رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثاني والعشرون
وقفت ليلى بقدمين متيبستين وهي في حالة من الذهول والصدمة عما تسمعه وتراه من ابنة عمها، التي ظهرت في دور الفتاة التي يسعى البعض لتشويه صورتها، وبالتأكيد تقصدها ضمن من تراهم يسعون نحو هذا.
ـ خالي كبر يا ماما وبدأ يخرف وينسى، وأنتِ عارفة كده كويس، ده أنا ليلة حفلة عيد الميلاد كلمته قلتله عربية لميس عطلت بينا في الطريق واحتمال أتأخر، ولما رجعت لقيته مستنيني هو وعم مسعد.
وقطعت شهد حديثها ثم زمت شفتيها ببؤس وحزن أجادتهما، واسترسلت في كذبها:
ـ عم مسعد يا ماما شاف بنت غيري وقال أنا شفت شهد مع زميلها في عربيته، أنا زعلانه أوي منه هو كمان على ظلمه ليا، وكان سبب في إن خالي يضربني ليلتها ويجي يقولك معرفتيش تربي بنتك يا عايدة.
اتجهت شهد بأنظارها نحو ليلى ثم أجهشت بالبكاء قائلة:
ـ فينك يا بابا سيبتني ليه لوحدي ومشيت؟ كنت خدتني معاك!
ارتجف قلب عايدة من قولها وصاحت عليها وهي تجتذبها لحضنها:
ـ حرام عليكي يا شهد، عايزة تموتيني بحسرتي من بعدك؟ مش كفاية هو راح وسابني!
وأردفت عايدة بنبرة صوت مختنقة:
ـ آه يا قلبي الموجوع على فراقك يا عزيز، سيبتني من غير وداع.
ابتلعت ليلى لعابها بعد أن شعرت بجفاف حلقها، ونظرت إليهن وفي قلبها غصة تعتصر فؤادها على رحيل عمها.
ـ أوعي يا شهد تكسريني بيكي ويطلع كلام خالك صح!
أخفت شهد وجهها في حضنها حتى لا تبصر الحقيقة من نظراتها المرتعبة.
ـ أنا ممكن أموت فيها، ده أنا بشوف فيكي شبابي وبقول بنتي هترفع راسي وتكون دكتورة تشرفني.
أخفضت ليلى رأسها وفي عينيها نظرة أسف على حال ابنة عمها التي تسير في طريق ستكون نهايته لا تُحمد عقباها.
ابتعدت شهد عن حضنها وهتفت وهي تنظر نحو ليلى:
ـ فين كوباية الليمون يا ليلى؟
ثم أسرعت نحو ليلى والتقطت منها كوب عصير الليمون وعادت لمكانها قائلة بنبرة صوت مهزوزة وقلقة:
ـ اشربي العصير يا ماما عشان تروقي.
حدقت ليلى نحو يديها اللتين صارتا فارغتين، ثم رفعت رأسها ببطء ونظرت إلى شهد التي أشارت لها بعينيها أن تقترب منهن وتخلصها من هذا المأزق.
احتدت عينا شهد عندما لم تجد استجابة من ليلى لتتساءل وهي حانقة:
ـ أنتِ هتفضلي واقفة تتفرجي علينا يا ليلى؟ ما تجيبي علاج ماما من شنطتها!
احتقن وجه ليلى من فظاظة أسلوبها، ثم هزت رأسها إليها هازئة.
استدارت عايدة برأسها جهة ليلى وهتفت عليها وهي تمد إليها يدها حتى تقترب:
ـ تعالي يا ليلى أنا كويسة.
تلاشى ضيق ليلى سريعاً وابتسمت قائلة بمزاح حتى تداري ما يختلج في قلبها:
ـ أجيبلك العلاج بتاعك الأول لأن شكلك كده يا دودو قصرتِ فيه، وطبعاً استغليتِ عدم وجودي في الفيلا.
وأردفت بدعابة حتى تجعلها تبتسم:
ـ قوليلي واعترفي، ولا على رأي المثل "إن غاب القط العب يا فار"؟
انطلقت ضحكة خافتة من شفتي عايدة، ولوّحت لها بيدها قائلة:
ـ الله يسعد قلبك يا ليلى، بتهوني عليا الدنيا يا بنتي.
تمالكت ليلى دموعها وازداد غضبها نحو شهد التي لا تدرك نعمة وجود أم في حياتها.
امتقع وجه شهد واجتذبت أنظار والدتها إليها بعد أن تملكت الغيرة قلبها، وهتفت بلطف مزيف:
ـ يا ليلى من فضلك العلاج بتاعها، متسمعيش كلامها.
انسحب ليلى وهي تعلم أن شهد تبعدها عنهن حتى تأتي وراءها.
دلفت إلى الغرفة التي تضع فيها زوجة عمها أغراضها، ثم أغلقت عينيها بحسرة بعدما استمعت إلى صوت غلق الباب.
اقتربت شهد منها وهتفت بصوت خافت يحمل نبرة قاسية:
ـ إياكِ يا ليلى، إياكِ تتكلمي عن حاجة قدام ماما وتأكدي كلام خالي ليها، ماما لو راحت مني هتكوني أنتِ السبب!
واستطردت بحقد أعمى قلبها:
ـ ولو فكرتِ تقولي حاجة، أنا كمان هقول كل حاجة أعرفها من يوم المزرعة، وأنك غويتِ أبيه عزيز وبعدها حاولتي تلعبي على سيف!
استدارت ليلى إليها وفي عينيها نظرة خاوية، ثم عقدت ساعديها أمامها متسائلة:
ـ أنتِ مصدقة كلامك ده يا شهد؟
التوت شفتا شهد بتهكم وأسرعت بالرد:
ـ ومصدقش ليه؟ كلنا يومها اتفاجأنا إن أبيه عزيز قرر أخيراً يتجوز، لا ويتجوز مين؟ يتجوزك أنتِ! وكل ده حصل بعد ما رجعنا من المزرعة.
لم تكترث ليلى بحديثها هذه المرة، فصدمتها بها انتهت:
ـ اخرجي لمرات عمي يا شهد وأنا هجيب شنطة الدوا وهاجي وراكي، ولا أنتِ عايزاها تقلق وتشك وممكن تسمع خناقنا وساعتها مافيش حاجة هتستخبى؟
اهتزت أهداب شهد بارتعاب وأسرعت نحو باب الغرفة، وقبل أن تفتحه ألقت بنظرة خاطفة نحو ليلى التي انشغلت في تفقد تعليمات إحدى علب الأدوية.
....
تنهدت أشرقت بضجر وهي تراه يفعل كل ما يثير استفزازها وكأنه يتعمد فعل هذا:
ـ نزلني من العربية، أنا مبقتش أتحمل أكون معاك في مكان واحد.
صدحت ضحكات مراد بمتعة متذكراً ليلة أمس بعد أن استكانت بين ذراعيه ومنحته ما يريد باستسلام وطاعة.
استشاطت غضباً وصرخت عالياً:
ـ نزلني بقولك، كل حاجة معاك بتخنقني!
توقف مراد عن الضحك بعدما صدر تأوه منها، ثم تراجعت برأسها للخلف وأغلقت عينيها.
انتفضت فجأة والتقطت حقيبتها، ثم ألقت الحقيبة وخرجت صيحتها بسخط:
ـ أنا فاكرة إني حطيته!
تجمدت قسمات وجه مراد وتساءل بعد أن انتبه عقله لأمر تغافل عنه:
ـ مش ملاحظة إنك بتاخدي مسكن للصداع كتير وده غلط؟ ولا عادي تجيبي تشوه لابني؟
تعالت أنفاسها من شدة انفعالها، ثم رفعت يديها ومررتهما على وجهها لعلها تهدأ قليلاً.
ـ ردي، ولا كلامي عن ابني بيخليكي تنخرسي؟
أرادت أن تصرخ بوجهه وتخبره بحقيقة حملها المزعوم، لكن حديثه الذي باغتها به أصابها بالذعر ورفع من معدل ضربات قلبها، واقتحمت صورة والدتها رأسها.
ـ عموماً إحنا وصلنا، والدكتورة هـ تطمني على ابني، وأي حاجة هـ تضر بيه هـ تتحملي نتيجتها أنتِ وحماتي العزيزة.
....
وقفت زينب حائرة بين تلك الفتاة التي تتوسلها أن تأتي معها، ونحو يزيد الذي التصق بها وهتف بتوسل مماثل أن تنقذ تلك المرأة:
ـ زوزو متسيبهاش تموت خلينا ننقذها، لو بابي كان هنا كان أنقذها.
حدقت زينب نحو يزيد الذي ترقرقت الدموع بعينيه متأثراً ببكاء الفتاة:
ـ أرجوكِ يا هانم ساعديها، دية وحيدة وغلبانة وبتحبك.
استمرت تلك الفتاة بتكرار كلامها حتى خرجت تنهيدة قوية من زينب:
ـ ممكن تسيبي إيدي الأول؟
قطبت الفتاة جبينها ، فزفرت زينب أنفاسها مرة أخرى بضيق:
ـ يا بنتي هاجي معاكي والله لكن سيبي إيدي الأول، أنتِ مكلبشاني كده!
رفعت الفتاة يديها عنها سريعاً وقالت بتوتر:
ـ بسرعة يا هانم الله يسترك، الست زمانها راحت مننا.
.....
أصابت الدهشة وجه ليلى عندما وقعت عيناها على رسالة بسام.
لوهلة ظلت محدقة نحو شاشة الهاتف ، فعلاقة الزمالة مع بسام انقطعت منذ أن انتهى عملها بالمصنع.
ـ يا ترى إيه فكرك بيا يا بسام وليه جاي تسأل عن أحوالي دلوقتي؟
أطرقت رأسها لوهلة حتى تفكر؛ هل ترد على رسالته أم تتجاهلها؟
....
فتحت الخادمة باب الشقة وانتظرت أن تدلف زينب وراءها فور دخولها:
ـ وقفتِ ليه يا ست هانم؟
نظرت زينب بتوجس نحو الفتاة وتساءلت:
ـ أنا ليه مش سامعة صوت حد بيتألم؟
خفق قلب الفتاة بخوف من تراجع زينب وفشل المهمة:
ـ يا ست هانم الله يكرمك ادخلي.
رفع يزيد عينيه نحو زينب وتساءل:
ـ زوزو، إحنا مش هندخل نشوفها ونكلم ليها الدكتور من مستشفى جدو صفوان؟
سارت زينب حتى تدلف ، لكن فجأة توقفت وأطبقت على يد يزيد بقوة.
....
أصدرت السيارة صريراً عالياً عندما انطلق بها مراد مجدداً، وقد أخذ يلعن في غباء رجاله وهو يحادثهم.
شعرت أشرقت بالهلع ونظرت إلى الطريق الذي يسلكه:
ـ أنت هتاخدني على فين؟
تجاهل سؤالها، فلم تبالِ ثم زفرت أنفاسها بارتياح وغمغمت بصوت لم يسمعه:
ـ مش مهم هروح معاك فين، المهم إني خلصت من مشوار الدكتورة.
والمكالمة التي أتته منذ لحظات أخرجتها اليوم من ورطة لا تجد لها حلاً مع رجل مثله لا يفكر إلا في الأذى.
....
دقق سيف النظر نحو الطبق الذي تمده إليه تلك الفتاة التي تسكن بالشقة المقابلة وتساءل:
ـ إيه ده؟
استنكرت سندس سؤاله وردت بصوت ساخر ظناً منها أنه يستهزئ بما تعطيه له:
ـ طبق رز بلبن وكيس سبوع من سبوع يزن ابن أختي.
ضاقت حدقتا سيف واستكمل تساؤلاته التي زادت من حنق سندس:
ـ انتوا عملتوا له السبوع وأبوه امبارح كان بيضرب أختك؟
لانت ملامح سندس وقوست شفتيها باستنكار:
ـ وفيها إيه يعني؟ أنت عارف إحنا مأجلين السبوع ده من أمتى؟
افتر ثغر سيف عن ابتسامة اختفت سريعاً ولم يجبها، ثم اتجه نحو باب الشقة التي استأجرها بعد أن طالت مدة ضيافته.
احتدت عينا سندس ونظرت نحو ما تحمله:
ـ هتاخد كيس السبوع وطبق الرز بلبن ولا لأ يا أستاذ؟
استدار سيف إليها بعد أن فتح باب الشقة، ثم رفع الأكياس التي يحملها ورد عليها:
ـ يعني همسكهم إزاي؟ ثواني بس.
عادت ملامح سندس تلين بعد أن انتبهت إلى أكياس البقالة التي يحملها.
ـ شكراً.
قالها سيف بعد أن أخذ منها ما تقدمه إليه، فاتسعت ابتسامتها ، لكن قبل أن ينغلق باب شقته استدارت جهته وهتفت بما قالته لها والدتها:
ـ آه صحيح، ماما بتشكرك على وقوفك معانا امبارح وأنك دافعت عننا.
وابتسامة أخرى من قلبه كانت تشق ثغره الليلة، فالجارة الصغيرة على ما يبدو أنها مشاكسة، وسرعان ما كان ينفجر ضاحكاً بعد أن أغلق باب الشقة متذكراً ذلك الشجار الذي حدث بالأمس.
....
كل شيء حدث في غمضة عين، ولا تعلم كيف تم زَجَّها إلى داخل الشقة رغم تراجع خطواتها.
انسابت دموعها وهي تقاوم ذلك الثقل الذي أصاب رأسها وجسدها، وغمغمت بصوت ضعيف:
ـ يزيد لأ... يزيد...
تعالت ضحكات الواقفة بشماتة، وجثت على ركبتيها عند رأسها:
ـ الولد اللي كنتِ موجودة عشانه في حياة ابن الذوات خلاص راح، وحتى الطفل اللي في بطنك برضه هيروح.
انتفض جسد زينب المُمَدد أرضاً برجفة قوية بعد أن اخترق حديثها آذانها ، حاولت مقاومة وهنها لكن مفعول المادة المخدرة قد سرى بالكامل في دمائها...
ـ سلام يا بنت أسامة.
قالتها مروة ثم أطلقت ضحكة أخرى عالية، ضحكة استعادت معها زينب الماضي وصورة زوجة أبيها.
....
دخلت سما الغرفة التي دفعتها إليها والدتها، وقبل أن تتساءل عن سبب انتزاعها من التجمع العائلي الجميل الذي تحبه، دفعتها مجدداً.
ـ في إيه يا ماما؟ إيه المعاملة ديه ولا كأني عروسة!
قالتها سما بعد أن استعادت توازنها، فالتوت شفتا يسرا بحنق بائن:
ـ عروسة مين؟ بذمتك ده منظر عروسة؟
اتجهت سما نحو المرآة:
ـ ماله منظري يا ماما؟ ما أنا أهو خدودي مـُورّدة ولابسة عباية استقبال شيك جابتهالي ليلى هدية.
تراجعت خطوتين إلى الوراء حتى يتسنى لها رؤية ما ترتديه بوضوح:
ـ ذوقها حلو أوي، لأ وجدعة كمان.
تجهم وجه يسرا واجتذبت سما من ذراعها لتقف قبالتها، ثم أشارت نحو الثوب المطرز الذي ترتديه:
ـ عجباكي أوي؟ الذوق البلدي ده عجبك؟ مسمعتيش تلميحات لبنى؟
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت وهي ترفع طرفي الثوب:
ـ قصي وجدو و بابا كمان انبهروا بالعباية.
وأردفت وهي تدور حول نفسها:
ـ لكن العادي بتاع طنط لبنى التلميح من تحت لتحت.
استشاطت يسرا غضباً ونظرت إلى صورة سما المعكوسة بالمرآة:
ـ أنا عارفة أنك بتستفزيني يا سما.
استدارت سما إليها جاحظة العينين ثم أشارت إلى نفسها بذهول:
ـ أنا يا ماما بستفزك؟!
رمقتها يسرا بنظرة ساخطة ثم تساءلت:
ـ حصل بينكم حاجة ولا محصلش؟ لبنى لمحتلي أني أسألك.
انفلتت شهقة سما واقتربت منها تسألها:
ـ هي مرات عمي طلعت من الحموات الحشرية يا ماما؟
أطبقت يسرا على يديها بغيظ وتمتمت بنبرة غاضبة:
ـ ردي على قد السؤال يا سما!
عقدت سما حاجبيها ثم ألقت بالرد الذي جعل يسرا تفقد سيطرتها على نفسها، وتندفع صوبها وتلتقطها من خصلات شعرها:
ـ خليها تسأل ابنها!
....
أسرع الحارس مرعي بالنهوض عند انطلاق بوق السيارة.
حك رأسه بحيرة وهو يرى سيارة سيده تدخل، لكنه لم يحيّه كالعادة، وتساءل وهو ما زال يحك رأسه ويتابع سير السيارة:
ـ غريبة البيه مفتحش شباك عربيته ورمى السلام عليا ولا حتى شاورلي!
انشغل عقله للحظات بهذا الأمر، ثم عاد إلى مقعده مسترخياً والتقط هاتفه واستعاد تركيزه مع لعبته التي تُسليه.
فور دخول هارون الفيلا صاح بصوت عالٍ:
ـ شادية!
خرجت الخادمة شادية مهرولة من المطبخ واتجهت إليه وهي مطأطئة الرأس، وردت بنبرة صوت متهدجة:
ـ أؤمرني يا بيه.
مرر هارون عينيه على وجهها بنظرة ثاقبة ثم تساءل:
ـ الهانم فين؟
رفعت رأسها وردت سريعاً عليه:
ـ خرجت يا بيه.
وبخوف استرسلت في حديثها بعد أن احتدت نظرة عينيه:
ـ وكانت متضايقة من سفر بيسان هانم من غير علمها.
تحرك هارون نحو غرفة مكتبه وهتف بجمود:
ـ محدش يدخل عليا غرفة مكتبي، مفهوم؟
أومأت برأسها سريعاً ثم خرجت من شفتيها زفرة طويلة تحمل خوفها.
أوصد هارون غلق باب الغرفة وأسرع نحو طاولة مكتبه، ثم فتح جهاز الحاسوب بيدين مرتجفتين.
انتظر أن ينفتح الجهاز وبعدها دسّ الشريحة المعدنية الصغيرة:
ـ هنشوف كنتِ مستغفلاني لحد فين يا سمية.
....
حدقت إلهام نحو الطريق بذهن شارد وملامح وجه شاحبة، وقد طال وقت وقوفها أسفل البناية التي تسكن فيها تلك الصديقة المقربة من ابنة شقيقتها.
ارتعشت أهدابها في اللحظة التي أبصرت فيها خروج نيفين من سيارة الأجرة.
ـ نيفين!
هتفت عليها إلهام عند خروجها من سيارتها، فتوقفت نيفين مكانها والتمعت عيناها بالدهشة من وجودها.
اقتربت إلهام منها وفي عينيها نظرة لم تفهمها نيفين لكن جعلت الخوف يسري في عروقها:
ـ محتاجة أتكلم معاكي يا نيفين.
قالتها إلهام بنبرة صوت لينة حتى لا تشعر بالريبة، ثم تساءلت:
ـ عندك وقت نقعد في العربية ونتكلم شوية؟
اتجهت أنظار نيفين نحو البناية السكنية التي تسكن فيها ثم نحو السيارة، فأردفت إلهام:
ـ خمس دقائق يا حبيبتي ومتقلقيش مش هأخرك.
....
وضع هارون يده على موضع قلبه بعد أن شعر بعدم قدرته على التقاط أنفاسه، ثم أخذ يدلك صدره بوهن:
ـ عيشتيني عمري وأنا مغفل يا حقيرة، ده جزاتي أني خليتك هانم؟!
طفرت الدموع في عينيه واستطرد قائلاً بلسان ثقيل:
ـ خونتيني مع أقرب صديق ليا ودلوقتي مع ابن أخوه؟ كان عنده حق عزيز لما قالي دور في الدفاتر القديمة.
استمر بتمرير يده على صدره ثم أغلق عينيه متذكراً طيف سماح وأولادها الصغار.
....
ارتجف جسد نيفين من الخوف عند انطلاق إلهام بالسيارة:
ـ إحنا رايحين فين؟
ردت إلهام عليها باقتضاب وزادت من سرعة السيارة:
ـ متخافيش مش هنبعد كتير.
دارت نيفين بعينيها في اتجاهات الطريق السريع بتوجس وهتفت بتخبط:
ـ أرجوكِ رجعيني بيتنا، أنا مقلتش لـ ماما أني هتأخر.
اكتفت إلهام برميها بنظرة زادت من هلعها.
مرت الدقائق إلى أن توقف السيارة أخيراً بالمكان الذي وجدته إلهام مناسباً.
أزالت إلهام حزام الأمان عن كتفها واستدارت جهتها، فانكمشت نيفين على نفسها من شدة الذعر وقبل أن تتوسلها أن تعيدها إلى منزلها صاحت إلهام:
ـ زينة كانت على علاقة مع مين؟
ردت نيفين وهي تهز رأسها:
ـ معرفش، معرفش حاجة.
أسدلت إلهام أجفانها وكررت سؤالها بنبرة صوت هادئة هذه المرة:
ـ زينة كانت على علاقة مع مين يا نيفين؟
والرد كان واحداً لا يتغير.
ـ مش عايزة أكرر سؤالي تاني!
دمعت عينا نيفين وارتعشت شفتاها من الفزع ورددت ما قالته:
ـ معرفش حاجة، معرفش حاجة، زينة مردتش تقولي هو مين.
وأردفت بما تعرفه وهي تتحاشى النظر إليها :
ـ معرفش غير أنه متجوز وعنده أولاد، غير كده معرفش، وكانوا بيتقابلوا على فترات.
توقفت نيفين عن استرسالها ثم مررت لسانها على شفتيها بعد أن شعرت بجفافهما:
ـ بيتهيألي أنها عرفته من حفلة خاصة بحفلات العيلة.
ضاقت حدقتا إلهام ثم حدقت بها بنظرة مخيفة، فأسرعت نيفين بإخبارها بآخر شيء طرأ على عقلها الآن:
ـ أنا افتكرت حاجة دلوقتي!
اجتذبتها إلهام من ذراعها ثم هزتها بعنف:
ـ قولي، أنا لازم أوصله عشان يتجوزها ويعترف بالطفل!
انفلتت شهقة قوية من شفتي نيفين، فهذا ما كانت تخاف من حدوثه لصديقتها، وبصوت متحشرج ألقت ما لديها:
ـ هي في مرة غلطت قدامي وقالت إنه في منصب حساس في الدولة عشان كده اتجوزوا في السر!
