رواية لقاء خط بمشرط وقلم ( كاملة جميع الفصول ) بقلم جاسمين محمد

 

رواية لقاء خط بمشرط وقلم كامله جميع الفصول بقلم جاسمين محمد 

ليلى واقفة قدام موظف الاستقبال، ملامحها منهارة، شعرها متبهدل شوية من الجري، وصوتها جايب آخر الممر)
​ليلى (بزعيق وهي بتخبط على المكتب): يعني إيه مفيش دكتور؟ إنتو فاتحين مستشفى ولا فاتحين مكتبة؟ بقولك أمي بتموت جوه، نفسها بيروح!
الموظف (بزهق): يا آنسة والله الدكاترة كلهم في غرف العمليات، فيه حادثة كبيرة على الطريق السريع وكل الطاقم مشغول. اهدي واقعدي.
ليلى (بصريخ): أهدى فين؟ أمي لو حصل لها حاجة أنا هحر.ق المستشفى دي باللي فيها! يا عالم حد يلحقنا! يا دكاترة يا بتوع الضمير!
​(فجأة، يتفتح باب مكتب "رئيس قسم الجراحة" بقوة، ويخرج منه "دكتور آسر". كان لابس القميص الأزرق بتاع العمليات، ملامحه حادة جداً وعيونه فيها غضب مكتوم، وقف وبص لليلى بنظرة خلت الكل يسكت فوراً)
​آسر (بنبرة واثقة وهادية بزيادة مستفزة): إيه الفوضى اللي إنتِ عاملاها دي؟ إنتِ فاكرة نفسك في سوق الجمعة؟
ليلى (لفت له بكل غضبها): وأنت مين أصلاً عشان تتكلم معايا كدة؟ دكتور؟ طب وريني شطارتك بدل ما أنت واقف "تتمنظر" ببالطوك، أمي بتموت ومحدش معبرنا!
آسر (قرب منها جداً وبص في عينها): صوتك اللي زي "سرينة الإسعاف" ده هو اللي هيقومها؟ إنتِ مش بس قليلة الذوق، إنتِ كمان جاية تأذي المرضى اللي نايمين جوه. فيه ناس هنا بين إيدين ربنا، وصوتك ده كفيل يوقف قلبهم من الفزع!
ليلى (بقهره): وأنت مالك ومال صوتي؟ روح شوف شغلك ونقذ الناس بدل ما أنت فالح في المواعظ! أنت دكتور  علي الورق ولا إيه؟
آسر(بابتسامة باردة مستفزة): أنا دكتور بعرف أفرق بين "الخوف" وبين "قلة الأدب". عماد! (نادى على الأمن) الآنسة دي لو صوتها طلع تاني، تترمي بره المستشفى، ولو أمها احتاجت حاجة، تيجوا تبلغوني أنا شخصياً عشان أشوف هتعامل معاها إزاي.
ليلى (بصدمة): تترمي بره؟ أنت فاكر نفسك مين؟
آسر (وهو بيديها ضهره): أنا اللي بقرر مين يقعد هنا ومين يمشي. ومستشفى "آسر الدمنهوري" مفيهاش مكان للهمجية دي وياريت تبطلي جعير بصوتك ده.
ليلى (بحرقة وعياط): "جعير"؟ أنت دكتور قليل الذوق فعلاً! لو كانت أمك اللي جوه كنت وقفت تتكلم عن النظام والهدوء؟ كنت هتسكت وهي بتروح منك؟
آسر  ( حس بنغزه في قلبه او ما جابت سيره مامته وعيونه لمعت بحزن بس حاول يمثل البروده ولف ليها): لو كانت أمي، كنت هحترم المكان اللي هي فيه عشان الدكاترة يعرفوا يركزوا وينقذوها، مش هقعد أعمل "نمرة" ملهاش لازمة في الممرات.
ليلى (باندفاع): "نمرة"؟ أنت أكيد معندكش قلب، ولا جربت يعني إيه حد غالي يروح منك. روح يا شيخ، حسبي الله ونعم الوكيل فيك وفي برودك ده!
آسر (نادى بصوت عالي): يا عماد! (عامل الأمن جه جري) الآنسة دي لو صوتها علي تاني، تخرج بره المستشفى فوراً، وممنوع تدخل غير لما تتعلم إزاي تتكلم في حرم مستشفى.
​(آسر سابها ومشي بخطوات سريعة ناحية العمليات، وليلى وقفت مكانها مشلولة من القهر، بتبص لضهره بتهدد وتتوعد وهي بتكتم شهقاتها بالعافية)
​(ليلى قعدت في ركن في الطرقة، دموعها نازلة بصمت المرة دي. قعدت تدور على أي دكتور، تترجى الممرضات، لكن الكل كان بيقولها "الجدول مليان". لحد ما الساعة دقت 2 بالليل رحت علي مصليه المستشفي تصلي وتدعي لمامتها)
​ليلى (بتهمس لربنا وهي ساجدة): يا رب، أنا يمكن غلط في اسلوبي بس انت عارف أنامرعوبة على أمي. يا رب سخر لها حد يرحمها من الوجع ده، أنا ماليش غيرها يا رب.
​(فضلت قاعدة مكانها، لحد ما شافت الممرضة "هبة" جاية عليها بابتسامة غريبة)
​هبة: يا آنسة ليلى.. مامتك خرجت من العمليات وحالتها استقرت جداً.
ليلى (قامت وقفت بصدمة): بجد؟ بتهزري صح؟ مين اللي دخلها؟ أنا سألت وقالوا مفيش دكاترة!
الممرضة: والله يا بنتي إحنا نفسنا استغربنا. جراح كبير جاله أمر من الإدارة ودخل فوراً، اشتغل في العملية 3 ساعات متواصلة، ورفض يخلي حد يبلغك غير لما يطمن إنها فاقت وبقت  تماماً.
ليلى (بلهفة): طب هو فين؟ عايزة أشكره، عايزة أبوس إيده إنه أنقذ أغلى حاجة عندي.
الممرضة: مشي فوراً بعد العملية، ومرديش يسيب اسمه في التقرير، قال "دي حالة إنسانية". بس المهم إن والدتك دلوقتي في الرعاية  وبقت زي الفل.
​(ليلى راحت وقفت قدام شباك الرعاية، شافت أمها نايمة بسلام ونفسها بقى هادي. فضلت تعيط من الفرحة وتدعي للدكتور المجهول ده بكل ذرة في كيانها، وهي مش عارفة إنه هو نفسه اللي هزأها الصبح)

​(تاني يوم الصبح، الشمس مالية الكافتيريا. ليلى قاعدة في ركن بعيد، فاتحة اللابتوب وبتبتسم وهي بتكتب بسرعة، كأنها بتطلع كل مشاعر الليلة اللي فاتت في روايتها. فجأة، حست بحد بيشد كرسي وبيقعد قدامها)
​آسر (بصوته الرخيم): القهوة هنا طعمها "مش لذيذه"، بس الواضح إن الروائيين مبيهتموش بالتفاصيل دي.
ليلى (رفعت راسها بصدمة، وقفلت اللابتوب نص قفلة): أنت؟ دكتور آسر؟ عايز إيه تاني؟ جايب لي الأمن يمشيني؟
آسر (سند ضهره لورا ببرود): لا، جاي أقولك إن لسانك الطويل ده كان ممكن يضيع أمك، بس ستر ربنا كان أقوى.
ليلى (بكسوف وحزن): أنا عارفة إني غلطت، وكنت عايزة أعتذر لك.. بس أنا عرفت إن فيه دكتور "مجهول" هو اللي أنقذها، وكنت بدعي له طول الليل.
آسر (بص لها نظرة طويلة فيها لمعة ذكاء): طب وفري دعاكي، لأن الدكتور المجهول ده هو اللي قاعد قدامك دلوقتي.
ليلى (شهقت بصوت مسموع): أنت؟ أنت اللي عملت العملية؟ طب ليه؟ ده أنا.. أنا قلت عليك معندكش دم! وحسبنت عليك!
آسر (بابتسامة خفيفة لأول مرة): وقلتي إني "دكتور علي ورق" كمان. بصي يا ليلى، أنا عملت كدة عشان "المهنة" وعشان الست الغلبانة اللي ملهاش ذنب في ان  بنتها لسانها طويل وعايز يتقص . بس دلوقتي، أنا اللي محتاج لك في موضوع "ورق".
ليلى (باستغراب): محتاج لي أنا؟ في إيه؟
آسر (طلع بحث طبي تقيل وحطه قدامها): عرفت من الطاقم إنك ليلى الروائية، ليكي روايات بتخلي الناس تعيط وتضحك. وأنا عندي بحث طبي عالمي عن "جراحات القلوب"، البحث ده ناشف جداً، كله أرقام ومصطلحات لاتينية.
ليلى (بدأت تفهم): وعايزني أنا أعمل فيه إيه؟
آسر: عايزك تحولي "الأرقام" دي لـ "مشاعر". عايز البحث لما يتقرأ في لندن، يحسوا بضربات قلب المريض، مش بس بنتيجة العملية. عايز روح "الروائية" في الورق ده.
ليلى (بصت للبحث وبصت له بتحدي): يعني دكتور سيف العظيم، محتاج مساعدة البنت اللي كان عايز يرميها بره؟
آسر (ضحك بصوت واطي): قلبي مبيعرفش يكتب مشاعر، وقلمك مبيعرفش يمسك مشرط. أنقذت أمك، فأنقذي مستقبلي في البحث ده. ها.. قلتي إيه؟
ليلى (فتحت اللابتوب بابتسامة واسعة): موافقة يا دكتور.. بس بشرط، طول ما إحنا شغالين، القهوة هتكون على حسابك، ومن بره المستشفى! عشان القهوه هنا مره ومش لذيذه !
آسر (بابتسامة): اتفقنا.. وريني بقى سحر قلمك هيعمل إيه في مشرطي.

تعليقات