رواية خلف الظلام الفصل العاشر 10 بقلم عادل عبد الله


 رواية خلف الظلام الفصل العاشر 

في المستشفي
يقف طارق مع بعض الجيران أمام الغرفة المغلقة حتي يخرج منها أحد الأطباء ، فيهرلون إليه فيقول لهم : أطمنوا يا جماعة هي فاقت وشوية هتبقي كويسة وتمشي معاكو .
طارق : هي مالها يا دكتور ؟
الطبيب : المدام أتعرضت لإجهاد واضح أثر عليها خصوصاً إنها في أول شهور الحمل .
طارق : حامل ؟!
الطبيب : أيوه ، هي كمان أتفاجئت زيك كده بالظبط .
دقت الكلمة في رأسه كأجراس صاخبة ، تجمدت ملامحه ، وشعر بد,مائه تتوقف في عروقه ، وكأن قلبه توقف عن الخفقان للحظات ، لم يعد يسمع ما يقوله الطبيب ، ولا ما يردده الجيران من حوله ، كل ما يسمعه صوت واحد يتردد في أعماق ذاكرته ، صوت الطبيبة القديمة ... 
فلاش باك 
" منذ عدة أعوام "
طارق و رضوي عند الطبيبة أثناء أجراء فحوصات طبية ، يسألها طارق : خير يا دكتورة ، طمنينا .
الطبيبة : مخبيش عليكم ، عدد الحيوانات المنوية عندك قليل جداً يا أستاذ طارق ، ومحتاج فترة علاج طويلة علشان يحصل حمل .
طارق : لكن أنا كويس جداً حتي أسأليها .
الطبيبة : الموضوع ملوش علاقة بالقدرة يا استاذ طارق ،ممكن تكون قدرتك ممتازة وتكون عندك مشكلة زي دي في نفس الوقت .
طارق " بأسي " : يعني أنا مستحيل أخلف ؟
الطبيبة : مش مستحيل ، لكن زي ما قولت صعب ومحتاج فترة علاج طويلة .
تلك الكلمات التي دفنها في أعماق قلبه منذ زمن ، وحاول أن ينساها طويلاً ، عادت الآن لتنهض من قبرها وتسدده إلي شر,فه ورجولته طعنه قوية .
باااك 
أصوات تهنئة الجيران بالحمل بعد سنوات من الانتظار كان يراها بأذنه سهام تحمل إتهام قذر مصوبة تجاه شرفه .
تظاهر بالسعادة أمامهم ، ثم طلب الدخول لغرفة زوجته ، فقادوه إليها ، وبمجرد دخوله قالت : ألف مليون مبروك يا حبيبي ، أخيراً ربنا أستجاب دعائنا و هتبقي أب .
تأمل صوتها ، دفء كلماتها ، شعر بالرغبة في الصراخ ، في وجهها ، أراد سؤالها : هل حقاً أنا الأب الحقيقي لهذا الجنين ؟ أم أنك تمثلين علي دور الزوجة المحبة المخلصة بكل براعة ! لكنه كتم الكلمات في حلقه ، وبلعها وتحمل مرارتها التي لا تحتمل . 
ثم قال لها بصوت مكسور يريد أن يبدو طبيعياً : الله يبارك فيكي يا حبيبتي ، أزاي تخبي عني خبر حلو زي ده ؟
رضوي : أنا لسه عارفة حالاً ومكنتش مصدقة نفسي ، تعالي أقرصني أنا خايفة أكون بحلم .
طارق : لأ متخافيش ، أكيد مش حلم ، دي حقيقة .
رضوي : دي أجمل حقيقة يا حبيبي .
أحد الجيران الواقفين : ألف مبروك يا جماعة ، طيب نسيبكم تفرحوا براحتكم ونستأذن أحنا بقي .
طارق : متشكر أوي يا جماعة علي وقفتكم معانا .
أحد الجيران : ألف مبروك يا استاذ طارق ، يتربي في عزك إن شاء الله .
طارق : عقبال عندكم جميعاً .
ينصرف الجيران بينما يبقي طارق ساكتاً ، لا يسمع إلا تكرار صوت عماد حين قال له ""
 : بأختصار كده ، مراتك بتخو,نك ! "" "" مراتك بتخو,نك "" 
ظلت الكلمة تتردد حتي قطعتها رضوي بسؤالها  : مالك يا طارق ، أنت مش فرحان ولا ايه ؟
أنتبه طارق لها قائلاً : فرحان طبعاً ، بس لسه مش مستوعب المفاجأة .
رضوي : تصدق يا طارق ،  أنا كنت خلاص يئست و شيلت فكرة الحمل والأمومة من دماغي .
طارق : اللي أنا مستغربه إني بتعالج من سنين و بدون نتيجة ، أزاي فجأة كده يحصل الحمل ؟
رضوي " بدهشة " : قصدك ايه ؟
طارق : قصدي إن المفاجأة مكنتش متوقعة أبداً .
رضوي : فعلاً يا طارق ، أكيد ربنا كان له حكمة في تأخير الحمل الوقت ده كله .
طارق : ونعم بالله .
رضوي : مش عايزين نقول لحد بقي ، خصوصاً عماد أخوك ومراته .
طارق : مفيش حاجة زي دي بتستخبي ، أنتي ناسية الجيران اللي كانوا هنا من شوية .
رضوي : خلاص اللي عرف عرف خلاص ، أنا قصدي مش لازم نقول لأي حد تاني خصوصاً أخوك ومراته .
طارق : ليه ؟
رضوي : علشان عيون الناس والحسد يا طارق ، علشان ربنا يكمل الحمل علي خير .
طارق : متخافيش ، أنا مش بقابل عماد أو غيره ، لو خايفة علي الحمل فعلاً يبقي لازم ترتاحي ، ومتنزليش المحل خالص .
رضوي : أزاي يا طارق ؟ يعني بعد المصاريف دي كلها نقفل المحل ؟!
طارق : مين الأهم عندك ، المحل ولا الحمل ؟
رضوي : الحمل طبعاً .
طارق : يبقي مفيش حل تاني .
رضوي : طيب سيب الموضوع ده عليا وأنا هتصرف .

عاد طارق ورضوي ومعهم فرحة صغيرة وشك كبير !
طارق لا يجرؤ علي أن يعيش فرحته الكبري ، فربما كانت تلك الفرحة ذاتها هي خنجر الخيانة الذي طعن ظهره في غفلة منه يخاف أن تطول .
وفي ذات الوقت يخاف أن تضيع فرحته الكبري بسبب شكوك لا أساس لها أو لكلمات قالها إنسان ربما يحمل في قلبه من الشر أكثر مما يحمل من مشاعر الأخوة .

في المساء
تجلس رضوي بجانبه وتمرر يدها بين خصلات شعره قائلة : أنا مش مصدقة يا حبيبي إني أخيراً هبقي أم .
طارق : وأنا كمان .
رضوي : لأ يا حبيبي ، صدق وأفرح هتبقي أب بعد ٩ شهور .
طارق : إن شاء الله .
رضوي : مالك يا طارق ؟ حاساك مش فرحان !
طارق : فرحان أكيد ، بس حاسس إني متلخبط ، المهم تخلي بالك علي نفسك كويس ولازم ترتاحي .
رضوي : صحيح ، بالنسبة للمحل أنا هكلم أي واحدة من صحباتي تشوف جوزها أو أخوها يشتغل في المحل .
طارق : أهم حاجة يكون حد أمين ، علشان الأيام دي مفيش حد له أمان .

في المساء
يجلس طارق بجوار النافذة يستمع للراديو ، فتلاحظ رضوي شروده .
رضوي " تخاطب نفسها بصوت داخلي " : بقيت غامض أوي يا طارق ! نفسي أعرف علطول مشغول وسرحان في ايه ! " 
ثم تقطع شروده بسؤالها : سرحان في ايه يا طارق ؟
طارق : ولا حاجة يا رضوي ، كنت بفكر في أحساس الأبوه اللي أتحرمت منه سنين وكنت فاكر إنه مستحيل .
رضوي : الحمد لله إن ربنا أراد بعد الصبر ده كله .
طارق : الحمد لله .
رضوي : قولي يا طارق ، أنت ليه بقيت تحب الراديو عن التليفزيون ؟ أنت ممكن تسمع في التليفزيون أي حاجة أحسن من الراديو ده .
يبتسم طارق : فيه فرق كبير .
رضوي : التليفزيون احسن أكيد .
طارق : بالنسبالي أنا الراديو أحسن ، لأنه بيقدم محتوي مسموع بس وبيهتم بتوصيل الصورة عن طريق الوصف ، إنما التليفزيون معتمد علي الرؤية بشكل أكبر .
رضوي " بحرج " : أنا أسفة .
طارق : لأ ، انا عارف أنك متقصديش .
رضوي : أنا داخلة أنام يا طارق ، تصبح علي خير .
طارق : وأنتي من أهله .
ينتظر حتي يسكن المنزل تماماً ويتأكد أنها نامت ، فيمسك بهاتفهه ويتصل بصديقه ...
يوسف : أزيك يا طروق ، عامل ايه دلوقتي ؟
طارق : مش كويس .
يوسف : مالك يا طارق ؟
طارق : أنا فيه حاجة جوايا هتموتني ولازم أكلمك فيها .
يوسف : خير يا طارق ، اتكلم .
طارق : أنت كنت بتتكلم مع رضوي في ايه ؟
يوسف " بدهشة " : أنت بتشك فيا أنا كمان يا طارق ؟
طارق : لأ مش شك ، لكن حاسس أنك مخبي عني حاجة و الأحساس ده  تعبني أوي .
يوسف : مفيش حاجة تستاهل ده كله ، اللي حصل يا طارق ، إني لما جيت أمشي كلمت مدام رضوي وطلبت منها أنها تصمم تنزلك كل يوم ، علشان حاسس إن حالتك النفسية مش عجباني خصوصاً بعد كلامك الأخير معايا .
طارق : بس كده ؟
يوسف : أيوه يا طارق ، أنت بجد ممكن تشك فيا ؟
طارق : لأ يا صحبي بس كنت هتجنن لما حسيت أنك مخبي عني حاجة .
يوسف : لأ يا صديقي ، مفيش حاجة ممكن أخبيها عليك يا طارق ، ده أنت أخويا .

تنتهي المكالمة ، ينهض طارق من مكانه ويتحسس الطريق لغرفة النوم ، لكنه حين يقترب منها يسمع صوت ضعيف ، همهمات غير مفهومة ، فيفتح الباب بسرعة لتفاجئ به رضوي يقف أمامها ! فترتبك بخوف : طارق ؟ أنت لسه صاحي ؟
طارق : بتكلمي مين ؟
رضوي : دي واحدة صاحبتي .
طارق : وبتتكلموا في ايه في وقت زي ده ؟


تعليقات