رواية دكتورة في ورطة الفصل الحادي عشر بقلم منه مصطفى
خلف زجاج الشرفة، وقف سيف كتمثالٍ من غضبٍ متبلور؛ كان يضغط على أزرار هاتفه بعنفٍ يكاد يحطمه، ويزفر أنفاساً حارقة مع كل مرة يستمع فيها لتلك العبارة الآلية المستفزة:
"الهاتف الذي طلبته مغلق أو خارج نطاق الخدمة".
تمتم بسخطٍ مكتوم ونبرة تشبه فحيح الأفاعي:
«ماشي يا حور.. قفلتي التليفون؟ وأنت يا زفت يا ياسين مش بترد؟ والله لأسود ليلتكم النهاردة».
فجأة، انقطع حبل أفكاره بصوت دوران المفتاح في قفل الباب. انتفض الجميع في أماكنهم، ليدخل ياسين وبصحبته ليان، التي كانت تبدو كعصفورٍ مبللٍ بماء المطر؛ ملامحها مرتعشة وعيناها تفرّان من مواجهة الجميع.
اندفع سيف نحو الباب بخطواتٍ واسعة تكاد تلتهم الأرض، كان على وشك الفتك بتلابيب ياسين، لكنه تسمّر مكانه حين رأى شقيقته معه. رمقهما بنظرة استنكارٍ طويلة، وساد صمتٌ غريب لثوانٍ قبل أن تهرع الأمهات نحو ليان بلهفة:
«ليان يا حبيبتي إيه اللي جابك مع ياسين؟ أنتي كويسة؟»
توترت ليان بشدة، وتلعثمت الكلمات على شفتيها:
«أصل.. أنا.. أصل ياسين..»
قاطعها ياسين بنبرةٍ واثقة تماماً، وهو يدس يده في جيبه ببرودٍ أراد به بث الطمأنينة:
«يا جماعة مفيش حاجة، كنت في مشوار شغل قريب من كليتها، وبالصدفة شوفتها وهي خارجة، قولت بدل ما تتبهدل في المواصلات أجيبها في طريقي.. وهي طبعاً نشفت دماغها وفضلت ترفض بس أنا غصبت عليها».
تنفست الصدور الصعداء، وعلقت نادية بامتنان:
«والله كتر خيرك يا ياسين يا ابني، أصيل طول عمرك».
سحبت الفتيات ليان نحو الداخل، وقبل أن تغادر، التقت نظراتها بنظرات ياسين في لغةٍ سرية؛ لمح شكرٍ ممزوجة بالخوف قابلتها منه نظرةٌ حانية تقول بوضوح: «اطمني.. أنا جنبك».
كل ذلك وسيف يراقب المشهد بسخريةٍ لا تخفى، وعيناه تلمعان بذكاءٍ يدرك أن ما وراء هذا الهدوء عاصفةٌ توشك على الانفجار. اقترب من ياسين، ووضع يده على كتفه ضاغطاً بقوةٍ تقطر وعيداً:
«نورت يا حبيبي.. ده أنت ليك معايا كلام كتير أوي.. تعالالي بقى البلكونة».
بمجرد أن أُغلق باب الشرفة، انفجر سيف كالبركان:
«أنت يا متخلف عمال أرن عليك من الصبح مش بترد ليه؟»
أجابه ياسين ببرودٍ مصطنع:
«مكنتش سامع الموبايل يا سيف، فيه إيه لكل ده؟»
هدر سيف بغضبٍ مكتوم:
«والله مش سامع؟ أنا مش منبه عليك الصبح إن حور متهوبش ناحية المستشفى اليومين دول؟ أنت مابتفهمش؟ أنا حكيتلك كل حاجة وفهمتك إن نزولها خطر عليها وعلينا، وأنت ذي البغل رحت وديتها بنفسك»
رد ياسين بحدةٍ موازية:
«يا سيف افهم حور مش عيلة صغيرة، لو كنت أصريت عليها كانت هتشك إن فيه حاجة كبيرة بنخبيها، وأنت عارف فضول حور كويس.. لو شكت هتدور ورانا وتعرف الحقيقة، ووقتها الخطر هيكون الضعف »
لوح سيف بهاتفه في الهواء صائحاً:
«أهي قفلت تليفونها ومش عارف أوصل لها تقدر تقولى استفدت إيه بقى يا فالح؟»
ساد الصمتُ لبرهة، ثم اقترب سيف بملامحٍ ضاقت بمكرٍ حاد وهو يهمس:
«سيبك من حور دلوقتي.. قولي بقى، إيه اللي وصلك لليان؟»
حاول ياسين التملص:
«ما أنا قولتلك قدامهم، كنت قريب و..»
قاطعه سيف بضحكةٍ ساخرة تقطر مرارة:
«الكلمتين دول تضحك عليهم هما.. إنما أنا انسى يا حبيبي.. أنا حافظك وعارفك ابعد عن ليان يا ياسين، قولتلك ميت مرة ابعد عنها».
هنا، قرر ياسين خلع قناعه الأخير، ونظر في عيني سيف بجرأةٍ وتحدٍّ غير مسبوق، وقال بصوتٍ رخيمٍ وقاطع:
«من غير لف ودوران يا سيف.. أنا عايز أتجوز أختك».
سكنت الأرض تحت أقدام سيف، وكأن الصدمة شلّت حواسه، قبل أن تخرج كلماته ممزوجةً بالذهول والسخرية القاتلة:
«عايز إيه؟ وحياة أمك؟!»
سكن ياسين في مكانه يراقب ذهول سيف، لكن فجأة، التمعت عيناه بشيءٍ ما رصده في الشارع أسفل الشرفة. تجمدت ملامحه تماماً، وهتف بصوتٍ خفيض:
«الله أكبر.. ده هي باين عليها هتبقى ليلة عنب يا سيف.. بص كدة تحت».
قطب سيف حاجبيه بنظرة شك، والتفت حيث يشير ياسين. وفي تلك اللحظة، شعر وكأن جمرة نارٍ أُلقيت في صدره؛ رأى سيارة يامن تقف أمام مدخل البناية، وحور تترجل منها وهي تودعه بملامح مرتبكة، بينما كان يامن يبتسم لها ببرودٍ استفزه حتى النخاع.
هدر سيف بصوتٍ زلزل أركان الشرفة:
«لا وحياتك.. دي هتبقى سودة، سودة على دماغك أنت وهي.. والبهوات اللي مش عارفين يلموا نفسهم»
اندفع سيف نحو الخارج كالإعصار، فحاول ياسين الإمساك بذراعه محذراً:
«اهدى يا سيف.. سيف متتهورش بلاش تفضح الدنيا وبعدين أنت عارف إن يامن..»
نفض سيف يده بعنفٍ أطاح بـ ياسين جانباً، وصرخ فيه وهو يفتح باب الشقة باندفاعٍ جنوني:
«ابعد عني يا ياسين.. ملمحش وشك قدامي دلوقتي»
في الأسفل، كانت حور تغلق باب السيارة وهي تهمس لـ يامن بلهفةٍ وقلق:
«بقولك امشي حالاً.. كتر خيرك لحد كدة وشكراً على التوصيلة».
نظر لها يامن ببرودٍ وهو يرفع حاجبه بسخرية:
«في إيه يا دكتورة أنتي خايفة كدة ليه؟ هو أنا خاطفك؟»
لم تكد حور تفتح فمها، حتى رأت طيف سيف يندفع من باب البناية كالثور الهائج، وعيناه تطلقان شرراً يكفي لحرق الحيّ بأكمله. شهقت بمرارة ووضعت يدها على صدرها وهي تهمس برعب:
«أشهد أن لا إله إلا الله.. جالك الموت يا تارك الصلاة البس بقى يا يامن.. البس يا حبيبي ده إحنا هنتنفخ»
وصل سيف إليهم في ثوانٍ، وقف كالجدار العازل بينهما، وصدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ مسموعة من فرط الغيظ. نظر لـ حور بعتابٍ قاسي جعل ركبتيها ترتجفان، ثم التفت لـ يامن بفحيحٍ مرعب:
«أنت إيه اللي جابك هنا؟ وبأي حق بتوصلها لحد البيت؟»
ترجل يامن من السيارة ببرودٍ مستفز، ودسّ يده في جيبه قائلاً:
«اهدى يا سيف.. دكتورة حور تليفونها فصل، والمستشفى كانت زحمة، وبصفتي المدير الجديد كان لازم أطمن إنها وصلت بسلام، خصوصاً وهي لسه راجعة من حادثة صعبة».
جزّ سيف على أسنانه وهو يوجه نظراته كالنصال نحو حور:
«تليفونك فصل؟ والمواصلات خلصت في البلد كلها يا دكتورة؟ فـ قررتي تركبي مع الشخص ده بالذات»
ابتلعت حور ريقها بصعوبة وقالت بصوتٍ مهتز:
«والله يا سيف الموبايل فصل شحن فجأة، وملحقتش أطلب أوبر والدنيا كانت واقفة خالص.. ودكتور يامن عرض يوصلني والبيت في طريقه، فـ قولت مفيش داعي للتعب.. والله ما حصل حاجة غير كدة، هو بس كان بيعمل واجب».
اقترب منها سيف خطوة، وهمس بكلماتٍ تقطر غضباً:
«اطلعي فوق يا حور.. اطلعي دلوقتي حسابي معاكي لسه مجاش، وقسماً بالله لو شوفتك راكبة معاه أو مع غيره تاني، ليكون ليا تصرف مش هيعجبك.. اطلعي»
ولت حور مدبرة نحو المدخل وهي تبرطم بخوف:
«طالعة.. طالعة أهو ده يوم مش فايت يا ربي.. جيت تكحلها يا يامن عميتها»
بقي القطبين وجهاً لوجه. غرس سيف سبابته في صدر يامن محذراً بنبرةٍ مكتومة:
«يامن.. ابعد عن حور. أنا عارف أنت بتفكر في إيه، وعارف الحركات دي غرضها إيه.. بلاش تدخلها في الحسابات اللي بينا، حور خط أحمر.. فاهم؟»
ابتسم يامن بنظرةٍ غامضة:
«خوفك عليها بزيادة هو اللي بيكشف نقط ضعفك يا سيف.. وأنا بحب ألعب مع الأقوياء اللي زيك.. سلام يا صديقي».
التفت سيف نحو المدخل وهو يغلي، لكنه وجد حور تتسمر عند أول درجات السلم. كانت تفرك يديها بتوتر، وعيناها تلمعان ببريقٍ جعل غضبه يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الوجع المزمن الذي يسكن قلبه كلما رآها.
توقف أمامها صامتاً، في نظرةٍ مزجت بين العتاب، الخوف، والحب الذى لا يجرؤ على البوح به قطعت هي الصمت فهمست:
«سيف.. كنت.. كنت عايزة أقولك حاجة».
زفر تنهيدةً مثقلة بالتعب، ومسح وجهه بيده قائلاً بصوتٍ منخفض:
«اتفضلي يا حور.. عايزة إيه؟»
اقتربت منه خطوة، وقالت بنبرةٍ رقيقة لم يعهدها وسط مشاحناتهما:
«أنا أسفة.. أسفة بجد يا سيف على كل حاجة. أسفة إني عليت صوتي عليك في المستشفى، خالد كان يستاهل أكتر من كدة فعلاً وأنا غلطت لما لمتك.. وبجد شكراً، شكراً على كل اللي عملته عشاني، وأسفة على كل التعب والمشاكل اللي سببتها لك».
تسمر سيف مكانه؛ لم يكن يتوقع هذا الاعتراف. في أعماقه، كان يود أن يخبرها بأنه مستعد أن يحترق هو، مقابل أن تظل هي بخير. لو كانت تعلم فقط كم ليلة قضاها في مراقبة بيتها من بعيد، وكم صلاة تضرع فيها لله ليحميها، كل تعب الدنيا يزول بمجرد أن يرى طيفها أمامه، لكنه كان يعلم أن الوقت لم يحن بعد للكشف عن كل تلك الأوراق المبعثرة في قلبه.
ابتسم سيف ابتسامة دافئة، نبعت من أعماق روحه، وقال بنبرة تفيض بالصدق:
«أنا معملتش أي حاجة يا حور.. أنتي لو تطلبي عيني، مش هتردد لحظة إني أديهالك».
اتسعت عيناها، واجتاحت الحرارة وجنتيها خجلاً. وساد بينهما صمتٌ رومانسي، تتحدث فيه العيون لغة حب الطفولة الذي كبر في العتمة. وفجأة، وبحركةٍ طفولية عفوية، أخرجت من حقيبتها علبة عصير موز باللبن، ومدتها نحوه بابتسامةٍ خجولة:
«اتفضل.. دي عشانك».
تلقاها بذهول: «إيه ده؟ وأنتي عرفتي منين إني بحب العصير ده »
ضحكت بخفة وهي ترفع حاجبها بمرح:
«دكتورة بقى.. وبفهم في احتياجات المرضى بتوعي، والظاهر إن حالتك محتاجة موز بلبن عشان تهدى شوية».
ابتسم سيف، وأخرج من جيبه الواسع عصير فراولة باللبن وقدمه لها:
«اتفضلي..».
شهقت بفرحة وهي تخطفها: «مش ممكن ده النوع اللي بحبه.. وأنت بقى عرفت منين يا سيادة الظابط؟»
غمز لها بمكرٍ محبب وهو يهمس:
«ظابط بقى وكده..»
انفجرت حور بالضحك، وفي تلك اللحظة، تبددت سحب الغضب، وبقيت فقط رائحة الحب والذكريات التي تأبى أن تموت.
وفجأة، انقطع ذلك الصمت الدافئ على صوتٍ ساخر جاء من الخلف:
«أجيبلكوا شجرة واتنين ليمون بالمرة ولا إيه؟»
انتفضت حور بفزع، بينما أغمض سيف عينيه للحظة وهو يستغفر ربّه في سرّه، ثم همس بين أسنانه بغيظ قاتل:
«أبو شكلك.. عيل فصلان.»
كان ياسين يقف واضعًا يديه في جيبي بنطاله، ينظر إليهما بابتسامة واسعة ونظرات مليئة بالتريقة، وكأنه أمسكهما متلبسين.
أما حور، فقد اشتعل وجهها بحمرةٍ محرجة، وشدت علبة العصير إلى صدرها بسرعة وهي تتمتم بتوتر:
«أنا.. أنا طالعة فوق.»
ثم اندفعت نحو الداخل كالهاربة من ساحة معركة، بينما ظل ياسين يتابعها بعينيه للحظات قبل أن يلتفت ببطء نحو سيف.
اقترب منه بخطوات هادئة، ثم وقف أمامه مباشرة مكتفًا ذراعيه وهو يحدق فيه بتمعنٍ مستفز.
رفع سيف حاجبه بضيق وقال ببرود:
«خير؟ خدتلي كام صورة لحد دلوقتي؟»
ابتسم ياسين بخبث وقال:
«شكلك عجبني موت والله يا فنان.»
زفر سيف بضيق وهو يمرر يده على وجهه:
«يا نعم عايز إيه يا ياسين؟»
أشار ياسين لنفسه باستنكار مصطنع:
«أنا برضه اللي عايز ده أنت اللي واقع من الدور العشرين يا قلبى»
ثم اقترب أكثر وقال فجأة بمنتهى الجدية:
«بص يا صاحبي عشان نبقى على وضوح... تجوزني أختك، أجوزك أختي.»
نظر له سيف ببطء شديد وكأنه يحاول استيعاب كمية العبث التي سمعها للتو، ثم قال بجمود:
«ومين قالك إني عايز أتجوز أختك أصلًا؟»
تجمد ياسين لثانية، ثم حكّ شعره بإحراج وهو يضحك بخفة:
«خلاص يا عم... جوزني أختك أنا وخلاص، متدققش على التفاصيل الصغيرة دى.»
هزّ سيف رأسه بيأس، ثم استدار متجهًا نحو المدخل وكأنه قرر الانسحاب حفاظًا على ما تبقى من عقله، لكن ياسين لحقه فورًا وهو يهتف:
«يا عمنا استنى طيب قولت إيه؟»
رد سيف دون أن يلتفت إليه:
«أختي مين؟ أنا معنديش أخوات أصلًا.»
شهق ياسين بصدمة تمثيلية ووضع يده على صدره:
«يا الله يا ولى الصابرين بقى بتتبرى من أختك .... خلاص طب تمام... اتبرى براحتك، بس بعد ما تجوزهالي.»
توقف سيف فجأة، ثم التفت إليه ببطء ونظراته مليئة بالتهديد:
«مفيش الكلام ده يا ياسين، وريح نفسك بدل ما أديك بضهر إيدي على وشك عشان أنت خنقتني.»
ثم أكمل وهو يشير نحوه بعصبية:
«مش عارف أنا الاقيها من زنك ولا من مصايب أختك إيه العيلة دي يا ربّي!»
انفجر ياسين ضاحكًا وهو يسير خلفه غير عابئ بتهديداته:
«يعني أفهم من كدة إنك موافق صح قول قول متتكسفش ده انا ذى جوز اختك يعنى.»
التفت له سيف ببطء، ثم ابتسم ابتسامة مرعبة لا تبشر بالخير إطلاقًا:
«قسماً بالله يا ياسين لو ما سكت، هوديك حالة حرجة عند أختك في المستشفى.»
ضحك ياسين بصوتٍ عالٍ غير عابئ بشئ، بينما أكمل سيف طريقه وهو يتمتم بيأس:
«يارب صبرني على العيلة دي قبل ما أرتكب جناية.»
طلع سيف إلى الداخل وهو لا يزال يرمق ياسين بنظراتٍ قاتلة، بينما الأخير يسير خلفه مبتسمًا باستفزاز.
وما إن دخلا الصالة، حتى توقّفا تلقائيًا أمام المشهد الدافئ الذي استقبلهما.
كانت السفرة تتوسط المكان، تمتلئ بأصناف الطعام المختلفة، بينما تنشغل نادية وسمر في ترتيب الأطباق وسط وصلةٍ مستمرة من الجدال الكوميدي المعتاد.
هتفت سمر وهي تضع طبق المحشي على الطاولة:
«يا نادية بالله عليكي ابعدي الصينية دي شوية بدل ما تقع.»
ردت نادية وهي تضرب يدها بخفة:
«وأنا مالي ياختي ما تعدليها انتى انا ايدى مش فاضية»
ضحكت سارة وهي تساعدهما:
«بس بس انا عدلت الصينية .»
في تلك اللحظة، خرجت حور من المطبخ وهي تحمل أكواب العصير، لكن ما إن وقعت عيناها على سيف حتى ارتبكت للحظة، قبل أن تدّعي الانشغال سريعًا وهي تضع الأكواب على السفرة.
أما سيف... فكان يراقبها بصمتٍ غريب، بنظراتٍ أهدأ كثيرًا من عاصفته السابقة، حتى أن ياسين الذي لمح الأمر رفع حاجبه بخبث وهمس بجانبه:
«الله الله... ده احنا داخلين على فيلم هندي باين.»
داس سيف على قدمه فورًا دون أن ينظر له:
«اخرس بدل ما أكسرها.»
شهق ياسين بصدمة تمثيلية:
«اهو شوفتوا بيفترى عليا قدامكم ازاى.»
ضحكت ليان بخفة لأول مرة منذ ساعات، فاختلس ياسين النظر إليها للحظة، وارتخت ملامحه تلقائيًا بطريقة لم تفُت سيف أبدًا.
اقتربت نادية وهي تشير للجميع:
«يلا يا جماعة اقعدوا قبل الأكل ما يبرد.»
جلسوا جميعًا حول السفرة في جوٍ عائلي دافئ، تختلط فيه الضحكات بأصوات الملاعق ورائحة الطعام المنزلي التي منحت المكان طمأنينة نادرة.
جلس سيف في الجهة المقابلة لـ حور، ورغم محاولته التظاهر بالانشغال في الطعام، إلا أن عينيه كانتا تهربان إليها كل دقيقة، بينما كانت هي كلما رفعت رأسها ووجدته ينظر لها، تهرب بعينيها سريعًا وهي تكتم ابتسامة صغيرة.
كل ذلك تحت مراقبة سارة الجالسة بجوار حور، والتي كانت تتابع نظراتهما بصمتٍ ممتع، قبل أن تبتسم بخفوت وهي شاردة الذهن.
للحظة... عاد تفكيرها إلى آدم.
إلى طريقته الهادئة، ونظرته التي كانت تربكها دون سبب واضح.
تنهدت بخفة وهي تعبث بالشوكة بين يديها، لكن صوت ياسين قطع شرودها فجأة:
«سارة... أنتي سرحانة في إيه؟»
رفعت رأسها بسرعة:
«ها؟ ولا حاجة.»
ضيق عينيه بمكر:
«آه طبعًا... شكلنا داخلين على حالة حب جماعي في البيت ده.»
اختنقت حور بعصيرها من الضحك، بينما ضربه سيف في كتفه:
«يا ابني بطل رغي وكل.»
قال ياسين وهو يشير للجميع بالمعلقة:
«لا والله أنا شايف الوضع خطر... ده احنا ناقص نجيب مأذون يقعد معانا على السفرة وخلاص.»
ضحكت سمر بقوة:
«ده أنت مستعجل أوي يا دنجوان عصرك .»
اعتدل فورًا في جلسته وهو يقول بثقة:
«طبعًا، العمر بيجري يا ماما عايزين نتجوز.»
رمقه سيف ببرود:
«ياكش نجري بيك على مستشفى العظام بعد شوية.»
انفجرت السفرة كلها بالضحك، حتى ليان التي حاولت كتم ضحكتها ففشلت
وبعد وصلة الضحك الطويلة، بدأت الأطباق تُرفع تدريجيًا من فوق السفرة، وتحولت الصالة إلى حالةٍ من الحركة والفوضى اللطيفة.
نهضت حور وهي تجمع الأطباق بهدوء، لكن قبل أن تحمل الصينية الثقيلة، امتدت يد سيف فجأة وأخذها منها دون كلمة.
رفعت حاجبها بدهشة:
«إيه ده؟»
قال وهو يتحرك ناحية المطبخ ببرود:
«إيه يعني؟ هسيبك تشيليها وتقعي بيها مثلًا؟»
ابتسمت رغماً عنها وهي تهمس بخفوت:
«شكراً.»
رمقها بطرف عينه وقال بمكر:
«العفو يا جميل.»
ضحكت بخفة وهي تكمل جمع الأطباق.
على الناحية الأخرى، اقترب ياسين من ليان التي كانت تحمل مجموعة أكواب، وقال وهو يفرد ذراعيه باستعراض:
«هاتى يا آنسة، سيبي الحاجات دي وأنا أساعدك.»
نظرت له ليان ببرودٍ مصطنع وقالت فورًا:
«روح ساعد نفسك يا حضرة الظابط.»
ثم التفت نحو سارة التي مدت له صينية كبيرة وهي تقول بغيظ:
«طب تعالى ساعدني أنا يا بن خالتي.»
نظر ياسين للصينية... ثم أخرج هاتفه فجأة بسرعة تمثيلية مبالغ فيها:
«إيه ده؟! ده جالي اتصال مهم جدًا.»
ثم وضع الهاتف على أذنه فورًا:
«أيوة يا لطيف معقول؟! طب ثانية واحدة داخل البلكونة.»
وانسحب بسرعة البرق تاركًا سارة تحدق فيه بذهول، قبل أن تنفجر ليان بالضحك.
أما سارة، فضيقت عينيها وهي تشير نحوه:
«والله ده نصاب.»
غمزت لها ليان بخفة:
«بس دمه خفيف شوية.»
ضحكتا معًا بينما كان صوت ياسين يأتي من الشرفة:
«أيوة يا فندم... لا طبعًا القضية خطيرة جدًا.»
هتف سيف من المطبخ:
«اقفل يا أهبل محدش بيتصل بيك أصلًا.»
بعد فترة، انتهى الجميع من ترتيب السفرة، وعادت الصالة هادئة ودافئة من جديد.
جلسوا متجمعين على الكنبة والسجاد حول الطاولة الصغيرة، بينما أحضرت سمر طبقًا ضخمًا من اللب السوداني ووضعته أمامهم.
وبينما كانت الضحكات لا تزال تملأ المكان، اعتدلت حور فجأة في جلستها وكأن فكرة عبقرية ضربتها، ثم صفقت بحماس وهي تقول:
«جماعة تعالوا نلعب لعبة الامبوستر »
رفعت نادية حاجبيها باستغراب:
«الامبوستر؟»
أما سمر فحدقت فيها بريبة وقالت:
«دي أكلة جديدة ولا إيه؟»
انفجرت سارة ضاحكة حتى كادت تقع من مكانها:
«أكلة جديدة إيه يا خالتو بس؟ بتقولكم نلعب دي لعبة.»
هزت نادية رأسها وهي تتمتم:
«والله انتو عليكم اسماء غريبة يا بتوع الجيل الجديد انتم.»
اقتربت حور أكثر بحماس طفولي واضح:
«بصوا بقى... اللعبة إن بيكون فيه شخص وسطنا هو الامبوستر، والباقي كلهم يعرفوا كلمة معينة وهو لأ، ويقعد يمثل إنه فاهم ويحاول يكتشف الكلمة من كلامنا.»
لكن ليان رفعت يدها فجأة باعتراض:
«لا لا... لعبة الأرقام أحلى.»
التفت الجميع لها، فقالت بهدوء:
«كل واحد يفكر في رقم في دماغه والباقي يحاولوا يخمنوه من الأسئلة... بسيطة ولطيفة.»
قال ياسين فورًا:
«لا ياستي الامبوستر أحلى، دي فيها دراما وخيانة وكدب... جوي المفضل يعني.»
رمقته ليان بنظرة جانبية:
«واضح فعلًا.»
بدأت الآراء تنقسم فورًا.
حور وسارة وياسين مصرّين على الامبوستر.
أما ليان ونادية وسمر فكانوا يميلون أكثر للعبة الأرقام لأنها أهدى على حد تعبير نادية.
واستمر الجدال وسط الضحك لدقائق، حتى قالت سارة فجأة وهي تشير لسيف الجالس بصمت يقشر اللب:
«خلاص نخلي سيف يختار.»
التفتت إليه كل الرؤوس دفعة واحدة.
رفع عينيه ببطء وهو لا يزال غير مستوعب نصف ما يحدث حوله:
«أنا؟»
اقتربت منه حور قليلًا وهي تقول بحماس طفولي:
«آه يا سيف يلا... عايز نلعب إيه؟»
ظل ينظر لها ثانيتين كاملتين وكأنه يحاول فهم الكارثة التي وُضع فيها.
لكن قبل أن يتكلم، قال ياسين وهو يلوح بيده بملل:
«يا عم هي كيميا البنت بتقولك نلعب الامبوستر ولا الأرقام.»
زفر سيف ببطء، ثم التفت تلقائيًا نحو حور وسألها ببساطة:
«وأنتِ عايزة تلعبي إيه؟»
في اللحظة التالية، نظرت له حور بعينيها الواسعتين اللامعتين، ومالت نحوه قليلًا وهي تقول بصوتٍ ناعم يشبه الأطفال:
«الامبوستر...»
يا الله...
تلك النظرة وحدها كانت كفيلة بإسقاط آخر ذرة مقاومة داخله.
تنهد باستسلام وهو يهز رأسه قائلًا:
«يبقى هنلعب الامبوستر طبعًا.»
شهقت حور بفرحة وانتصار:
«يسسس »
أمسكت هاتفها بحماس وهي تفتح التطبيق الخاص باللعبة.
«خلاص بقى ركزوا... البرنامج هيختار الامبوستر لوحده.»
اقترب الجميع منها يراقبون الشاشة بفضول، بينما كانت سمر تنظر للهاتف وكأنه قنبلة موقوتة.
وبعد ثوانٍ، بدأت الجولة الأولى.
قالت حور بحماس:
«يلا يا جماعة... كل واحد يقول كلمة توصف الحاجة اللي معانا.»
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تقول سمر فجأة :
«أنا بره اللعبة.»
تجمد الجميع.
ثم اتسعت عينا حور بصدمة وهي تصرخ:
«يلهووووووى »
انفجرت سارة ضاحكة:
«خدت الصدمة بقى »
وضعت حور يدها على رأسها وهي تدور حول نفسها بانهيارٍ تمثيلي:
«هتشليني يا ماما والله هتشليني مين يقول أنا الامبوستر كدة مرة واحدة »
نظرت لها سمر باستغراب:
«طب ما هو انا فعلا برة اللعبة »
ارتمى ياسين على الكنبة من الضحك:
«دي أسرع خسارة في تاريخ الامبوستر والله.»
ضحكت ليان حتى دمعت عيناها، بينما اردفت سمر بحرج وهى تضحك:
«ياستي خلاص حقك عليا... مكنتش فاهمة نعيد تاني.»
وبالفعل، بدأت الجولة الثانية وسط تركيز أكبر.
هذه المرة كانت ليان هي الامبوستر.
وكان الجميع يقول كلماتٍ قريبة من بعضها، بينما تحاول هي مجاراتهم بهدوء شديد.
قال سيف:
«بارد.»
قالت حور:
«حلو.»
وقال ياسين وهو يضيق عينيه:
«بيوجع.»
تلعثمت ليان قليلًا ثم قالت بسرعة:
«أبيض.»
ساد الصمت لثانية.
ثم انفجر ياسين:
«هو ايه اللى ابيض لمؤاخدة»
حاولت التماسك وهي تقول بثقة مصطنعة:
«عادي يعني... ممكن يبقى أبيض.»
بدأت الشكوك تحوم حولها أكثر فأكثر، بينما كانت هي تحاول الدفاع عن نفسها بطريقة جعلتها تبدو أكثر توترًا.
وفي النهاية، أجمع الجميع عليها.
ابتسمت حور بانتصار وهي تشير نحوها:
«هييي قولتلكم أنها ليان»
ظهر اسم الامبوستر على شاشة الهاتف بالفعل.
تأففت ليان بضيق وهي تعقد ذراعيها:
«اللعبة دي مستفزة.»
ضحك سيف بخفة:
«واضح إنك مبتعرفيش تكدبى خالص .»
أما ياسين، فكان يراقبها بابتسامة صغيرة وهو يقول:
«لا والله كانت ماشية حلو لحد الأبيض دي.»
رمقته بغيظ:
«ملكش دعوة.»
استمرت الضحكات والجولات لفترة طويلة، حتى تنهدت نادية أخيرًا وهي تنظر للساعة:
«يا جماعة الوقت اتأخر أوي... إحنا لازم نمشي بقى.»
تأففت ليان فورًا:
«بس لسه بدري.»
قالت نادية وهي تنهض:
«بدري إيه ياختي ده احنا داخلين على الفجر.»
بدأ الجميع يتحركون وسط أجواءٍ مليئة بالدفء والضحكات، يتبادلون السلام والكلام الأخير قبل الرحيل.
وفي زاويةٍ بعيدة قليلًا عن الزحمة، اقترب ياسين من ليان بهدوء.
كانت تقف ترتدي معطفها استعدادًا للمغادرة، قبل أن يتوقف أمامها ويمد يده فجأة.
تجمدت للحظة وهي ترى ذلك البوكيه الصغير الذى كان معه
رفع حاجبه بخفة وقال:
«ايه بقى مش ناوية تاخديه؟»
نظرت له ليان بطرف عينها تحاول إخفاء ارتباكها، ثم أخذته أخيرًا وهي تقول بتماسكٍ مصطنع:
«هاخده... عشان عاجبني بس، مش أكتر.»
ثم أضافت بسرعة وهي تشيح بعينيها:
«مش علشان لون عيونك مثلا يعنى.»
توقف ياسين لثانيتين... ثم وضع يده على قلبه وكأنه تلقى رصاصة مباشرة، وقال بصوتٍ درامي:
«ياستي مش مشكلة... لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة والله.»
فشلت ليان في منع ضحكتها، بينما كان هو ينظر لها وكأنه فاز بالعالم كله لمجرد أنها أخذت البوكيه منه أخيرًا.
ارتدت نادية وسمر معاطفهما، بينما كانت سارة تساعدهما في جمع الحقائب وسط وصلة اعتراضات متكررة لأنها لا تريد أن ينتهي اليوم بهذه السرعة وقبل أن يبدأوا بتبادل السلام.
احتضنت نادية حور بحنان:
«خلي بالك من نفسك يا حبيبتي.»
ابتسمت حور وهي تهز رأسها:
«حاضر يا طنط.»
أما ليان، فكانت لا تزال تحمل البوكيه والشوكولاتة بصمت، تحاول التظاهر بأن الأمر عادي تمامًا... بينما ياسين يقف غير بعيد عنها مبتسمًا كالأبله دون أي محاولة لإخفاء ذلك.
وحين لمحته سارة، اقتربت منه هامسة:
«والله شكلك واقع جامد.»
رد بثقة وهو يعدل ياقة سترته:
«جامد دي كلمة قليلة.»
وبعد دقائق، أُغلق باب الشقة أخيرًا معلنًا نهاية السهرة ساد هدوء لطيف داخل البيت بعدما اختفت الأصوات والضحكات تدريجيًا.
تنهدت حور وهي تتمدد بتعب على الكنبة:
«اليوم كان طويل أوي.»
جلس ياسين على الطرف الآخر من الأريكة، يراقبها للحظات بصمتٍ هادئ، قبل أن يقول بخفوت:
«بس كان جميل اوى »
رفعت عينيها إليه بابتسامة صغيرة دافئة:
«أوي أوى.»
نهض بعدها ببطء وهو يتمطى:
«يلا يا فنانة... ادخلى يلا نامي بدل ما تصحي الصبح تشتكي ذى العيال الصغيرة.»
ضيقت عينيها وهي تنهض:
«حاضر يا سيادة الظابط.»
ابتسم بخفة، ثم اتجه كلٌ منهما إلى غرفته.
أُطفئت الأنوار تدريجيًا، وغرقت الشقة في سكون الليل الهادئ لكن رغم التعب، ورغم كل الفوضى التي ملأت يومهم ....كان هناك شعور خفي بالراحة يتسلل إلى قلوبهم جميعًا وكأن هذا البيت، وسط الضحكات والمشاحنات والقلق والحب... أصبح أخيرًا يشبه الوطن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباح يومٍ جديد، كانت المستشفى هادئة على غير عادتها، يملؤها ضوء الشمس الباهت.
جلس يحيى على أحد المقاعد أمام عيادة الطبيب النفسي، يضم يديه ببعضهما بتوترٍ واضح، بينما كانت مريم تجلس بجواره تراقبه بحنانٍ وقلق.
تنهدت بهدوء ثم قالت وهي تربت على يده:
«أنت عملت الصح يا يحيى... كفاية بقى تهرب من نفسك كل ده.»
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يهز قدمه بعصبية:
«مش عارف يا مريم... حاسس إني لو اتكلمت هنهار.»
ابتسمت له بحنان رغم الحزن المختبئ بعينيها:
«ولو انهرت أنا موجودة... والدكتور موجود. مش لازم تشيل كل ده لوحدك.»
رفع عينيه نحوها للحظة، ثم زفر ببطء كأنه يحاول إقناع نفسه قبل أن يومئ برأسه أخيرًا.
في تلك اللحظة، فتح باب العيادة وخرج الطبيب بابتسامة هادئة:
«اتفضلوا.»
دخل الاثنان إلى الداخل، وجلس يحيى على الشازلونج الجلدي بينما جلس الطبيب أمامه بهدوءٍ متزن.
قال الطبيب بنبرة مطمئنة:
«خد راحتك... اعتبرني مش موجود خالص عايزك تحكى عن كل اللى جواك وتعبك ومش لازم تضغط على نفسك.»
ظل يحيى صامتًا لثوانٍ طويلة، ثم مرر يده المرتجفة فوق وجهه وهمس:
«أنا... أنا من عشر سنين حبيت مريم.»
ابتسمت مريم بحزن وهي تنظر له بإطمنان، بينما أكمل هو بصوتٍ مثقل:
«كنت عايز أتجوزها... بس المشكلة إن مريم بنت الراجل اللي قتل جدي... أبو أبويا.»
ساد الصمت داخل الغرفة.
أطرق يحيى برأسه وهو يضحك بسخرية موجوعة:
«أهلي رفضوا تمامًا... كانوا شايفين إنها شبه أبوها، وإن الدم عمره ما يبقى ميّه... لكن انا كنت سائقها غير كده علشان هى بجد ملاك.»
أغمض عينيه للحظة قبل أن يكمل:
«فضلت متمسك بيها لحد ما هربنا واتجوزنا... ومن يومها أهلي اعتبروني ميت سافرت معاها أمريكا... وقطعت علاقتي بالكل.»
صمت قليلًا، ثم ارتجف صوته حين قال:
«ماعدا آدم... توأمي.»
ابتسم رغم ألمه:
«آدم كان الوحيد اللي عمره ما سابني... الوحيد اللي فضل في ضهري للنهاية.»
تبدلت ملامحه فجأة، وكأن ذكرى معينة سحبت الهواء من رئتيه.
قبض على طرف المقعد بقوة، وهمس بصوتٍ مبحوح:
«ومن سنتين... حصلت الحاجة اللي مستحيل أنساها طول عمري.»
فلاش باك...
كان يحيى يقف في المطار ممسكًا هاتفه بابتسامة واسعة:
«يعني إيه جيت بنفسك تستقبلني؟»
جاءه صوت آدم المليء بالحماس من الهاتف:
«يا عم وحشتني... بقالنا سنين متقابلناش»
ضحك يحيى وهو يسحب حقيبته:
«خلاص ياعم بقى انا بقيت مترجم مهم محدش هيعرف يكلمنى تانى .»
أردف الآخر بحب :
«تعالى بس أحضنك الأول.»
وبالفعل...
ما إن خرج يحيى من بوابة الوصول حتى لمح آدم يركض نحوه بابتسامته المعتادة.
فتح ذراعيه بسرعة وهو يهتف:
«آدم »
ركض الاثنان نحو بعضهما، لكن...
فجأة...
دوّى صوت طلقة اخترقت المكان.
اتسعت عينا يحيى بصدمة، قبل أن يشعر بجسد آدم يرتطم به بعنف.
ثم...سقط بين ذراعيه غارقًا بالدماء.
شهق يحيى برعب وهو يصرخ:
«آآآدم آدم فوق فوق يا آدم»
كانت يديه ترتجفان بعنف وهو يحاول إيقاف الدم النازف من صدر أخيه.
أما آدم...
فكان يبتسم ابتسامة باهتة رغم الألم.
همس بصعوبة:
«كويس... إنها مجتش فيك.»
انهار يحيى تمامًا وهو يصرخ بجنون:
«حد يلحقنااا دكتور أي حد»
لكن صورة الدم...
وصوت أنفاس أخيه الأخيرة...
ظلوا محفورين داخله للأبد.
عاد يحيى للحاضر وهو يلهث بعنف، ودموعه تنهمر بلا توقف.
ضم رأسه بين يديه وهو يتمتم بانهيار:
«كان بسببي... آدم مات بسببي... لو مكنتش رجعت مصر... لو مكنتش طلبت منه ييجي...»
أسرعت مريم نحوه تحتضنه بقوة وهي تبكي معه:
«لا يا يحيى... متقولش كدة بالله عليك.»
لكن فجأة...
تجمد جسده بالكامل.
تبدلت ملامحه تدريجيًا، واختفى ذلك الانهيار من عينيه ليحل محله جمودٌ قاسٍ.
ثم...
دفع مريم عنه بعنف حتى كادت تسقط أرضًا.
نظر لها بصرامة مخيفة وقال بحدة:
«أنا إيه اللي جابني هنا»
شهقت مريم بصدمة وهي تمسح دموعها:
«يحيى...»
قاطعها بعصبية شديدة:
«يحيي مين وزفت مين انا اسمى آدم وبعدين انامش قولتلك قبل كدة ألف مرة ملكيش دعوة بيا»
وقف بسرعة وهو يلتقط أنفاسه بعنف:
«أنا محبتش... ومش هحب في حياتي قد سارة.»
ارتجفت شفتا مريم وهي تحاول الاقتراب منه:
«اسمعني بس-»
لكنه لم يترك لها فرصة، بل اندفع خارج الغرفة بسرعة.
وفي الخارج...
اصطدم مباشرة بحور التي كانت تسير حاملة بعض الملفات.
شهقت بضيق:
«أوف مش تاخد بالك؟»
نظر لها بعصبية حادة وكأنها زادت اختناقه، ثم تجاوزها دون كلمة إضافية.
وقفت حور تنظر خلفه بصدمة وهي تتمتم بغيظ:
«إيه التخلف اللي على الصبح ده أنا كنت ناقصة»
ثم عقدت حاجبيها فجأة وهي تراقب ظهره المبتعد:
«بس... الوش ده مش غريب عليا.»
ضيقت عينيها أكثر وهي تحاول التذكر:
«أنا شوفته فين قبل كدة؟... يووه بقى يا حور مش فاكرة.»
هزت رأسها أخيرًا وهي تكمل طريقها، لكنها توقفت حين سمعت صوت الطبيب من داخل الغرفة، إذ كان الباب ما يزال مفتوحًا قليلًا.
قال الطبيب بنبرة تحمل جميع معانى الكره:
«برافو عليكي يا مريم... خليكي مستمرة على الحبوب اللي بتديهاله.»
ردت مريم سريعًا وعلى وجهها ابتسامة خبيثة:
«عيب عليك يا دكتور... أنا مش تلميذة عندك.»
ضحك الطبيب بخفة:
«قصدي إن حالته بدأت تستجيب وقريب اوى هنوصل للى احنا عايزينه.»
وقفت حور للحظة وهي تنظر نحو الباب بحيرة.
لم تفهم شيئًا مما سمعته، لكنها شعرت أن هناك شيئًا غريبًا في الأمر.
لكنها هزت كتفيها في النهاية واكملت طريقها
