول:
"انكسري ... حقچ ..."
و الثاني ... أقسى:
"مو هسة ... عندچ بنات ينتظروج"
و اختارت الثاني.
لبست قناعها ... و مشت.
رغد
رغد اجت بالممر هي و رهف تمشي سريع ...
أول ما شافت ريّا ... وقفت بسرعة:
- شصار ؟!
ريّا وقفت أمامها ... لحظة ...
لو تحچي كلمة غلط ... راح تنهار.
رفعت عيونها ... و بصوت هادي جداً ...
مكسور بس ثابت:
- رغد ...
سكتت ثانية ... بعدين قالتها:
- بابا ... راح.
سكون.
الكلمة وقعت ... و كأنها ثقيلة على المكان كله.
رغد عيونها توسعت ... كأن عقلها رفض يستوعب:
- شنو يعني راح؟!
ريّا تقدمت خطوة ... مسكت إيدها:
- يعني ... توفى.
هنا ... انهارت رغد.
مو بصراخ عالي ... بس دموع فجأة ... و جسمها كله ضعف.
- وين، ويين راح ... اجيت اشوفه ...
ريّا سحبتها لحضنها بسرعة:
- اشش ... اشش ... حبيبتي ...
و رغم إن صوتها يهتز ... بس إيدها كانت ثابتة على ظهرها.
- اني وياچ ... لا تخافين ... اني وياچ.
و الغريب ... إنها صدقت نفسها لحظة.
رهف
رهف كانت واقفة بعيد ... تشوف ... ما فاهمة.
قربت بخطوات صغيرة:
- ليش تبچون؟!
سكون.
هذه أصعب لحظة.
ريّا ركعت لمستواها ... حاولت تبتسم ... بس ابتسامتها كانت موجوعة.
مسكت خدها بلطف:
- رهوفة ...
سكتت ... تحاول تختار كلمة ما تكسرها.
- بابا ... تعب هواية ...
رهف قاطعتها:
- زين هسة زين؟
هنا ... انكسر شي داخل ريّا ... بس تماسكت.
- راح يم رب العالمين.
رهف قطبت حواجبها:
- يعني وين؟
ريّا قربتها أكثر ... حضنتها:
- يعني ... صار بالجنة.
سكتت رهف لحظة ... تفكر بطريقتها البسيطة:
- يرجع؟
الجو كله سكت.
ريّا غمضت عيونها لحظة ... و دمعة نزلت رغم عنها.
- لا حبيبتي ... تعب هواية ... بالجنة رب العالمين يشفيه ...
همستها ...
- بس يبقى يحبچ ... و يشوفچ.
رهف سكتت ... و فجأة حضنتها بقوة:
- أريد بابا ... لا يروح ...
هنا ... قناع ريّا كاد ينكسر.
بس لا.
لفت إيدها عليها بقوة:
- اني وياچ ... اني بابا و ماما هسة ...
و لأول مرة ... قالتها ... و خافت منها بنفس الوقت.
مرت ساعات طويلة ...
طلعت لممر المستشفى
و هناك ... شافتهم.
سلمان ... واقف بثبات ... وياه زياد ... وياه قيس.
واضح من ملامحهم ... إن كل الإجراءات تقريباً خلصت.
عيون سلمان راحت مباشرة لريّا ... قرب منها.
- يابا ...
صوته هادي ... بس بيه ثقل رجال شايل مصيبة.
ريّا وقفت أمامه ... و لأول مرة ... نزلت عيونها.
- عمو ...
صوتها كان مختلف ... مو ضعف ... بس تعب.
سلمان فهم بدون ما تقول.
خلصنا الإجراءات ... ننقله لاهلنا.
سكون.
ريّا رفعت عيونها ببطء:
- وين ؟...
سلمان هز راسه:
- يندفن هناك يابا موصيني ... و العزا هناك.
سكتت.
مو اعتراض ... بس خوف.
قيس كان واقف شوية بعيد ... بس عينه عليها.
يشوف كل تفصيلة.
ريّا تقدمت خطوة ... وقفت أمام عمها سلمان مباشرة.
- عمو ...
سكتت لحظة ... بعدين لأول مرة ... تكلمت بصراحة كاملة:
- اني خايفة.
سلمان ما قاطعها.
- مو من السفر ... ولا من الدفن ...
أخذت نفس:
- خايفة على نفسي ... و على البنات ...
سكتت ... صوتها خفت:
- ما اعرف إذا أگدر أوقف بحيلي هناك ...
لحظة صمت.
عمها تقرب خطوة ... وقف أمامها تماماً.
و بصوت هادي ... بس بيه قوة شيخ حقيقي:
- انتي ما رايحة لوحّدچ.
رفعت عيونها إله.
- انتي بنتي حبيبتي ...
سكون.
- و تمشين وياي ... و راسي مرفوع بيچ.
إيده ارتفعت ... حطها على راسها:
- و الي يمسچ بكلمة ...
سكت لحظة ... و نبرته كملت بثقل:
- ينزل عليه غضب الله ... بغضب سلمان.
الجو كله سكت.
الكلام مو تهديد ... هذا وعد.
عيون ريّا دمعت ... بس مو ضعف هالمرة ...
شي أقرب للأمان.
هزت راسها بخفة:
- زين عمو ...
نزلت دموعها أمامه بضعف رغم ادّعاء القوة أمام البنات و همست،
- اني هسة ما عندي غيركم ... شنو تكَول اني بنتك و اطيعك مثل ما أطيع ابوية ...
و مسكت بإيده تقول بنبرة رجاء،
- بس لا تظلمنا اني و اخواتي بيوم ...
تأمل عيونها و طريقة كلامها وياه ... سبحها من إيدها الممسكة بإيده باس جبينها يقول،
- انتن نعمة الله أنعم عليّ بيها ...
اجت رغد ناحيتهم ... بعدها تشهق و تبچي بهدوء.
قربت منهم و عمها فتح إيديه ضمهن هن الاثنين، يبوس راسهن و يردد،
- لا تبجن يا بعد عيني ...
دقايق مرت و هدأت رغد بحضن عمها و هو يطمنها و يهدهدها ...
راح عنهم انشغل شوية و ريّا مسكت وجهها بإيدينها:
- رغد ... لازم نروح وية عمو سلمان.
رغد هزت راسها بسرعة:
- ما أريد ...
ريّا قربت جبينها من جبينها:
- لازم.
سكون.
- بابا لازم نودعه قبل لا يندفن، و لازم يندفن هناك.
دموع رغد نزلت أكثر ... بس هالمرة ... ما اعترضت.
يوم السفر ...
المشهد كان غريب.
مو بس حزن ... بيه احتواء ثقيل.
ثلاث رجال:
سلمان
قيس
زياد
كل واحد ... بطريقته.
قيس
يمشي أمامهن ... كأنه درع.
زياد
يمسك أغراضهن ... ينتبه لكل تفصيلة.
سلمان ...
كان الأقرب للبنات ...
كل ما تتعب وحدة ... يلتفت:
- انتن بخير ؟!
نظرة ... مو كلمة.
و هي ترد بنظرة:
- تمام عمو.
و هم الاثنين يعرفون ... مو تمام.
داخل ريّا
و هي تمشي بينهم ...
حست بشي غريب.
فقدت أبوها ...
بس مو وحدها
بس بنفس الوقت ...
هذا مو بيتها
مو أرضها
مو حياتها
و رغم كل الحماية حولها ...
داخلها صوت:
"انتي وحدچ"
بس هالمرة ... كان أهدأ.
لأن أكو صوت ثاني:
"بس مو مثل قبل"
النهاية
قبل ما يركبون ...
رهف ماسكة بإيدها:
- ريّا ... بابا راح يجي ويانا؟
ريّا نزلت لمستواها ... حضنتها:
- بابا سبقنا للجنة ...
رهف سكتت ... و تمسكت بيها أكثر.
ريّا وقفت ... رفعت عيونها.
شافت:
عمها
قيس
زياد
ثلاثتهم ... واقفِين إلها.
مو بدل أبوها ...
بس ...
سند مؤقت ... لحد ما تتعلم توقف لوحدها.
و مشت.
بس هالمرة ...
مو بس بنت مكسورة.
بنت شايلة بيت كامل ... و تحاول ما ينهدّ.
الطائرة هبطت …
و أول ما انفتح الباب …
الهواء كان مختلف.
مو بس أدفى من برد لندن …
كان أثقل …
كأنه شايل ريحة تراب … و ناس … و حياة قديمة ما تعرفها ريّا بعد.
نزلوا بهدوء …
خطواتهم بطيئة … مو من التعب …
من الثقل اللي بيهم.
الجثمان …
كان أول شي يطلع.
سيارة الإسعاف كانت تنتظر … جاهزة …
بابها مفتوح كأنها مستعجلة تاخذه من هنا.
وقفوا لحظة …
مو لوداع …
بس لأن اللحظة ثقيلة.
انحمل …
و انغلق الباب.
صوت الإغلاق …
كان كأنه ختم.
زياد أشار لهم:
- انتظروا هين اجيب السيارة.
كان تارك سيارته بالمطار …
وقبل لا يتحركون …
واحد قرّب من سيارة الإسعاف.
رجال …
يشبههم.
نفس الملامح …
نفس الوقفة.
سلّم على سلمان …
حضنه بقوة:
- البكَى براسك يابا ...
صوت رجال … بس مكسور.
بعدين التفت للبنات.
لحظة صمت.
- عظم الله أجركم …
ريّا رفعت عيونها …
ثابتة.
- أجرنا و اجركم ...
ردّت … بدون اهتزاز.
الرجل هز راسه …
واضح شاف شي بيها.
ركب بسيارة الإسعاف …
و تحركوا.
الطريق …
طويل.
أطول من اللازم.
ساعة …
و بعدها ساعة …
الشوارع أول شي كانت عادية …
بعدين بدأت تتغير.
أشجار.
نخيل.
بساتين.
كل ما يمشون …
الخضار يزيد.
و الطريق …
كأنه ما ينتهي.
ريّا كانت تباوع من الشباك …
ساكتة.
تحاول تفهم.
وين هم ؟
شنو هذا المكان ؟
مو مدينة …
مو قرية صغيرة …
شي أوسع.
أكبر.
أهدأ … بس مهيب.
بعد ما طلعوا من الشارع العام …
دخلوا طريق داخلي.
طويل.
مستقيم.
محاط بالأشجار من الجهتين.
كأنهم داخلين نفق أخضر.
الشمس تتخلل من بين الأغصان …
و ترسم ظلال تتحرك ويا السيارة.
رهف كانت ساكتة …
تمسك بإيد ريّا.
رغد عيونها على الطريق …
بس ما شايفة شي.
فجأة …
السيارة خففت سرعتها.
و وقفت.
ريّا رفعت عيونها …
و شافت.
مساحة …
شاسعة.
باب كبير …
مفتوح.
و وراه …
رجال.
هواية رجال.
واقفين …
ماليين المكان.
و سكون غريب …
مو فوضى عزاء …
سكون هيبة.
زياد يقول،
- وصلنا.
سلمان التفت له،
- كَبل جوا زياد.
صوته هادئ …
بس واضح هو القائد هنا.
نزل أول.
وقف.
و فتح الباب للبنات بنفسه.
نظرة وحدة منه …
كأنها تقول: "انزلوا … اني وياكم"
نزلت ريّا أول.
أرض غريبة …
بس صلبة.
وقفت.
و كل العيون …
التفتت.
نظرات فضول …
نظرات تعرف.
تعرف منو هذول.
سلمان وقف وياهم عمداً.
قربهم منه.
و بهدوء …
دخلهم.
كان كأنه يسلمهم …
مو يتركهم.
بالداخل …
الجو تغيّر.
صوت النساء قليل، بس تسمع أصوات قليلة تبكي.
ريحة بخور.
و حركة خفيفة.
و هناك …
وقفت امرأة.
أول ما شافوها …
عرفوا.
هاي أم.
ملامحها …
طيبة.
عيونها …
مليانة حنان حتى و هي تبچي.
قربت بسرعة،
حضنت ريّا أول.
- كل الهلا يمه …
الكلمة طلعت منها بدون تفكير.
حضنها …
دافي.
ثابت.
كأنها تعرفهم من زمان.
- الله يرحمه … الله يصبرجن يا يمة …
إيدها على راسها …
تمسح.
مو مجاملة …
احتواء حقيقي.
وياها …
امرأة أصغر بشوية.
ملامحها …
قريبة منهم.
بس التعب واضح عليها أكثر.
أول ما شافتهم …
انهارت.
- تعالن، تعالن يا ريحة الغالي ...
صوتها عالي …
و بيه وجع قديم.
- حرمونا منه …
كلماتها مو موجهة إلهم …
موجهة للسنين.
تبچي …
و تردد.
أم قيس حاولت تهديها:
- سميّة اذكري الله ... البنيّات ما عايزات يولي ...
بس هي ما سكتت بسهولة.
بنت صغيرة …
بعمر رغد تقريباً.
قريبة منهم.
هادئة.
شايلة صينية مي.
صاحتها ام قيس،
- نورا يمة ...
التفتت لهم رافعة عيونها عليهم و وجهتها أمها،
- جيبي مي للبنات ...
قربت وية الصينية تمدها إلهم بخجل:
- تفضلوا …
ابتسمت بخفة.
و وقفت يمهم … كأنها جاهزة لأي شي.
ريّا أخذت المي …
إيدها ثابتة.
بس قلبها …
مو هادي.
و فجأة …
دخلت وحدة.
شكلها عادي.
لبسها بسيط.
بس عيونها …
مو بريئة.
نظرتها مرت على البنات …
وقفت شوية.
و قالت بنبرة مو عالية …
بس مسموعة:
- هذن بناته؟
سكون خفيف.
و قبل لا أحد يرد …
كملت:
- منين جايات؟ شكولهن مو مال هينا …
نغزة.
خفيفة …
بس بمكانها.
أم قيس التفتت لها بسرعة:
- ام محمد مو وكته ...
بس هي ما وقفت.
اجت تكمل و قاطعها صوت سلمان جاي من غرفة جوا، طالع بهيئة غير الي إجوا بيها ... لابس دشداشة بيضاء و شماغ ابيض لافه بشبه لثام ... هيئته مختلفة، أكثر حدة و صرامة، صوته هز المكان بدون ما يعلى،
- و الخلق السموات و الأرض، ان عرفت احد تدنّى لبناتي، لو كَصدهن بنظرة، يا غضب الله الينزل عليه على ايدي ...
نادى لأم قيس و البنات، دخل بيهن لغرفته، غلق الباب، خلاهن تحت جناحه و يوصيها،
- ام قيس يابا ... البية يهد جبال و مالي بطلايب النسوان ... هذن بناتج ان اجى احد صوبهن زلمة لو مرة، لو اني سلمان تهرفلت و اجيت صوبهن بمو زين تكَفين بوجهي و تكَولين هذا حدّك ...
البنات واقفين مصدومين و ام قيس ترد له بكل ثقل و هيبة،
- البيك بينا كلنا سلمان ... روح للناس و لا تفكر ...
فتحت إيدها خلتها على كتف ريّا،
- محد يجي صوبهن و اني هين ...
نقّل نظراته بين البنات و سأل،
- تريدن شي يابا ؟!
و ريّا بدموع لا إرادية سألته،
- شوكت تدفنوه ؟!
- ما نبطي، بطينا جثير يابا و إكرام الميت دفنه.
غمضت عيونها تحاول تسيطر على شهقتها و همست بشهقات مكتومة،
- نريد نشوفه ... قبل لا تدفنوه ... يصير نجي ؟!
مد إيديه مسح دموعها يقول،
- طلعة من البيت ماكَدر اطلعجن، بس اجيبه لهين تشوفنّه ... يرضيج ؟!
صفنت تتأمل كلامه و هزت راسها و دموعها تتطاير من خدودها،
- إي إي ... بس نشوفه ...
باس راسها يقول،
- ما يصير خاطرج الا طيب ...
و أردف و هو يمسد على شعرها، و محاوط رغد،
- دحجن يابا ... مو كل من يجي هين ادمي، جثير ناس رايحة رادة بس تريد تشوف بنات اركان ... اذا سمعتن حجي من هين لو مناك ابد ابدد لا تاخذن و تنطن وية احد، هاي ام قيس امجن،
و التفت لأم قيس،
- نورا وين نورا ؟!
و كمل،
- و نورا اختجن الزغيرة .. شرايدات، و شعايزجن انتن بنات البيت ...
ريّا ثبتت نظرها عليه.
ثواني.
بدون رد.
بس فهمت.
هنا …
مو كل الناس مثل عمها.
مو كلهم أمان.
كلهم يعرفون شلون يوقفون … شلون يحزنون … إلا هي … كأنها متأخرة خطوة عنهم ...
و بهاللحظة …
حست.
إن الرحلة …
توها بدت.
البيت …
كان ساكت بطريقة مو طبيعية.
مو هدوء راحة …
هدوء قبل شي كبير.
باب الصالة كان مغلق.
و صوت رجال برّه …
حركة خفيفة … خطوات … أوامر قاطعة.
ريّا كانت واقفة بالنص.
حاسّة بكل نبضة بقلبها.
رغد يمها … ساكتة … بس إيدها ما تفارقها.
أم قيس واقفة قريب … عيونها على الباب …
مو خوف … ترقّب.
و سميّة …
واقفـة أبعد شوية.
كأنها مو مستوعبة المكان.
ولا الزمن.
صوت خطوات قرب.
ثقل.
و بعدها …
انفتح الباب.
دخلوا.
سلمان أولهم.
ملامحه مختلفة …
مو نفس الرجل اللي كان بالمطار.
أقسى.
أهدأ.
كأنه شايل مصيبة و مسيطر عليها بيده.
و وراه:
قيس …
واقف ثابت … عيونه تتحرك على كل تفصيلة.
زياد …
شايل الثقل … بس منتبه لكل حركة.
أسامة …
صامت … بس حضوره واضح.
و بينهم …
التابوت مرفوع ...
الهواء تغيّر.
فعلياً.
كأن الغرفة ضاقت فجأة.
بمجرد ما دخلوا …
سلمان وقف.
التفت بنظره على الكل جهة باب الصالة الخارجي،
و بصوت منخفض … بس ما يقبل نقاش:
- لحد يجي ...
و بنظرة لأسامة انغلق الباب.
لا رجال يدخل ولا مرة.
بهاللحظة …
رهف حاولت تقرب من الباب من بعيد …
- ريّا … شنو هذا؟
ريّا التفتت بسرعة.
قرار.
بدون تفكير.
- عمة …
نظرت لأم قيس مباشرة:
- ما أريد رهف تشوفه.
ثانية وحدة بس …
و أم قيس فهمت.
بدون سؤال.
تحركت فوراً.
نزلت لمستوى رهف …
صوتها حنون … بس حاسم:
- تعالي يمة … تعالي وياي.
رهف مستغربة:
- ليش؟
ريّا تقربت منها …
نزلت لمستواها …
حطت إيدها على خدها:
- رهوفة … روحي ويا هبة فوق.
ابتسمت إلها … رغم كل شي:
- سووا صديقات … و العبوا سوا …
- لا تنزلين هسة … أكو هوسة.
رهف ترددت …
- و انتي؟
ريّا مسحت على شعرها:
- راح أجي يمچ بعد شوية.
سكتت رهف لحظة …
بعدين هزت راسها.
و مشت ويا أم قيس.
أم قيس وهي طالعة بيها …
مو بس تطلع طفلة.
كانت تحميها.
من صورة …
ما تنمسح طول العمر.
رجعت.
و غلقت الباب وراها.
و لما التفتت …
ملامحها تغيّرت.
هدوء.
بس مو ضعف.
هيبة.
وقفت بمكانها …
و بصوت ناصي … بس ثابت:
- خلّوهن يودعن ابوهن يمة.
التابوت بالنص محطوط، و كلهم ابتعدوا عنه بكلمة منها، فسحوا للبنات المجال ...
ريّا واقفة.
رجليها تثقل.
بس ما تراجعت.
رغد ضغطت على إيدها أكثر.
سميّة …
كانت تباوع.
بس لما انحط التابوت …
شي داخلها انهار.
خطوة.
و خطوة.
قربت.
و كأنها تمشي على سنين مو على أرض.
همست …
بصوت مو واضح:
- أركان …؟
سكون.
مدّت إيدها …
بس قبل لا توصل …
انهارت.
- لا …
شهقة قوية طلعت منها.
مو بس حزن …
صدمة سنين.
- لااا …
جثت على ركبها،
- ورا سبعة و عشرين سنة يول …
هذا اللي اجانا منك ؟!
تابوتك يول يخيي، تابوتك !!
صوتها كسر المكان.
مو صراخ عادي …
وجع قديم انفجر.
ريّا تجمّدت.
تشوف.
تفهم لأول مرة …
إن أبوها …
مو بس إلها.
أم قيس تحركت بسرعة.
وصلت لسميّة.
دنكَت يمها.
مسكتها بقوة …
- سميّة !
نبرة أمر … مو رجاء.
- اذكري الله.
سميّة تبچي …
جسمها يهتز:
- احرمونا منه … احرموني منه …
أم قيس ضغطت عليها أكثر.
- هسّع رد بهالحال، لا تعذبيه ببجاج هذا .. ما يصح ...
جملة غريبة …
بس بيها معنى أعمق.
سميّة شهقت …
و هدأت شوية …
رأسها نزل على كتف أم قيس.
هنا …
بانت أم قيس.
مو بس أم حنونة.
لا.
عمود.
مثل سلمان …
بس بصوت أهدأ.
ريّا أخذت نفس.
و تقدمت.
خطوة.
بعدين خطوة.
وقفت أمام التابوت.
قلبها يدكَ …
بس وجهها هادي.
و بهاللحظة …
قيس كان يراقبها.
ما تدخل.
بس حاضر.
جاهز …
لو انكسرت.
ريّا مدّت إيدها.
ببطء.
و لأول مرة …
ما ترددت.
فتحت الغطا عن وجهه.
الغطا انفتح …
و الزمن وقف.
ماكو صوت.
حتى البچي … اختفى لحظة.
ريّا جالسة ثانية ركبها.
تشوف ملامحه.
بس …
مو مستوعبة.
هذا …
مو "بابا".
هذا وجهه …
بس بدون روحه.
عيونها تحركت ببطء …
تفاصيل تعرفها.
جبينه …
خطوط وجهه …
حتى ملامحه وهو هادي …
كلها مألوفة.
بس …
باردة.
إيدها كانت بعدها مرفوعة.
ثواني …
و نزلت.
لمست جبينه.
برودة.
مو مثل أي برودة.
شي يخوّف.
نفسها انقطع لحظة.
بس ما سحبت إيدها.
لا.
رغم رجفتها و رجفة اطرافها كلها، بس ثبّتها أكثر.
كأنها …
تحاول تثبّت الواقع.
همست …
بصوت خافت جداً:
- بابا …
الكلمة طلعت …
و كأنها آخر مرة راح تنقال.
وراها …
رغد تقدمت.
خطواتها سريعة … مرتبكة.
وقفت يم ريّا …
و أول ما شافته …
انكسرت.
- لااا …
صوتها طلع ضعيف …
مو رافض …
بس مو مصدّق.
قربت أكثر …
- بابا…؟
إيدها ارتفعت …
و لمست خده.
سحبتها بسرعة.
كأنها انصدمت.
- بارد …
همستها كانت مرعوبة.
دموعها نزلت فجأة.
- ريّا … ليش بارد؟! بابا بردان ...
سؤال طفلة …
ماكو جواب إله.
قيس سحب نفس قوي كأنه يشهقه، تحرك من مكانه و كأنه ينازع روحه من الي يصير ...
ريّا التفتت عليها.
ثواني …
و واضح إنها ما عندها جواب.
بس لازم تجاوب.
مدّت إيدها …
مسكت إيد رغد.
رجعتها بلطف …
حطتها مرة ثانية على وجهه.
- عادي …
صوتها مكسور … بس تحاول تثبّته:
- تعب هواية … لازم يرتاح ...
رغد هزت راسها بسرعة:
- لا … لا … هو جان زين … شفته … شفته …
الكلمات تتكسر.
النفس يتلخبط.
و فجأة …
انهارت.
وكَعت بحضن ريّا …
- ما ودّعني …
- ما كَال شي …
بچت بحرقة.
ريّا ضمتها.
بقوة.
أكثر من قبل.
و للمرة المليون …
دموعها نزلت بدون ما تحاول توقفها.
حطت خدها على راس رغد …
و همست:
- انتي ودعيه ... خلي يرتاح ...
و هي شهقت تقول،
- ما اريده يروح ...
ريّا غمضت عيونها لحظة …
و كأنها تجمع كل قوتها …
رغد تبچي …
بس خفّ صوتها شوية.
كأنها …
تحاول تصدق.
ريّا رجعت تباوع له.
وجهه.
هادئ.
كأنه نايم.
و فجأة …
قربت أكثر.
نزلت.
باست جبينه ...
غمضت عيونها.
ثانية …
ثانيتين …
و دموعها تنزل بصمت.
- سامحني …
همستها بالكاد تنسمع.
- إذا قصّرت …
- إذا تأخرت …
شهقة خفيفة طلعت منها.
- بس …
سكتت.
و كملت:
- الباقي عليّة.
رفعت راسها ببطء.
مسحت دموعها.
و بهاللحظة…
واضح.
شي تغيّر.
مو لأنها بطلت تحزن.
لا.
بس …
وقفت على رجليها.
التفتت لرغد.
مسكت وجهها بإيدينها.
رغد …
صوتها هادي … ثابت.
- هسة إحنا لبعض.
رغد تباوع لها …
عيونها مليانة خوف.
و حضنتها بقوة.
ريّا رفعت عيونها.
نظرة سريعة على:
أم قيس …
سميّة …
و بعيد … قيس.
كلهم يشوفون.
بس …
ما حد يتدخل.
لأنهم فهموا.
هاي لحظة …
تولد بيها إنسانة جديدة.
ريّا أخذت نفس.
طويل.
و همست بدون صوت:
"خلص"
و رجعت الغطا.
بإيدها.
مو لأن القصة انتهت …
بل لأنها …
بدأت تتحمّلها.
و التفتت على عمها ... و قيس ... واقفين بجنب بعض، و كل واحد دموعه تسابق الآخر ...
تقربت من عمها تقول،
- شكراً عمو ...
و هو فتح إيديه ضمهن لصدره يقول،
- انتن مو لوحّيدجن يابا ... اني ابوجن شكثر ما ربي كاتب لي عمر ...
و نزل راسه جهة ريّا يقول،
- ريّا ابوي ناخذو للدفن ؟!
صفنت بملامحه لثواني ... مسحت دموعها و ردت،
- سوي الي لازم يصير عمو ...
و رجع باسها بشعرها يقول،
- بإذن الله ...
فك إيديه عنهن يقول،
- روحن حللن يابا ...
و التفت،
- نهّودة اخذيهن فوكَ يريحن و ينامن ... الهن ايام على هالحال ...
و ام قيس هزت راسها إله ...
تقدّم للتابوت و تبعوه أولاده ...
طلعوا بيه و ما تسمع بس جملة لا إله إلا الله تتردد ...
و بقى البيت …
فارغ.
مو هدوء …
فراغ.
ريّا واقفة مكانها ثواني …
تحس المكان أكبر من قبل.
و أبرد.
كأن شي انشال منه …
و ما راح يرجع.
ضمت على رغد أكثر …
و همست بدون ما تنتبه:
- خلص …
و كأنها تسمّع نفسها …
مو أختها.
تمسد على شعرها و التفتت لأم قيس تقول بهدوء هي استغربته من نفسها، شلون كدرت تحچي بهالهدوء.
- عمة ... نريد نرتاح شوية ...
أم قيس باوعتلها …
نظرة قصيرة …
فهمت بيها كل شي.
و ردت بهدوء:
اي يمة… تعالن وياي…
مشت أمامهن للدرج و تسأل،
- غراضجن وين ؟!
و جاوبتها نورا من نص الدرج، كانت نازلة،
- فوكَ اخذتهن ... بغرفتي ...
و سألتها،
- سويتي الوصيتج عليه ؟!
هزت راسها بالإيجاب ...
و التفتت للبنات تتأكد منهم وراها ...
ما شرحت.
و لا أحد سأل.
واضح …
إن أكو شي متفق عليه.
أم قيس كملت صعود …
و البنات وراها.
ريّا كانت تمشي …
بس مو مركزة بالدرج.
كل خطوة …
كأنها جاية من مكان بعيد.
رغد ملتصقة بيها …
ساكتة هالمرة.
مو لأن هدأت …
بس لأن تعبت.
وصلوا الغرفة.
بابها مفتوح.
و بيها ريحة خفيفة …
نظيفة …
مرتبة.
نورا سبقتهم خطوة …
وقفت على الباب:
- تفضلن …
ريّا دخلت.
وقفت بالنص.
و لأول مرة من ساعات …
ماكو أحد يباوع عليها.
لا رجال …
لا عزاء …
لا أصوات.
سكون.
و التفتت لأم قيس تقول،
- ريّا يمة اعذرنّا ع القصور، بساع عدّلنا الحجرة هاي الجن ...
و ريّا بامتنان ردت،
- حشاكم من القصور عمة، المهم مكان نرتاح بيه.
و ام قيس بكل طيبة قالت،
- الدار هاي كلها الجن يبعد روحي ...
و التفتت تقول،
- حللن يمة، حللن ... شوي انّوب و اجيبلجن الغدا ...
أشرت لها ريّا و هي رافعة إيدها،
- مالنا نفس عمة، بس نريد نرتاح ...
تأملتها ام قيس بنظراتها و ردت،
- سوي الي يريح خاطرج يمة، لمن تعتازين شي بس صيحي لنورا و اني اجيجن.
ردت لها بامتنان،
- شكراً عمة ...
- ما سويت شي يبعد امي و ابوي ...
رغد ما تحمّلت.
رمت نفسها على السرير.
و لفّت نفسها باللحاف …
كأنها تريد تختفي.
ريّا بقت واقفة.
ثواني …
بعدين …
جلست ببطء.
و حطت إيدها على وجهها.
مو تبچي.
مو هسة.
بس…
تتنفس.
أم قيس رجعت يم الباب. طلعت.
نظرت لهم …
بنظرة أم …
و قائدة بنفس الوقت.
و بهدوء قالت:
- ارتاحن يمة …
و ردّت الباب نص ردّة.
مو حتى تعزلهم …
بس تعطيهم مساحة.
ريّا نزلت إيدها عن وجهها.
باوعت قدامها.
و لأول مرة…
ماكو شي لازم تسويه.
و هذا …
كان أصعب من كل شي.
دك الباب بهدوء …
و انفتح شوية
رهف دخلت تركض:
- ريّااا …
صوتها مو حزين …
بس محتاج.
ريّا رفعت عيونها بسرعة …
و فتحت ايديها لا إرادي.
رهف وصلت لها …
حضنتها بقوة:
- وين رحتي …؟
ريّا نزلت لمستواها …
لفت إيدها عليها:
- اني هنا حبيبتي …
وراها …
واقفة طفلة.
أصغر.
أنعم.
كأنها نقطة هدوء وسط كل هذا.
عيونها واسعة …
تباوع لريّا بفضول صافي.
- شلونج خالة …
قالتها بهدوء.
ريّا ابتسمت رغم تعبها:
- الحمد لله حبيبتي ...
ثواني …
تتأملها.
داخلها سؤال مرّ بسرعة:
- "هاي بنته …؟"
رهف التفتت بحماس خفيف:
- هاي هبة …
هبة ابتسمت ابتسامة صغيرة …
و قربت خطوة.
ريّا نزلت لمستواها أكثر …
حطت إيدها على خدها بلطف:
- شلونچ حبيبتي؟
هبة هزت راسها،
- بخير ...
ما كثرت كلام، بس عيونها ترد.
ريّا باوعت بينهم …
رهف ماسكة إيدها.
مرتاحه وياها.
و بهاللحظة …
ارتاحت شوية.
- زين … صرتوا صديقات؟
رهف بسرعة:
- إي!
هبة هزت راسها بهدوء.
سكون خفيف.
و بعد دقايق …
دك خفيف مرة ثانية.
نورا دخلت بهدوء:
- هبة … خلي البنات يرتاحن.
هبة التفتت لريّا مبتسمة …
كأنها تستأذن.
ريّا ابتسمت إلها …
رغم التعب.
و بصوت حنون جداً قالت:
- حبيبتي … احنا جينا من طريق طويل …
نزلت عينها لرهف:
- و رهف نعسانة هواية …
رهف باوعتلها …
و فعلاً …
عيونها بدت تثقل.
ريّا كملت بهدوء:
- خليها تنام شوية …
و من تكَعد …
تلعبون سوا، زين؟
هبة فكرت لحظة …
ببساطة الأطفال.
بعدين هزت راسها:
- زين.
نورا ابتسمت …
مسكت إيدها بلطف.
و قبل لا تطلع …
هبة لوّحت بإيدها الصغيرة:
- باي …
رهف لوّحت إلها بخفة.
الباب انغلق.
رجع السكون.
بس مو نفس سكون قبل.
أهدأ.
ريّا بقت واقفة لحظة …
و بعدين التفتت.
- تعالي …
قالتها بهدوء لرهف.
رهف مشت إلها ببطء …
و أول ما وصلت …
حضنتها.
ريّا رفعتها …
حطتها بحضنها.
جلست على السرير …
و رهف لفّت إيدينها حولها.
- نعسانة …
همستها صغيرة.
ريّا مسحت على شعرها:
- نامي حبيبتي …
رغد من الجهة الثانية …
كانت ساكتة.
بس عيونها مفتوحة.
تباوع.
ريّا مدت إيدها الحرة …
مسكت إيدها.
ضغطت عليها بخفة.
ماكو كلام.
بس الفهم وصل.
دقايق …
و رهف نامت.
نفسها هادي.
رأسها على صدر ريّا.
ريّا بقت مكانها …
ما تحركت.
كأنها خايفة …
لو تحركت …
كل شي يرجع ينكسر.
مرّت لحظات طويلة.
بعدين …
ببطء …
حركت نفسها.
نزلت رهف على السرير بلطف …
غطتها.
وقفت.
التفتت للحمام.
دخلت.
الباب غلقته بهدوء.
المي نزل.
وقفت أمام المراية.
باوعت لنفسها.
وجهها …
مو نفسه.
غسلت إيدها …
وجهها …
مرة …
مرتين …
مو تنظف.
تحاول تصحى.
المي كان بارد.
بس ما وقفت.
لحد ما أخذت نفس عميق …
و غلقت الحنفية.
طلعت.
بدّلت ملابسها بهدوء.
حركات بطيئة …
كأنها تتعلّم من جديد.
رجعت للسرير.
رغد بعدها نايمة …
بس مو مرتاحة.
ريّا دخلت يمها …
لفّت إيدها عليها.
رغد تحركت لا إرادي …
و قربت منها.
و أخيراً …
ريّا تمددت.
سقف الغرفة فوقها.
ما فكرت.
ما حللت.
بس …
سكتت.
أجفانها ثقلت.
و بدون ما تحس …
نامت.
نوم ثقيل.
مو راحة …
بس هروب.
ساعات مرّت …
و العالم برّا يتحرك …
عزاء …
ناس …
أصوات …
بس هنا …
الغرفة …
بقت معزولة.
كأنها فاصل.
بين:
بنت فقدت أبوها …
و بنت …
راح ترجع تواجه العالم بدونه.
و بهالفاصل …
ريّا…
سمحت لنفسها …
توقف.
بس شوية.
الغرفة كانت ساكتة …
سكون ثقيل …
بعد نوم طويل.
رغد …
بآخر الغرفة … لافة نفسها باللحاف …
كأنها مختفية عن العالم.
رهف بالوسط ...
نايمة بهدوء … نفس طفولي ثابت.
و ريّا …
بجنب الباب سريرها ...
صحت فجأة.
مو على صوت …
ولا على حلم.
على ألم.
ألم …
ضرب راسها دفعة وحدة.
قوي …
حاد …
نازل من أعلى راسها …
يوصل لعيونها.
شهقت بصمت.
إيدها راحت مباشرة لراسها …
ضغطت.
غمضت عيونها أكثر …
بس ما نفع.
الألم …
يزيد.
حاولت تتحمل.
دقايق …
طويلة.
كل ثانية تمر …
كأنها أطول من قبلها.
نفسها بدأ يثقل …
و عيونها …
ما تگدر تفتحها.
مو لأن تعبانة …
الغرفة ظلما بس ضوء الموبايل وجعها وجع ... حسته ممكن يفقدها الوعي ...
دارت راسها شوية …
تأكدت.
البنات نايمين.
ما تريد تصحيهم.
مو هسة.
صوت خفيف …
خطوات.
بالممر.
وقفت.
حاولت تتحرك.
جسمها ثقيل …
بس أجبرت نفسها.
نزلت رجلها من السرير …
وقفت.
و الدوخة ضربتها ويا الألم.
مسكت الجدار بسرعة.
تنفّس …
خطوة …
و الثانية أصعب.
وصلت الباب.
فتحته شوي.
و بصوت ناصي …
مكسور:
- نورا …
نورا كانت صاعدة …
وقفت فوراً.
التفتت.
أول ما شافتها …
وجه ريّا …
شاحب.
عيونها شبه مغلقة.
و إيدها على راسها.
نزلت درجتين بسرعة:
- شبيچ ؟!
صوتها بيه خوف واضح.
ريّا حاولت تثبت نفسها:
- صداع … قوي …
نورا قربت أكثر:
- شلون قوي ؟!
- أريد مسكن بس …
بس صوتها ما كان يقنع.
نورا لزمتها من إيدها بسرعة:
- تعالي …
دخلتها للغرفة …
رجعتها للسرير بحذر.
جلست يمها …
تباوع بوجهها.
- عيونچ ليش ما تفتحيها ؟!
ريّا همست:
- من الألم …
نورا ما اقتنعت.
وقفت فوراً:
- اصبري.
طلعت بسرعة.
ثواني …
و رجعت وياها أم قيس.
دخلت بسرعة …
بس هدوءها واضح.
قربت لريّا …
باوعت عليها نظرة وحدة …
و فهمت.
جلست يمها:
- يمه …
لمست جبينها …
و خدها …
- شبيج يمة، شيوجعج ؟!
و ريّا تهمس،
- راسي عمة ... كَعدت على ألم ...
سكتت و كملت،
- نزل على عيوني ...
مسدت على راسها و قالت بنبرة بيها أمر:
- نورا … صيحي اخوج … بساع.
نورا ما انتظرا.
طلعت تركض.
الغرفة رجعت تهدأ …
بس مو نفس قبل.
أم قيس ظلت يمها …
إيدها على راسها …
تمسح بلطف.
- اصبري يمه …
صوتها حنون …
بس قلقها واضح.
ريّا …
ما جاوبت.
بس دموع تنزل من زاوية عينها.
مو ضعف …
ألم.
بعد عشر دقايق …
الباب انفتح بهدوء.
قيس دخل.
بخطوات سريعة …
بس محسوبة.
أول شي …
اجت عيونه لريّا.
تقرب فوراً.
دنكَ لمستواها.
صوته ناصي:
- شبيچ ؟
نبرته هادئة …
بس بيها قلق واضح.
ريّا حاولت تحچي:
- راسي …
بس الصوت انكسر.
قيس تقرب أكثر.
إيده راحت على جنبات راسها …
يلمس صدغها بهدوء.
يضغط بخفة …
يراقب ردّة فعلها.
- منين الألم أكثر ؟
همست:
- من فوق … اليمين ... و نزل لعيني …
هز راسه …
يفكر.
و سأل و أصابعه تضغط نقاط معينة يسار راسها
- هين بيه ؟!
- شوية ... اليمين اكثر ...
سكتت لحظة …
و سألها،
- نفس الصداع الجان يصير لج ؟!
هزت راسها،
- إي ...
سكتت و كملت بأنفاس مضطربة،
- ما جان هيجي ...
إيده وقفت لحظة …
و بعدها رد بهدوء:
- لا تخافين.
صوته ثابت.
واضح.
هي …
ما قاومت.
استسلمت.
بس دموعها …
نزلت بصمت.
قيس لاحظ.
و بدون ما يعلق …
نبرته خفت أكثر:
- اشش … لا تضغطين على نفسچ …
راح يخف …
همست متوجعة،
- احس راح يغمى علية ...
و رد فوراً،
- لا إهدي ... رخي نفسج ...
وقف.
التفت لأمه:
- شوي و ارد ...
هزت راسها:
- روح يابا.
طلع بهدوء.
ربع ساعة …
طويلة.
الألم بعدها موجود.
بس ريّا صارت ساكتة.
تنتظر.
الباب انفتح مرة ثانية.
قيس رجع.
بإيده …
كانيولا.
و محلول وريدي ... و أبرة ...
قرب بدون صوت.
جهّز كلشي بهدوء …
كأنه خايف يزعج الهواء.
جلس يمها على طرف السرير،
- إيدچ …
مدّت إيدها بدون ما تفتح عيونها.
و التفت لنورا ... الغرفة ظلما و حتى لا يزعج نوم البنات،
- ضويلي بالموبايل ...
ركّب الكانيولا بحذر …
إيده ثابتة.
خفيفة.
ما وجعها أكثر.
خلى المغذي …
حقن أبرة المسكن بكيس المحلول الوريدي ...
و بدأ المسكن ينزل.
صوته قريب منها:
- هذا شوي و يريحچ …
- بس شوي شوي.
جلس يمها …
ما نهض.
إيده كانت قريبة …
مو ماسكها …
بس موجودة.
أم قيس واقفة بهدوء
نورا طلعت لما سمعت صوت يناديها ...
بقت الغرفة…
ساكنة.
قيس نزل صوته أكثر:
- حاولي ترتاحين …
- لا تفكرين بشي.
هي همست:
- الألم قوي …
مال شوية يمسد على إيدها مكان الكانيولا لما توجعت من المحلوب الوريدي، و يسمي بإسم الله ...
- بارد مو ؟!
أومأت له بعيونها، و هو همس،
- تكَضي ...
دقايق …
و بدأ الألم يخف شوية.
نفسها انتظم أكثر.
جسمها ارتخى.
قيس ظل مكانه.
يراقب.
بدون ما يحچي هواي.
و قبل لا تغفى …
سمعته يقول،
- يمة اني هين بحجرتي، بس يخلص المغذي صيحي تا افكه و تنام.
ريّا ما تفاعلت.
و بهدوء …
نامت.
ما حاسة بشي حولها.
نوم أخف من قبل.
و أهدأ ...
الصبح دخل بهدوء.
ضوء خفيف من الشباك … مو قوي … بس كافي يكسر ظلمة الليل.
ريّا ما صحت فجأة.
صحت على إحساس.
نَفَس دافي … خفيف … يضرب بصدرها.
و شي صغير … ملفوف عليها.
فتحت عيونها شوي شوي …
رهف.
راسها مدفون بصدرها … إيدينها الصغار محاوطة خصرها … كأنها خايفة إذا ترخيهم … تضيع.
ريّا ما تحركت.
بس نزلت عيونها عليها … و ابتسمت ابتسامة تعبانة … حنونة.
رفعت إيدها ببطء … مسحت على شعرها:
صباح الخير حبيبتي …
رهف تحركت شوية … غمغمت بنوم:
- صباح الخير …
و قربت أكثر.
ثواني …
بعدين رفعت راسها فجأة … عيونها بعدها نص نايمة … بس انتبهت.
- ريّا …
نظرتها نزلت على إيدها.
الكانيولا.
عيونها توسعت:
- شنو هذا ؟!
بهاللحظة …
رغد فزّت من سريرها.
واضح كانت نص صاحية من قبل … بس هالكلمة صحتها بالكامل:
- شبيچ ؟!
نهضت بسرعة … قربت منهم:
- شنو هذا بإيدچ ؟!
ريّا رفعت نفسها شوي … حاولت تبين طبيعية:
- لا تخافون …
نظرت لرهف أول:
- البارحة ما كَدرت انام … تعبت شوية …
و بإيدها الحرة لمست خدها:
- عمو قيس خلى هذا … حتى ارتاح و أنام.
رهف بعدها تباوع للإبرة بخوف:
- يوجع ؟
ابتسمت بهدوء:
- لا حبيبتي … خلص تقريباً.
رغد بعدها مو مقتنعة.
نظرتها ثابتة عليها:
- شبيچ بالضبط ؟
ريّا أخذت نفس خفيف:
- صداع … قوي شوية …
سكتت لحظة …
- انطاني مسكن و راح.
قربت منها أكثر … صوتها أخف:
- هسة زينة … يمكن من الضغط بس.
رغد ظلت تباوعلها ثواني … تحاول تقرأ إذا تكذب أو لا.
بس بالنهاية … هزت راسها:
- زين.
رهف نزلت من حضنها:
- أروح الحمام.
- روحي حبيبتي.
طلعت.
و أول ما الباب انسد …
رغد رجعت تسأل بصوت أوضح:
- متأكدة زينة؟
ريّا باوعتلها مباشرة:
- إي.
سكون لحظة …
بعدين أضافت بهدوء:
- إذا مو زينة … أگولچ، انتي مو رهف.
هالكلمة كانت كافية.
رغد تنهدت:
- زين.
بعد شوية …
غيروا ملابسهم.
فساتين سودا … بسيطة … مرتبة.
مو لأن عندهم نفس … بس لأن لازم.
ريّا كانت تتحرك بهدوء … أبطأ من المعتاد … بس ثابتة.
كل ما تحرك إيدها … تحس بالكانيولا.
تذكير صامت …
إنها مو بخير مثل ما تقول.
دكَ الباب بخفة.
أم قيس دخلت.
نظرتها أول ما وقعت على ريّا … راحت مباشرة لإيدها.
قربت:
- شلونچ هسة يمه؟
- الحمد لله … زينة.
مدت إيدها ولمستها بخفة:
- ارتاحيتي؟
- إي.
هزت راسها برضا خفيف.
بعدين سألت:
- يلا ما اتّريكَن ؟! من امس على لحم بطنجن.
ريّا رفعت نظرها:
- منو هنا ؟
ابتسمت أم قيس:
- بس عمچ … و قيس … و عمتچ سمية.
سكون بسيط …
ريّا هزت راسها:
- ننزل ويّاج ...
- يلا يمة.
نزلوا ...
البيت غير.
واسع … هادئ … بس بيه حياة تمشي بكل زاوية.
وصلوا للمكان …
سفرة كبيرة.
بس مو فخمة بطريقة استعراض …
فخمة بطريقة بيت.
أكل بسيط … مرتب … كأنو متعودين عليه.
خبز حار … جبن … كَيمر …دبس ... تمر … و چاي.
سلمان كان جالس بمكانه.
أول ما شافهم … وقف نص وقفة:
- هلا ببناتي …
نبرته دافية.
أشر:
- تعالن يابا ...
جلسوا.
قيس كان موجود.
ساكت.
بس عيونه مرت على ريّا أول شي.
وقفة قصيرة …
انتبه للكانيولا.
ما سأل مباشرة.
بس نظرته وقفت ثانية زيادة.
و رجعت لطبيعتها.
هدوء.
أم قيس بدأت ترتب السفرة كَدامهم.
تحط اللقمة … تقربها:
- اكلي يمة …
رهف بدأت تاكل شوية.
رغد حاولت.
بس واضح … ماكو نفس.
ريّا أخذت لقمة … ببطء.
بس طعم الأكل … ما يوصل.
سلمان لاحظ.
و بنفس الوقت … انتبه لإيد ريّا.
- شبيج يابا ؟!
أشار للكانيولا.
ريّا قبل لا تحچي …
قيس رد بهدوء:
- راسها وجعها … انطيتها مسكن بالوريد … و نامت.
سلمان رجع نظره لريّا:
- تعبانة ؟
هزت راسها:
- لا عمو … هسة زينة.
ظل يباوعلها لحظة … كأنه يتأكد.
بعدين قال:
- ديري بالج على روحچ.
- إن شاء الله.
الأكل مستمر …
بس الجو هادي أكثر من اللازم.
أم قيس بعدها كل شوية:
- اكلي يمة …
هذا زين …
اكلي لا تكَعين …
تحاول … تغصبهم ياكلون.
و هم … ياكلون بدون رغبة.
قيس …
ما حجى هواي.
بس تصرفاته كانت واضحة:
يقرّب الصحون بهدوء
يباوع لريّا بين فترة و فترة … يتأكد
و مرة …
لما حاولت تمد إيدها اللي بيها الكانيولا للخبزة،
قربها بهدوء،
و قرّب صحن البيض أكثر.
بس.
بدون مبالغة.
بدون ما يحرجها.
ريّا حسّت.
مو لأنه واضح …
بس لأنه ثابت.
اهتمام …
بدون صوت.
و هي كَاعدة بينهم …
حست بشي غريب.
هذا مو بيتها.
مو عالمها.
بس …
مو غريبة بالكامل.
و بين الحزن … و التعب … و الوجوه الجديدة …
كان أكو خيط خفيف …
يمسكها.
مو قوي …
بس موجود.
و لأول مرة من وصلت …
حست إنها تگدر … تكمل يومها.
حتى لوة…
بالغصب.
الفطور انتهى بهدوء …
مو لأنهم شبعوا
بس لأن ما عاد أحد يكَدر يكمل.
أم قيس جمعت الصحون هي و نورا …
بنفسها.
ما خلت البنات يشيلون شي.
كل مرة تمر من يمهم …
تمد إيدها … ترتب شي … تمسح شي …
و عينها ترجع عليهم.
سلمان وقف:
- يلا يابا … الله يكَوينا.
و طلع.
قيس تبعه …
و قبل لا يطلع …
مرّت عيونه على ريّا مرة ثانية.
نظرة قصيرة …
بس بيها سؤال صامت:
"تمام؟"
ريّا هزت راسها بخفة.
و هو فهم … و طلع.
الصالة بدت تتغيّر.
صوت باب …
خطوات …
أصوات نسوان.
العزا بدأ.
أم قيس التفتت لريّا و رغد:
- إذا تحبّن … تظّلن ويّاي هين.
سكتت لحظة …
و أضافت بهدوء:
- بنات المرحوم … مكانهن بنص العزا يمة.
الجملة واضحة.
- مو إجبار …
بس مكانة.
رغد باوعت لريّا.
لحظة صمت.
ريّا أخذت نفس …
و لأول مرة من دخلت هذا البيت …
رفعت راسها بثبات:
- نبقى عمة ...
صوتها مو عالي …
بس واضح.
رغد ما علّقت …
بس وقفت يمها.
رهف كانت ملتصقة بيها …
ما تفهم …
بس تحس.
نزلت هبة، و رهف سألتها،
- أروح وياها ؟!
التفتت عليها ام قيس،
- خليها ترافجها يمة، احسن من كَعدة النسوان، ما يصح لها ...
هزت راسها و اجتي هبة مبتسمة لها،
- صباح الخير خالة ...
دنكَت ريّا باستها تقول،
- صباح النور حبيبتي ...
و سألتها،
- تاخذين رهوفة وياج ؟!
و هي ابتسمت،
- اي نلعب بألعاب ...
راحوا رهف و هبة لفوق ...
النسوان بدوا يجون.
وجوه مختلفة …
لبس أسود …
أصوات ناصية:
- الله يرحمه …
- الله يصبركم …
- الفاتحة …
كل وحدة تقرب …
تسلم …
تباوع بوجه ريّا …
"هاي بنته؟"
و ريّا …
واقفـة.
تستقبل.
تهز راسها …
ترد بهدوء:
- الله يرحم والديكم …
أجرنا و أجركم …
كل مرة نفس الجملة …
بس كل مرة
شي بداخلها ينضغط أكثر.
المجتمع غير.
النظرات أطول …
الكلام أقل …
و الحكم … أسرع.
بس أم قيس كانت موجودة.
جالسة بمكانها …
ثابتة …
مثل عمود البيت.
و كل ما تدخل وحدة جديدة …
تعرّفها:
- هذن بناتي ...
بفخر.
بعد فترة …
الزخم زاد.
أم قيس نهضت بهدوء …
راحت جهة المطبخ.
ريّا …
حست الأنظار طالت عليها ...
بدون تفكير …
كَامت وراها.
مثل ظل.
مو لأنها لازم …
بس لأنها تحتاج تتحرك، و تبعد عن العيون ...
المطبخ كان أهدأ.
بس مو خالي.
واحد من الرجال …
واقف هناك …
يتكلم بنبرة مو عاجبته:
- والله تعب …
تكَرّمت رجلينا عل. فاتحة ناس ما تسوا …
الكلمة …
وقفت الزمن.
ريّا تجمدت بمكانها.
"ناس ما تسوا"
الجملة ما كانت عامة.
كانت واضحة.
و مباشرة.
عن أبوها.
عنهم.
لحظة.
بس لحظة …
و ألف فكرة دارت براسها.
"أرد؟"
"أسكت؟"
"مو وقته…"
"بس شلون ينحچي هيج؟!"
إيدها انضغطت.
نفسها ثقل.
بس …
ما حچت.
سكتت.
بس عيونها …
رفعتهم عليه.
نظرة وحدة.
ثابتة.
قوية.
مو صراخ …
بس إدانة.
واضحة.
الرجل سكت لحظة …
بس قبل لا يكمل،
دخل صوت.
قوي.
واضح.
- انت شو تهذرب يول ؟!
سمية.
دخلت بسرعة …
واضح سامعة كلشي.
وقفت كَدامه مباشرة:
- هاي فاتحة عمك يول ... اكَضب لسانك و تحشّم لا اخلي عمك سلمان يكَصّو ....
الرجل حاول يبرر:
- عمو عليش تحجين هيج ؟!
قاطعتـه:
- سد الحچي!
لا تحچي أحسنلك!
نبرتها ارتفعت …
و المطبخ كله سكت.
- حرام … والله حرام!
الله ياخذ الزين …
- و يخلي شكول الزفرة هاي!
الجملة نزلت عليه مثل صفعة.
سكت.
ما جاوب.
سمية التفتت مباشرة لريّا و رغد.
عيونها بعدها مليانة دموع …
بس بيها حماية:
- تعالن يمّة.
ما خلتهم يبقون ثانية.
طلعتهم من المطبخ فوراً.
أول ما وصلوا الممر …
طلعت تلفونها.
اتصلت.
- زياد … تعال جوا.
صوتها هالمرة هادي …
بس بيه غضب واضح.
- إذا محمد حدر ع البيت مرةٍ اخرى …
أهينه بنص النسوان.
غلقت.
دقايق …
و زياد دخل المطبخ بسرعة:
- شصاير؟
سمية التفتت إله:
- هذا ابن عدنان العار … حچى حچي ما ينحچي بهيج مصاب.
شرحت بسرعة.
زياد سمع …
و ملامحه تغيرت.
هز راسه …
و تمتم بهدوء …
بس بيه وعيد:
- هينة …
- هينة …
و عمته بعصبية تحجي،
- شني انت و اسامة وينكم و هذا طاب طالع للبيت !!
و هو بهدوء رد،
- محد يدري بيه جاي هين عمة، ابوية ما رضى احد يجي صوب البيت ...
و كمل يهديها،
- محد يجي بعد ...
ريّا …
كانت واقفة برا.
مو بالمطبخ …
ولا بالصالة.
بنص المسافة.
ساكتة.
جسمها ثابت …
بس داخلها؟
فوضى.
سؤال واحد …
يدور و يعيد:
"ليش؟"
ليش أحد يحچي عن أبوها هيج؟
ليش يقلل من رجل …
توه ميت؟
إيدها ارتفعت ببطء …
مسكت جبينها.
مو من الصداع هالمرة …
من الفكرة.
الفكرة كانت أقسى.
"هو شنو كان بنظرهم؟"
نفسها انقطع لحظة …
و لأول مرة من الصبح …
ما كان الألم جسدي.
كان أعمق.
و أوجع ...
الليل نزل على البيت …
مو بهدوء مريح …
بهدوء ثقيل.
الأصوات الصاخبة خفّت وحدة وحدة …
خطوات … همسات … أبواب تنغلق …
إلى أن ما بقى غير الصمت.
الغرفة مظلمة.
رغد نايمة بعمق تعبها …
رهف متكوّرة على جنبها … نفس هادي.
و ريّا …
عيونها مفتوحة.
سقف الغرفة فوقها …
بس ما تشوفه.
تشوف أفكار …
وجوه …
كلمات.
"ناس ما تسوا…"
الجملة رجعت.
مو بصوت عالي …
بس أوضح من أي صوت.
نفسها ضاق.
مو فجأة …
ببطء … كأن شي يضغط على صدرها شوي شوي.
حاولت تغمض عيونها.
ما نفع.
تقلبت.
يمين … يسار …
ماكو راحة.
جلست.
سكون.
نظرت للبنات …
تأكدت إنهم نايمين.
وقفت.
مو لأنها قررت …
بس لأن جسمها نهض.
خطواتها كانت خفيفة …
حافية …
تمشي كأنها ما تريد أحد يحس بيها … حتى نفسها.
فتحت الباب بهدوء …
و طلعت.
الممر بارد …
أطول من قبل …
أهدأ.
نزلت الدرج ببطء …
إيدها على المحجر …
مو خوف من الوقوع …
خوف من الإحساس.
وصلت جوا.
وقفت لحظة.
وين تروح ؟
ما تعرف.
بس رجليها مشت.
باب المطبخ.
فتحته.
و أول ما دخلت …
حست بالهواء.
بارد.
خفيف.
بيه لسعة ليل.
باب ثاني …
مقفول ... فتحته بهدوء ....
بدون تفكير …
مشت.
و طلعت.
الحديقة.
أول نفس أخذته …
كان مختلف.
هوا نظيف …
رطب شوية …
ريحة تراب …
و زرع.
و شي ثاني …
ريحة قداح.
خفيفة …
ناعمة …
تجي و تروح ويا النسمة.
وقفت مكانها.
لفت إيدها حول نفسها لا إرادي …
ملابسها خفيفة …
و البرد لسعها.
بس ما رجعت.
تقدمت خطوة …
و الثانية …
الحديقة واسعة …
ساكنة …
بس مو ميتة.
صوت أوراق تتحرك بخفة …
نسمة تمر …
و ترجع.
وصلت لشجرة.
ما فكرت.
بس كَعدت.
ظهرها اتكى على الجذع …
و راسها مال وراه.
غمضت عيونها.
نفس …
أول نفس عميق من يومين.
و ثاني …
و ثالث …
كأنها تطلع كل اللي بداخلها ويا كل زفير.
سكون.
الأفكار رجعت.
أبوها …
صوته …
إيده …
آخر لحظة …
و بعدها
"ناس ما تسوا"
عيونها انفتحت فجأة.
القلب دق أسرع.
- ليش …؟
همستها خافتة …
تكاد ما تنسمع.
شنو سويت …؟
سؤال مو إله …
إلهم.
إللي حچوا.
إللي حكموا.
إللي اختصروا عمر إنسان … بكلمة.
إيدها ضغطت على ثوبها.
النفس رجع يثقل.
بس هالمرة …
ما بكت.
بس قعدت.
و هي تحس …
إنها مو بس فقدت أبوها …
يمكن …
فقدت صورة كاملة كانت عايشتها.
نسمة هوا أقوى مرت.
حركت شعرها …
و بنفس اللحظة
صوت.
خفيف.
مو بعيد.
حركة بين الأشجار.
عينها انفتحت بسرعة.
جسمها توتر.
التفتت ببطء …
تحاول تركز.
الصوت رجع.
خطوة؟
أو ورق؟
ما واضح.
بس مو هي.
قلبها دق أقوى.
و للحظة
كلشي وقف.
و ظلت …
جالسة بمكانها …
تباوع للظلام يحيطها …
تنتظر …
منو هناك …؟
