رواية غزال في قبضة الصقر الفصل الاول
العفرة كانت شديدة جداً وصوت الرياح بيصفر وعاصم ساحب نسمة من يدها بقسوة وفستانها بيجرجر في تراب السرداب الضلمة تحت الطاحونة والجو خانق وريحته رطوبة كان شديدة جداً وصعبه ونسمة كانت بتنهج وقلبها بيدق زي الطبل من الخوف والارتباك.
نسمة (بصوت مرعوش وهي بتحاول تسحب يدها وبتقول لعاصم):يا عاصم اتقِ الله.. مجررني وراك في العتمة دي لجل إيه؟ وبتقولي ما تطلعيش حس واكتمي نفسك لحد ما نوصل.. ادينا وصلنا أهو! وين ذهب أمي؟ ووين حجة أرض أبوي اللي قولتلي إن خيك صقر سرقها وجابها اهنا؟ أنا ما سمعتش عمي اتحدت ويا صقر واصل في اي حاجه وصقر طول عمره
ما بيسويش غير الأصول انا مستغربه حديتك.. أنطق يا ولد عمي فيه إيه؟!
عاصم (لف لها فجأة بضحكة شريرة جداً وعينه بقت زي الجمر وهو بيقول): صقر؟ لسه هتقولي عليه ولد اصول؟! صقر ده هو اللي حرق دمي لما خلاكِ الكل في الكل
وأبوي كمل على الباقي لما كتبلك كل حاجه باسمك ! رايده تشوف الحجه والذهب اللي جبتك اهنا رجلهم بس هم موجودين بح؟اللي موجود هو قبرك يا بت عمي اتفرجي عليه مليح وملي عيونك!
نسمة (بصدمة وجسمها كله بيترعش ردت عليه وقالت):قبري؟! إنت عتقول إيه يا عاصم؟ إنت اتدبيت ياك؟ أنا مرتك اللي صبرت على مرك وداريت عليك وعلى طيشك رايد تخلص عليا علشان شويه طين ما لهمش عازه ؟!
عاصم (قرب منها وبجبروت شيطان مسك فكها بيده وصوته بقى زي الفحيح رد عليها وقال): شوية طين؟! ده ورث أجدادي اللي جيتي إنتي يا حيلة أمك تاخديه على الجاهز كيف بيضه مقشرة! أنا اتجوزتك لاجل مال بوكي لقيت نفسي بقيت شغال أجير عنديكي بأمر أبوي! الورق اللي بصمتي عليه فوق هيرجعلي كل مليم.. وأما إنتي فمكانك اهنا، تحت حجر الطاحونة، لحد ما المية تفطسك وتدوب جثت.ك!
نسمة (بصراخ ودموع ردت عليه وقالت): والله ما كنت عاوزة مليم! خدهم كلهم وهملني أعيش. هملني أروح لدار بوي مش رايده منك حاجة واصل!
عاصم (بمنتهى القسوة وهو بيزقها لورا رد عليها وقال): تروحي وين يا اختي دار ابوكي؟ تروحي تحكي لصقر؟ وتروحي تقولي للناس عاصم طمع في ماله كان هيغدر بيا ؟ لا يا قطة.. الناس بكرة عتعرف إنك هربتي بذهبك وفلوسك وصغرتينا في النجع، والكل عيصدق.. أصلك عيلة صغيرة ودماغك طقة عادي يعني هو ما كانش عندك ام علشان تربيكي شفتي الموضوع متظبط قوي يلا غوري بقى في داهيه!
عاصم ساب يدها وبسرعة البرق طلع السلم ورزع البوابة الحديد اللي بتاع السرداب اللي هز بقوة. ونسمة جرت على الباب وطلعت على أول درجة في السلم وهي بتخبط بجنون على الحديدة.
نسمة (بصراخ يقطع القلب بتنادي وتقول):يا عاصم! افتح يا ظالم! المية بدأت تخرج من فوقي يا عاصم! اتقِ الله فيّ يا ولد عمي! يا عاصمممم!
عاصم (من ورا الباب بصوت عالي وشماتة رد عليها وقال):فتحتلك محبس المية يا عروسة.. اشربي لحد ما ترتوي! الصبح هكون أنا الملك.. وإنتي مجرد فضيحة عيطويها النسيان!
عاصم نفض جلاليبه ببرود وبدأ يمشي وسط العفرة والضحكه ماليه وشه وهو ماشي لا في وشه صقر اخوة اللي كان واقف زي الجبل اللي سادد عليه طريقه بيهبته الابتسامه كانت مرسومه على وشه اتمسحت في ثانيه كأن الريح طيرتها وحطت مكانها سواد.
صقر (بصوت هادي ومرعب زي هدوء ما قبل العاصفة قال):خطوتك واسعة ليه يا ولد أبوي؟ وإيه اللي رماك في طريق الطواحين والجو عيطير النخل من جدره؟
عاصم (بيحاول يتحكم في اعصابه وهو بيهلوس في الكلام وبيقول ): صقر؟! خضيتني يا خوي.. أصل.. أصل قولت أتمشى واشوف الزرع في العفرة دي لا يجرى له حاجة، ونسمة نامت في الدار من بدري وانا كنت زهقان قلت اتمشى وما لقيت الجو اتاخر قلت اعود تاني للدوار ؟؟
صقر (قرب منه خطوة واحدة خلت عاصم يرجع لورا، وبدأ يدور حواليه وهو بيشم ريحته وبيقول ):غريبة.. ريحة الجلابية عفرة بملح.. والملح ده مبيطلعش غير من سرداب الطواحين القديمة يا عاصم.. وإيه اللي عفر يدك بالطين الأحمر ؟
عاصم (بدأ يعرق رغم البرد وهو بيرد عليه وبيقول):ده.. ده طين من الغيط يا خوي.. أنت عتحقق وياي ولا إيه؟ هملني أروح أرتاح ده انا الترابه قفلت صدري.
صقر سكت لحظة، وعينه فضلت ثابته على عاصم بنظرة صقر بيدور في قلب فارسته على حاجه هو مش فاهمها كان قلبه حاسس إن فيه حاجة غلط وريحة الطين الأحمر ده مابتجيش إلا من جُحر غويط، وعاصم عمره ما كان بتاع غيطان ولا زرع في نصاص الليالي.
بدر (بصوت هادي يسبق العاصفة قال): طبعا مصدقك يا عريس؟ طيب.. روح أنت وارتاح وأنا هكمل طريقي للطاحونة، أصلي سمعت إن فيه ماسورة مياه ضاربة هناك، وخايف لتغرق الزرع .
عاصم (اتسمر مكانه والدم هرب من عروقه وهو بيقول):مـ.. ماسورة إيه يا خوي؟ ما فيش حاجة ضاربة، يالا بينا نعاود الدار، الجو واعر والتراب عيعمي العين.
صقر (نتر يده من يد عاصم بجفاء وهو بيرد عليه):عاود أنت خلاص انا هقول الغفر يبقى يروح الصبح ويشوفوه بس انا مش رايد اعاود الدوار دلوقتي قلبي مش مرتاح انا هطلع الجبل هقعد شويه في الدار بتاعه الجبل مش رايد اقعد اهنا؟!
صقر لف ضهره وسابه، ومشي بخطوات واسعة وجبارة ناحية الطاحونة. عاصم وقف مكانه بيرتعش، مش عارف يهرب ولا يلحقه يغدر به هو كمان بس قال في نفسه ما دام هو قال طالع الجبل يبقى اكيد مش هيروح عند الطاحونه والموضوع انتهى اما. صقر وصل لباب الطاحونة وشم ريحة رطوبة ومية شديدة وصوت بخ مية طالع من السرداب اللي تحت.
صقر (بيتكلم بالراحه وهو بيقول):يا ستار يا رب.. إيه اللي جاب المية اهنا دلوقت؟
نزل صقر السلم الحجر بسرعة، وعينه جت على الرزازة الحديد اللي مقفولة بالجنزير. راح حاطط ودنه على الحديد، وفجأة سمع صوت خبط ضعيف جداً.
صقر (بصوت عالي وقلب مقبوض قال ): مين جوه؟ يا ناس.. حد اهنا؟
نسمة (بصوت طالع بالعافيه و المية وصلت لرقبتها وبقت تشرق وهي بتقول):ص..صقر؟ الحقني يا صقر.. همو.ت يا ولد عمي!
صقر أول ما سمع صوتها، الدنيا لفت بيه. نسمة؟حبيبته و حتة من قلبه، البنت اللي رفض يتجوزها عشان كان خايف عليها وكان عايزها تعيش سنها مع شاب لسه في عمرها يلاقيها محبوسة في سرداب الطاحونه وهي اللي بتستغيث بيه!
صقر (بصرخة هزت جدران الطاحونة قال): نسمة؟! يا مريييي! عاصم سواها؟ يا واكل ناسك يا عاصم والله لعلم الادب ثانيه هفتحلك!
صقر مسك النبوة بتاعته وبدأ يضرب في الجنزير بكل قوته وعضلات دراعه كأنها حديد، بس الجنزير كان متين. بص حواليه بجنون، لقى عتلة حديد كبيرة كانت مركونة ورا حجر الطاحونة.
صقر (بيكلم نسمة بصوت باكي وهو بيقول): ارفعي راسك يا نسمة! ارفعي راسك لفوق يا غاليه! والله لو ههد السقف على راسي لأخرجك!
صقر حط العتلة الحديد في فتحة البوابة وبدأ يحمل بكل ثقله وعروق رقبته برزت وشه بقى أحمر وصوت صرخة مكتومة طالعة من صدره وهو بيعافر مع الحديد.. وفجأة؟!
