![]() |
رواية حين تخذلني عيناك الفصل الاول بقلم هاجر عبد الحليم
حين دفعت ليان الباب بيد مترددة، انفتح أمامها عالم لم تتوقعه داخل قلب القاهرة القديمة. كانت الشقة في الطابق
الأخير من عمارة قديمة مطلة على النيل، واجهتها مزخرفة بنقوش حجرية اندثرت ملامحها بفعل الزمن،
والسلالم تؤدي إلى باب خشبي ثقيل يئن مع كل لمسة .
دخلت إلى المرسم.
شقة بأكملها تحولت إلى مرسم غارق في الضوء والغبار. النوافذ الواسعة غير مغطاة، تسمح لأشعة الشمس أن
تتسلل عبر زجاج، ترسم على الجدران لوحات من ظل ونور. الجدران نفسها كانت معرضًا مفتوحًا:
لوحات ضخمة معلقة، أخرى مكدسة في الزوايا، وبعضها ممزق، وكأنها صرخة توقفت في منتصفها.
الأرضية الخشبية تصدر صوت أنين تحت قدميها، وأصابع الغبار ترتفع مع كل خطوة. الهواء مشبع برائحة
الألوان الزيتية ممزوجة برائحة القهوة الباردة وسجائر منطفئة منذ زمن. كل شيء في المكان يوحي
بحياة صاخبة سكنت هنا، ثم رحلت فجأة دون وداع.
في المنتصف، طاولة طويلة يغطيها قماش أبيض ملطخ بألوان متداخلة، وفوقها أدوات رسم مبعثرة: فراش
ناعمة، أنابيب ألوان مفتوحة، ومسودات لوجوه حزينة وعيون تنظر وكأنها تعرف الكثير.
شعرت ليان أن المكان يراها قبل أن تراه... وأن كل شيء فيه ينتظرها منذ زمن.
....
في الزاوية البعيدة من المرسم، جلس شاب على مقعد خشبي قديم، عيونُه تتأمل في لوحته بحالة من التركيز
الشديد. شعره الأسود كان غير مرتب، ينساب بتكاسل فوق جبينه ليخفي بعض الملامح الحادة التي تظهر عندما
يرفع رأسه. عينيه كانت تلمع ببريق غريب، عيون داكنة كما لو أنها تغطي سرًا عميقًا لا يمكن أن يُحكى. كان
الجفن السفلي لعينيه منتفخًا قليلاً، كأن هناك شيء يضغط على ملامحه، وهو يحاول أن يطرده عن نفسه.
وجهه كان شاحبًا بعض الشيء، والملامح فيه تروي قصة من السهر والتفكير العميق. كانت عيناه تحملان شيئًا
من الألم، وكأن قلبه كان يحمل جرحًا قديمًا لا يلتئم. كانت زوايا وجهه حادة بشكل غير مألوف، تجعل هيئته
تبدو مألوفة، لكنها مشحونة بمشاعرخفية، يُخفيها خلف تلك النظرة الهادئة التي تبدو وكأنها ترصد كل شيء من
حوله.
يده اليمنى كانت ممسكة بفرشاة الرسم، وهو يحركها برشاقة على اللوحة أمامه، بينما كانت يده اليسرى
مسترخية على ساقه، يديه تحملان آثار ألوام زيتية مختلطة بين الأصابع.
وقفت ليان على عتبة المكان، قلبها لا يزال يخفق بتردد غريب، وعيناها تتفقدان أرجاء المدخل بصمت. كانت
الرائحة المميزة للألوان والزيت تعبق في الأجواء، تشير بأنها دخلت عالمًا خاصًا لا يُفتح لأي غريب. استجمعت
شجاعتها، وقالت بصوت خفيض:
ليان: "السلام عليكم..."
رفع قصي عينيه عن اللوحة التي كان منكبًا عليها، وفي ملامحه انزعاج ممزوج بدهشة، ثم قال بنبرة حادة:
قصي: "إنتي مين ودخلتي هنا ازاي؟"
ابتسمت بخفة رغم التوتر الذي يعلو وجهها، وأجابت محاولة كسرالحاجز:
ليان: "حضرتك قصي... مش كده؟"
رمقها بنظرة ساخرة، ورفع حاجبه ببرود :
قصي: "أنا مقولتش ليكي تعرفي اسمي ولا لأ انا مش بتعرف عليكي؟ سؤالي واضح انتي مين؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت التماسك:
ليان: "أنا ليان، طالبة في كلية فنون جميلة، بدرس دراسات عليا حاليًا... وجيت أطلب مساعدة، بما إن حضرتك
متخصص في مجال الترميمات."
أسند ظهره إلى الكرسي، وكتف ذراعيه أمامه كمن يستعد لرفض قاطع:
قصي: "وأنا حاليًا لا فاضي، ولا دماغي جايباني أساعد حد زيك يدخل البيوت من غير ما يستأذن."
تنهدت ليان، تحاول أن تظل هادئة رغم نبرته المتحفزة: "أنا قريت عن شغلك في مجلة الفن الحديث... وسمعت عن شغلك في المتحف، خصوصًا ترميم القطع
الأثرية، وشغلك في تجديد اللوحات القديمة... وحقيقي محتاجة مساعدتك في مشروع التخرج بتاعي . المشروع
متعلق بلوحة من القرن العشرين، ولازم أشتغل عليها بمنهجية علمية، وأنا... بصراحة، معرفتي النظرية مش
كفاية. والباب كان مفتوح، صدقني لو كان مقفول، أكيد كنت هستأذن، ومكنتش هزعج حضرتك أبدًا. بس بعد كدا اقفله عشان محدش يكرر عملتي دي مرة كمان"
نظر إليها طويلاً، بنظرة فاحصة، كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف كلامها، يدرس ملامحها كما يدرس لوحة قديمة
قصي: "وإنتي م تقدريش تساعدي نفسك؟ يعني ممكن بكل بساطة تدوري وتبحثي لحد م تكوني مستعدة تقدمي معلومات قوية تناسب
مشروع تخرجك ولا وجودي شيء أساسي طالما شايفة نفسك ف ورطة ومفيش غيري يقدر يقدملك إيده؟
رفعت رأسها بشيء من الإصرار، وعيناها تلمعان بصدق حقيقي:
ليان: "مش ورطة ولا حاجة... أنا مش طالبة مساعدة من أي حد، أنا طالبة من شخص فاهم، موهوب، ولو مش
هتساعدني، براحتك... همشي ومش هتشوف وشي تاني."
سكت قليلًا، ثم قام من مقعده ببطء، يتحرك نحوها بخطوات محسوبة، حتى وقف على بُعد خطوة واحدة فقط:
قصي: "عايز أعرف تفاصيل عن اللوحة بتاعتك ؟
تبدلت ملامحها من التوتر إلى لمحة أمل واضحة:
ليان: "لوحة اسمها لمسات قاتلة من أعمال فنان مغمور اسمه فارس الزهراني، ما فيش عنها مصادر كتير،
لكن حالتها محتاجة تدخل عاجل، ومش أي حد يقدر يشتغل عليها."
قصي: "لو حصل واشتغلنا مع بعض في شوية تفاصيل كدا هتساعدنا نعدي الحوار دا بكل رضا منا ومني...يفضل تلتزمي بقواعدي واللي هي واحد مفيش أسئلة زيادة عن اللزوم ..اتنين مفيش فضول منك ف حاجات معتقدش تكون مهمة ليكي وممنوع اعيد كلامي مرتين فاهمة ولا ترجعي مطرح م جيتي
قالت بصوت أقرب إلى الهمس :
ليان: "موافقة."
تراجع خطوة إلى الوراء، مد يده نحوها بحركة ثابتة:
قصي: "هاتي الملف بتاع المشروع... ونشوف شغلك ده يستاهل إني أحط إيدي فيه ولا لأ.؟
ناولت ليان الملف بهدوء، ومدت يدها إليه بثقة مترددة. أمسك به قصي دون أن يُخفي نبرته الجافة، وبدأ يتصفح
الصور بسرعة. بدا وجهه جامدًا، ولكن عينيه تحملان نظرة فاحصة دقيقة.
رفع قصي حاجبيه وهو يقلب الصور ثم تمتم بنبرة لا تخلو من السخرية:
"يا أستاذة دي صور عادية... أنا محتاج أشوف اللوحة نفسها. هي فين؟"
أجابت بنبرة هادئة، لكنها متوترة قليلًا :
"مش معايا حاليًا."
أغلق الملف فجأة، وأسند ظهره إلى الكرسي، ثم قال بحدة واضحة:
"أومال جاية لي ا؟ لما تروحي لحد وعايزة منه شغل، لازم يكون معاكي كل التفاصيل. بداية غير مبشرة بالمرة
في التعامل معاكي."
حاولت أن تشرح، بنبرة امتزج فيها الرجاء بالعزم :
"افهمني... هي موجودة في متحف تبع الجامعة، بس حالتها سيئة جدًا، متآكلة خالص، ومش هقدر ألمسها.
عايزاك تيجي معايا وتشوفها بنفسك."
أمال رأسه قليلًا، ونظر إليها بنظرة فيها شيء من التحدي:
"أعتبر دي ثقة فيا؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بيقين:
"طبعًا... واثقة في شغل حضرتك استحالة اراجع وراك أبدا"
هز رأسه ببطء، ثم قال بنبرة أعمق وأكثر جدية:
"بس انتي جاية من غير خطة واضحة. لازم تفهمي إن اللوحات مش مجرد ألوان وخطوط... دي أرواح،
وصرخات محبوسة من سنين
نظرت إليه بثبات، وردت بصوت أقرب إلى الهمس:
"وأنا جاية علشان أطلع الصرخات دي للنور... علشان تتسمع وتتشاف."
صمت قليلًا، ثم اعتدل في جلسته وقال :
"هاجي أشوف اللوحة... الساعة عشرة. لو اتأخرتي، مفيش اتفاق بينا واعتبريه لاغي."
رفعت ذقنها بتحد هادئ، وقالت دون تردد:
"هكون هناك قبلك. "
......
داخل قاعة جانبية في المتحف
ضوء خافت وصمت مهيب.
دخلت ليان أولًا، وخطواتها كانت تحمل رهبة المكان ومسؤولية ما هي مُقدمة عليه. تبعها قصي بخطوات ثابتة،
عيناه تتحركان في فضول صامت وهو يتفحص القاعة بعين الخبير
وقفت ليان أمام صندوق العرض الزجاجي، وأشارت إليه بهدوء.
ليان:
"كنت متخيلة إنك مش هتيجي..."
قصي: ينظر للوحة، ثم يرد دون أن يلتفت لها
"مش بخلف وعودي يا أستاذة."
ليان: بابتسامة خفيفة
"تقدر تقولي ليان."
قصي: بنبرة حاسمة وهو يقترب من الزجاج
"مش بحب أرفع الألقاب... اتفضلي."
مدت يدها نحو الصندوق، وأشارت إلى اللوحة.
ليان:
"اتفضل... دي اللوحة."
قصي: )بصوت منخفض فيه شيء من الانبهار
"لوحة كلها صمت وعذاب... حكاية حياة ماكملتش. حد فضل يرسم في عذابه وسابه يتسجن وراه."
ليان: )بنظرة فيها رجاء(
"أنا عايزة أنقذها... تقدر تساعدني؟"
قصي
"ترميمها صعب بقالها سنين، وغير دا كله، مش عايزة شطارة إيد، دي عايزة إحساس صادق ... لو حد
فينا قلبه مش صافي، اللوحة هترفض ترجع للحياة."
ليان بثقة
"أنا مصدقة فيها... وفيك."
....
في الكافيه، كان قصي جالسًا وهو يمسك بسيجارته ويشرب منها ببطء. بينما كانت ليان تجلس قبالته، وتكح
بشكل متكرر.
"لو سمحت، اطفي السجاير دي، بليز."
قصي: )بنظرة غير مكترثة(
"مش عاجبك؟ امشي."
ليان: )بدهشة
"إيه الأسلوب ده حضرتك؟ دي مش طريقة شغل."
قصي: )بصوت هادئ ولكن حاسم(
"إذا كان عاجبك، إنتي اللي جيتي، أنا مش جاي عريس عشان تشوفيه وتقيمي فيه إحنا هنا في شغل،
ميخصكيش اللي بعمله، المهم اللي بقوله."
ليان: )بغضب خفيف(
"بس الريحة مش طبيعية."
قصي: )بابتسامة ساخرة(
"عايزة نصيحتي؟ اهربي وشوفي حد تاني."
ليان: )بدهشة واستفهام(
"ليه بتقول كده؟ "
قصي: )بصوت منخفض، ينظر في عينيها بتركيز
"عشان هتعبك أوي."
ليان: )تنظر إليه باندهاش، وتحاول أن تقاوم شعورها بالتوتر(
"ممكن توضح بعد إذنك؟"
قصي: )يضع السيجارة في الطفاية ويبتسم ابتسامة غامضة(
"أنا شخص مركب أوي، عندي انفصام وكل ثانية بحال. عندي جانب مظلم، مظنش سهل تعاشريه حتى لو
علاقتنا مجرد شغل."
ليان: )بخوف خفيف، ولكن تحاول أن تظهر القوة(
"مش فاهمة... حضرتك بتخوفني ولا إيه؟"
قصي: )يقترب قليلا ويهز رأسه(
"أنا بس بقولك إنك لو دخلت في دايرتي، هتندمي. وده مش تهديد، ده تحذير يا أستاذة."
ليان: )تهز رأسها(
"لو سمحت نقي ألفاظك. لو كانت دراستي هتخليني أتعامل مع شخص زيك وأتحمل سخافته، فأنا همشي حالا ."
قصي: )ينظز إليها بتمعن، ثم يعود للابتسامة(
"بس عايزك تعرفي إنك لو عملتي كده، مش هتلاقي حد زيي."
ليان: )بصوت ثابت(
"وأنا مشرفنيش أقابل حد زيك، حتى لو قولنا للفشل يامرحب . ولو أني لازم اعاشر شخص محتاج مصحة، مش
يمشي في الشارع ويقابل بني آدمين طبيعيين عن اذنك."
.....
بعد أن خرجت ليان من الكافيه، تركت قصي وحيدًا في مكانه، يتأمل الباب الذي أغلق خلفها، كما لو كانت هي
كل ما تبقى له في هذا العالم . لكن كلماتها الأخيرة كانت تزعجه بطريقة ما، تعصر قلبه بمرارة لم يشعر بها من
قبل. هو لم يصرخ، لم يعبر عن غضبه أو عن أي شيء يخص مشاعره، بل ظل جالسًا، يشرب ما تبقى في
فنجانه البارد.
رغم سلوكه الخارجي القاسي والشرير، كانت هناك عاطفة كامنة داخله لا يمكنه إنكارها، قلبه مثل قلب طفل
ضاع في وسط عالم مظلم. كان يشعر بها الآن أكثر من أي وقت مضى، تلك الهشاشة التي يخبئها خلف ستار
من السخرية والتجاهل.
قصي )همس لنفسه بمرارة(:
" كنت عايز أعيش وبس عايزة ابقي مبسوط وفرحان وراضي بس الكل استخسر الأحساس دا فيا، بس كله كان بيشدني لتحت لحد م بقيت انا شخص مشوه مسخ وبس
مش قادر أطلع من دايرتي ... دايرتي اللي أنا اخترتها بنفسي حاولت مقدرتش رغم اني بهلك روحي يوم عن يوم."
أخذ نفسًا عميقًا، وسحب سيجارة أخرى من علبته القديمة. كان يعرف أنه سيظل يلتف حول نفسه في هذه
الدائرة، لكنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من التفكير في ليان، في نظرتها القوية، في تلك الرغبة التي كانت فيها
للهرب من كل شيء. وفي أعماقه كان يبتسم، حتى لو كان قلبه ينفطر في الداخل.
ربما كان يجب عليه أن يغير شيئًا ما. لكنه لا يعرف كيف يبدأ.
....
