![]() |
رواية حين تخذلني عيناك الفصل الثامن بقلم هاجر عبد الحليم
قصي مغمض العينين، وما إن فتحهما حتى وجد فتاة نائمة في حضنه. ارتبك على الفور، وحاول جاهدًا أن
يتذكر كيف انتهى به الأمر إلى هذا المكان، لكن ذاكرته خذلته.
استفاقت الفتاة من نومها وقالت بنعومة :
سميرة: صباح الخير يا روحي .
قصي )بتوتر(: إنتي مين؟
سميرة )بدهشة(: معقول يا فارس؟ نسيت كل اللي حصل بينا كده بسهولة؟ ولا لسه زعلان مني، فعشان كده
بتقول كلمتين زي دول؟
)قال قصي في سره باستغراب(: فارس؟!
قصي: طب بلاش "إنتي مين؟" أنا جيت هنا إزاي؟
سميرة )بضحكة خفيفة(: إنت اللي جيتلي برجليك، لما اتخانقت مع مراتك و سبتلها البيت ومشيت. كإنك كنت
عارف إن راحتك ف حضني وبس.
وفجأة، دوى طرق عنيف على الباب .
سميرة )بتوتر(: حبيبي، افتح إنت الباب، لأني مش هعرف أفتحه بالشكل ده.
قصي )بحذ ر(: طب ادخلي الحمام، وماتخرجيش غير لما أقولك.
اقتربت منه وقبلته على خده: حبيبي اللي بيغير عليا... يا ناس!
ثم مشت تتمايل، وقبل أن تُغلق باب الحمام، أرسلت له قبلة في الهواء.
قصي )وهو يزفر بامتعاض(: أما نشوف آخرة الفيلم اللي إحنا فيه ده!
وتقدم نحو الباب، وفتحه... ليجد ليان أمامه .
...
كانت روح "نيارا" تترقب من بعيد، متسمرة في مكانها، ونظراتها مشتعلة كأنها نار لا تهدأ. وما إن رأته يفتح
الباب، حتى شعرت بقوة خفية تسحبها، لتندفع داخل جسد "ليان" دون أن تملك الخيار، كأن الغضب هو من
قادها لا الإرادة.
تجمدت "ليان" في مكانها، جسدها انتفض للحظة، وعيناها اتسعتا بدهشة، قبل أن تتكلم بصوت خرج من بين
شفتيها مرتجفًا لكنه حاد:
ليان )بصدمة وعينين تلمعان(: إنت بتعمل إيه هنا يا فارس؟!
قصي )يتراجع خطوة للوراء، وعيناه تهربان منها(: ليان...
ليان )تصرخ وتندفع نحوه، تدفعه بكلتي يديها بقوة(: هي حصلت كمان بتغلط في اسمي؟ ابعد من وشي! مين
معاك هنا؟!
قصي )يرفع يديه كأنه يحاول تهدئتها(: محدش معايا.
ليان )تعقد ذراعيها بصدرها، وتطالع رجليه المرتعشتين باحتقار(: باين من رجلك اللي بتترعش ولسانك اللي
مبيعرفش يقول غير كدب!
قصي )يحاول الاقتراب منها بخطوة حذرة(: طب اسمعيني، خليني أشرحلك. والله أنا صحيت لقيت نفسي هنا،
ومش فاكر أي حاجة!
ليان )تقهقه بسخرية، ثم تصفعه بكلماتها(: كداب! وخاين وعبر الدنيا كلها فيك! اتفوووو عليك!
يرمش قصي بعصبية، وعينيه تضيقان وهو يضغط على فكه: اتلمي... ولمي الدور.
ليان )تندفع فجأة، تمسكه من ياقة قميصه وتشده نحوها(: إنت هتطلقني... يا إما هتطلع روحك على إيدي
دلوقتي! فاهم؟!
رفع قصي يده وكأنه سيزيح يدها، لكن قبل أن ينطق...
انفتح باب الحمام.
التفتت ليان بحدة، عيناها تشتعلان، لتجد امرأة تتمايل خارجة ببطء، ترتدي ملابس فاضحة لا تكاد تستر
جسدها، شعرها مبلل يتساقط على كتفيها، وابتسامة باردة على وجهها.
...
اقتربت "سميرة" بخطى واثقة، عينها تتحدى، وابتسامة باردة تتلاعب على شفتيها، ثم فجأة، احتضنت "قصي"
من ذراعه أمام "ليان"، كأنها تتعمد إعلان الانتصار
قصي تصلب مكانه، عضلاته انكمشت، وعيناه اتسعتا بصدمة، ثم التفت نحو "ليان" سريعًا، نبضه يتسارع،
ويده تتشنج وكأنها على وشك دفع "سميرة"، لكنه ظل واقفًا، مشدوهًا، كأن لسانه انعقد.
ليان )وعيناها تتوهج غضبًا، تتقدم خطوة، وصوتها يعلو(: والله لهنتف شعرك زي ريش الفرخة لو ما بعدتيش
عنه!
سميرة )تتظاهر بالخوف، تضع يدها على صدرها وتتنفس ببطء(: يامي! خوفت منك! تصدقي قلبي ساب وعايز
حد يلحقه!
ليان )تخطو نحوها والشرر يتطاير من عينيها(: انتي فاكراني بهوش؟
سميرة )ترفع حاجبًا وتبتسم باستخفاف(: انتي مين يا حلوة؟
ليان )تشير إلى نفسها بثبات(: مراته.
سميرة )تضحك بسخرية وهي تنظ ر إلى قصي(: اللي منكدة ومنغصة عليه عيشته؟ مش كدا؟
ليان )تضحك بسخرية مماثلة(: لا وانتي الصادقة! دي اللي صبرت عليه وضيعت شبابها معاه لحد ما عجزت
بدري!
سميرة )تتقدم خطوة وتضع يدها على خصرها(: دي حجة بيقولوها الناس الضعيفة اللي زيك... طب أنا عايشة
معاه، سنين عمره مابكاني يوم.
ليان )ترفع صوتها باندهاش(: سنين إيييييه؟!!
سميرة تخرج ورقة من درج قريب، تمدها بخفة ليد "ليان" ، عيناها تتلألأ بنشوة الانتصار:
سميرة: أيوه، تخمينك صح... أنا مراته يا حلوة.
عين "قصي" تنقلب بين الاثنتين، أنفاسه مضطربة، كأن روحه تُسحب قطعة قطعة، وكأن الكلام لا يجد طريقه
إلى فمه، فقط جسده يصرخ بكل معاني التورط والذهول.
...
تجمد قصي في مكانه، قلبه يضرب بجنون بين ضلوعه، وملامحه مشوشة بين الخوف والندم. وقفت ليان أمامه،
وعيناها تشتعلان بنيران الغدر، صوتها ارتجف لكنه كان حادًا كسكين:
ليان )بصوت مخنوق(: أنا استاهل ضرب الجزمة... حبيتك، حطيتك فوق الكل، استحملت كسرتك ليا ليل
ونهار! كنت بدوس على ذلي ووجعي علشانك، وانت؟! دوست على قلبي بالرخيص، يا فارس! تبقى ف حضني
كل يوم... وانت ناوي تتجوز عليا؟!
رفع قصي يده يحاول الاقتراب، لكن ليان تراجعت خطوة للوراء، وكأن لمسته صارت لعنة.
سميرة تقدمت، وابتسامة مستفزة على شفتيها، لوحت بيدها بسخرية.
سميرة: مالك يا بت داخلة علينا زي الريح اللي ماحدش عارف يمسكها؟ شخط ونطر كده من أولها؟ إيه ده؟!
نظرت ليان إليها بحدة، ابتسامة ساخرة ترتسم رغم دموعها.
ليان: شوفت يا فارس؟ خلتني أسمع كلام من واحدة ملهاش أي قيمة! وصلتني لدرجة إني أتهان من وحدة زي
دي!
سميرة )بغضب(: مين دي اللي ملهاش قيمة؟! والله لأربيكي
مدت يدها لتصفعها، لكن قصي تد خل بسرعة، أمسك بشعرها وشدها بعيدًا.
قصي )بحزم(: بس يا سميرة!
سميرة )تصرخ(: لا دي عايزة تتربى من أول وجديد!
قصي )بعنف(: اظبطي لسانك، واتعدلي بدل م اعدلك
لكن ليان كانت قد فقدت كل تحكم في نفسها. تقدمت نحو سميرة، جذبتها من شعرها بقوة مفاجئة، وألقتها أرضًا.
كانت عيناها تشتعلان، وجسدها يرتجف.
ليان )وهي تضربها(: انتي هتربيني؟! ده انتي محتاجة عشرة يربوكي ويكسروا ضلعك المعووج، يا خطافة
الرجالة!
سميرة )بتو سل(: أوعي ! سيبيني!
لم تستجب ليان، وواصلت ضربها بجنون. حاول قصي إبعادها، لكن قبضتها كانت مشدودة وكأنها تُخرج كل
وجعها دفعة واحدة.
قصي )وهو يحاول تهدئتها(: انتي فيكي إيه؟ نيارا اتلبستك ولا إيه؟!
ليان )بعين دامعة وصوت مرتعش(: أنا جوايا ميت عفريت! سيبني يا فارس... سيبني، حسابك لسه ما جاش!
حاول الإمساك بها مجددًا، لكنها عضته في ذراعه، فتأوه من الألم . تراجعت سريعًا، التقطت فازة من فوق
الطاولة، ورمتها بكل غضب في وجهه.
سقط قصي على الأرض ليتفادي الضربة لكن الكارثة لم تتوقف. الفازة ارتدت وأصابت سميرة في
رأسها، فسقطت دون حركة .
رمقها قصي بذعر، هرع نحوها، مد يده، لكنها... اختفت!
ارتجف جسده، وبدأ يتراجع خطوة بخطوة، الذهول يأكل ملامحه.
قصي )بهمس مرتعب(: ينهار مش فايت... سميرة؟!
ثم التفت بسرعة، وركض خلف ليان التي كانت تهم بالخروج من باب الأوتيل.
قصي )بصوت مبحوح(: ليان! أرجوكي... بالله عليكي، ما تسيبينيش! استني!
لكنها لم تلتفت، كانت قد غادرت، وتركت خلفها فوضى من الألم، والندم، وظلال امرأة... اختفت في العدم.
...
خرجت ليان من الفندق وهي تركض بجنون، قدماها تسبق أنفاسها، ودموعها تتساقط كأنها تطرد كل ما مر
بقلبها من خيبات. وفجأة، شهقت بقوة، وكأن الهواء يندفع من صدرها بعد احتباس طويل، كانت نَيَارا قد خرجت
منها. لحظة تحرر، لكنها لم تكن نجاة، بل بداية السقوط الحر .
توقفت ليان في منتصف الطريق، تدور حول نفسها ببطء، كأنها تبحث عن مخرج من ذاكرة لا ترحم. ارتجف
جسدها وهي تمسك شعرها، تشد خصلاته بعنف. تلاحقت الأصوات في رأسها، تتشابك، تتعالى... صفعات
يمين، صفعات يسار
صرخة خافتة خرجت منها وهي تتحسس رقبتها، شعرت بقطرات دم تسيل... ليس من جرح خارجي، بل من
الداخل، من روحها.
صدى الأصوات اشتد في أذنيها...
"بذمتك، انتي ست؟ الست تتحب ... لكن انتي؟! يتشفق عليها يانيارا!"
"أنا بس عايش معاكي عشان انتي ملكي، وفارس عمره ما يعرف الخسارة، حتى لو كانت ست م تلزمهوش،
ولا بيعوزها في يوم!"
"تصدقي؟ عمرك ما أغرتيني! عارفة ليه؟ عشان وجودك نفسه قرف ... وقلبك مسخ !"
"مزعجة، وكلك تمثيل، حتى وانتي ساكتة بتزعجي، يانيارا!"
"لما بشم ريحتك، بحس بكابوس بيخنق فيا... ريحة تقفل النفس والقلب!"
"انتي طالق! مش عايز أشوف واحدة قشرة من برة ومليانة خراب من جوا!"
"انتي نقطة سودا في تاريخي ... وبمسحها دلوقت!"
شهقت ليان بقوة وهي تصرخ بصوت ملأ الشارع، جسدها ارتجف وكأن روحها تُنتزع، وانهارت على ركبتيها.
قصي خرج خلفها، وما إن لمحها حتى توقف فجأة، كأن الأرض شدته ولم تسمح له بالحركة.
...
ثبتت نظرات قصي في الفراغ للحظة، ثم رأى أمامه خيالًا واضحًا لفارس. لم يكن وهمًا... كان انعكاس روحه .
قصي )بصوت مرتجف(: "اوعى تفكر..."
فارس )بابتسامة خبيثة(: "لا ... هيحصل."
وفي لحظة خاطفة، اخترقت روح فارس جسده... تغلغلت بداخله كظلام يبتلع النور.
تغيرت نظرة قصي. انطفأت ملامح الأمان، وحلت محلها قسوة تعرفها ليان جيدًا.
رآها واقفة على بُعد خطوات، تنظر إليه بدهشة.
ليان )بصوت خافت(: "فارس..."
تقدم نحوها بخطى ثابتة، كأن الأرض تمهد له الطريق. أمسك ذراعها بعنف كاد يخلعها من مكانها.
فارس )من خلال جسد قصي(: "آه طلقتك؟ بس هتفضلي تسمعي كلامي لحد ما تموتي. قومي معايا بدل ما
أفرمك تحت رجلي!"
ليان )بصوت باك (: "أنا مش هتحرك معاك... لو عايز تقتلني، اتفضل."
لم يتردد. رفعها عن الأرض كأنها لا شيء، ورماها داخل السيارة، أغلق الباب بعنف، ثم اندفع نحو مقعد
القيادة .
ليان )بعينين غارقتين بالدموع(: "مش هتقدر تعمل حاجة ... الطريق قدامك، روح الجبل، ارمي العربية، خلي
وشك يتحرق، وأنا أتشل ! يلا! مستني إيه؟!!"
ضغط على البنزين بعنف، وانطلقت السيارة في طريق مهجور بسرعة جنونية. الريح تصرخ حولهما، ووجوه
الموت تلوح في الأفق.
لكن فجأة...
بدأ جسد قصي يرتعش. يده على المقود لم تعد ثابتة. عروقه نبضت بنور خافت، كأن شيئًا بداخله يثور.
قصي )بصوت مبحوح، يتصارع داخليًا(: "اخرج... كفاية... مش هتلمسها تاني..."
فارس )من داخله(: "أنا اللي بتحكم هنا!!"
قصي: "غلط! دي روحي مش روحك... ومش هخليك تقتلها من تاني..."
شهقة حارة خرجت من صدره، كأن النور اخترق ظلامه. وفي لحظة خاطفة، صرخ صرخة عالية، وفتح باب
السيارة وهو يقود، وقفز منها متدحرجًا على الأرض وسط الحصى والغبار.
انحرفت السيارة عن مسارها، واصطدمت بصخرة على جانب الطريق فتوقفت، والدخان يتصاعد من المحرك
فتحت ليان عينيها ببطء... نظرت حولها، قلبها يخفق بجنون. مدت يدها المرتعشة، وفتحت الباب، ثم خرجت
تسقط على ركبتيها، لا اصدق أنها على قيد الحياة.
رفعت نظرها فرأته... قصي، ممددًا على الأرض، ينزف قليلًا ... لكنه حي.
ركضت نحوه، دموعها تنهم ر أمسكت يده وفجاه
...
فتح قصي عينيه فجأة، وجد نفسه واقعًا على صخرة باردة ف قد حرر نفسه من الماضي واخيرا لمس يد ليان
بقوة تشده، فجلسا معًا على الأرض وهما يلهثان بشدة. كان الصمت يحيط بهما، سوى أن أنفاسهما المتقطعة
كانت تملأ المكان، وكل منهما يحاول استجماع قوته.
قال قصي وهو يحاول تهدئة نفسه:
»؟ حسيتي باللي شفته «
ردت ليان، وصوتها يرتجف قليلًا :
». أيوة، لأني كنت معاك «
ابتسم قصي بخفة رغم التعب، وقال:
» ؟ يعني عديناها «
أومأت ليان برأسها بثقة:
». أيوة، شكلها كده «
مد قصي يده ليأخذ يدها وقال:
». طيب، كويس. تعالي معايا «
أردت ليان أن تأخذ نفسًا عميقًا قبل النهوض، فقالت:
». استنى يا قصي، عايزة أخد نفسي «
أجابه بحزم :
». مفيش وقت، ممكن يحصل حاجة تانية. إحنا مش ضامنين حاجة . المهم نروح نشوف حوار الجوا ز ده «
نظرت له وقالت:
» . صح، يلا بينا «
وقاما معًا، خطواتهما تلامس الأرض بثقة، متجهين إلى شقة قصي حيث تبدأ الحقيقة في الظهور
..
دخلوا إلى البيت وجلسوا يبحثون في كل زاوية، والقلق يملأ قلوبهم. فتحت ليان الدرج، وفجأة وجدت عقد
الزواج القديم. ارتكزت على الكرسي من شدة الدهشة، ونادت على قصي.
جرى قصي نحوها، وأخذ الورق بين يديه، وبدأ يقرأه بتمعن. قال :
"ايوه، دا عقد الجواز وخطي موجود لكن ازاي "
نظرت ليان له بدهشة وقالت:
"يبقى أكيد الجواب عند فارس ونيارا. لازم نضع حد ليهم بجد معدتش قادرة"
رد قصي بحزم:
"الحكاية خلصت ياليان خلصت."
...
وقف قُصي أمام الباب، يده على المقبض، لكن صوته الداخلي لم يمنحه القدرة على الرحيل بسهولة.
استدار ببطء حين سمع صوتها خلفه، نابعًا من قلب يرتجف .
ليان )بهمس مرتبك وهي تضم ذراعيها إلى صدرها، كأنها تحمي نفسها من فراغ موحش(:
ليه عايز تمشي؟
تنهد قُصي، نظر إليها بعينين يغلب عليهما الحزن، وكأن قلبه مشدود بين الرحيل والبقاء.
قُصي )منخفض الصوت، يشيح ببصره بعيدًا عنها(:
علشان لازم ... مش هتكوني مرتاحة.
خطت نحوه خطوة صغيرة، وكأن المسافة بينهما تعني لها الحياة.
ليان )بعينين ممتلئتين بالتو سل(:
لا، خليك... بات معايا.
تردد، تنقل ببصره بين وجهها والباب، ثم قال بصوت يشوبه الصراع:
قُصي:
والناس؟
هزت رأسها ببطء، نظرتها مستقيمة، وصوتها ثابت:
ليان:
مش بنعمل حاجة غلط.
اقترب منها خطوة، وكأنه يصارع خوفًا دفينًا بداخله.
قُصي )بصوت حاني فيه رجاء(:
بس مش عايز حد يقول كلمة عليكي... مش هيسكتوا لما يشوفوا شاب بايت عندك... وانتي سمعتك غالية
عندي.
ارتعشت شفتاها، لكنها رفعت رأسها بثقة.
ليان:
بس إنت جوزي يا قُصي.
تجمد للحظة، حدق في عينيها، كأن الزمن توقف.
قُصي )بصوت أقرب للدهشة(:
معترفة بده يا ليان؟
ابتسمت بخجل، وأطرقت برأسها قليلًا .
ليان:
طبعًا... يمكن مخضوضة شوية، بس إحساس الأمان اللي بيكون جوايا وأنا جنبك... مخليني أتقبل كل حاجة
عن طيب خاطر.
اقترب منها أكثر، ورفع يده برفق، طبع قبلة على رأسها بكل حب وصمت عميق.
قُصي )بهمس(:
صدقيني، كده أحسن .
لكنها أمسكت بكم قميصه، نظرتها تستجديه.
ليان )بصوت مبحوح(:
قُصي...
قُصي )بحنان(:
نعم؟
ليان:
بالله عليك، بات معايا... أنا خايفة.
عقد حاجبيه، اقترب منها حتى صار أمامها مباشرة، ثم م د يده ليمسح دموعها التي انسابت بصمت.
قُصي )بصوت منخفض( :
ليه الدموع؟
أجفلت، كأن السؤال وخز قلبها.
ليان )بكسر واضح(:
علشان ... مش عارفة هما عايزين مننا إيه يا قُصي؟
لم يرد. حملها فجأة بين ذراعيه، كأنها شيء ثمين يخاف عليه من الضياع، وسا ر بها نحو السرير.
أنزلها برفق على الفراش، وجثا بجانبها.
ليان )بهمس مرتجف(:
خدني في حضنك يا قُصي...
ضمها إليه، وأراح رأسها على صدره، ثم بدأ يمرر أصابعه على شعرها بتكرا ر حنون، وكأن كل لمسة منه
تطمئنها وتربت على قلبها.
وبين ذراعيه... ناما بسلام.
...
كان قُصي نائمًا، أنفاسه هادئة، يحتضن ليان وكأنها ملاذه الأخير في هذا العالم المضطرب.
لكن فجأة... أحس بيد تلمسه، ببطء، بطريقة غريبة لا تُشبه دفء ليان.
فتح عينيه، ومع اتساع حدقتيه، شهق بدهشة.
كانت نيارا تقف أمامه، بثوب أبيض يتمايل كالدخان، شعرها مسدول على كتفيها، ونظراتها تشتعل بغموض.
قُصي )بصوت مخنوق(:
ن... نيارا؟ !
نيارا )بابتسامة باردة(:
آخر مرة هظهرلك يا قُصي... ولأول مرة، هقولك الحقيقة...
اللي نايمة جنبك دي؟ أنا.
شهق مجددًا، قلبه يخفق بجنون، كأنه يقاتل كي لا يصدق.
قُصي )ينهض جالسًا، ينظ ر نحو ليان بدهشة(:
عايز أفتكر... أرجوكي!
نيارا )تخطو نحوه، وصوتها ينخفض( :
هتفتكر. لما تعدي آخر مرحلة... وتنقذها.
قُصي )يقترب منها، والرجفة في صوته(:
ارجوكم سيبونا ف حالنا بقا
نيارا )نظرتها تصبح حزينة للحظة(:
مش حابب تعرف اتجوزتوا إزاي؟
قُصي )يكاد يصرخ(:
ريحيني!
ابتسمت تلك الابتسامة الغامضة التي كان يراها دومًا في كوابيسه، ثم همست:
نيارا:
حاضر يا قُصي... حاضر.
وما إن أنهت جملتها، حتى اختفى ضوءها تدريجيًا، وانسابت كالدخان في هواء الغرفة... تاركة قُصي وحيدًا
بين الصدمة والخوف.
.......
الفصل الاخير
في غرفة ليان، فتحت عينيها على ملامحه الهادئة وهو نائم بجانبها. ظلت تتأمله بصمت، وابتسامة حالمة تلونت
على شفتيها. بحركة خفيفة، مررت أصابعها على وجهه برقة، وكأنها تتحسس ملامحه للمرة الأولى.
حين وصلت إلى شفتيه، ترددت، ثم سحبت يدها بسرعة وقد غمرها الخجل.
لكن فجأة، قبض على يدها بقوة، وفتح عينيه ببطء. خفضت وجهها بخجل، وأرخت رأسها على صدره.
طبع قبلة دافئة على جبهتها، ثم هم بالكلام، لكن ...
اهتز السرير بعنف مفاجئ، حتى ارتج المكان، وارتفع صراخ ليان المرتعب وهي تتشبث به.
صرخ قصي محاولًا احتواءها، لكن جسده جُمد حين شعر بظل ثقيل يقترب.
ظلال سوداء، كأنها دخان، تجسدت بجانب السرير... كان هناك شخص، لا... روح، تحمل سكينًا لامعة، تتقدم
نحو ليان وعينيها تحدقان فيها بلا رحمة
قصي )بانفعال(: "فااااااارس!! لااااااااا!!"
حاول التحرك، لكن جسده لم يطاوعه.
في أقل من ثانية، وضعت الروح السكين على رقبة ليان، ثم اختفت...
وضعت ليان يدها على رقبتها ببطء، لتتفاجأ بلطخة دم تسيل من بين أصابعها .
أمسك قصي رقبة ليان المرتجفة، عيناه تائهتان في وجهها الباهت، وصوته مكسور، يتوسل برجاء موجوع:
قصي:
"لا يا ليان فوقي... بالله عليكي فوقي... دي روح، هتأذيكي ازاي! مش هسمح بكده!
يا نيارا... ماتسيبنيش، أنا بحبك، والله العظيم بحبك! عشان خاطري، بلاش... لا يا نياراااا، لا! والله بحبك،
أبوس إيديكي! نيااارااااا!!"
وفجأة، كأن الزمن توقف...
جسده تجمد، وعقله غاص في صور مبعثرة، مؤلمة...
رأى نفسه وهو يضرب، ويهين، ويذل، ويخون.
ثم لمح المشهد الأشد قسوة...
يداه ملطختان بدم نيارا... وهو يقف، مذهولًا من جريمته القديمة.
نظر إلى ليان، يراها تختنق بين ذراعيه، وشهق:
قصي:
"لا... نيارا ! أنا آسف ... سامحيني بالله عليكي ... ارجعي! ارجعي ليا
ثم…
وسط ظلام الغرفة، انبعث نور خافت من الزاوية...
بنت كانت واقفة، بتضحك بهدوء
قصي )بصوت مرتعش(:
نيارا؟ أنتي اللي هتقدري تشفيها، اعملي كدا دمها هيغرق السرير مش هقدى اعيش من غيرها دي حياتي
وروحي انا مش موافق ع اللي حصل زمان والله م ليا يد فيه
نيارا اقتربت بخطوات رقيقة، لمست موضع الدم في رقبة ليان بأناملها... لكن قبل ما تلمسه، ظهرت يد من
العدم ومنعتها.
نظرت نيارا بدهشة...
لتجد روح فارس واقف أمامها، عيونه حزينة، ساكنة، مشبعة بالندم...
وقف فارس متأملاً، وحزنه واضح على وجهه وهو يقول بهدوء :
"مش دورك تساعديها؟"
نظرت إليه نيارا بعينين تملؤهما الدموع، تحاول إقناعه:
: "إزاي؟! أنا مش هقدر أشوف نفسي بموت ومساعدهاش... شوف حالة قصي؟."
قال فارس وهو يحدق في الأرض، وكأن أفكاره تئن تحت ثقلها:
"لما بشوفه بحس إن دي مشاعري اللي كانت مكبوتة فيا زمان ومقدرتش اطلعها"
اقتربت نيارا منه وأمسكت يده بإصرا ر:
"بس قصي هيحبها، سيبني أحاول."
رفع فارس رأسه ونظ ر إليها بحزم :
: "إنتي كده هتبوظي كل اللي إحنا عملناه، مش هتعرفي تتقذيها."
ضغطت نيارا على يده بشدة وهي تتوسل:
"ما تيأسنيش... وسيبني أحاول."
حاولت فعلاً، لكن لم تستطع، فتراجعت وهي تعلو عينيها علامات الألم.
وقف قصي متردداً، ثم قال بغضب:
: "وبعدين؟"
اقترب من فارس فجأة وحاول أن يخنقه، لكن يده مرت من بين أصابعه كأنها غير مرئية.
ضحك فارس بسخرية:
"عايز تضربني؟"
رد قصي بوجه متعب وغاضب :
"نفسي أخنقك... أنت اللي مسكت السكينة وقتلتها."
انخفض رأس فارس وكأن ثقل الذنب يثقل قلبه، ثم قال:
"هي ما ماتتش، هي محبوسة بين الماضي والحاضر. وبعدين، إنت اللي شوفته دخان اسود دا مكنش انا
سأل قصي بدهشة :
"أومال كان مين؟"
أجابت نيارا بهدوء وثقة:
نيارا: "طاقة السحر الأسود."
نظرفارس إلى نيارا بعتاب:
"إنتي كنتي عارفة؟
هزت نيارا رأسها وأجابت:
"عرفت قبل ما أنت تقتلني بحوالي ساعة."
سأل قصي بقلق "طيب السحر ده هيتفك إزاي؟"
رد فارس وهو يشجع قصي:
"أنت الوحيد اللي هتعرف تعمل ده... . أنت أقوى مني... روح وأنقذها عشان ليان ترجعلك."
تنهد قصي ببطء، ثم شعر بدوخة غريبة، كأنه يغوص داخل بئر الزمن.
....
كان كل شيء ضبابيًا، رؤى باهتة وصوت أنفاس متقطعة، حتى وجد قصي نفسه واقفًا في غرفة مظلمة، السكين
بين يديه ترتجف وكأنها تمتد من جلده، وصوت نيارا يعلو في الأرجاء، ممزوجًا بالدموع والخوف.
نيارا )بصوت مختنق ودموعها تنهم ر(:
"أبوس رجلك يا فارس، بلاش تقتلني... أنا بحبك! وراعيتك كتير، وكنت جنبك وقت ضعفك... جيه الوقت تشيل
ده من على قلبي، سيبني أروح لحالي، أرجوك!"
قصي )بعينين غائرتين، وصوت متهدج(:
"أنا آسف..."
نيارا )بنظرة حزينة وابتسامة باهتة رغم الخوف(:
"بلاش تتأسف... أنا مسامحاك من قلبي."
أراد أن يُسقط السكين من يده، لكن أصابعه لم تطاوعه، كأنها جُبلت على قبضها. وفي تلك اللحظة، بدأ الوشم
المحفو ر في صدره يغلي، دخان أسود كثيف انبعث منه، تسلل إلى أنفه، وبدأ يعبث بوعيه.
عينيه تحجرتا، وملامحه شُوهت... وحش يسكن جسده استيقظ من سباته.
انقض على نيارا بجنون، وهي تصرخ، تتراجع على الأرض، تحاول النجاة بما تبقى من أنفاسها.
نيارا )تصرخ بألم، تزحف على الأرض(:
"آاااه... فوق! بالله عليك فوق! انت مش إنت دلوقتي، مش في وعيك... اذكر ربنا، يا فارس ... اذكر الله !"
كان يلهث، ودموعه تسيل، لكن جسده لا يطاوعه، عقله ليس ملكه.
رفع السكين من جديد نحوها، كأن قوة خفية تُوجهه، لكنها ابتعدت، تلهث، وعيناها تبحثان عن ذرة من رحمة
فيه.
امتدت يده إلى وجهها، وعندما لامست بشرته، ارتعش قلبه.
تأمل ملامحها... نفس العيون، نفس الشفاه المرتجفة، نفس الدموع... ليان! كانت هي، أو كأنها هي!
تراجع خطوة، السكين لا تزال معلقة في يده، أراد أن يرميها ولم يقدر.
حاول أن يمسح الوشم، يحفره بأصابعه، لكنه لم يُمحَ، بل زاد توهجًا، والدخان تصاعد، يحرق صدره وضلوعه.
صرخ من أعماقه، كأنما روحه تتمزق:
"أنا مش كده... أنا بحبها... مش هأذيها! مش هأذيهااااا!"
وفجأة، انطلقت الكلمات من لسانه دون وعي، كأن قوة نورانية تحرك لسانه
ارتجف جسده، وبدأت قبضة السكين تضعف.
بدأ الوشم يذوب، والدخان يتلاشى، والهواء يعود نقيًّا .
كل آية كانت تُمزق خيوط السحر، تمحو أثر الظلمة، وتعيد إليه ذاته.
اقترب من نيارا، نظر إليها بعينين تفيضان حبًا وندمًا.
مد يده إليها... في عينيه سؤال صامت: "هتسامحيني؟"
كانت ليان أمامه، أو ربما كانت نيارا... لا يهم، كلاهما استحقت أن تُحب، لا أن تُؤذى
.ما إن سقطت السكين من يده، حتى شعر قصي وكأن ثقلًا رهيبًا زال عن صدره، لكن... لم يكن الخلاص بعد.
الوشم على صدره بدأ يتلوى كأنه حي، والدخان الأسود عاود الالتفاف حوله، حتى صوته اختنق، كأن شيئًا
يُمسك بحنجرته.
قصي )يهمس بألم(:
"أنا... مش قادر... السحر بيرجع تاني..بيحوم حواليا زي التعبان اللي بيحوم حوالين الفريسة بتاعته ومش
هيطلع منها غير وهو جايب دمها..."
صوت في داخله، خبيث ومظلم، يهمس كأنما من بُعد بعيد:
ووسط الألم، والدموع، والصراع بين الروح والجسد... انطلقت من فمه آية لم يخطط لها، خرجت من عمق
قلبه:
اهتز قلبه. صدقها. شعر باليد الخفية التي تنتشله من الهاوية.
نيارا )بصوت يرتجف، لكنها تقترب رغم الخوف(:
"ادعي ربنا... قول يافارس... قول : حسبي الله ونعم الوكيل..."
قصي )يبكي كطفل، يردد بعزم(:
"حسبي الله ونعم الوكيل... حسبي الله ونعم الوكيل..."
توهج نور خافت في صدره، كأن الكلمات تضيء عتمة عمرها سنين .
الظلال بدأت تذوب، الوشم يتشقق، الدخان يهرب .
قصي )يردد بصوت أعلى، كأن روحًا تسكنه(:
الهمسات سكتت. الصراخ الداخلي انتهى. كأن السماء نفسها أعلنت انتصا ر النوى على الظلمة.
نيارا )تصرخ بدموع(:
"أنا قولتلك! ربنا كبير... السحر مهما كان قوي، مايغلبش كلمة من كلام ربنا...! اذكره بس، وهو هيكفيك! "
انها ر قصي على الأرض، مرتعش الجسد، لكنه مطمئن القلب.
رفع عينيه للسماء وهمس كأنما يُسل م نفسه للقدر:
فجأة... اختفى الوشم.
تلاشى كأنه لم يكن، وكأن شيئًا ما نُزع من صدره انتزاعًا.
وسكون غريب حل بالمكان، فقط أنفاسه المتقطعة وارتجاف جسده المحموم كانا يملآن الفراغ.
دخلت نيارا في اللحظة ذاتها، عيناها تائهتان تبحثان عنه، حتى رأته ساقطًا على الأرض، وجهه غارق في
العرق والدموع.
اقتربت منه ببطء، وجلست بجواره، م دت يدها ولمست وجهه المرتعش بلطف:
نيارا )بهمس(:
"فارس
رفع رأسه نحوها كأنما عاد من بُعد سحيق، ثم…
دون إنذار، اندفع نحوها، واحتضنها بقوة، وبكى… بكى كما لم يبكي من قبل، كأن كل الألم الذي اختزنه قلبه
انفجر في تلك اللحظة.
قصي )يبكي بحرقة(:
"كنت هموت… كنت رايح ومش عارف هرجع ولا لا؟… كنت حاسس إني ضايع يا نيارا، كنت لوحدي.
اوي.."
لم تقوَ على التماسك… احتضنته، وبكت معه، دموعها اختلطت بدموعه، كأن قلبيهما التقيا على حافة الوجع.
نيارا )تبكي(:
"أنا كنت بدعيلك كل لحظة… كنت واثقة إنك هترجع، ربنا عمره ما بيخذل اللي بيلجأ له..."
شدها إلى حضنه أكثر، كأنما يخشى أن تضيع منه مجددًا، همس بصوت مكسو ر:
قصي )بهمس(:
" حقك عليا.."
وفجأة… شيء ما تحرك في أرجاء الغرفة . صرير خافت. أنفاس باردة تمر على جلدهما.
لم ينته كل شيء بعد
....
فتح عينه
رأى نفسه يحتضن ليان وهي تصرخ، تتلوى بين ذراعيه، تقاوم شيئًا لا يُرى.
ثم فجأة… فتحت عينيها وات سعت حدقتاها برعب، قبل أن ترتمي داخل حضنه بقوة.
قصي )بقلق وهو يض مها( :
"نفس الحلم؟"
ليان )ته ز رأسها وهي تلهث(:
"أيوة… هو هو… نفس الإحساس… نفس الظلمة اللي بتشدني!"
سكت لحظة، ثم حاول أن يخف ف عنها بتغيير الأجواء، فابتسم رغم اضطرابه:
قصي:
"طب... تحبي نقوم نخرج شوية
ليان )تنظر إليه بتركيز، صوتها مليء بالشك والحنين(:
"انت كنت فين؟"
قصي )يربت على شعرها وهو يبتسم(:
"معاكي يا حبيبتي... نايم جمبك طول الوقت، مقدرش أبعد عنك."
وقبل أن ترد، جاء صوت طرق خفيف على الباب .
ليان )تلتفت نحو الباب وتهمس(:
"مين اللي بيخبط؟"
قصي )ينهض بهدوء( :
"هقوم أشوف."
أشارت برأسها بالموافقة، وبقيت مكانها تنظر خلفه بقلق.
فتح الباب، فوجد عبدالرحمن واقفًا، ملامحه جادة،
عبدالرحمن:
"السلام عليكم."
قصي:
"وعليكم السلام... خير؟"
عبدالرحمن )يدخل بخطوات سريعة(:
"ممكن أدخل؟ عندي ليك أخبار... مهمة جدًا ."
قصي )يرفع حاجبه(:
"بخصوص مين؟"
عبدالرحمن )ينظر إليه بثبات(:
"فارس ونيارا... مثلًا ."
....
كان الجو ساكنًا في الردهة، خطوات ليان الهادئة تقطع الصمت وهي تقترب من عبدالرحمن بكوب الشاي.
ليان )بابتسامة خفيفة(:
"اتفضل،."
مد يده ليأخذ الكوب، ثم نظ ر إليها بنظرة غريبة، ابتسامة باهتة على طرف شفتيه، ونبرة صوته منخفضة... لكن
غريبة، كأنها تحمل شيئًا أكثر من مجرد شكر.
عبدالرحمن )بهدوء مُريب(:
"شكر اً... يا نيارا."
في لحظة، تغير كل شيء.
ارتعشت يد ليان، وسقط الكوب من قبضتها، تحطم على الأرض بصو ت حاد تناثر الزجاج تحت قدميها.
عبدالرحمن )يحاول التظاهر بالهدوء(:
"حصل خير..."
قصي )قفز واقفًا، عيناه على يد ليان(:
"حاسبي! هتعوري إيدك!"
لكنها لم تُفلت بالكامل... شظية رفيعة شقت كف ها.
أمسك قصي يدها بسرعة، تفحصها القلق يتصاعد في عينيه.
قصي )بقلق شديد(:
"تعالي معايا أغيرلك ع الجرح... بينزف."
ليان )تشد يدها بلطف، نظرتها معلقة بعبدالرحمن(:
"لأ... خليك معاه، أنا هتصرف."
قصي )بتوتر(:
"بس يا ليان..."
ليان )تبتسم ابتسامة باهتة، لكنها تحمل غصة(:
"قصي، خلاص... أنا رايحة ."
استدارت بسرعة، تخفي ارتباكها وألمها، ليس من الجرح فقط... بل من الاسم اللي خرج من فم عبدالرحمن،
وكأنها لم تعد هي في عينيه، أو كأ ن هناك سرًا دُفن للتو بين أنقاض كوب مكسور
.....
ظل قصي يحدق في عبدالرحمن بعينين ضيقتين، وساقه تهتز بلا توقف، في حركة تعكس قلقه وتوتره. بدا وكأن
الشك ينهش عقله.
قال عبدالرحمن بصوت منخفض ونبرة هادئة:
"إجابتك هتاخدها."
تسلل الشك أكثر إلى صدر قصي، فحدث نفسه متجهم الوجه: شكله نصاب، وجاي على نية، وبيحاول يضحك
عليا.
لكن عبدالرحمن، دون أن يرمش، قال بجدية قاطعة وكأنه سمع ما دارفي ذهنه:
"أنا مش نصاب يا فارس ."
حدق فيه قصي بغضب، وانتصب في جلسته فجأة:
"نطقت اسمي غلط."
رد عبدالرحمن بثقة وثبات، وعيناه لا تفارقانه:
"استحالة أغلط في اسمك ابدا لأني عارف حياتك كلها."
قطب قصي حاجبيه، وانعقدت ملامحه بين الاستغراب والانزعاج:
"إيه الكلام الفارغ ده؟"
اقترب عبدالرحمن قليلًا، ونبرته أصبحت أكثر جدي ة:
"أنا هاجي دوغري معاك يا قصي. مقدرتش مجيش عندك عشان انهي كل اللي حصل،من أول ظهور ليان ليك،
و ترميمك للوحة، لحد نقاذك لنيارا من فارس... كله بيكمل بعضه صدقني واكيد عندك علم انه سبب تصرفاته
انه كان تحت تأثير سحر شديد مش كدا؟"
توسعت عينا قصي قليلًا، وبدا عليه الذهول، فتمتم:
"إنت عرفت ده كله منين؟"
أجاب عبدالرحمن بهدوء، وقد ظهرت في صوته نبرة صادقة وغريبة الطمأنينة:
"السؤال الأهم: أنا مين؟ وإي علاقتي باللي حصل ؟ بأختصار
أنا معالج روحاني، واتكلفت بالمهمة دي من خلال رؤى جاتلي، شفت فيها تناسخ حصل بين اتنين من زمن
بعيد.. وبينك انت وليان بمعني انه
روح فارس اتجسدت فيك، وروح نيارا في ليان."
عَقَدَ قصي حاجبيه، وانحنى قليلًا للأمام، كأنه يحاول استيعاب ما يسمعه:
"بس ليه إحنا؟
رفع عبدالرحمن يده بهدوء، كمن يُسكت العاصفة قبل أن تهب، ثم قال بنبرة دافئة:
"علشان إنتو امتداد الأرواح دي. الكارما اللي رجعت عشان تصصح اللي اتكسر.
إنت النفس الطيبة اللي كانت جوه فارس، وماتت لما بعد عن ربنا وظلم نفسه.
وليان هي الروح اللي كانت بتصرخ ومحدش سمعها.
إنتو اللي قررتوا تفتحوا الباب المسكوت عنه في زمنهم، وغيرتوا قدر الماضي بحبكم لبعض.
بس دلوقتي... في خطوة أخيرة لازم نعملها، وإ لا كل اللي عملتوه هيضيع وهتفضل روح نيارا وفارس متعلقة
ومش لاقية رايحة."
ارتسمت الحيرة والقلق على ملامح قصي، فتنفس ببطء وسأل بصوت خافت لكنه حاد:
"بس قبل ما أسمع منك أكتر. مين اللي عمل السحر لفارس؟ وليه؟"
تغي رت ملامح عبدالرحمن، وأصبح أكثر جدية وهو ير د :
"الإجابة دي مرتبطة بحاجة تانية... إزاي ليان بقت مراتك يا قصي؟ "
رمقه قصي بنظرة متحفظة، وقال بإصرا ر:
"طب جاوبني!"
أدار عبدالرحمن ظهره، وسار نحو الباب بخطى واثقة، ثم قال دون أن يلتفت:
"روح طمن ليان.. واجهزوا بسرعة . عندنا مشوا ر مهم."
وخرج، تاركًا قصي وسط زحام من الأسئلة والقلق والدهشة
...
في المقعد الخلفي، جلست ليان، تقبض على يد قصي بشدة. أناملها كانت باردة، مرتعشة، كأنها تلمس شيئًا لا
يُرى، وعيناها متسعتان تحدقان في النافذة، بينما شفتيها تتحركان بهمهمة خافتة، كأنها تهمس بدعا ء مكسور.
قصي – بصوت منخفض، يخفي ما به من توتر
"إحنا فين؟"
عبدالرحمن – من المقعد الأمامي، دون أن يلتفت، بنبرة هادئة لكن حاسمة:
"إحنا قربنا... المكان اسمه مقام الصمت السابع، اتنسى من زمان... بس لسه صاحي للي زيكم."
نظر قصي إلى ليان، ثم إلى الطريق أمامه، ثم عاد يشد على يدها برفق، كأنه يقول لها بصمته: أنا جنبك... ما
تخافيش.
قصي – بتحفز وهو يح دق في الظلام:
"دا مقام؟ أصله بصراحة اسمه يخوف... وبعدين، ما قلتلناش إزاي الجوازة دي تمت؟"
عبدالرحمن – وهو يثبت عينيه في الفراغ كأنه يرى ما لا يُرى:
"المقام دا مش مكان عادي... مابيدخلهوش أي حد، لازم يكون متحصن بآيات الله، أو يكون ليه حكاية ناقصة...
وعايزها تحيا من تاني.
اللي حصل من خمس سنين مش صدفة... اللحظة اللي تلاحمت فيها أرواحكم القديمة، بقيت جواكم وراحو
اتجوزو ع ايد ماذون اظن انكم فاكرينه محمود ! لو مكنتش الجوازة دي تمت مكنش هيحصل تهيأة نفسيه ليكم
ومكنتوش هتقدرو ع اللي شوفتو."
ابتلع قصي ريقه، وليان شدت جسدها نحوه أكثر.
عبدالرحمن – مستأنفًا، بصوت أكثر عمقًا:
"محمود كان صاحب فارس، بس قلبه اتلون بالغيرة. كان عارف إن فارس ببعشق الوشوم، فاستغل دا... دخله
سنتر وشوم، وحطله في صدره وشم معمول عليه طاقة سحر
اللي فارس ميعرفوش انه محمود لما اكتشف انه فارس قتل نيارا حس بالذنب وكوابيس مكنتش بتفارقه وبقا
حاسس انه بقا جواه لعنة كبيرة
ولما نيارا ماتت، وصرخت في حضن فارس وقالت: "يا ريتنا اتقابلنا في زمن تاني، يمكن كنا ننجى ..." ، الكلمة
دي بقت لعنة، تانية وخلقت كارما، ربطت مصير التلاتة مع بعض."
قصي شعر بجسده يقشعر، وليان شهقت بخفوت، والهواء داخل السيارة أصبح أثقل.
عبدالرحمن – وهو يخفض صوته كأنه يحكي سرًّا:
"محمود ندم... روحه في الزمن ده رجعت بذاكرة جديدة، عايز يكفر عن اللي عمله. علشان كده، ساعد
أرواحكم تتجسد في الحاضر، ويتتم الجوازة اللي كانت هتضيع .
وربنا يا قصي... خلاك تقول الآيات من غير ما تحس، لأنك بقيت صاحب الطاقة نفسها، لأن روح فارس
جواك... واللي كان لازم يتصلح، اتصلح بيكم."
سكت عبدالرحمن، وكأن الكلام أثقل من أن يُقال. لم يرد أحد. وحده صوت المحرك ظل يهمس في الصمت،
وتنهيدة ليان خرجت كأنها تبكي دون دموع.
عبدالرحمن – هامسًا :
"هناك... عند التلة، هتشوفوا كل حاجة... ذكرياتكم، حكايتكم، الأرواح اللي عايزة تتكلم من خلالكم.
بس خلوكم مستعدين ... ما فيش رسائل، مافيش خوف... في بس الحقيقة."
اقتربت السيارة من التلة. الظلام صا ر أثقل، والسكون أعمق، حتى بدا كأنهم لا يتحركون فوق طريق... بل
يسيرون داخل حلم .
...
وصلت السيارة إلى حافة التلة، حيث كان المعبد قائمًا وسط بركة مياه راكدة تكسوها زهو ر عائمة صفراء
داكنة. ارتفعت عن المعبد أعمدة حجرية متكسرة، محفورة عليها رموز غامضة تتشابك وكأنها تحكي قصة لا
تنتهي.
كان الجو باردًا، وكأن المكان نفسه محتفظ بهوا ء من عصور قديمة، فيه صدى أرواح رحلت وانتقلت إلى أجساد
أخرى. كان الضوء الخافت المنبعث من شموع معلقة على جدران المعبد يرقص على الأحجار كما لو كانت
تنبض بالحياة .
عند المدخل، وقفت الأعمدة بشكل يشبه دوائر مترابطة، رمزا للتناسخ والتواصل بين الأرواح، وكأن المعبد هو
جسد ضخم يحوي بداخله قصص ا متجددة تتكرر بلا نهاية.
ليان – تشد يد قصي بقوة، تحاول تخفي خوفها:
"تحس الروح هنا مش بتموت، بس بتتغير."
قصي – يحاول يثبتها، عيناه تلتقطان كل تفاصيل المكان بحذ ر:
" بيحكي حكاية أرواح بتتولد وتموت بس بتإن بوجع."
عبدالرحمن – ينظر إلى الرموز حوله، ثم يقول بهدوء:
"المعبد دا مكان عشان الأرواح تتلاقى، تموت، وتتولد من جديد... حلقات حياة متصلة. هنا بنقدر نلاقي
الجواب، لكن كمان لازم نكون اقويا عشان نقدر نواجه الحقيقة اللي بتتكرر من جيل لجيل ."
تسرب الصمت بين الأعمدة، وأخذت رياح خفيفة تهب حاملة معها همسا ت لم تُفهم بعد. بدأت أطياف ظل
تتحرك بين الأعمدة، كأنها أرواح تتهيأ للحضور في الجلسة القادمة
...
كانت أقدامهم تخطو بحذر فوق أرض المعبد القديم، حيث دائرة محفورة بعناية في وسط القاعة، تحمل نقوشًا
غامضة كأنها تحكي قصة د م عتيق.
وقف عبد الرحمن أمامهما، نظراته تغو ر في العمق، وصوته لا يقبل جدالًا :
"لازم دم منكم... انتو الاتنين."
ترددت ليان، نظرت إلى يديها المرتعشتين وهمست:
"هيفرق يعني؟ "
أجاب عبد الرحمن بنبرة حاسمة، تقطع الشك باليقين:
"طبعًا. الدم معناه ولادة جديدة ليكم... وراحة ليهم. لما الدم يدخل الدايرة، بيكون كأنكم بتقولوا: اتكلموا،
وارتاحوا. احنا عدينا كل اختباراتكم."
نظرقصي إلى ليان، ثم أمسك يدها بحنو:
"يلا يا ليان... ما فيش غير كدا."
تناولت ليان شفرة صغيرة من يد عبد الرحمن، وخدشت إصبعها بخفة. تدفق الدم على الحجر البارد، تبعه قصي
بنفس الطقس. وبرودة غريبة سرت في أطرافهما، كأن المعبد تنفس من جديد.
جلسا حول الدائرة في
فجأة، صوت الزجاج يتناثر، مرايا تتكسر في الخفاء، كأن الماضي قر ر أن يتكلم.
وفجأة... تغير صوت ليان. لم تعد ليان، بل نيارا. وصوت قصي تحول إلى فارس.
تلاحمت الأرواح، ذابت الجسدان في روح واحدة، الأنفاس تناغمت، والنظرات تحولت إلى نوافذ زمن اخر
فارس – بنبرة شوق حارق:
"وحشتيني..."
احتضنها، والدموع تسيل كأنها تطفئ نارًا قديمة.
فارس –
"بجد، بالله عليكي... أوعي أشوف دموعك دي تاني، أوعي يا نيارا."
مدت نيارا يدها، لمست وجنتيه، وكان الحنين يسكن أطراف أصابعها.
فارس – بصوت مضطرب، يبحث عن إجابة:
"هتختاريني؟"
نيارا – بثبات قلب أحب من قبل وض ل طريقه:
"هختارك، يا فارس."
فارس – بصوت يفضح ضعفه:
"عشان صعبان عليكي، صح؟"
نيارا – بصدق نابع من روح ذاقت الغياب:
"لأ... عشان قلبي عمره ما دق غير ليك. عشان كنت دايمًا مؤمن إن جواك روح نضيفة... بس كنت محتاج
تحس إنك ممكن تخسرني."
تقدم عبد الرحمن، وضع كفه على كتفيهما، بنظرات يملؤها الوقار، ثم قال بصوت كأنما يهمس في قلب الزمن :
"قررتوا؟"
فارس – بثبات:
"القرا ر ليها."
نيارا – بوضوح لا يعرف التراجع:
"هرجعلك... عشان بحبك."
......
"عودة الأصل"
كانت آخر لمسة في المعبد مثل همسة وداع.
قصي نظر في عيون ليان، لكن مكانها كأن ينظر إلي نيارا.
وجهه فارس، ونبضه كأنه بيعزف لحن قديم منسي.
في هذه اللحظه الأرواح تركت أجسادها،
وحان موعد الرجوع لأصلها،
وانقسمت الحقيقة
....
1960
"الغفران الأخير"
شهق "فارس" بعنف.
دموعه انفجرت دون إذن، صرخة مكتومة حبست في صدره، وجسده يرتعش بشراسة.
عيناه تنقلتا بذعر، يبحث عن شيء... عن نفسه!
قام يركض نحو المرآة،
شد قميصه بعنف، مزقه،
فلم يجد شيئًا...
لم يكن هناك وشم! لا علامة!
فانفجر بالبكاء، صوته علا، ارتجف في كيانه،
ثم فجأة، رآه...
رأى "قصي" يبتسم له من داخل المرآة.
اقترب فارس منها، مد يده يلمس صورته،
لكنها اختفت...
كأنها لم تكن!
رن الهاتف فجأة،
جري نحوه، أجاب وهو يلهث.
– فارس: ألو؟
– محمود )بخبث(: إييي يا عم، تعالَ بسرعة، جهزتلك كل حاجة .
لقيتلك مكان جامد موت، اتعذبت لحد ما جبته، بس هعملهولك بطريقة هتعجبك.
– فارس )ببرود غريب(: مش هعمله.
– محمود: إيه الهزا ر ده؟ أنا مزبط الدنيا، ودافع دم قلبي.
– فارس: طُز! مش فارق معايا.
بقولك مش هروح، واسمع مني... النهاية.
رقمي دا تنساه خالص، سامع؟ مش عايز أعرفك تاني.
– محمود: الله الله، هو حد دسلك على طرف؟
– فارس: انساني يا محمود، وصف ي قلبك من ناحيتي، وبلاش تأذي حد.
قرب من ربنا.
– محمود )ساخرًا(: إيه يابني؟ إنت جرالك إيه؟ بقيت إرهابي ولا إيه؟
– فارس: آه…
وكلمة كمان، وهجيلك اقتلك.
سامعني؟
ابعد عني.
ونصيحة أخيرة:
أي اتفاق حصل مني مع ولاد الحرام دول… اعتبره لاغي.
أنا مش هشرب،
ولا هتاجرف البراشيم دي تاني،
ولا هكون سبب ف موت حد.
وحاجة كمان…
إنت حلو لنفسك… وحش لنفسك.
أنا هغير الخط والعنوان،
وهسافر برةالبلد دي خالص…
وهبدأ حياة جديدة… وبشرف.
سلام.
أغلق الهاتف.
أخذ نفسًا عميقًا.
دار حول نفسه كأن روحه تبحث عن مأوى.
صور"قصي" و"ليان" تتقافز في ذهنه،
كأنها جزء منه… كأنه عاشها!
قلبه يدق بعنف.
عرق يتصبب.
قَبض على يده كأنه يمنع نفسه من الانهيار
ركض نحو مكان المخدرات.
فتح الدرج، أمسك كل شيء…
وأشعل النار
جلس يبكي أمامها، كأن كل سيئة تذوب مع اللهب.
دخل الحمام.
فتح الماء البارد،
رشه على وجهه بشراسة،
لكن الذكريات تأبى الرحيل.
توضأ .
رجلاه بالكاد تحملانه.
خرج للصالة… سقط أرضًا،
وسجد.
سجد لله،
يبكي…
وصدى بكائه كان كأنه يهز جدران البيت،
ويحرك الكون.
ثم فجأة…
سمع صوتًا مألوفًا،
يناديه بخوف… بحنان.
– نيارا )من بعيد(: فااااارس !
رفع عينيه،
ورآها…
نيارا، بكل ملامح الحب والخوف.
– فارس )بهمس خافت، من قلبه(: نيارا...
....
ركضت "نيارا" إليه بخوف،
وجلست على الأرض بجواره،
وضمت وجهه بين كف يها برفق،
ثم أمالت رأسها حتى لامست جبهته…
كأن ها تحاول تهدئة العاصفة التي هبت بداخله.
نيارا )بهمس دامع(:
– كل وجع شوفناه، أرواحنا…
الجزء الصافي اللي جوانا… هو اللي مسحه .
رفع "فارس" عينيه إليها، وكأن ه طفل ضائع وجد حضنه الدافئ أخيرًا،
وصوته خرج ضعيفًا، مُحملًا بالخذلان والحنين:
فارس:
– رجعتي ليه؟
ابتسمت "نيارا"، ابتسامة كلها يقين،
ونظرت له نظرة حُب لا يتخللها تر دد:
نيارا:
– أنا كنت جمبك يا فارس…
مفيش حاجة اسمها "رجعت ليه"،
دا قد ر ربنا،
وأرواحنا… أرواحنا متعلقة ببعض،
ومتقدرش تعيش من غير بعض.
هز رأسه، وعيونه شاخصة كمن رأى معجزة،
وهمس بصوت يكاد يُسمع:
فارس:
– قصي يا نيارا…
قصي هو اللي نجاني…
تصوري ؟
لكنها لم ترد،
بل وضعت إصبعها على شفتيه برقة:
نيارا:
– هشش…
حبهم سكن جوانا،
وهم السبب إننا لسه عايشين،
وإننا دلوقتي مع بعض …
هما اللي إدونا الإشارة إننا نبدأ من جديد.
أرواحنا كانت بتنده،
وآن الأوان إننا نفهم الدرس.
انحنى "فارس" وقب ل جبينها بحنان:
فارس:
– بعشقك يا نيارا…
بحبك أوي …
أوعي تبعدي عني تاني،
أرجوكي.
نظرت إليه بنظرة مملوءة بعزم ناعم:
نيارا:
– بس ليا عندك طلب.
ابتسم بشغف وكأنه طفل أمام أمنية:
فارس:
– خدي عيني.
تنهدت وقالت:
نيارا:
– نروح نعمل عمرة،
نغسل روحنا من كل اللي حصل ده…
ونبدأ من هناك.
نظر إليها بامتنان،
وقب ل جبينها مرة أخرى… بحب خالص:
فارس:
– حاضر يا نيارا.
...
سافر "فارس" و"نيارا" بعد أيام،
أحسا أ ن قلبيهما لم يعودا يحتملان أكثر،
وأن التطهير الحقيقي لا يكون إلا هناك…
حيث تنسكب الدموع دون خجل،
وحيث تذوب الذنوب في الطواف،
وتنبت الأرواح من جديد.
وقفا أمام الكعبة،
قلوبهما ترتعش،
وأعينهما تمتلئ بالدموع ،
وكأنهما شاهدا النو ر لأول مرة في حياتهما.
نيارا )بصوت مرتجف وهي تهمس له(:
– شوفت؟
شوفت الجمال؟
دا إحنا ولا حاجة جنب الرحمة دي…
كل حاجة كنت شايلها جوايا… سبتها هنا خلاص
فارس )صوته مبحوح ودموعه تلمع(:
– وأنا كمان،
أنا كأني بقيت بني آدم تاني…
كأني إتولدت من جديد،
بس المرة دي، في حضنك، وإيدي في إيدك.
مد يده لها،
فأمسكت بها بقوة كأنها لا تريد أن تتركه أبدًا،
ومع كل خطوة في الطواف،
كانت دموعهما تنزل بصمت…
لا بكاء على ما مضى،
بل شكر على النجاة،
وشوق لبداية بيضاء ،
بلا قيد، بلا ظلمة، بلا ألم.
نيارا )وهي تضع رأسها على كتفه بعد الانتهاء من الطواف(:
– قصي وليان روحنا الغايبة وهما السبب ف البداية دي
فارس )ابتسم وض مها(:
– وإحنا هنعيش…
لأجلهم…
ولأجلنا…
ولأجل ربنا اللي من علينا بفرصة تانية.
سكتا…
ورفعا أيديهما للدعاء،
وفي تلك اللحظة…
لم يكن هناك غير صوت الأذان،
ودقات قلوب تطهرت،
وأرواح عادت…
للنور.
...
بعد أسابيع من العودة،
جلس "فارس" على شرفة المنزل،
صوت العصافير، نسيم المغرب، و"نيارا" بتعد له الشاي.
دخلت وهي شايلة الكوبين،
جلست جنبه،
وبصوا مع بعض للغروب.
فارس )بصوت هادئ(:
– تعرفي؟ ساعات بحس إني لما ببص ف المراية…
بشوف حد تاني كأنه قصي بيقولي انا جمبك
نيارا )ابتسمت بنعومة(:
– وأنا ساعات وأنا نايمة…
بحس بإيد حد بتطبطب عليا…
صوت بيهمسلي: "خلي بالك من فارس…".
سكتوا لحظة…
وبعدها، فجأة…
هب هوا دافية لفت المكان،
وضي الشمس وقع على وش "نيارا" بشكل غريب…
عين "فارس" دمعت، ووشه اتبدل كأنه شاف حاجة.
فارس )بصوت مبحوح(:
– أنا شفتها… ليان.
نيارا )شهقت(:
– وأنا… شفت قصي.
ضربت ريحة ياسمين قوية ف المكان
الريحة كانت هناك…
دافية، مألوفة، مط منة.
فارس )بهمس(:
– هما مختفوش
هما جوانا.
حبهم هو اللي رجعنا لطريقنا،
هو اللي خلانا نعيش.
نيارا )بدموع(:
– هما علمونا يعني إيه نحب… من غير أذى…
من غير خوف…
هما كانوا الألم…
بس كانوا الدرس كمان.
في اللحظة دي،
رفرف ورق شجرة من بعيد،
واتشكل في الهوا كأنه كلمة…
"غفران".
ابتسم "فارس" ومسك إيد "نيارا" بقوة،
وبصوا للسماء.
فارس:
– قصي… ليان…
لو بتسمعونا …
احنا عايشين بيكم،
ومش ناسيينكم.
سكتت الدنيا لحظة،
وكأنها بترد:
"ولا إحنا…"
ثم اختفى النسيم.
واكتفى القلب بالسكينة .
...
واخيرا
لم تكن تلك الأرواح لتغادر حقًا…
بل كانت تنتظر جسدًا آخر، قلبًا أوسع، زمنًا أنقى.
قصي لم يذهب بعيدًا…
كان يسكن ملامح فارس، في نبرته حين يرتجف من الندم،
في عينه حين يبكي حبًا لا يُنسى،
في لحظاته حين يختار الخير على الضياع،
هناك… عاش قصي.
وليان؟
هي النبض الذي هز قلب نيارا،
هي الحنان الذي يسكن صوتها،
وكل دمعة سالت من عينيها دون أن تفهم لماذا…
كانت روح ليان تهمس: "أنا هنا… أحيا فيك ".
لم يكن اللقاء صدفة…
بل إرادة عليا جمعت الأجساد لتكمل ما عجزت عنه الأرواح.
كان لابد للحب أن ينتصر،
وللظلمة أن تُهزم،
وللرحمة أن تغمر ما أفسده في الوجع.
لم يكن فارس ونيارا فقط…
كانوا قصي، وليان، ونور العدالة، وطُهر البداية الجديدة.
كانوا رسالة خالدة…
أن الأرواح الطيبة، لا تُدفن
بل تُورت
وتعود …
حين يكون الوقت… وقت خلاص.
يجب ان نعترف أن
لم يكن حبهم عاديًا…
كان ابتلاءً، ثم نجاة.
كان غفلةً، ثم صحوة.
كان ألمًا، ثم احتضانًا من نور.
في قربهم، تطهرت أرواحهم من شوائب الدنيا،
وفي غفرانهم، انكسرت أغلال الماضي،
وفي صدق التوبة، أُغلقت أبواب الجحيم وفتحت نوافذ الرحمة.
ما حدث لم يكن صدفة…
كانت يد القدرتعيد ترتيب الأرواح،
كانت العدالة السماوية تُعيد لكل قلب نصيبه،
ولكل نفس خلاصها.
قصي وليان لم يرحلوا…
هم هناك، في كل نبضة خاشعة،
في كل عين بكَت ثم ابتسمت،
وفي كل روح عرفت الله، فعرفت الطمأنينة.
الحكاية ما كانت عن عاشقَين فقط،
كانت عن الإنسان حين يسقط… ثم يُؤخذ بلطف للضوء،
عن أن النهايات ليست موتًا دائمًا… بل أحيانًا،
بعث جديد.
تمت بحمد الله
