رواية اسيرة الغريم ( كاملة جميع الفصول ) بقلم ولاء رفعت علي


 رواية اسيرة الغريم الفصل الاول 


تجلس أمام مرآتها الكبرى، تمرر قلم الحمرة على شفتيها بحركات واثقة، هيهات وامسكت قلم الكحل لترسم به عينيها لتزداد بريق وتوهج، حتى غدت في هيئة لا تقاوم؛ مزيج من فتنة جارحة وسحر قاتل.

 تراجعت خطوتين إلى الوراء تتأمل صورة لامرأة تتقن لعبة الإغواء، وقد ارتدت غلالة من حرير أسود ينساب على جسدها البض، تتدلى خصلاتها الشقراء المنسابة بعد أن أطلقت سراحها من مشبك الشعر. 

امرأة يُخر عند قدميها أعتى الرجال طلباً لنظرة رضا، أو لفتة من عينيها فحسب.
تنهدت بثقة وقالت لنفسها: 
–دارين الشاذلي واحدة بس، لما هاشوف أخرة عنادك معايا يا أدهم. 

زفرت بأريحية ثم ابتسمت بمكر ودهاء، ارتدت معطفها الحريري فوق الغلالة، عقدت حزامه حول خصرها فزاد قدها تقوساً وجاذبية، تناولت هاتفها وهاتفت إحداهن بصوت أقرب للهمس:
–ها، إيه الأخبار؟

جاءها الرد بصوت أنثوي: 
–الجماعة كلهم ناموا من ساعة، وصفوان بيه طلع من شوية الجناح بتاعه.

ارتفع حاجباها بحبور خفي: 
–حلو أوي، زي ما اتفقنا لو فيه أي حاجة كلميني على طول.

–أمرك يا دارين هانم. 
أنهت المكالمة و تنفست بعمق، فتحت الباب وغادرت غرفتها تتسحب بدون إصدار صوت، وعندما بلغت جناحه الخاص، دفعت الباب بخفة، تسللت للداخل وأغلقته دون أن يصدر أدنى صوت.

الإضاءة خافتة داخل الجناح، بحثت عنه بعينيها، فاستقبلها خرير الماء من الحمام، فابتسمت ابتسامة تمور بالمكر، قامت بفك الحزام وخلعت المعطف ثم ألقته على مقعد جانبي، تنتظر لحظة خروجه كما ينتظر الصياد اقتراب فريسته.

خرج من الحمام، مرتدياً منشفة قطنية حول خصره، وقطرات الماء تتساقط من شعره ذو اللون الرمادي القاتم الممزوج بالأبيض؛ شيب مبكر توارثه رجال العائلة، وأعطاه مسحة وقار وهيبة وجاذبية نادرة.  
 دخل غرفة الثياب يبحث عن بنطال قطني، وقبل أن ينزع المنشفة من حول خصره، أحس بذراعين تحيطان بجذعه من الخلف. 
 لم تتحرك أهدابه قيد أنملة، لكن جبينه تجعد عابساً، فقد عرف فوراً صاحبة تلك اللمسة.
زفر بحدة وسألها دون أن يلتفت إليها: 
–مين سمحلك تدخلي الجناح بتاعي يا دارين؟

رغم الخوف الذي يعصف بصدرها، أجابت بلهجة تنضح بالجرأة: 
–واحشني أوي يا صفوان.

أخذت تُقبل ظهره بلهفة، فانقبضت عضلاته، والتفت لها فجأة، قبض على عضدها، يرمقها بنظرة أشعلت الرعب في قلبها حتى تمنت لو تتبخر من أمامه.

حاولت التنفس وتثبيت عينيها في عينيه اللتين جمعت ما بين الأخضر والرمادي، لون نادر يبعث في النفس رهبة وغموض.
 هدر بصوته الأجش و ملامحه كالحديد: –أنتي ما بتزهقيش ولا هاتبطلي محاولاتك الرخيصة دي معايا؟!

اقتربت منه حتى كادت تلتصق به، وقالت بجرأة سافرة: 
–عمري ما هزهق ولا هيأس منك أبداً.

رفع زاوية فمه بسخرية مُرة، وقال بنبرة عابسة: 
–ده لو في حالة وإحنا لسه متجوزين، لكن أنتي طليقتي، ومش طلقة أولى ولا تانية، أنا مطلقك تلات مرات، يعني متحرمة عليا.

وقفت أمامه، لمعت عيناها بغضب، وردت على حدته: 
 –وأنا مش ناسية إنك مطلقني بدل المرة تلاتة، بس اللي أنت ناسيه إني بقالي سنة بتحايل عليك أتجوز مُحلل وأتطلق منه وبعد العدة نرجع لبعض.

اتسع بؤبؤ عينيه حتى بدت ملامحه أكثر رعباً، دفعها بعنف فارتطم جسدها بالجدار، وقال مهدداً إياها: 
–مفيش راجل هايلمسك بعدي، وابقي فكري بس تعمليها من ورايا، وهاتشوفي اللي هاعمله فيكي أو في اللي هاتتجوزيه.

على نقيض ما توقع، اقتربت منه، وضعت كفيها على صدره، أخذت تنثر قبلاتها الحارة على عنقه وهمست بنبرة متقطعة بين الرغبة والخضوع: 
–حقك عليا، أنا كمان مقدرش أتخيل نفسي مع راجل تاني غيرك، بس قولي أنت أعمل إيه، بقالنا سنة علي نفس الوضع، و للأسف مفيش غير الحل ده عشان نرجع لبعض.

ارتفعت بشفتيها نحو شفتيه، لكنه قبض على خصلاتها خلف رأسها وأبعدها عنه، يرمقها بحدة وازدراء: 
–وأنا قولت لاء يعني لاء، اللي إحنا فيه نتيجة أفعالك اللي هاتتحمليها لوحدك.

ارتدت كلماته كسياط على كرامتها، فرفعت رأسها بكبرياء، وأزاحت قبضته عن شعرها وصاحت ثائرة: 
–ولما أنت مش طايقني ولا عايزنا نرجع لبعض تاني، ليه مش عايزني أتجوز؟، ليه معلقني قدامك طول الوقت بعد ما حكمت عليا أفضل عايشة هنا قصاد عينيك في فيلا العيلة؟، وكأنك بتستمتع كل ما تشوفني قدامك لا طايلة سما ولا أرض، ليه؟

صرخت بأخر كلمة فبادلها الصياح بحسم وحدة: 
– ليه!، لإن مزاجي كده، أنتي اللي اختارتي من سنين بإرادتك تكوني مرات صفوان الشاذلي، وأي حاجة ملكي حتى لو اتخليت عنها ما ينفعش حد بعدي ياخدها أو يلمسها، فهمتي ولا أعيد تاني؟!

–فهمت، بس دي اسمها أنانية وحب إمتلاك.

ارتسم طيف ابتسامة ساخرة على محياه: –سميها زي ما تسميها.

اقتربت منه مرة أخرى، وقالت بتحد وعزم يشبه طباعه: 
–موافقة ومستعدة أستحمل العمر كله الوضع اللي مفيش حد يقدر يستحمله، بس على شرط، زي ما حكمت عليا مكنش لغيرك، أنت كمان مش هاتكون لأي واحدة غيري، ولو حصل…

قاطعها بتهكم: 
–ولو حصل هاتعملي إيه؟

أجابته بغموض يحمل تهديداً صريح: 
–وقتها هاتعرف بنفسك يا ابن عمي. 

جذبها من عضدها، حدق في عينيها الرماديتين: 
–ما تخلقش لسه اللي يهددني، وبلاش أنا يا دارين، أنا لحد دلوقتي مش عايز أوريكي وشي التاني، مش حباً فيكي، أنا عامل خاطر بس لصلة الدم اللي ما بينا ووصية عمي الله يرحمه.

على غير عادتها، لم تشتعل نيران غضبها، بل فعلت النقيض؛ أحاطت وجهه بكفيها، تخللت أناملها شعيرات لحيته وهمست: 
–وأنا مش بهددك، بس زي ما قولتلك، مش هكون لغيرك، أنت مش هاتكون لغيري، وهافضل جنبك حتى لو من غير محلل أو جواز، هاكون عشيقتك، أنا ملكك وأنت ملكي.

ابتلعت ريقها في خوف مكتوم بعد أن انتهت من كلماتها، وأظهرت نقيض الوجل في عينيها، ظل كليهما يتبادلا النظرات في صمت قاتل. 
 اقتربت من شفتيه، وقبل أن تقبله أدارها ليصبح ظهرها إليه، ظنت أنه وقع تحت تأثيرها، أغمضت عينيها وهي تستشعر أنفاسه الدافئة على عنقها. 
 مهما تظاهرت بالقوة أمامه، كانت تقع في النهاية تحت سطو حضوره؛ هو إدمانها الذي لا تريد أن تتعافى منه، هوسها الذي تحرق من أجله الأخضر واليابس.

وفي غمرة وهمها، جاء صوته بجانب أذنها كرصاص قاتل: 
–هاعمل نفسي ما سمعتش حاجة، لأن الكلام اللي إنتي لسه قايلاه دلوقتي ما يطلعش غير من واحدة لا مؤاخذة قادرة وفاجرة، فياريت تاخدي بعضك وتتفضلي من غير مطرود قبل ما حد يشوفك عندي.

استدارت ترمقه بنظرات مشتعلة بالنار التي أضرمها فيها للتو، ومن شدة الصدمة لم تجد رد واكتفت بالتحديق إليه، هيهات وقد غادرت في صمت، تاركة إياه يرمق إثرها بابتسامة انتصار وتشفي.

                       ❈-❈-❈

في وسط ضجيج وزحام شوارع حي الشرابية، وصوت قاطع الحديد الذي يزمجر بحدة صادرًا من ورشة حدادة قريبة من ذاك المبني القديم، حيث تقبع داخله شقة قديمة الأثاث في الطابق الثاني، جدرانها ذات دهان عتيق بالي يشهد على مرور السنين. 
وهناك، في المطبخ الضيق تفوح رائحة البطاطس المقلية ذهبية اللون، تعدها هذه التي تتحدث في الهاتف وتجلي الصحون في الحوض بيد ماهرة في آن واحد: 
–ما أنا هعدي عليكي عشان ألحق اشتريه قبل ما حد غيري ياخدوا، بقولك اتفقت مع البنت تخفضلي في سعره بالعافية.

ردت الأخرى عليها:
–بس الدريس يا نور أكمامه شفافه و من الصدر فوق و لحد نص الضهر، تفتكري مؤمن و لا أخواتك هايسمحولك تلبسي حاجة زي كده؟!

انتهت من غسل آخر صحن وألقته في مصفاة الأطباق، ثم تابعت:
–مؤمن عمره ما علق لي علي لبس، بس فعلاً عندك حق، رضا وسيد اللي هايطلعوا عيني، بصي أنا هلبس تحته بيزك زي البطانة.
صدح صوت رجولي مزعج من الخارج:
–كل ده بتقلي البطاطس، ما تخلصي يا بت وبطلي رغي في التليفون.

زفرت الأخرى بضيق وقالت لصديقتها:
–هاقفل معاكي دلوقتي، هاروح احطلهم البطاطس بدل ما يقوموا ياكلوني، ربع ساعة وهعدي عليكي، باي.
أنهت المكالمة وقامت بإطفاء الموقد، انتشلت أصابع البطاطا المقلية بالمصفاة ووضعتها في الصحن، ثم خرجت تحملها فوضعتها على المنضدة قائلة:
–نفسي مرة تصبر و تبطل تحرجني مع صاحبتي، و لا لما كل ما تعرف إنها نجلاء تحب تستعرض حنجرتك وتعرفها إنك موجود! 
ورمقته بنظرة ذات مغزى، فصاح بغضب:
–اتلمي يا نور أحسنلك.

نهرهما والدهما:
–و بعدين أنت و هي، ما تخلونا نطفح اللقمة من غير خناق علي الصبح.

–يعني عاجبك يابا ردود بنتك عليا؟!، و لا لازم أهزقها لك و أعلمها لك الادب؟!

ضرب والده قبضته على المنضدة فاهتزت الصحون، ورمقه بحذر:
–رضا، خليك في حالك، أختك كلها أيام وهاتروح بيت جوزها، عقبالك لما ربنا يهديك و ترد البت سامية الغلبانة اللي مشحططها في المحكمة عشان تاخد منك نفقتها ونفقة ابنك و متبهدلين عند اهلها.

بينما نور تتابع الحوار وتعدُّ لها شطيرة من الجبن وصوابع البطاطس، فأجاب شقيقها على والده:
–يعني عايزني ابعتلها نفقة منين؟!، و أنا مش معايا حق علبة السجاير حتي، محدش ضربها علي ايدها و قالها تخلف و أنا كنت متفق معاها من أيام الخطوبة، مش عايز عيال ووافقت واتفقنا علي كده.

هنا عقبت علي حديثه شقيقته لتفتح جراح الماضي:
–اشترطت عليها كده لأن جوازك منها عشان تنتقم من نجلاء لما رفضتك بعد ما كشفت كذبك وربنا فضحك قدامها و قدام أهلها، وأول ما خرجت من السجن، روحت إتجوزت واحدة مالهاش ذنب في حواراتك لا هي و لا ابنك اللي ربنا هيحاسبك عليه.
كانت كلماتها كالجمر المشتعل يهبط على شقيقها الذي هب واقفًا وكاد ينقض عليها بزئير كالوحش:
–و أنتي مالك يا بنت الـ....
قبض والده على ذراعه وأرغمه يجلس في مقعده، بالتزامن مع ابتعاد شقيقته في مرمى آمن عنه حتى لا يصيبها بأذى.

صاح والده بغضب ثائر: 
–ايدك لو اترفعت عليها تاني، أنا اللي همد إيدي عليك و إقل منك، أنا كنت بعديلك قبل كده وبقول أخوها الكبير و بيربيها، لكن اللي بتعمله اسمه استهبال.

زفر الأخر بنفاذ صبر وبغضب:
–يعني أنت مش سامع يا حاج اللي بتقوله؟!، هي مالها بتتدخل في اللي مالهاش فيه ليه؟، اتجوز، اطلق، هي مالهاش دعوة.

رمقته الأخرى بازدراء وتركته ودلفت داخل غرفتها حتي لا يتفاقم بينهما الأمر، فهي اعتادت علي حديته وقسوته التي لا تنتهي. 
                         ❈-❈-❈

وقفت أمام مرآتها الدائرية المعلقة على الحائط، تحدث نفسها بهمس يشوبه الأمل والضجر معًا:
–هانت يا نور، كلها 12 يوم وتسيبي البيت والقرف ده كله و يبقي ليكي بيتك و حياتك.

عدلت من مظهر ثيابها بيد حازمة، لملمت خصلات شعرها على هيئة ذيل حصان أنيق، ألتقطت حقيبة يدها، ثم ألقت هاتفها داخلها وانتبهت فجأة إلى محفظة نقودها الخاصة. 
انقبض قلبها بشدة، و دعت الله في نفسها أن يخطئ حدسها ويكون ما تراه مجرد وهم عابر، أخرجت المحفظة بأصابع مرتجفة، فتحتها فوجدتها شاغرة تمامًا.
 لطمت بكفها على صدرها في حركةٍ عفوية تعبر عن الصدمة والغضب.
–الله يخربيتك، الله يخربيتك يا سيد. 

أمسكت بهاتفها في الحال وقامت بالاتصال بشقيقها الآخر، وكما توقعت كان الهاتف مغلق عن عمدٍ منه، فبدأت بتسجيل رسالة صوتية، وبغضب بلغ الحلقوم أخبرته:
–أنت مش هاتبطل الداء القذر اللي في دمك ده يا أخي؟!، للمرة المليون بتمد إيدك علي فلوسي و بتسرقها عشان تروح تتسرمح مع أصحابك و تشرب بيها، منك لله يا سيد، اللهي ما ترتاح لا دنيا و لا آخره.

انتهت من التسجيل وضغطت على زر الإرسال، جزت على أسنانها وهي تكافح دموعها بشدة. 
 ألقت الهاتف داخل الحقيبة، وبالرغم عنها انسدلت الدموع على خديها، ألقت نظرة أخيرة في المرآة وهي تجفف عبراتها بظاهر يدها، ورددت بصوت منكسر لكنه حازم:
–هانت يا نور، هانت.

                      ❈-❈-❈

وفي أحد أحياء مدينتي الهادئة، حيث الشوارع الواسعة التي تظللها الأشجار، والهدوء الذي يلف المكان، يغمرها ضوء الشمس الدافئة. 
فهنا لا يُسمع سوى هدير السيارات المتباعدة أو حفيف الهواء بين الحدائق المرتبة بعناية.
و داخل قصر عصري يعكس أبهة الثراء والنفوذ، تتجمع أفراد عائلة الشاذلي حول مائدة واسعة مليئة بأصناف طعام الفطور الفاخرة، أطباق من البيض المسلوق، وجبن بجميع أنواعه، خبز طازج يفوح منه رائحة الفرن، وفواكه مقطعة بأناقة، وأوان فضية تلمع تحت ضوء الشمس الآتي من النوافذ والأبواب الزجاجية المطلة علي الحديقة. 
يترأس المائدة صفوان حسن الشاذلي، رجل الأعمال ونائب البرلمان الشهير، البالغ من العمر أربعة وأربعين عامًا. 
يجلس بهيبته وسطوته وحضوره الطاغي الذي يملأ المكان، كأنه يترأس اجتماع هام وليس أكثر من أنه يتناول فطور عائلي. على يمينه يجلس شقيقه هشام، الذي يصغره بست سنوات، ومتزوج من أسما رأفت الشاذلي ابنة عمه، ولديهما ابنة  ذات السبع سنوات.
وفي الجهة المقابلة تجلس السيدة ناهد الشرقاوي، ذات المظهر الأرستقراطي الراقي، تتظاهر دائمًا بالحكمة والهدوء الذي يخفي تحت سطحه عواصف من التوتر والسيطرة.
وبالرغم من انشغاله في تناول الطعام بانتباهٍ ظاهر، انتبه صفوان إلى عدم وجود باقي أفراد العائلة، فسأل زوجة عمه بصوته الجهوري:
–أومال فين فايا؟

اجابت أسما بهدوء بدلاً من والدتها: 
–بتجهز نفسها عشان عندها محاضرة و زمانها نازلة.
وهنا لم تلبث والدتها السيدة ناهد أن أخبرته بالذي لم يسأل عنه ولا يهتم من أجله:
–و دارين تعبانة شوية مش هاتقدر تنزل تفطر.

ما لبثت نهاية حديثها سوى لحظات قصيرة، حتى وصل إلى مسامعهم قرع كعب حذاء أنيق يهبط الدرج بخطى واثقة، فمن سواها دارين الشاذلي بكامل أناقتها وأنوثتها الطاغية، رائحة عطرها الفواح تسبقها، وصلت إليهم وألقت التحية بابتسامةٍ باردة:
–Good morning. 

رد جميعهم التحية بلباقة، ما عدا صفوان الذي ظل صامت، ووالدتها التي رمقتها بنظرة نارية حادة، بعد أن تأكدت ألا يلاحظها أحد، قابلتها ابنتها بنظرة تحدي صريح وتهكم خفي، وذلك لما حدث منذ قليل...

حدث سابقًا.... 
تتقلب وتتململ في فراشها الناعم الوثير في محاولة نوم بائسة يائسة، وذلك بعد سهرة طويلة امتدت حتى الصباح، خاصة بعد أن خرجت من جناح ابن عمها، لنقل بالأحرى طليقها!
اقتحمت والدتها الغرفة فجأة وتفاجأت بهذا المنظر المؤلم، محتويات الغرفة مقلوبة رأسًا على عقب، وزجاج مرآة الزينة محطم للمرة المائة، وهناك زجاجتان من الخمر فارغتان تمامًا، وكأس شاغر ملقى جوارهما، ومطفأة لفائف التبغ مليئة بالأعقاب، ورائحة الغرفة تكفي للاختناق، مزيج خانق من الخمر والدخان. 

خطت ناهد مسرعة نحو الستائر الثقيلة، فتحتها على مصراعيها ثم فتحت زجاج الشرفة، فاخترقت أشعة الشمس المكان بقوة، واستقرت على الفراش وعلى تلك النائمة على بطنها، وقميصها الأسود الحريري منحسر عن ساقيها حتى منتصف فخذيها، يكشف عن بشرة شاحبة متعبة.
زفرت والدتها بتأفف شديد وهزت رأسها بسأم عميق، وقفت جوار رأس ابنتها، لكزتها بعنف قائلة:
–اصحي يا هانم.

تململت الأخرى في الفراش دون أن ترفع وجهها، قائلة بنبرة يسيطر عليها النوم الثقيل:
–عايزة مني إيه؟، سبيني أنام.

–هاتفضلي لأمتي في الوضع الزفت اللي أنتي عايشالي فيه ده؟!، مش أنا حذرتك أخر مرة إياكي تتحايلي عليه أو تدخلي له جناحه تاني؟

زفرت ابنتها بتأفف وضجر، فأجابت بانكار واضح:
–أنا مش فاهمه حاجة وهاموت وأنام، امشي اطلعي بره سبيني أكمل نوم.

قبضت الأخرى على ذراعها بقوة وأجبرتها على أن تنهض بجذعها، هزتها بعنف وتخبرها بغضب من بين أسنانها: 
–إنتي فاكراني معرفش اللي حصل امبارح؟!، ده أنا دبة النملة هنا و بره القصر بعرفها، و واضح جدًا من القرف اللي أنا شايفاه في أوضتك من غير ما أعرف إيه اللي دار بينك و بينه، طبعاً دخلتي له بأسلوبك الرخيص عشان يوافق إنك تتجوزي محلل عشان تعرفي ترجعيله، وهو كالعادة رفض بعد ما هانك وبعتر بكرامتك الأرض.

نفخت ابنتها بضجر وثمالة واضحة وأخبرتها:
–أيوه روحت له، و اتحايلت عليه، و عارفه كمان قولتله إيه؟
نهضت بثقل ومبتسمة بتهكم من حالتها المزرية:
–قولتله مستعدة أكون عشيقتك من غير جواز بس تكون ليا أنا وبس زي ما هاكون ليك.

ساد سكون تام، واندلعت نار من الجحيم في عيني والدتها التي تجهمت ملامحها فور سماعها ما ألقته ابنتها، فما كان منها سوى أنها انهالت على وجهها بصفعة قوية جعلت وزنها يختل، فوقعت على الفراش. ولم تكتفِ بصفعها، بل قبضت على خصلاتها الشقراء، ومن بين أسنانها هدرت بها:
–أنا لولا الفضايح كنت قطعت شعرك ده في إيديا، عايزه تكوني عشيقته؟!، نفسي أعرف أنتي طالعة بالقذارة دي لمين؟

رمقتها الأخرى بعدائية واضحة قائلة:
–طالعة لك يا ناهد هانم، و لا سيادتك بتنسي؟

جزت والدتها على أسنانها، ولو كانت نظراتها رصاص لأردت ابنتها قتيلة في التو واللحظة، لكنها دفعتها بعنف تاركة خصلاتها، ثم رفعت سبابتها في وجهها بتهديد لا مزاح فيه:
–اسمعي يا بنت رأفت الشاذلي، لو اللي عملتيه اتكرر تاني و خليتي منظرك و منظرنا زبالة قدام ابن عمك و أخوه، لصدقيني أنا بنفسي هدور له علي عروسة، و أظن أنتي عارفة ناهد الشرقاوي، لما بتحط حاجة في دماغها بتعملها، فبلاش تتحديني أنا أحسن لك.

تراجعت خطوة وألقت نظرة أخرى على الغرفة بازدراء شديد، ثم أمرتها:
–قومي نضفي القرف اللي أنتي عملتيه بنفسك، و لو كنتي فاكرة إن الويسكي والسجاير هيخلوكي تنسي اللي حصلك تبقي غبية، أنتي اللي خسرتيه بسبب عمايلك بالرغم من نصايحي و تعليماتي ليكي، بس نقول إيه، ما أنتي للأسف الوحيدة في أخواتك ورثتي الغباء من باباكي الله يجحمه.

تنهدت بعد انتهائها من حديثها الذي أرهقها وكادت تغادر الغرفة، فألقت نظرة أخيرة على ابنتها التي تكتم عبراتها حتى احتقن أنفها وأوشكت على الانفجار، فأردفت:
–ياريت بعد ما تخلصي تنضيف تفضلي مرزوعة في أوضتك لحد ما يمشي علي الشركة، و خلي عندك شوية كرامة اللي أنتي ماتعرفيش عنها حاجة. 

                        ❈-❈-❈

عودة إلى الوقت الحالي...
جذبت دارين الكرسي بهدوء مصطنع وجلست عليه وكأن لم يحدث شيء منذ قليل، بل وترتسم على شفتيها ابتسامة باردة ماكرة جعلت والدتها تقبض على السكين بحنق وغضب حاولت إخفاءه ببراعة زائفة. 
بينما صفوان قد انتهى من تناول فطوره سريعًا، فمسح شفتيه بالمحرمة وقال بصوته الأجش:
–الحمد لله.
نظر في ساعة يده الفاخرة، ثم أخبر شقيقه:
—هشام، كمل فطارك وابقي حصلني.

أومأ له شقيقه قائلاً:
–أنا فطرت الحمد لله.
هبت الصغيرة واقفة فجأة، وقالت بحماس طفولي:
–و أنا كمان هاجي معاكم يا بابي.

ربتت أسما على رأس صغيرتها بلطف وأخبرتها:
–و بالنسبة لباص المدرسة اللي شوية وهايجي يا سيليا؟

أبعدت سيليا كرسيها بسرعة وذهبت إلى عمها، فأمسكت يده:
–أونكل صفوان قالي هياخدني معاه الشركة و هايعلمني الشغل.
ونظرت إليه من قامتها القصيرة بعينين بريئتين مليئتين بالأمل، فابتسم لها عمها ابتسامة دافئة:
–و أنا عند وعدي ليكي، بس بعد الإمتحانات.
هللت الصغيرة بسعادة غامرة، فانحنى لها عمها وعانقها بحنان، فبادلته العناق بقوة  وقبلت وجنته بحرارة.
سألتها جدتها وهي تفتح لها ذراعيها بحنان:
–ومفيش حضن وبوسة لنناه؟

–حبيبتي يا نناه.
وعانقت جدتها بحرارة، بينما صفوان همَّ بالذهاب، فتلاقت عيناه بعيني دارين التي رمقته بعداء صريح حاد، وكأن نظرات عينيها تخبره، لا تلوم سوى نفسك علي ما سأفعله يا ابن عمي، فأنا حرة نفسي ولم أدعك تفرض قيودك عليَّ بعد ذلك.
بادلها التحديق بنظرة باردة ثاقبة أجفلتها وجعلتها تتهرب فورًا من التواصل البصري معه، أصابها سعال مفاجئ عنيف، فأمسكت بكوب الماء بسرعة وارتشفت منه القليل حتى هدأت. 

                        ❈-❈-❈

وفي الخارج، ينتظره حارسه الشخصي وسائقه الخاص أمام السيارة الفارهة، فتح حارسه الشخصي و ذراعه الأيمن الذي لا يفارقه الباب الخلفي له باحترام، ثم أومأ له بتحية مهذبة قائلاً:
–صباح الخير يا صفوان بيه.

ابتسم له الأخر وقبل أن يدخل سيارته قال:
–صباح النور يا جسار.
دخل السيارة، فلاحظ وجود سائقه عمرو، فسأله بتعجب:
–عمرو؟!، مش المفروض فرحك بكرة، وأنا قايلك خد أجازة، إيه اللي جابك؟

أجاب الأخير بابتسامة خجولة:
–حضرتك عندك تصوير برنامج النهاردة، فمش معقول أسيبك يا باشا، و جيت عشان أقول لحضرتك هايشرفني و يسعدني تحضر فرحي وجسار كمان.

تفوه جسار بقليل من الحدة:
–الباشا مش فاضي وجو الحارة عندكم مش مناسب ليه؟
ابتلع الأخر ريقه بحرج، فحدق صفوان حارسه بنظرة عتاب ثم نظر إلى سائقه عبر المرآة الأمامية وأخبره:
–إن شاء الله هاجي، أنا و جسار.
ثم ربت على كتفه بلطف وأردف بتهنئة صادقة:
–ألف مبروك، و ربنا يتمملك على خير.

انفرج ثغر عمرو بسعادة غير مصدق: 
–الله يبارك فيك يا باشا، هاتبقي الفرحة فرحتين، فرحة مجية حضرتك و فرحي.

رمقه صفوان بابتسامة، ثم حدق حارسه مرة أخرى وأشار له بحركة من عينه أن يفعل أمر ما، فقام الأخير بإخراج ظرف أبيض من جيب سترته الداخلي، ومد يده به إلى عمرو، فقال الأول:
–اتفضل نقطتك يا عريس.

كاد عمرو ينطلق بالسيارة لكنه توقف فجأة وقال بامتنان عميق:
–تسلم يا باشا، والله خيرك سابق، و كتر خير حضرتك مساعدني في كل حاجة.

–و ده مالهوش علاقة بنقطتك، و لا أنت ناوي تكسفني؟!

ابتسم الأخر بحرج شديد، فأخذ الظرف من يد جسار الجالس جواره وقال:
–ربنا يبارك لحضرتك و يزيدك يا رب.

                         ❈-❈-❈

–اهدي يا نور، مش كل حاجة تاخديها على أعصابك، أخوكي وأنتي عارفاه، ربنا يهديه.
قالتها صديقتها مواسية إياها، فردت الأخرى بحنق واضح:
–قولي ربنا يهده ولا يتقبض عليه وأرتاح من خلقته الحرامي، أنا يا نجلاء محذراه آخر مرة وقايلة له ماتمدش إيدك على شنطتي أو فلوسي، ولو عايز حاجة قولي وأنا مش هعز عليك حاجة، بس هو داء فيه وعمره ما هيبطله، ده أنا بحمد ربنا إنها كلها أيام وأتجوز، كان زمان فرحي مع عمرو وريم بكرة، بس مؤمن التاني مارضاش، قال إيه أنا عايز ليلة فرحنا تكون خاصة بينا إحنا وبس.

قامت بتقيلد حركاته ونبرة صوته فجعلت صديقتها تضحك حتي هدأت: 
–ده أنتي مشكلة، وعلى فكرة مؤمن عنده حق، مفيش أحسن من إن الفرح يكون خاص بيكم أنتم الأتنين، وكلها أيام قليلة ولا أنتي الحب مولع في الدرة ومش قادرة تبعدي أكتر من كده عن حبيب القلب؟! 
وغمزت لها بمكر، فأدركت نور ما ترمي إليه صديقتها، فلكزتها بلطف بمزاح:
–حتى أنتي كمان، ألاقيها منك ولا منه، ده كل ما نقعد مع بعض أو يكلمني، خصوصًا الأيام دي، يقعد يلمح لي وأنا أعمل نفسي هبلة ومش فاهمة حاجة.

غرت الأخرى فاها بدهشة وسألتها:
–يعني بقالكم سبع سنين مكتوب كتابكم ومقربش منك ببوسة ولا بحضن حتى؟

شهقت وأجابت بإنكار زائف، فهي بالطبع لن تخبرها عن ما يحدث بينهما في أضيق الحدود حيث تكن مرغمة علي ذلك. 

—لاء طبعًا!، آخره يمسك إيدي وإحنا بنتمشى أو بنعدي طريق، غير كده مفيش، مؤمن لو سمحتله بخطوة هيطلب اللي بعدها لحد ما يوصل للنهاية، ويلا عشان نلحق المحل قبل ما أروح الشغل، الحمد لله إني كنت سايبة فلوس على محفظة الخط، كان قلبي حاسس إني هاتقلب.

توقفت صديقتها فجأة ورفعت يدها بحقيبة كبيرة من الورق المقوى، أخرجت منها حقيبة أخرى مثلها، وأخبرتها بابتسامة مليئة بحب ونقاء الصداقة:
– مفيش داعي نروح المحل، أنا جيبتلك الدريس والبطانة منه، فيه كمان.

فتحت الأخرى الحقيبة بلهفة شديدة، فصاحت بسعادة غامرة، وعانقت صديقتها بحرارة شكر وامتنان:
—حبيبتي يا نوجا، إيه ده؟، ده أول دريس كان نفسي فيه، بس ده كان غالي أوي.

ابتسمت لها الأخرى:
–مفيش حاجة تغلي عليكي يا نور، أنتي أختي يا بت.

عانقتها نور مرة أخرى وقالت بصوت مفعم بالعاطفة:
–ربنا يخليكي ليا، وعقبال لما أفرح بيكي يارب مع ابن الحلال اللي يعشقك ويموت فيكي.

تبدلت ملامح صديقتها من السعادة الغامرة إلى الحزن الشديد، وإذا بقلبها يخفق بخفقان عنيف مفاجئ مليء بالفزع عندما سمعت صوته الذي جاء للتو يفزعهما فجأة:
–مش قولتي رايحة تجيبي الفستان، إيه اللي موقفك في الشارع؟

التفتت نور ورمقت شقيقها الأكبر بنظرة حادة أدرك مغزاها تمامًا، وقالت بصوت حازم:
–أنا واقفة مع صاحبتي، وواقفين باحترامنا، أنت بقي عايز مننا إيه؟

لم يسمع سؤالها بقدر ما انشغلت نظرات عينيه اللتين لا تحيدان عن نجلاء، التي تعمدت تجاهله تمامًا، فقالت وهي تهم بالذهاب:
–طب أنا ماشية يا نور ونتقابل بالليل في الحنة.

أوقفها ممسكًا برسغها غير مبالي بأنهما في الحارة التي يقطن بها أهلها أيضًا:
–استني يا نوجا، عايز أتكلم معاكي.

ورمق شقيقته بنظرة آمرة بأن عليها الابتعاد أو الذهاب، ولأنها تعلم جيدًا ما ستفعله صديقتها، أذعنت له وتركتهما.
بينما نجلاء رمقته شزرًا، وجذبت رسغها من يده بعنف، قائلة بحدة:
–أنت اتجننت يا رضا؟!، أول وآخر مرة تمسك إيدي.

حمحم بحرج واضح:
–حقك عليا، مكنتش أقصد، بس عايزك في كلمتين، تعالي نقعد في أي مكان بعيد عن الحارة.

حدقته بسخرية مرة وأخبرته:
–هاجي وأقعد معاك بإمارة إيه؟

أخفض صوته وكأنه يذكرها باستحياء:
–بأمارة اللي ما بينا زمان، ولا أنتي فاكراني نسيت؟!

رفعت جانب شفتيها بتهكم واضح وعقبت على حديثه:
–ده كان زمان وخلص يا رضا، ولا أقولك يا أبو زياد؟!، نصيحة مني روح صالح أم ابنك، هي أولى بأي كلمة ناوي تقولهالي، وياريت ياريت تشيلني من دماغك لأني نسيت أي مشاعر كانت ما بينا زي ما أنا نسيتك.

ألقت عليه كلماتها كالسهام الحادة واتجهت نحو نور، فأوقفها بجملة جعلتها تتسمر في مكانها:
–ولما أنتي نستيني من وقتها، ليه بترفضي أي عريس بيتقدملك لحد دلوقتي؟!

حاولت بعناء ألا تتأثر بحديثه، وواصلت الاقتراب من صديقتها التي حدقت في شقيقها بنظرة عتاب وتوبيخ. 

–عن إذنك يا نور، أنا طالعة بيتنا، وهابقي أكلمك عشان نشوف هانعمل إيه.
قالتها فربتت الأخرى على يدها بمواساة فهي الشاهد الوحيد على قصة حب صديقتها وشقيقها منذ سنوات، بينما الأولي منعت دموعها أن تهبط، فأسرعت بخطواتها نحو المبنى الذي تقطن به، وصعدت الدرج بصعوبة بالغة، تكافح نوبة البكاء بشدة. 
فكيف لا تبكي وهي تتذكر تلك اللحظة المريرة عندما اكتشفت أكاذيبه!
  قد أوهمها منذ سنوات أنه يعمل ويكافح من أجل أن يستعد لطلب يدها للزواج، وأوهم الجميع بذلك أيضًا، حتى حدد مع والدها ميعادًا لمقابلته وطلبها للزواج، فكان ذلك من أسعد أيام حياتها، ولم تصدق نفسها آنذاك وهي تسمع موافقة والدها، وبدأوا بتلاوة سورة الفاتحة، حتى باغتهم طرق قوي عنيف على باب الشقة، ذهب والدها ليفتح الباب، فوجد رجال الشرطة.
  سأله قائدهم عن وجود رضا عيسى المنياوي لديهم، حيث علموا من الجيران، فاستقبلهم والدها بصدمة بالغة، وتم القبض علي رضا في الحال.
 علموا بعد ذلك أنه متهم في قضايا نصب واحتيال، وأن هذا كان عمله الذي أوهمهم به! 

                         ❈-❈-❈

تقف هذه الأربعينية ذات الجسد البض الممتلئ في الحمام الضيق، تمسك باختبار الحمل بيدها المرتجفة، وعلى ملامحها تجهم شديد يخالطه القلق والخوف، أغمضت عينيها لحظات طويلة وهي تتذكر كلام الطبيب عند آخر عملية إجهاض لها، حيث أخبرها بصوت جاد وحازم أنها المرة الأخيرة، وإذا حملت مرة أخرى فلن تجهض، لأن ذلك يشكل خطر جسيم على رحمها، فربما تفقد الجنين وتفقد معه آخر أمل لها في أن تصبح أُم يومًا ما.
خرجت من الحمام بخطى ثقيلة مترددة، متجهة نحو ذلك الجالس على الأريكة العتيقة، يشاهد مباراة كرة قدم على شاشة التلفاز المعلقة على الجدار بتركيز شديد، وهو يصيح بسباب حاد وتشجيع صاخب يملأ المكان.
صدح صوت رنين هاتف فجأة، مما أزعجه عن متابعة المباراة، فصاح بانزعاج واضح:
–ما تقفلي تليفونك ولا اعمليه صامت، مش عارف اتفرج علي أم الماتش.

ألقت نظرة سريعة على شاشة الهاتف الموضوع على المنضدة جوارها، ثم أخبرته:
—مش تليفوني، تليفونك أنت، نور بتتصل عليك. 

لوح لها بيده بلا مبالاة:
–سيبك منها، وروحي جهزيلنا لقمة حلوة من إيديكي، أنا واقع من الجوع.

اقتربت منه حتى وقفت أمامه مباشرة، حائلة بينه وبين التلفاز، مما أثار غضبه الشديد:
–و هو إيه ده بقي اللي بتعمليه؟!، أوعي من وشي خليني أتفرج علي الماتش اللي ضاع عليا بسببك إمبارح.
ثم أردف بصوت خافت: 
–هديتي حيلي الله يهدك. 

ألتقطت مسامعها ما تمتم به، فرفعت حاجبها بتحدٍ، و إذا بها تمسك بجهاز التحكم وأغلقت الشاشة فجأة، فأطلق الآخر سبة بذيئة ونهض ليهجم عليها، أوقفته في الحال برفع اختبار الحمل أمام عينيه مباشرة، وهي تخبره بصوت هادئ لكنه حازم:
–أنا حامل يا مؤمن. 

تعليقات