رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثامن بقلم جاسمين محمد
ليلي كتنت في لحظة صدمة كانت فاكرة إن آسر هيتمسك بيها أو على الأقل هيحاول يبرر، لكن رده الهادي والموافق كان هو القلم اللي فوقها.
آسر (بنبرة هادئة ومؤلمة): "أنا موافق.. لو الطلاق هو اللي هيريحك يا ليلي، أنا مش هجبرك تعيشي معايا غصب عنك."
ساد صمت رهيب في الغرفة، لدرجة إن ليلة سمعت دقات قلبها وهي بتتسارع من الصدمة. كانت متوقعة منه غضب، عتاب، أو حتى تمسك مجنون.. لكن الاستسلام ده كان آخر حاجة تتخيلها.
مامة ليلي(بتدخل وبصدمة وعدم تصديق): "آسر! إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أنت واعي للكلام ده؟ إزاي ببساطة كده بتقول لها أنتِ طالق أو موافق على البعد؟"
آسر (بيلفت وشه الناحية التانية وهو بيحاول يخبي وجعه): "هي عايزة كده.. هي اللي طلبت، وأنا مش هبقى السجن اللي بيخنقها زي عمها ، ليلي اختارت طريقها، وأنا مش هقف في وش راحتها."
ليلة كانت بتبص له وعيونها مليانة دموع محبوسة، الصدمة لجمت لسانها، كانت عايزة تصرخ وتقول له "لا، اتمسك بيا!" بس كبريائها منعها.
آسر (بصوت هادي ورزين، وعينه مش بتيجي في عين ليلي): "ما تشغليش بالك ولا تفكري كتير يا ليلي.. خلاص، بصي بقيتي براحتك خالص. عمك بقى بعيد، وأنا كمان هبعد عن حياتك خالص وعيشي حياتك زي ما تحبي."
ليلي كانت واقفة مش قادرة تنطق، مذهولة من بروده المفاجئ ده، بس الصدمة الأكبر لما كمل كلامه:
آسر: "أنا كدة كدة مسافر أمريكا بكرة.. حجزت كل حاجة من إمبارح، وخلاص مش قاعد هنا تاني."
مامة ليلي(بشهقة مكتومة وصدمة): "يا ابني ليه؟ ليه يا آسر عايز تبعد بالشكل ده؟ ليه عايز تمشي وتسيبنا يا حبيبي؟"
آسر بص لوالدة ليلي بنظرة كلها حزن وامتنان في نفس الوقت، وقرب منها باس إيدها.
آسر: "يا أمي، أنا مفيش حد ليا هنا خلاص.. وحياتي كلها أصلاً كانت في أمريكا. هرجع لشغلي هناك، ولأصحابي.. هناك مكاني الحقيقي اللي المفروض مكنتش سيبته من الأول."
التفت لليلي نظرة أخيرة سريعة وباردة، وكأنه بيودعها بعينه قبل ما يخرج من الشقة ويسيب وراه فراغ رهيب ودموع ليلي اللي بدأت تنزل في صمت وهي مش مستوعبة إن "بكرة" ده هو نهاية كل حاجة.
بعد ما آسر خرج وساب وراه سكون مخيف، الأم لفت لليلي ولامتها بنظرة حادة وعيون مليانة خوف عليها.
الأم (بحرقة وانفعال): "أنتِ هتفضلي ساكتة كدة لحد إمتى؟ جوزك بيضيع منك يا ليلة! آسر هيسيبك ويمشي، وهتندمي ندم عمرك بعدين.. اتكلمي، انقذي حياتك وانقذي مستقبلك! ما تضيعيش آسر من إيديكي، آسر هو السند وهو العوض اللي مش هيتكرر تاني.. اتكلمي يا بنتي، آسر بيحبك، أنتِ ليه مش عايزة تفهمي كدة؟"
ليلي مكنتش قادرة تستحمل الضغط أكتر من كدة، فانفجرت في البكا وهي بتزعق في مامتها بوجع:
ليلي: "ما هو اللي عايز كدة! هو اللي استسلم ووافق يطلقني وببساطة قال مسافر بكرة.. أنا عملت إيه؟ هو اللي اختار ينهي كل حاجة!"
الأم (بصوت عالي ومقنع): "لا يا ليلي! مش هو اللي عايز، أنتِ اللي طلبتي! ولما تطلبي منه حاجة وتتعمل ليكي، ده معناه إنه بيحبك وعايز راحتك فوق أي اعتبار.. هو بيعمل اللي يريحك حتى لو على حساب قلبه!"
ليلي(بهمس مكسور ودموعها مغرقة وشها): "يا ريت.. يا ريت بس لو كان بيحبني فعلاً.."
الأم (بلهجة قاطعة): "لا يا ليلي، آسر بيحبك.. ما تقوليش يا ريت! هو بيحبك بجد، بس يمكن أنتِ اللي ما بتحبهوش ومش عايزاه، وعشان كدة مش شايفة حبه."
ليلي بصت لمامتها نظرة طويلة مليانة حزن وخذلان، كأنها بتعاتبها إنها أقرب حد ليها ومش فاهمة الوجع اللي جواها ولا الصراع اللي بياكل في قلبها. من غير ولا كلمة، سابتها ودخلت أوضتها وقفلت الباب وراها، ورمت نفسها على السرير وهي بتكتم صرخاتها في المخدة.
أما في الخارج، الأم فضلت قاعدة في الصالة، رفعت إيدها للسما وبدأت تدعي بقلب محروق إن ربنا يألف بين قلوبهم ويصلح الحال.
في الوقت ده، آسر مكانش قادر يروح البيت ولا ينام. كان سايق عربيته وبيلف في شوارع المدينة اللي مفيش فيها روح بالنسبة له من غير ليلي. كان بيبص للكراسي الفاضية جنبه، وبدأت المشاهد تمر قدام عينه زي شريط سينما:
• افتكر أول مرة شافها فيها وخطفته بملامحها.
• افتكر ضحكتها اللي كانت بتنور يومه، وخناقاتهم اللي كانت بتنتهي دايماً بكلمة طيبة.
• افتكر لم كانوا بيسهرو مع بعض بسبب كتابه البحث.
غمض عينه بوجع وهو بيضغط على الدريكسيون وقال في سره: "يا ريتني ما كنت أسيبك يا ليلي.. يا ريتني أقدر أفضل جنبك وأعيش حياتي معاكِ، بس خلاص.. كرامتي وجرحي بقوا أكبر مني."
فضل آسر يلف بالعربية، والساعات بتمر عليه كأنها سنين، لحد ما بدا سواد الليل ينسحب تدريجيًا، وطلعت خيوط الشمس الأولى، معلنة عن يوم جديد.. يوم السفر، ويوم الفراق الأصعب.
مع أول خيوط الشمس اللي بدأت تدخل من شباك الأوضة، كانت ليلي لسه صاحية، عيونها منفوخة من كتر العياط ومنمتش ولا دقيقة. سمعت خبط هادي على الباب.
ليلي (بصوت مبحوح وموجوع): "أيوه يا أمي.. اتفضلي، أنا صاحية."
دخلت الأم الأوضة، ملامحها كان باين عليها التعب هي كمان، قربت من ليلي وقعدت على طرف السرير، وأخدت إيد بنتها بين إيديها.
الأم (بندم وحب): "يا بنتي، حقك عليا إن أنا اتعصبت عليكي امبارح.. بس والله أنا خايفة عليكي، مش عايزاكي تندمي بعدين وتعيشي عمرك كله بتدوري على ضل راجل زي آسر وماتلاقيش."
ليلي بصت لمامتها بكسرة، لكن الأم كملت كلامها وهي بتطبطب عليها:
الأم: "أنا أسفة يا ليلي لو قسيت عليكي.. بس روحي له يا بنتي. آسر بيحبك والله، وأنتِ كمان بتحبيه، روحك فيه وباين في عينيكي. بلاش تسيبيه يمشي وهو فاكر إنك مش عايزاه.. روحي وانقذي حبكم قبل ما الطيارة تطلّع وتاخده بعيد عنك."
ليلي سكتت للحظة، وبدأت كلمات مامتها تتردد في ودنها وتديها شجاعة كانت مفقودة، وكأنها كانت مستنية الزقة دي عشان تتحرك.
قامت ليلة من مكانها كأنها استمدت قوة مفاجئة من كلام مامتها، فتحت الدولاب بإيد مرتعشة وطلعت لبسها، ودخلت أخدت دش سريع عشان تفوق من دوامة الحزن دي. لبست وجهزت في دقايق، وخرجت لمامتها وهي بتنهج.
ليلي (وهي بتلبس شوزها وبتاخد شنطتها): "أنا ماشية يا أمي.. ادعي لي، بالله عليكي ادعي لي ألحقه!"
الأم (بدموع الفرح والرجاء): "روحي يا بنتي.. يا رب يسعدك ويوفقك، يا رب يديمكم لبعض ويرجعكم بالسلامة أنتم الاثنين، وتقابليه يا رب قبل ما يمشي.. قلبي وداعي معاكي يا ليلي ."
نزلت ليلي بتجري على السلم، وقلبها بيدق أسرع من خطواتها، وهي بتدعي في سرها إن الطريق يكون فاضي.
في المطار، كان الجو هادي وبارد، عكس النار اللي في قلب آسر. كان قاعد في صالة الاستقبال، شنطه جنبه، والناس حواليه بتودع بعضها وهو وحيد. طلع موبايله وفتح "الصور"، وبدأ يقلب في صور ليلي.
وقف عند صور كان مصورها لها "تغفيلة" وهي مش واخدة بالها؛ كانت قاعدة بتركيز شديد قدام اللاب توب، بتساعده في عمل البحث بتاعه، شعرها نازل على عيونها وهي بتمسحه بإيدها بتلقائية، وملامحها كلها تصميم.
آسر (ابتسم بحزن ومرارة وهو بيمشي صباعه على صورتها في الشاشة): "حتى وأنتِ بتساعديني كنتِ قمر.. كنتِ سندي يا ليلي، بس الظاهر إننا مكنش مكتوب لينا نكمل البحث ده للآخر."
قفل الموبايل واتنهد تنهيدة طويلة هزت صدره، وهو بيسمع صوت النداء الأخير لرحلته مي المذيعه الداخلي للمطار.
التاكسي وقف بفرملة قوية قدام صالة المغادرة، ليلي رمت الفلوس للسواق من غير ما تستنى الباقي، وفتحت الباب وجريت بكل قوتها وهي بتنهج وصوت ضربات قلبها مسموع. أول ما دخلت، سمعت صوت النداء الأخير لطيارة أمريكا.. الصوت ده كان زي السكينة في قلبها.
ليلي (وهي بتجري وبتدور بعيونها في كل اتجاه): "آسر! أنت فين يا آسر؟"
بدأت تجري بين المسافرين، والدموع مغرقة وشها، لحد ما وصلت عند البوابة اللي بيدخل منها الركاب لمنطقة الجوازات. حاولت تعدي بسرعة، بس أمن المطار وقفها ومنعها.
رجل الأمن: "يا مدام ممنوع، التذكرة والباسبور لو سمحتي."
ليلي (بانهيار وصراخ): "أرجوك.. دقيقة واحدة بس، جوزي جوه، لازم أكلمه.. بالله عليك سيبني أعدي!"
رفضوا تماماً وزقوها لورا، ليلي بصت من ورا القواطع الزجاجية، ولمحت طيفه.. آسر بظهره، ماشي بهدوء وشنطته في إيده، بيقرب من البوابة النهائية.
ليلي (بأعلى صوت عندها وهز صالة المطار): "آاااااااااسر!"
في اللحظة دي، آسر وقف مكانه فجأة.. كأن كهربا مشيت في جسمه. غمض عينه وخد نفس طويل موجوع، وما رضاش يلف وشه.
آسر (بيكلم نفسه بهمس مكسور): "حتى هنا يا آسر؟ حتى في المطار بتتخيل صوتها؟ للدرجة دي مش عارف تخرجها من عقلك؟ يا رب ارحمني من التخيلات دي وصبرني .."
لما شافت ليلي إنه بدأ يتحرك تاني وهيمشي، صرخت بأقصى ما عندها وصوتها غلب ضجيج المطار كله: "آاااااااسر! ارجع يا آسر.. أنا عايزاااااك!"
في المرة دي، آسر وقف بجد. مكنش خيال، الصرخة دي زلزلت كيانه. لف وشه ببطء، وعيونه اتسعت بصدمة لما شاف ليلي واقفة ورا الحاجز، وشها غرقان دموع ومنهارة.
ليلي (وهي بتكمل كلامها بشهقات مكتومة): "والله العظيم عايزاك.. أنا بحبك يا آسر! ما تمشيش وتسبني!"
الكلمة كانت كفيلة إنها توقف الزمن. آسر اتصدم زيادة، قلبه اللي كان مكسور بدأ ينبض بالحياة من تاني. ساب الشنط من إيده في الأرض من غير ما يهتم، وبدأ يمشي ناحيتها بخطوات سريعة، كأنه مش مصدق اللي بيسمعه.
قرب منها، والحواجز والأمن كانوا لسه فاصلين بينهم، بصلها بذهول وقال بصوت مرتعش: "أنتِ.. أنتِ قُلتي إيه؟ قوليها تاني يا ليلي.. قولي اللي سمعته ده حقيقي؟"
ليلة (ابتسمت من وسط دموعها ونطقت بكل كيانها): "بحبك.. بحبك وعايزاك يا آسر، ومقدرش أعيش من غيرك."
في اللحظة دي، آسر نسى كل حاجة.. نسى المطار، والسفر، والناس. الأمن فتح لها الطريق لما شافوا المشهد المؤثر ده، وآسر جري عليها، أخدها في حضنه ورفعها من على الأرض ولف بيها وهو بيضحك من قلبه لأول مرة.
آسر( بحب وهو حاضنها) : بحبككككككك ياليليييي.
ليلي (وهي في حضنه): "أنا كمان بحبك أوي يا آسر.. أوي."
الناس اللي في المطار بدأوا يسقفوا ويصفروا في مشهد أشبه بالأفلام، والابتسامة رجعت نورت وشوش الكل. آسر نزلها على الأرض، ومسح دموعها بإيده، وبص لها بهزار وهو لسه بيضحك: "لما أنتِ بتحبيني كدة، أمال إيه الدراما اللي عملتيها دي؟ بس وحياتك عندي مش هسيبك تاني."
آسر (بنبرة حب صادقة): "والله العظيم يا ليلي، أنا مستحيل كنت هقدر أسافر وأسيبك. كنت لسه هرجع، حتى لو مجيتيش.. كنت هرجع من على باب الطيارة. أنا مش قادر أكمل من غيرك، أنا بقيت بدمنك يا ليلي، ومقدرش أعيش بعيد عنك.. كنت هرجع وأقعد في أي مكان قريب منك، بس المهم تكوني حواليا وتحت عيني."
ليلي (بدموع وندم): "حقك عليا يا آسر.. أنا اللي كنت غبية."
آسر (وهو بيضم راسها لصدره): "خلاص يا ليلي.. مفيش حق عليكي، كفاية إنك هنا، وكفاية إنك دلوقتي معايا وبتحبيني."
تبادلت ليلى ونظرات طويلة مع آسر، نظرة كان باين فيها جداً هي بتحبه قد إيه، وهو كمان فضل باصص في عينيها بهدوء. فجأة، قطع اللحظة دي صوت رنة تليفون ليلى، بصت في الشاشة لقت والدتها هي اللي بتتصل.
ليلى بصت لآسر وقالت له:
— "يلا بينا، ماما قاعدة مستنيانا."
آسر ابتسم لها وقال بكلمة واحدة:
— "يلا."
ليلى ردت على التليفون بسرعة وقالت لمامتها:
— "أيوة يا ماما، أنا جاية أهو وجايبة آسر معايا ."
والدتها أول ما سمعت الجملة دي، فرحت جداً وصوتها بان عليه الارتياح وقالت:
— "الحمد لله يا بنتي، انك لحقتي ،ألف حمد وشكر ليك يا رب ."
ليلي وآسر هيطلعوا من المطار يركبه العربيه ويتوجه للشقه
في الفيلا، كانت الساعة دخلت على 3 بالليل. المكان كله كان هدوء، والأنوار مطفية تماماً.
فتحت لوجين الباب ودخلت وهي بتغني بصوت واطي ومبسوطة، وبمجرد ما مدت إيدها ونورت نور الصالة، اتخضت ورجعت خطوة لورا لما لقت خالها (أبو آسر) قاعد في الضلمة ومنتظرها.
لوجين قالت وهي بتحط إيدها على قلبها:
— "مالك يا خالو؟ قاعد في العتمة كده ليه؟ خضتني!"
قام أبو آسر من مكانه وهو متعصب جداً، وقرب منها وعلامات الغضب باينة على وشه، وزعق ونادى على أخته (مامة لوجين) وهو بيقول:
— "تعالي شوفي بنتك اللي راجعة لنا نص ليل كانت فين!"
مامت لوجين نزلت بسرعة من على السلم وهي مخضوضة من صوت أخوها أحمد العالي، وقالت له بقلق:.
— "في إيه يا أحمد؟ مالك صوتك عالي ليه كدة؟"
أحمد بص لها وهو في قمة غضبه وشاور على لوجين وقال:
— "تعالي شوفي بنتك الصايعة، سهرانه مع مين لحد دلوقتي؟ وأنتِ ولا عارفة هي فين ولا بتعمل إيه!"
اشتد التوتر جداً في الصالة، وبمجرد ما لوجين حاولت تتكلم بصوت عالي ، قاطعها أحمد (خالها) بقوة وضربها قلم (كف) على وشها نزل زي الصاعقة، وقال لها بزعيق:
— "صوتك مايعلاش! أنتِ نسيتي إن أنا خالك؟ باين إن تربية مامتك ماكانتش كويسة، عشان كدة سهرانة لنص الليل بالمنظر ده.. بصي حتى لمنظر لبسك، ده منظر لبس واحدة محترمة؟"
لوجين حطت إيدها على وشها وهي مش مصدقة، ومامتها وقفت مذهولة من اللي حصل ومن كلام أخوها عن تربيتها.
