رواية في حمى الهوارة ( كاملة جميع الفصول ) بقلم نور محمد


 رواية في حمى الهوارة الفصل الاول 

"أنا قولت مش هروح يعني مش هروح! إنتي عايزاني أسيب حياتي ودنيتي هنا وأروح حتة مقطوعة في الصعيد عشان شوية فلوس؟ أنا مش محتاجة حاجة من حد!"

صرخت "ملك" بعنادها المعتاد، عيونها بتطق شرار وهي بتبص لأمها اللي واقفة قدامها ببرود.

الأم بحدة: "هتروحي غصب عنك يا ملك! ده حقك وحقي من بعد ما أبوكي مات وسابنا، جدك أخيرًا افتكر إن له حفيدة وعايز يديكي حقك، هتروحي وتجيبي الفلوس دي! إنتي عارفة إن جوزي محتاج سيولة يمشّي بيها شغله، وإنتي كمان محتاجة تكملي مستوى الرفاهية اللي عايشة فيه."

ملك بضحكة سخرية ولسانها الطويل اللي متعودة عليه: "آه.. قولي كده بقى! عشان جوزك! أنا مش هبيع نفسي وأروح أتمرمط في الصعيد عشان خاطر عيون جوزك يا ماما! ناس أبويا دول أنا مشوفتش منهم غير الجفا، يوم ما مات محدش فيهم عبرنا ولا سأل فينا! ودلوقتي أروح لهم برجليا؟ أنا بكرههم وبكره الصعيد كله!"

الأم مسكت دراعها بقسوة: "هتروحي يا ملك، لو ماروحتيش وجبتي ميراث أبوكي لا إنتي بنتي ولا أعرفك! الناس دي أنا بكرههم أكتر منك، بس فلوسهم دي حقنا وهتتجاب.. هتسافري لوحدك بكرة الصبح، تخلصي الورق، تاخدي الفلوس وترجعي على طول، مش هتباتي هناك أصلاً!"

ملك سحبت إيدها بقوة، ورغم قهرتها من تحكم أمها فيها، إلا إنها وافقت في النهاية، مش عشان الفلوس، بس عشان تخلص من ضغط أمها اللي مابيرحمش، ومشاكل جوز أمها اللي مابتخلصش

بعد ساعات طويلة من السفر المُرهق، بتنزل ملك من القطر في محطة "سوهاج". شمس حامية، تراب، ودوشة.. ملامحها الجميلة المتعجبة من المكان متناقضة تماماً مع لبسها الكاجوال الغالي جداً، ونضارتها الشمسية اللي مدارية نص وشها. بتجر شنطتها بضيق وهي بتنفخ بملل
.
ملك بتكلم نفسها بضيق: "إيه القرف والحر ده؟ أنا إيه اللي جابني هنا بس يا ربي؟ قال عيلة الهواري قال!"
بقلم... نور محمد
وهي ماشية في الشارع الضيق بتدور على عربية توصلها لبيت جدها، فجأة عربية جيب ضخمة وسريعة جداً عدت من جنبها، ونتيجة لسرعتها طرطشت طين ومياه من الأرض على هدومها الغالیه.

ملك وقفت مكانها مصدومة، ثواني والدم غلى في عروقها، وصرخت بأعلى صوتها في الشارع: 
يا متخلف! يا أعمى إنت ! إيه الغباء والهمجية دي؟ وقّف ياللي مبتشوفش!"

العربية فرملت فجأة بصوت عالي خلاها تتخض، ثواني ونزل منها شاب طويل عريض، ملامحه صعيدية أصيلة، قاسية وحادة زي الصقر، بشرته خمرية وعيونه سودة بتلمع بغضب أعمى. قفل باب العربية بقوة وخطى ناحيتها بخطوات ثابتة ومرعبة.

بصلها ببرود مستفز من فوق لتحت، واتكلم بنبرة صارمة خشنة: "بتعلي صوتك في الشارع على مين يا جليلة الحيا؟ إنتي مفكرة حالك ماشية في بيت أبوكي؟"

ملك رغم الرعب اللي حسيت بيه من نظرته ومن هيئته، إلا إنها كابرت ورفضت تبين ضعفها، ورفعت راسها بتحدي: "جليلة الحيا في عينك يا همجي! إنت مبتشوفش؟ بوظتلي هدومي بعربيتك الزبالة دي! إنت متعرفش أنا مين ولا هدومي دي بكام؟"

الشاب عروق رقبته برزت من الغضب، بيكره اللسان الطويل ومبيحبش حد يعلي صوته عليه أبداً، خلقه ضيق ومبيستحملش. مد إيده بسرعة وقبض على دراعها بقوة كأنها كماشة حديد، وقرب وشه منها مِفحّس ومخيف.

"لسانك ده لو متقصش هقطعهولك أنا وأرميه للكلاب! إنتي إزاي تتجرأي تتحدتي مع 'صقر' إكده؟ شكلك غريبة وماخابراش زين إنتي واقفه جصاد مين!"

ملك بتتوجع بس بتكابر وعيونها بتطق شرار: "سيب إيدي يا متخلف! صقر ولا غراب ميهمنيش! إنتوا ناس همج أصلا ومبتفهموش في الذوق، إبعد عني!"

صقر بصلها ببرود مميت، وساب إيدها بنترة خفت توقعها على الأرض، وقال بنبرة كلها احتقار:"غوري من وشي السعادي بدل ما أدفنك مكانك، وربنا في سماه لو لمحت خلقتك دي في طريقي تاني لكون معرّفك مقامك زين يا بت البندر."

سابها وركب عربيته واتحرك بسرعة وسط الغبار، وهي واقفة بتشتمه وتتوعدله، وبتنفض هدومها بقرف.

بعد نص ساعة، وصلت أخيراً قدام قصر كبير جداً ومبني على الطراز الصعيدي العريق.. "قصر الهواري". البوابين دخلوها بعد ما عرفوا هي مين. دخلت بهيبتها وغرورها، لحد ما وصلت للمندرة الكبيرة
.
كان قاعد على كرسي ضخم، راجل كبير في السن، ملامحه فيها قسوة السنين، ماسك عكازه وباصص قدامه بشموخ.. "الجد رضوان".

الجد بنبرة قوية بس خالية من المشاعر: "أهلاً ببت الغالي... نورتي بيت جدك يا بت ولدي."

ملك وقفت ببرود وردت من غير أي ود: "أهلاً بيك يا.. يا جدي. أنا مش جاية أعطلكم، أنا جاية أخلص الإجراءات الخاصة بميراث أبويا وأرجع القاهرة النهاردة، لأن قعدتي هنا مش مناسباني."

الجد ضحك بسخرية مكتومة وخبط بعكازه على الأرض: "خابر زين إنتي جاية ليه.. أمك بعتاكي عشان الفلوس، عيشتكم هناك كلت الأخضر واليابس. حق أبوكي محفوظ يا بتي.. بس شروطنا هنا في الصعيد غير البندر خالص."

ملك عقدت حواجبها باستغراب وتحدي: "شروط إيه؟ أنا حقي وهاخده، القانون بيقول كده، وأنا معايا توكيل من ماما."

الجد بنظرة صارمة مفيهاش نقاش: "قانون إيه يا بتي؟ هنا مفيش قانون غير قانون عيلة الهواري وبس. لحمنا وفلوسنا ميطلعوش للغريب، وأمك دي غريبة اتجوزت راجل غريب بعد ولدي. ورث أبوكي كله في أراضي ومصانع، وكل ده متسجل وممسوك في إيد ابن عمك كبير العيلة من بعدي.. وعشان تاخدي الفلوس دي وتمسكيها في إيدك..."

سكت الجد ثواني، وملك بصتله بترقب ولسانها جاهز للرد: "عشان إيه؟ اتكلم على طول!

الجد بحزم: "لازم تتجوزي ابن عمك وتبقى على ذمته.. مالنا وميراثنا مبيخرجش برة العيلة."

ملك اتسمرت مكانها، عيونها وسعت بصدمة، وبعدها انفجرت في الضحك بسخرية وعصبية:
"نعم؟! أتجوز مين؟ إنتوا أكيد اتجننتوا! أنا؟ أنا 'ملك' أتجوز واحد فلاح من هنا عشان شوية فلوس؟ ده أنا أرمي الفلوس دي في وشكم ولا إني أعيش دقيقة واحدة مع واحد جاهل منكم! أنا راجعة القاهرة فوراً، والفلوس دي هعرف أخدها منكم بالمحاكم!"

لفت ملك عشان تمشي، بس صوت الجد وقفها:"حسك ميعلاش في بيتي! خروج من الدوار ده مفيش! دخولك هنا مش زي خروجك، ورجلك مش هتخطي برة الباب ده إلا على بيت جوزك! يا صقر!! يا صقــــر!"

خطوات تقيلة وسريعة بدأت تقرب من الباب الخارجي للمندرة، صوت هيبة بيهز الأرض."أيوة يا جدي.. رايدني في حاجة؟"

ملك لفت ببطء ناحية الصوت اللي حست إنها سمعته من شوية، وبمجرد ما عيونها وقعت عليه، شهقت بصدمة، الدم هرب من وشها، ولسانها اللي كان بيرد زي الرصاص اتعقد.

كان هو.. نفس الشاب المتخلف المغرور اللي اتخانقت معاه في الشارع!!

صقر أول ما عينه جت عليها، ملامحه اتحولت لغضب صافي، عقد حواجبه وقال بصدمة ممزوجة باشمئزاز: "إنتي؟! بتعملي إيه هنا يا جليلة الحيا؟"

الجد خبط بعكازه مرة أخيرة وقال بكلمة قاطعة متتحملش النقاش: "اتكلم زين مع بت عمك ومرتك المستقبلية يا صقر... كتب كتابكم هيكون الليلة!"

الصدمة نزلت زي الصاعقة على الاتنين، نظرات شرسة، عناد من نار، ورفض قاطع في عيونهم هم الاتنين...
الروايه حصريه على صفحه روايات نور محمد

صمت مرعب سيطر على المندرة بعد جملة الجد "كتب كتابكم الليلة". عيون ملك وسعت بصدمة، بينما صقر كان بيبص لجدُه وكأنه سمع نكتة سخيفة، قبل ما ينفجر بغضب زلزل جدران القصر

صقر بصوت جهوري وعروقه نافرة: "كتب كتاب مين يا جدي؟ إنت واعي للحديت اللي بتجوله ده؟ أنا صقر الهواري أتجوز دي؟ حتة عيلة من البندر لسانها أطول منها وماخابراش الأصول ولا الحيا؟ ده على جثتي!"

ملك الدم غلى في عروقها وماقدرتش تسكت، وردت بصراخ: "إنت تطول أصلاً تبصلي يا متخلف إنت؟ ده أنا أتجوز غفير وماتجوزكش إنت يا همجي! جثتك دي أنا اللي هدوس عليها قبل ما أوافق أكون على ذمة واحد زيك!"

صقر هجم عليها زي الأسد، مسكها من دراعها بقسوة خلاها تصرخ بوجع مكتوم، وقرب وشه منها وعيونه بتطلع نار: "هجطعهولك.. جولتلك هجطع لسانك ده لو ماسكتيش! إنتي مفكرة حالك فين؟ هِنا الكلمة كلمتي، وأنا لو انطبجت السما على الأرض مهدخلش بيتي واحدة زيك!"

الجد رضوان خبط بعكازه على الأرض بكل قوته، صوته كان أقوى من صراخهم: "إخرس إنت وهي!! إنتوا هتكبروا وتعلو صوتكم والجد رضوان واجف؟ إيه، كبرتوا ومبجاش ليا حاجة عندكم؟"

صقر ساب دراع ملك بالعافية وهو بيتنفس بسرعة من الغضب، وبص لجدُه باحترام ممزوج بعتاب:"العفو يا جدي، إنت تاج الراس، بس الجوازة دي مش هتم. أنا مش هتجوز واحدة أمها ربتها على كرهنا، ولسانها بينقط سم.

الجد بحزم وصرامة: "هتتم يا صقر، وده أمر مش طلب. بنت عمك لحمنا، ومال ولدي مش هيطلع للغريبة وجوزها.. هتتجوزها الليلة، والكلمة دي مفيهاش رجوع. وإلا وعهد الله يا صقر، لا أنت كبير العيلة من بعدي، ولا ليك حكم على شبر أرض من أملاكنا، وهسحب توكيلاتك كلها!"

صقر اتصدم من تهديد جده.. الأراضي والمصانع دي حياته وتعب السنين، مستحيل يضيعهم عشان حتة بنت مغرورة. بلع ريقه بغضب، وبص لملك نظرة كلها حقد ووعيد، وكأنه بيحلف يدفعها تمن كل ده غالي، وساب المندرة وخرج رزع الباب وراه بقوة هزت المكان.

ملك واقفة بتترعش من الغضب والخوف اللي بتحاول تداريه. بصت لجدها بتحدي أخير

ملك: "أنا مستحيل أوافق. إنتوا خاطفيني هنا ولا إيه؟ أنا هكلم البوليس، هكلم ماما تيجي تاخدني.. الفلوس دي حقي غصب عنكم!"

الجد ببرود وهو بيلف عشان يخرج: "حسك عينك ترفعي صوتك تاني. التليفون معاكي، رني على أمك وشوفيها هاتجولك إيه. بس حطي في بالك، رجلك مش هتخطي برة القصر ده غير وإنتي على ذمة صقر. خدوها على أوضتها، ومحدش يفتح عليها الباب غير وقت كتب الكتاب."

خدامتين دخلوا وسحبوا ملك اللي كانت بتقاوم وتصرخ فيهم يبعدوا عنها، لحد ما دخلوها أوضة كبيرة ومقفولة وقفلوا الباب بالمفتاح.

في الأوضة
ملك فضلت رايحة جاية زي المِجنونة، طلعت تليفونها بسرعة وإيديها بتترعش، ورنت على أمها.

ملك بصوت باكي ومخنوق: "ألو.. ماما! الحقيني يا ماما، الناس دي مجانين! جدي حابسني هنا وبيقول مش هاخد الفلوس غير لما أتجوز ابن عمي الهمجي اللي اسمه صقر ده! تعالي خديني من هنا أنا بكرههم!"

الأم سكتت ثواني، وردت ببرود صدم ملك: "تتجوزيه؟ طب وفيها إيه يا ملك؟"

ملك بصدمة: "نعم؟! فيها إيه إزاي؟ إنتي بتهزري يا ماما؟ أتجوز واحد مبطيقوش ولا بيطيقني وصعيدي جاهل؟"

الأم بحدة: "اسمعي يا بت إنتي، إحنا محتاجين الفلوس دي، وجوزي لو مجبناش السيولة دي هيتسجن! وافقي على الجوازة، امضي الورق، وخدي الفلوس، وبعدين ابقي اطلبي الطلاق أو اخلعيه لما ترجعي القاهرة. إنتي هتمثلي إنك موافقة لحد ما الفلوس تبقى في إيدنا.. سلام دلوقتي عشان مشغولة!"

الخط قطع
ملك بصت للتليفون بذهول.. أمها باعتها عشان الفلوس وعشان جوزها؟ حست بكسرة قلب ووجع مايتوصفش، قعدت على الأرض وضمت رجليها لصدرها ودموعها نزلت لأول مرة، بس بسرعة مسحتها وعيونها قلبت بقسوة وعناد.

ملك لنفسها بتصميم: "ماشي يا ماما.. ماشي يا جدي.. ويا صقر الكلب إنت. عايز تتجوزني عشان الفلوس؟ أنا بقى هوريك بنت البندر هتعمل فيك إيه، هخليك إنت اللي تصرخ وتتحايل عليا عشان تخلص مني!"
بقلم.. نور محمد

بالليل.. وقت كتب الكتاب
باب الأوضة اتفتح، ودخلت الخدامة ومعاها الدفتر. ملك بصت للدفتر بكره، بس مسكت القلم ومضت، عيونها بتلمع بتحدي. مضت على وثيقة جوازها من صقر الهواري.

بعد ساعة
باب الأوضة اللي اتنقلت ليها (أوضة صقر) اتفتح ببطء. دخل صقر وقفل الباب وراه بالمفتاح ولفه مرتين.

كان لابس جلبية صعيدية سودة، وهيبته تملى المكان، ملامحه جامدة زي الحجر، وعيونه متركزة عليها زي الصقر اللي لقى فريسته.

ملك كانت واقفة في نص الأوضة، لابسة هدومها زي ما هي، مربعة إيديها، وباصاله ببرود واستفزاز يخفي وراه رعبها منه.

صقر بدأ يقلع العباية بتاعته ورماها على السرير ببطء، وبيقرب منها بخطوات هادية ومرعبة.

صقر بصوت خشن، هادي جداً بس يخوف: "إكده بجيتي على ذمتي.. وفي عِصمة صقر الهواري. خابرة ده معناه إيه يا بت عمي؟"

ملك رفعت راسها بتحدي ولسانها اللي مابيرحمش اشتغل: "معناه إننا مضينا ورقة ملهاش أي تلاتين لزمة عشان الفلوس. متفتكرش إنك بقيت جوزي بجد ولا إن ليك حكم عليا.. أنا هنام على السرير ده، وإنت تترزع على الكنبة دي، وبكرة الصبح كل واحد يروح لحاله، فاهم؟"

صقر ابتسم ابتسامة جانبية خبيثة، زادت من وسامته وقسوته في نفس الوقت. فجأة، وبحركة أسرع من البرق، كان محاصرها بين إيديه والحيطة، أنفاسه السخنة بتضرب في وشها، وعيونه بتخترق عيونها.

صقر فحيح مرعب جنب ودنها: "تترزع؟ كنبة؟ شكلك لسه متعلمتيش الأدب يا ملك.. الورقة اللي بتجولي عليها ملهاش لازمة دي، بتديني الحق أعمل فيكي اللي أنا رايده.. وأنا رايد اعلمك الادب وأجص لسانك ده الليلة.. عشان تعرفي إن اللي تتجوز صقر الهواري، لازمن توطي راسها للأرض!"

ملك قلبها دق بسرعة مرعبة، حاولت تزقه بكل قوتها بس كأنها بتزق جبل، مدت إيدها بسرعة وخطفت فازة أزاز من على الترابيزة اللي جنبها، ورفعتها في وشه!

ملك بصراخ وتحدي: "لو قربت مني خطوة كمان هكسرها على دماغك وأشرب من دمك يا متخلف إنت!"

صقر بص للفازة المرفوعة، وبص لعيونها اللي بتطق شرار، وضحك بصوت عالي رج الأوضة.. ضحكة قلقت ملك أكتر من غضبه!


تعليقات