رواية عشقت محتالة الفصل الخاتمة بقلم سلمي جاد


 رواية عشقت محتالة الفصل الخاتمة 

مر شهر كامل، وكأن القصر اللي كان مهجور من الفرحة، اتنفس من جديد وبقت الضحكة مسموعة في كل ركن. في جناح أدهم وجميلة، الهدوء بقى له طعم السكينة والرضا، والحياة بدأت تاخد مجراها الطبيعي وتستقر، رغم إن الغموض لسه محاوطهم من جهة واحدة....

أدهم طوال الشهر ده مهديش، قلب الدنيا حرفياً عشان يوصله. سخر كل رجالته، واستخدم كل نفوذه وعلاقاته، وحتى علي مسبش خيط إلا ومشى وراه، لكن سليم كان كأنه فص ملح وذاب. اختفى من الوجود تماماً، لا له أثر في بيته القديم، ولا مستشفيات، ولا حتى الأماكن اللي كان ممكن يتردد عليها.. كأنه اتبخر في الهوا ... رغم إن سليم لسه لغز ملوش حل، إلا إن أدهم قرر في اللحظة دي إنه يستسلم لسلامه النفسي مع بنته وزوجته، ويسيب الأيام تكشف له اللي مستخبي، وهو بيملس على إيد ريحانة الصغيرة ويحمد ربنا على وجودها في حضنه.

أدهم كان قاعد على طرف السرير، قالع جاكيت البدلة وراميه بإهمال وراه، رافع ريحانة قصاد وشه، بيلاعبها بحب وشغف ؛ نسخته الجديدة اللي ظهرت من وقت ولادتها ..أدهم اللي كان مبيعرفش يبتسم غير بالعافية، بقى بيقضي ساعات يعمل أصوات مضحكة ويحرك حواجبه بس عشان يسمع ضحكة مكتومة من بنته. ريحانة كانت بتبص له بعيونها الفيروزية الواسعة، وبتحرك رجليها في الهوا بحماس،وبتصدر أصوات لطيفة 

ريحانة :ءءء أااا

أدهم همس لها بصوت دافي:

"يا روحي.. شكلك جعانة ؟خلاص مامي بتاخد شاور وزمانها جاية وهترضعك."

ريحانة طلعت صوت أغوو لطيف، أدهم ضحك وقرب ودنه من شفايفها الصغيرة كأنه بيسمع سر خطير:

"بتقولي إيه؟ وحشتك؟ والله وأنا كمان يا قلب بابا.. بس معلش، لازم  نسيب مامي تاخد وقت لنفسها شوية، مش كل حاجة لينا إحنا وبس، خلينا نلعب سوا شوية."

رفعها بإيديه الاتنين للسما ونزلها بسرعة وهو بيبوس بطنها، فطلعت منها ضحكة طفولية رنت في أركان الجناح، ضحكة خلت قلب أدهم يرقص من السعادة ... في اللحظة دي، خرجت جميلة من الحمام، كانت لابسة روب ناعم وبتجفف شعرها الطويل اللي واصل لآخر ضهرها. وقفت قدام المراية تسرحه بهدوء، وعينها متعلقة في المراية بالمشهد اللي وراها.. مشهد أدهم وهو بيدوب في تفاصيل بنته. الابتسامة مكنتش بتفارق وشها، كانت حاسة إنها في حلم مش عايزة تصحى منه.

أدهم لمح عينيها في المراية، ساب ريحانة براحة على السرير وسط المخدات الي حطها بعناية حواليها عشان متقعش، وقام مشي خطوات هادية لحد ما وقف وراها. حاوط وسطها بإيديه من ضهرها، وسند دقنه على كتفها، وغمض عينه وهو بيمرغ أنفه في شعرها المبلل .

أدهم همس بصوت رخيم:

"نعيماً يا جميلتي.. تعرفي إن المنظر ده هو أحلى حاجة بشوفها في يومي؟ أنتي وهي.. مجمعين لي كل معاني الجنة في أوضة واحدة."

جميلة سابت المشط من إيدها، وحطت إيديها فوق إيديه اللي محاوطاها، لفت راسها ناحيته شوية وهمست بحب:

"الله ينعم عليك يا حبيبي.. تعرف يا أدهم، أنا ساعات بخاف أغمض عيني لحسن أصحى ملاقيكوش. الشهر ده كان أحلى شهر في عمري كله، رغم كل الوجع اللي فات، بس وجودك أنت وريحانة جنبي عوضني عن كل حاجة."

أدهم شدد من ضمة إيده عليها وباس كتفها برقة:

"مفيش خوف بعد النهاردة يا جميلة.. أنا موجود، وريحانة في حضننا. اليوم اللي رجعت فيه، حسيت إن ربنا بعت لي رسالة إن اللي جاي كله تعويض. أنا مكنتش متخيل إني ممكن أحب حد كدة، بس ريحانة خلتني أكتشف أدهم تاني خالص.. أدهم اللي بيضعف قدام ضحكة، وبيتهزم قدام دموع طفلة قد كف إيدي."

جميلة لفت في حضنه وبقت مواجهة ليه، رفعت إيدها ولمست دقنه الخفيفة وقالت بعيون بتلمع:

"أنت أحن أب في الدنيا يا أدهم.. بجد شكراً إنك وافقت في الآخر نسميها ريحانة، الاسم ده بقى له رنة خاصة في قلبي، كأنه ريحة الأمان اللي رجعت لنا."

أدهم سكت لحظة، وابتسامة هادية اترسمت على وشه وهو بيفتكر اليوم ده.. لما شاف الاسورة اللي مكتوب عليها الاسم. افتكر إزاي كان رافض تماماً، وصورته وهو بيزعق بضيق لسه قدام عينه: "مش هسمي بنتي على ذوقها يا جميلة ،ثريا هي اللي اختارت الاسم ده، وأنا مش عايز أي حاجة تفكرني بيها ولا بخطفها لبنتي"

لكن جميلة وقتها وقفت قدامه، وعينيها كانت مليانة رجاء وإصرار غريب: "عشان خاطري يا أدهم، الاسم رقيق أوي وحساه لايق عليها.. بلاش نربط الاسم بحد، خلينا نبدأ بيه صفحة جديدة."

أدهم بص لجميلة دلوقتي وضحك بخفة وهو بيبوس جبينها بوسة طويلة:

"عارفة.. لولا إصرارك ده وزعلك اللي مكنتش أقدر عليه، مكنتش وافقت أبداً. كنت مستعد أسميها أي اسم تاني في الدنيا إلا ده، بس لما شوفت دموعك في اليوم ده استسلمت.. ومكنتش أعرف إن الاسم ده فعلاً هو اللي هيملى حياتنا بالراحة كدة."

شدد من ضمته ليها وكمل بعمق:

"لو هي ريحانة البيت اللي بتعطر أيامنا، فأنتي روح البيت ده وقلبه اللي بيخليني أتنفس.. أنا بحبك يا جميلة، بحبك لدرجة تخوفني على نفسي منك."

جميلة ابتسمت ودفنت راسها في صدره:

"وأنا بعشقك يا أدهم.. ربنا يديمك لينا سند وعمر مبيخلصش."

وسط اللحظة الرومانسية دي، ريحانة قررت تثبت حضورها وطلعت صرخة اعتراض لأنها اتسابت لوحدها، أدهم وجميلة ضحكوا في نفس الوقت، وأدهم شالها وحطها بينه وبين جميلة، وكأنهم بيعلنوا إن دي دائرتهم الخاصة اللي مفيش قوة تقدر تخترقها.

_________________________________

علي دخل الشقة وهو مجهد، فك الجرافتة ورماها على الكرسي وهو بيتنفس براحة أول ما قفل الباب وراه. وبمجرد ما تكة المفتاح رنت، ظهرت فتون، بتزحف على الأرض بسرعة خرافية وهي بتضحك، كأنها كانت مستنية ورا الباب .علي نزل لمستواها وشالها من على الأرض، لف بيها في الهوا وصوت ضحكاتها العالية ملت المكان بهجة ونسّته تعب اليوم كله.

"وحشتيني يا قلب بابا.. إيه الحلاوة دي؟ أنتي كبرتي كدة امتى وبقيتي بتزحفي وتسبقي الريح؟"

فتون نطقت بلهثتها الطفولية: "بـ.. بـ.. بابا"

علي ضحك من قلبه وباس خدها المليان: "يا روحي.. بابا وقلب بابا. أومال ماما فين؟ راحت فين وسابت القمر دي لوحدها؟ تعالى ندور عليها."

مشي بيها ناحية الأوضة وفتح الباب براحة، لقى ياسمين واقفة قدام التسريحة، كانت بتلمس لمسات أخيرة للميكب بتاعها وبتحط روج، أول ما شافته في المراية لفت بابتسامة نورت وشها:

"حمد الله على السلامة يا حبيبي.. جيت امتى؟"

علي قرب منها وميل باس خدها وهو لسه شايل فتون على دراعه:

"الله يسلمك يا حبيبتي.. لسه واصل، ولقيت القردة دي مستنياني عند الباب. عاملة إيه يا ياسمين؟"

ياسمين بحب: "الحمد لله يا حبيبي، بخير طول ما أنت بخير."

علي بص حواليه باستغراب: "أومال خالتو فين؟ مشوفتهاش يعني خرجت تستقبلني زي كل يوم."

ياسمين ضحكت وهي بتلم شعرها: "نامت من بدري يا علي.. فتون هانم طلعت عينيها طول اليوم، فضلت تلعب معاها وتجري وراها لحد ما الست تعبت واستسلمت للنوم بدري."

علي هز راسه بضحكة: "حقها والله، البنت دي طاقة متحركة. طيب يا حبيبتي، أنا هغير هدومي بسرعة عشان أرتاح."

ياسمين سألت بلهفة وهي بتعدل له ياقة قميصه: "أجهزلك العشا؟ أنا عملت لك النهاردة أكلتك المفضله."

علي رفع حاجبه بفضول: "أكلة إيه؟ شوقتيني."

ياسمين بابتسامة: "صينية بطاطس بالفراخ في الفرن.. وعملت لك جنبها شوية رز بالشعرية مفلفلين يستاهلوا بقك."

علي حط إيده على بطنه بتمثيل للجوع الشديد: "ااااه يا وعدي، أنتي بتيجي على الجرح يا ياسمين. طبعاً هاتي، هي دي فيها كلام؟ ده أنا ريحتها بدأت تندهلي من دلوقتي. هغير هدومي بسرعة عقبال ما تجهزي السفرة.

"

ياسمين ضحكت وقالت له: "ماشي يا حبيبي، متتأخرش عشان الأكل ميببردش."

علي دخل يغير هدومه، وياسمين خرجت المطبخ وهي حاسة إن بيتها الصغير ده هو جنة الدنيا، وإن ضحكة فتون ووجود علي هما كل اللي محتاجاه من الدنيا.

__________________________________

في بيت محمود، كان الجو هادي، نادية قاعدة في الركن المفضل ليها بتبص للمصحف اللي قدامها وبتحاول تداري شرودها وتفكيرها اللي مبيخلصش. فجأة دخل محمود، وإيده ورا ظهره مخبي فيها حاجة. وقف قدامها بابتسامة دافية، نادية رفعت عينيها وقلعت نضارة القراية وبصت له باستغراب:

"فيه إيه يا محمود؟ مخبي إيه ورا ظهرك ؟."

محمود طلع بوكيه ورد أحمر رقيق من ورا ظهره وقدمهولها بحب:

"أنا جايب ورد لأجمل وردة في حياتي.. الورد ده غار منك وهو في إيدي يا نادية."

نادية ابتسمت غصب عنها، لمسة الرومانسية دي لمست قلبها، خدت منه الورد وغمضت عينيها وهي بتشم ريحته العطرة اللي ملت المكان. محمود قعد جنبها، قرب وباس راسها بحنان وقال بصوت هادي:

"أنا ملاحظ إنك متغيرة بقالك فترة، فيه حاجة شاغلة بالك؟ حاسس إنك بعيدة عني وأنتي قاعدة جنبي.. ممكن أعرف فيه إيه؟"

نادية اتنهدت تنهيدة طويلة، تنهيدة فيها حمل سنين، وقالت وهي بتهرب بعينيها:

"مفيش حاجة يا محمود.. مجرد تعب من الأحداث اللي فاتت."

محمود مسك إيديها بحنان، وبص في عينيها بعمق رغم مرور السنين:

"بتكدبي على مين يا نادية؟ أنا بحبك وحافظك وفاهمك أكتر من نفسك.. قوليلي مالك، أنا عملت حاجة زعلتك؟"

نادية بلعت ريقها بأسى، ولمعة الدموع بدأت تظهر في عينيها وقالت بصوت مهزوز:

"أنا.. أنا كنت فاكرة كدة يا محمود."

محمود استغرب ورد: "كنتي فاكرة إيه؟"

نادية بصت له والقهر باين في عينيها: "كنت فاكرة إنك بتحبني يا محمود..."

محمود اتصدم، مسك وشها بين إيديه وقال بعتاب:

"ليه بتقولي كدة؟ أنتي بتشكي في حبي ليكي يا نادية بعد كل السنين دي؟ بعد كل اللي مرينا بيه سوا؟"

نادية نزلت دمعة من عينيها وقالت بعتاب مليان وجع:

"أنا مش بشك.. أنا متأكدة إنك لسه منسيتهاش يا محمود، لسه ذكرى أم أدهم هي اللي مسيطرة على قلبك. أنا مهما عملت، ومهما كنت جنبك وسندتك، حاسة إني دايماً في المرتبة التانية.. أنا مش عايزة أخد مكانها يا محمود، أنا عارفة غلاوتها، بس أنا كان نفسي يكون ليا حتة صغيرة في قلبك، حتة أسكن فيها وأحس إني لوحدي فيها، مش مجرد بديل أو حد بيكمل المشوار."

محمود سكت ثانية، بص لها بعتاب رقيق ممزوج بحب كبير، وسحبها لحضنه بقوة وهو بيهمس في ودنها:

"بديل؟ ده أنتي اللي أنقذتي روحي يا نادية. أنتي فاهمة الموضوع غلط خالص... أم أدهم كانت حكاية وانتهت من سنين، ذكراها جزء من الماضي، لكن أنتي الحاضر والمستقبل، أنتي السند اللي قومت عليه لما كنت هقع، ووقفتي جنبي في أصعب أيامي، أنتي اللي هتربي معايا أحفادي ."

رفع راسها وبص في عينيها بصدق:

"نادية، أنتي مش ساكنة حتة صغيرة في قلبي.. أنتي القلب نفسه دلوقتي. لو كنتي واخدة مكان حد، مكنتش قدرت أكمل يوم واحد معاكي. أنا بحبك لشخصك، لروحك، لصبّرك عليا.. أنتي الملكة في البيت ده وفي حياتي، ومفيش حد يقدر ياخد مكانك أبداً."

نادية بدأت تهدا في حضنه، كلامه كان زي البلسم على جرحها القديم، محمود مسح دموعها وقال بابتسامة:

"صالحيني بقى، ده أنا جايبلك الورد اللي بتحبيه.. مفيش زعل بعد النهاردة، ماشي؟"

نادية ابتسمت بصفاء ودفنت راسها في صدره: "ماشي يا محمود.. ربنا ما يحرمني منك."

__________________________________

 

مر تمن سنين .... والوقت مكنش مجرد أيام بتعدي، ده كان عمر بيبني فيهم حب وجدران أمان مابتتهدش. جناح أدهم وجميلة كان شاهد على كل ضحكة وكل لحظة حنين مرت عليهم.

جميلة كانت واقفة قدام المراية، لابسة فستان سهرة بلون الروز اللي بيعكس رقة ملامحها، بس كانت عمالة تنفخ بضيق وهي بتحاول تربط رباط الظهر اللي كان معقدها، وكل ما تقرب تظبطه يفك منها تاني. في اللحظة دي، انفتح الباب ودخل أدهم.. كان شكله جذاب ورجولي في بدلة التكسيدو السوداء، والقميص الأبيض اللي نطق سواد البدلة، مع ببيونة بنفس لون البدلة، ووقار زاد مع السنين.

وقف وراها من غير ولا كلمة، ملامحه لانت أول ما شاف طيفها في المراية. مد إيده وبدأ يزيح شعرها الطويل اللي كان مغطي ظهرها ونازل بنعومة، وبدأ يربط الرباط ببطء دوء، وأصابعه كانت بتلمس بشرتها برقة خلت رعشة خفيفة تسري في جسمها.

جميلة بصت لصورته في المراية، وابتسامة حب اترسمت على شفايفها:

ـ "تسلم يا حبيبي.. غلبتني والله، كنت لسه هنادي عليك."

أدهم مسبهاش تبعد، حاوط خصرها بإيديه وبص لملامحها في المراية بعيون مليانة إعجاب مبيقلش مع الزمن، بل بيزيد:

ـ "إيه الجمال ده يا جميلة؟ أنتي كل ما بتكبري بتحلوي أكتر، كأن السنين بتزيدك نور مش بتغيرك."

جميلة لفت وشها له بكسوف طفولي لسه مرافقتهاش:

ـ "بجد يا أدهم؟ شكلي حلو فعلاً؟"

أدهم مرمغ راسه في شعرها كعادته، واستنشق ريحة الورد اللي بقت هويته الشخصية، وهمس بصوت رخيم:

ـ "بيجنن.. لدرجة إني بدأت أغير رأيي ومش عايزك تنزلي الحفلة خالص، ولا عايز حد يشوف الجمال ده غيري."

جميلة ضحكت برقة ودلعت عليه:

ـ "طيب يلا يا حبيبي ننزل بقى، الضيوف زمانهم وصلوا، ومنقدرش نتأخر أكتر من كدة على عيد ميلاد ريحانة.. دي صاحبة الحفلة وممكن تعمل لنا ثورة لو اتأخرنا."

أدهم ابتسم وهو بيفتكر شقاواة بنته اللي واخدة منه العناد ومن أمها الجمال الساحر، مد ساعد إيده ليها وقال بابتسامة دافية:

ـ "يلا يا برنسيس.. ريحانة السويسي ومامتها ليهم حق الدلع النهاردة."

__________________________________

 

في بيت علي. الهدوء كان مسيطر على الغرفة..علي كان فارد جسمه على السرير ببدلته الكحلي، وماسك الموبايل بيقلب فيه بملل وهو مستني ياسمين تخلص  اللبس والميكب.ياسمين قامت وقفت أخيراً بعد ما حطت اللمسات الأخيرة، وجابت الهيلز وقعدت على الكرسي عشان تلبسه. رفعت طرف الفستان لركبتها وبدأت تحاول تربط الرباط الرفيع على ساقها، لكن في ثانية لقت علي قدامها، ركع على ركبه بوقار وسحب منها الهيلز بهدوء.

أخد رجلها وفردها على رقبته، وياسمين شهقت بتفاجؤ ممزوج بابتسامة:

ـ "علي! بتعمل إيه يا حبيبي؟"

علي وهو عينه على الرباط وبيربطه بهدوء:

ـ "بعمل شغلي يا ياسمين.. مش عيب تسألي سؤال زي ده؟"

ياسمين ضحكت برقة: "شغلك؟!"

علي رفع عينه وبصلها بنظرة كلها عشق ودفا:

ـ "أيوة ده شغلي الأساسي.. إني أدلعك، وأهننك، وأشيل عنك أي مجهود حتى لو بسيط.. ده العقد اللي بيني وبين قلبي من يوم ما عرفتك."

ياسمين حست بقلبها بيدق بسرعة، ولمست كتفه بحنان:

ـ "علي.. أنت بجد بتخطف قلبي بكلامك وتصرفاتك دي، بعد كل السنين دي ولسه بتعرف تخليني أتكسف كأني لسه في أول يوم."

قام وقف بعد ما خلص لبسها الفردة التانية، وقومها معاه وحاوط وسطها بتملك وحب:

ـ "ومالو.. أنا عايز أخطف قلبك وعقلك وكل حتة فيكي كل يوم من جديد.."

لسه بيميل عشان يبوس جبينها، انقطع حبل الكلام بخبطة سريعة على الباب، ودخلت فتون اللي بقت عندها تسع سنين.

ـ "بابي ! مامي.. بجد اتأخرنا أوي على عيد ميلاد ريحانة، وهي بتبعتلي مسدجات بتقولي لو مجتوش دلوقتي هتزعل."

علي أول ما شافها، انتفض وساب ياسمين، وعينه وسعت بصدمة:

ـ "إيه اللي أنتي لابساه ده ؟"

فتون لفت حوالين نفسها برقة وبراءة: "ماله يا بابي؟ فستاني الجديد؟ مش حلو عليا؟"

علي ضيق عينه بغيرة أب واضحة: "حلو يا حبيبة بابي.. بس قصير أوي. إيه يا ياسمين، أنتي موافقة على ده؟"

ياسمين هزت راسها بيأس وحيرة:

ـ "عندك حق الفستان قصير فعلاً.. ده أنا خايفة يزن يشوفها كدة ويتضايق ويقلب الحفلة نكد."

علي وشه جاب ألوان وانتفض كأن عقربة لدغته:

ـ "نعم يا اختي؟ مين يزن ده اللي يتضايق؟ وهو ماله أصلاً؟ بنتي تلبس اللي هي عايزاه.. هو وصي عليها؟"

ياسمين ضحكت بصوت عالي:

ـ "أيوة يا علي.. ده محرج عليا ألبسها أي حاجة قصيرة أو مكشوفة، ده ساعات هو اللي بيختار لبسها معايا لما بنخرج سوا، وما بيوافقش على أي حاجة بسهولة."

علي بصلها بغضب غيرة ذكوري:

ـ "نعم يا روح أمك! ولما هو عامل فيها ديك البرابر أوي كدة، مختار الفستان ده ليه؟ "

فتون تدخلت بسرعة وهي بتعدل شعرها:

ـ "يا بابي ما أنا قولتله إن مامي طلبت الفستان أونلاين وملحقتش أشوفه ولا أقيسه غير دلوقتي وهو ميعرفش.. خلاص بقى يلا نمشي"

علي نفخ بضيق وبص لياسمين بتريقة:

ـ "ماشي يا اختي.. لما نروح هناك حسابي مع الأستاذ يزن ده.. بقى الواد عايز بيتحكم في بنتي؟

اتفضلوا يا هوانم قدامي."

نزلوا وهما بيضحكوا، وعلي جواه بركان غيرة مشتعل ،من فكرة إن فيه حد تاني  بيشارك في الاهتمام ببنته الصغيرة.

________________________________

في الصالة تحت، كانت الأجواء تخطف الأنفاس، القصر تحول لقطعة من الخيال احتفالاً بميلاد ريحانة السويسي. الثريات الكريستالية كانت بتعكس إضاءة خافتة وراقية، والورد البلدي الأبيض مع أوراق الريحان الأخضر ماليين الأركان، ومديين للمكان ريحة منعشة وساحرة. شاشات عرض كبيرة كانت بتعرض صور ريحانة من يوم ولادتها لحد ما تمت ثمان سنين، والضيوف من صفوة رجال الأعمال والمجتمع ماليين القاعة بهمساتهم الراقية.

وفجأة، اتجهت الأنظار للسلالم العريضة.. نزل بخطوات هادية، واثقة، وفيها رزينة وزهو ورثهم عن أدهم السويسي. لابس قميصه باللون الاسود القاتم ، اللي بيبينه بطل من رواية غامضة، القميص كان مرسوم على بنيته القوية وعضلات صدره وكتافه العريضة. رغم إنه لسه مكملش العشرين، إلا إن جسمه كان مثالي، نتيجة سنين من التمرين العنيف في الجيم بتوجيه من علي اللي كان سبب رئيسي لحبه للتمرين، وده اللي أهله بامتياز إنه يخطو أول خطوة في مستقبله ويدخل الكلية الحربية.

مسح القصر بعينه الزرقاء اللي بتشبه موج البحر في قوته، لحد ما شاف جميلة واقفة بترحب بالضيوف بطلتها الساحرة، قرب منها وبكل شقاوة صفر بصوت عالي ورا ودنها، لدرجة إنها اتنفضت :

ـ "يزن! خضتني يا ولد.."

يزن عض على شفايفه وهو بيبص من فوق لتحت:

ـ "إيه يا جميلتي الجمال ده؟ حرام عليكي أدهم السويسي، قلبه مش حمل كل الشياكة دي."

جميلة ضحكت بخجل وهي بتعدل خصلة من شعرها: "بجد يا زينو شكلي حلو؟".

يزن كشر بتمثيل مضحك: "أهو كده أزعل! بذمتك لو صحابي في الكلية الحربية عرفوا إن يزن السويسي، بيتنادى بـ زينو... منظري هيبقى عامل إزاي قدام العساكر؟ هيبتي هتضيع."

جميلة طبطبت على خده بحب وفخر: "أنت أحلى زينو في الدنيا."

لسه يزن هيتكلم، حس بإيد أدهم التقيلة والمسيطرة على كتفه، وصوته الرخيم اللي ملوش مثيل رن وراه:

ـ "أومال مبتقولش الكلام ده لفتون بنت خالتك ليه؟ ولا هو ناس وناس يا حضرة الضابط؟"

يزن لسه هيرد : "لا فتون دي..." بس الكلمة وقفت في زوره، وعيونه الزرقاء فجأة اتحولت لجمر نار، وتركيزه كله اتنقل للباب الرئيسي، وكمل :" يومها اسود."

دخل علي وياسمين، وفي وسطهم كانت فتون.. كانت زي النجمة الصغيرة اللي تاهت من السما. أدهم لاحظ، وحاوط خصر جميلة وهو بيكتم ضحكته بصعوبة: "لا.. ده إحنا نستعد للملحمة بقى، الوحش صحي."

علي قرب بابتسامة واسعة: "السلام عليكم يا جماعة"

جميلة حضنت ياسمين بحرارة، وعلي سلم على أدهم، بينما يزن كان في عالم تاني خالص. عينه كانت بتاكل فتون اللي وقفت ورا والدتها بخجل وارتباك دبتشد طرف فستانها على أمل إنه يبان أطول لما شافت نظراته. كانت بتبص له ببراءة وخوف، وهو بيبص لها بنظرة صقر حدد فريسته وقرر ميسيبهاش.

علي مد إيده ليزن: "أزيك يا يزن."

يزن سلم ببرود وعينه لسه منزلتش من على فتون: "أهلاً يا بشا.. الحمد لله."

علي حس بالتوتر، وضرب أدهم على ظهره بهزار: "شايف ابنك بيبص لبنتي إزاي؟ ده ناقص ياكلها!"

أدهم ببرود وثباته الانفعالي المعهود: "إيه المشكلة؟ مش خطيبها؟

علي صرخ بذهول وهو بيحرك إيده في الهوا: "خطيب مين يا عم أنت! البنت لسه في ابتدائي وبعدين أنتوا جيتوا خطبتوها من مين؟"

أدهم بص لياسمين اللي كانت بتحاول تتدارى ورا جميلة: "خطبناها من أمها.. والعروسة موافقة، صح يا ياسمين؟"

علي لف لياسمين ببطء زي أفلام الرعب، وياسمين بلعت ريقها ورجعت خطوة لورا: "والله يا علي ما عملت حاجة.. هما اللي ضغطوا عليا وقالوا يزن مش هيسيبها لغيره"

علي بص لياسمين بغل: "ماشي يا ياسمين.. الحساب في البيت على موضوع الخطوبة اللي من ورايا ده!"

يزن مقدرش يستنى أكتر من كده، اتقدم خطوات واسعة وبكل حزم مسك إيد فتون من ورا ياسمين:

"عن إذنكم يا جماعة.. فتون تعالي عايز أقولك كلمة في الجنينة."

علي لسه هيتحرك يمنعه، أدهم مسكه من دراعه بضحكة مكتومة: "تعالى يا علي.. رايح فين؟ سيب العيال يتصافوا."

علي بزعيق مكتوم: "يتصافوا إيه ؟ أنت مش شايف نظرة ابنك؟ ده عجل وبنتي بسكوتاية ،يعني تتفتفت فى إيده"

في الجنينة ...

سحب فتون لمكان هادي في طرف الجنينة، بعيد عن عيون الضيوف وزحمة الحفلة. وقف قدامها وهو مربع إيده، ملامحه كانت صارمة بس نظرة عينيه فيها حنية غريبة، حنية مبيطلعهاش غير لها هي وبس.

فتون كانت واقفة قدامه بتفرك في إيديها بخجل، وعينيها الزرقاء بتبص في الأرض وقلبها بيدق بسرعة من هيبته. يزن نزل لمستواها شوية وهدّى صوته خالص:

"بصيلي يا فتون.."

رفعت عينيها له ببطء، فكمل بنبرة حازمة بس ناعمة: "أنا مش قولت بلاش الفساتين القصيرة ؟  ترضي يزن يفضل متضايق طول الحفلة؟"

فتون ردت بصوت رقيق زي الهمس: "يا يزن، والله مامي اللي اختارته وما حبيتش أزعلها.. وبعدين أنا لسه صغيرة والله، يعني عادي."

يزن ابتسم ابتسامة خفيفة، ومد إيده لمس خدها بحنان: "صغيرة في نظر الكل، بس عندي أنتي كبرتي وبقيتي مسؤولة مني.. ماشي يا فوتي؟ المرة دي سماح عشان خاطر النهاردة عيد ميلاد ريحانة"

فتون هزت راسها بخجل: "اتفقنا."

فجأة، انقطع جوهم الهادي بصوت طفولي شقي ومليان ثقة:

"إيه يا عصافير الحب؟ واقفين بتعملوا إيه هنا؟ "

ظهرت ريحانة... ذات 8سنين ... كانت لابسة فستان أخضر غامق مخلي عينيها الفيروزية تنور، وشعرها الأسود الطويل والناعم واصل لآخر ظهرها، كأنها نسخة مصغرة من جميلة في سحرها بس بشخصية أدهم الحادة والقوية.

فتون جريت عليها بحماس وحضنتها: "كل سنة وأنتي طيبة يا ريحانة ،أنا جبتلك هدية حلوة أوي، هتعجبك جداً."

ريحانة ابتسمت : "شكراً يا فوتي يا عسل، أكيد أي حاجة منك حلوة."

يزن قرب منهم ولعب في شعر البنتين بلطافة وهو بيضحك: "طيب يلا يا برنسيسات نخش جوة."

ريحانة وقفت مكانها وقالت: "لا.. ادخلوا أنتوا، أنا هعمل حاجة وجاية وراكم على طول، عايزة أشم شوية هوا."

يزن عارف عناد أخته وهدوئها، فهز راسه ودخل وهو ماسك إيد فتون.

 راحت قعدت على كرسي مرجيحة في وسط الجنينة، بدأت تحركها برجلها وهي بتزق النجيلة الخضراء. المرجيحة كانت بتتحرك بيها، وشعرها الأسود بيتطاير وراها في الهوا بجمال ملوكي. رغم إن عندها 8 سنين بس، إلا إن شخصيتها كانت أعمق من سنها بكتير؛ ذكية، هادية، وعنيدة جداً، مابتحبش حد يسيطر عليها ولا يفرض رأيه، نسخة طبق الأصل من أدهم السويسي في كبريائه.

وقفت المرجيحة فجأة، وميلت على الأرض قطفت ورقة ريحان من الشتلات اللي أدهم مالي بيها الجنينة عشان خاطرها. قربت الورقة من أنفها وغمضت عينيها وهي بتشم الريحة بانتعاش وابتسامة رقيقة مرسومة على وشها.مكانتش واخدة بالها إن فيه عيون أسد مراقباها من بعيد.. خلف أسوار القصر العالية، كان واقف في الضلمة، عيونه حادة ومسيطرة، مركزة عليها هي وبس وكأن مفيش حد غيرها في الوجود.

كان واقف زي الضل، ساكن ومبيتحركش ورا سور القصر، كأنه حتة من ليلهم الطويل.مابقاش هو هو ذاك الطفل اللي هرب زمان وقلبه مكسور؛ التمن سنين اللي فاتوا نحتوا ملامحه بقسوة الصخر، وشلوا من وشه أي أثر للضعف، وبدلوه بقوة صامتة وغموض ملوش آخر. 

لابس بالطو أسود طويل بلون الفحم، مدي له هيبة وطول يخلي القلب يقبض، كأن جسمه اتصاغ من رخام ناشف بعد سنين من حروب محدش يعرف عنها حاجة. شعره اللي كان زمان رافعة ببراءةلايقة على سنه ، بقى دلوقتى متسرح بانتظام صارم، إسود زي الليل محدد وشه اللي فقد براءته وبقت زواياه حادة، وعينه ثاقبة ومبترمش. على الرغم منه سنه اللي ميزيدش عن  18 سنه.

أما عينيه.. فبقت زي بير غريق ملوش قرار، فيها لمعة تخوف زي لمعة الفولاذ، ونظرة أسد رجع يسترد مملكته. بصته لريحانة مكنتش مجرد بصة عادية، دي كانت نظرة تملك وسيطرة، كأن كل نَفَس بتسحبه البنت الصغيرة دي هو ملكه هو وبس.كان مراقبها وهي بتشم الريحان، وعقله بيرجع لشريط ذكريات الليلة اللي سابها فيها في سريرها ومشي. ودلوقتي، راجع بصوت رخيم، عميق، يخلي الجسم يقشعر، وهو بيهمس لنفسه بكلام كله وعد ووعيد:

"كبرتي يا صغيرة.. كبرتي وبقيتي ريحانة اللي زرعت اسمها في قلبي من قبل ما يتكتب في ورقهم.. بس لسه بدري يا ريحانتي، لسه مابقتش قوي كفاية عشان أقرب منك، ولسه معنديش نفوذ وقوة كفاية عشان أتحدى  أدهم السويسي وأحرق قلبه فيكي ،وأنتي ....أنتي لسه صغيرة أوي على اللي ناوي أعمله فيكي، بس أوعدك.. هبقى أقوى، وهرجعلك يا ريحانتي ."

 تمت بحمد الله  

تعليقات