رواية خلف الظلام الفصل الثاني عشر
في منزل عماد
كان كلامه عن الشاب الغريب الذي يعمل في محل طارق ورضوي سبباً في قلق أميرة وحيرتها ، فقد تذكرت للتو أسامة التي رأته مع رضوي من قبل ! وأصبح خوفها الآن أن يكون هذا الشاب هو ذاته أسامة .
فهي الوحيدة التي تحمل خزانة الأسرار في جعبتها ، ولذلك قررت أن تذهب للمحل بنفسها للتأكد من شكوكها .
فذهبت بحجة شراء بعض الأغراض ، لتراقب هذا الشاب الغريب الذي وضعته رضوي في هذا المكان وبعلم زوجها !
دخلت أميرة المحل صباحاً ، فوجدته خالياً إلا من ذلك الشاب الذي يجلس خلف الكاشير ، يمسك هاتفه ويتحدث بصوت خافت .
حين سمع صوت خطواتها رفع رأسه بسرعة ، فإذا بعينيه تلتقي بعيني أميرة ، لم يكن يعرفها من قبل ولكنه شعر بأن نظرتها خلفها شيئاً ما .
للحظات تجمدت ملامحها ، دقات قلبها كانت تدق في أذنيها كطبول حرب بدأت للتو ، وقفت تتفحص ملامحه جيداً ، وتسترجع في ذاكرتها تلك الصورة التي تحتفظ بها وحدها في عقلها ، تأكدت أنه هو أسامة كما كانت تشك !
ارتبك سمسم حين وجدها تحدق النظر في وجهه بصمت ، فأغلق هاتفه في توتر وسألها : أوامرك يا مدام ، أجبلك ايه؟
اقتربت منه ببطء وهي تحاول أن تمسك أعصابها ، وتخفي تلك الصدمة التي كادت تفضحها وقالت في هدوء مصطنع : السلام عليكم ، أنا عايزة حاجات معينة .
سمسم : أؤمريني ، عايزة ايه ؟
أشترت منه بعض الطلبات ، ثم خرجت من المحل ، وهي بالكاد تحرك قدميها ، تفكيرها يكاد أن يصاب بالشلل ، إزاي رضوي تجيبه لحد هنا ؟ أنا مش ممكن أسكت علي كده أبداً .
لم تنتظر طويلاً ، بل توجهت مباشرة إلى شقة رضوي ، دقت بابها ففتحت لها رضوي بهدوء : أميرة ، تعالي أتفضلي .
دخلت أميرة و أغلقت الباب وراءها بقوة ، ونظرت إليها نظرة مخيفة !
رضوي " بقلق " : مالك يا أميرة ؟ في إيه؟ وشك أصفر كده ليه ؟ حصل حاجة ؟
اقتربت أميرة منها ببطء حتى وقفت أمامها مباشرة ، وقالت بصوت منخفض مليء بالغضب والصدمة : مين اللي جبتيه يشتغل في المحل ده يا رضوي ؟
شعرت رضوي فوراً بالخطر يحوم حولها ، لأول مرة أميرة تتحدث معها بهذه النبرة الحادة !
ارتعشت يداها ، وحاولت أن تتماسك وتداري ارتباكها .
فقالت أميرة بغضب : وريني وشك وانتي بتتكلمي !
رضوي : ده شاب اسمه سمسم ، وطارق بنفسه قابله و ارتاح له ووافق يشغله في المحل .
أميرة انفجرت في وجهها ، وقبضت علي ذراعها بقوة وكتمت صرخاتها حتى لا يسمعها أحد : كدابة ، ده أسامة ! ولا فاكراني نسيته ؟ إنتي مجنونة يا رضوي ؟ إنتي إزاي تجيبيه لحد هنا ؟ إزاي تجروئي تعملي كده ؟ أنتي كده خلفتي الوعد اللي وعدتيني به ، و بعد اللي عملتيه ده أنا مينفعش أسكت .
نظرت لها رضوي بعيون ذابلة ، والدموع تنهمر علي وجهها ، وبصوت مبحوح من البكاء والخوف والتوسل قالت : والله مش بمزاجي ولا بإرادتي ياأميرة ، أسامة لسه بيهددني وبيطلب مني فلوس ، وأنا مجبرة أسمع كلامه عشان أحافظ علي بيتي ، أسامة لو قال حاجة لطارق هيكون أخر يوم بيني وبين طارق .
أميرة " بعصبية " : تقومي تجيبيه لحد هنا يا رضوي ؟! وكمان تمسكيه فلوس جوزك ! أزاي تعملي كده ؟
اقتربت رضوي منها ومسكت يدها بيد ترتجف : أنا فكرت في الحل ده عشان اسكته وميطلبش مني فلوس تاني ، قولتله تعالى اشتغل في المحل ، هديك مرتب محترم يكفيك ، و بشرط أنه ميطلبش مني فلوس تاني ، وهو وعدني والله العظيم وعدني إنه خلاص كده مش هيطلب مني أي حاجة تاني ، أنا خايفة أوي يا أميرة ، خايفة السر ينكشف ، وطارق يعرف ،طارق لو عرف الحقيقة ، مش هيسامحني أبداً .
أميرة كانت تستمع لها وتنظر إليها بغضب ممزوج بالشفقة ، فقالت لها بحسم ولهجة حادة : اسمعي الكلام اللي هقولهولك ده كويس ، وجود الإنسان ده هنا غلطة قا,تلة ومش مسموح بيه أبداً ومش ممكن السكوت عنه ، طارق قلبه حساس وذكي أوي ، وحاسة السمع عنده قوية لدرجة مرعبة ، ولو حس أو عرف أي حاجة ، الدنيا هتتقلب علينا كلنا .
رضوي : أنا عارفة يا أميرة ، علشان كده مرعوبة .
أميرة : أهم حاجة دلوقتي طارق لو رجع وعرف كل حاجة بنفسه ، وقتها الكلام ده كله والوعود دي مش هتنفع ، وساعتها السكوت ده هيبقى كارثة عليكي وعليا أنا كمان .
في تلك الأثناء ، وفي مدينة أخرى بعيداً ، كان طارق يجلس في الغرفة المخصصة له بالمستشفى .
لم يكن يري الحوائط والأسرة البيضاء ولا الممرضات الشقراوات ، لم يكن يسمع إلا كلمات بلغة لا يستطيع فك شفراتها أو أكتشاف معانيها .
ووسط هذا الظلام كان هناك ضوء بسيط لم يراه بعد ، إلا إنه كان يلمسه بأطراف خياله ، حتي سمعت أذناه صوت صديقه يوسف .
كانت الساعات تمر عليه بطيئة ، مثقلة بالقلق والتوتر ، قلبه كان يخفق بشدة ، و جميع أوصاله ترتجف خوفاً وترقباً .
لم يكن خوفه مقتصراً على نجاح العملية أو فشلها فحسب ، بل كان خوفاً أعمق وأكبر ، خوفاً من المستقبل ، خوفاً من اللحظة التي سيفتح فيها عينيه ويرى فيها وجوه غابت عنه كثيراً ، وجوه لم يعد يثق أياً منها مازال علي العهد وأياً منها قد تغير و خان .
اقترب منه يوسف وربت على كتفه برفق ومواساة : مالك يا طارق ؟ من ساعة ما وصلنا وإنت ساكت وسرحان ، قلقتني عليك والله ، وكل شوية تمسك قلبك كده ليه ؟
تنهد طارق تنهيدة طويلة خرجت من أعماق قلبه ، وقال بنبرة حزينة : خايف يا يوسف ، أنا خايف بجد ، حاسس إن الساعات الجاية دي هي اللي هتغير حياتي كلها ، يا إما لفرح ورضا وسعادة ، يا إما لحزن وندم وعذاب عمره ما ينتهي أبداً .
يوسف : متقولش كده يا راجل ، أنت أقوي من كده بكتير ، وربنا كريم ، وأكيد الخير فيما اختاره الله ، العملية دي هنا بسيطة ، وأنا قابلت الدكتور و أكد لي شخصياً إن نسبة نجاحها عالية جداً ، إن شاء الله كلها ساعات و تكون شايف الدنيا كلها قدامك زي ما انت بتتمنى وأحسن .
سكت طارق قليلاً ، وكأنه يحدث نفسه أو يخاطب الظلام اللي عاش فيه طويلاً : عايز أشوفها يا يوسف ، عايز أشوف رضوي ، أشوف نظرة عينيها ، أشوف ملامحها اللي بحسها بقلبي قبل ودانى ، بتمنى وأدعي ربنا ليل نهار إن كل حاجة شكيت فيها وكل ظنوني تكون مجرد أوهام ، بتمني يكون كلام عماد كدب أو وهم وميكونش حقيقة ، بتمني إنها تكون فعلاً زي ما هي في خيالي ، الزوجة الوفية المحبة اللي استحملتني في أزمتي ، بتمني تكون المعجزة حصلت فعلاً ، و يكون اللي في بطنها ده ابني فعلاً ومن صلبي و أشوفه بعيني وأشيله علي أيديا وأفرح بيه .
يوسف : هتعمل فحوصات الخصوبة والقدرة علي الإنجاب بعد العملية ؟
طارق : سواء نجحت العملية ورجعت أشوف تاني أو لأ ، لازم أعمل الفحوصات دي وأطمن ، لازم أتأكد إن الجنين ده ابني أنا .
يوسف : هتعمل الفحوصات هنا ولا في مصر ؟
طارق : هعملها هنا بعد العملية وهعملها في مصر تاني لما أرجع ، لازم أتأكد يا يوسف .
مرت الدقائق ثقيلة حتي جاء الممرضون ليأخذوه لغرفة العمليات ، سار طارق معهم بخطى بطيئة ، وقلبه يدعو الله في سره ، تاركاً وراءه عالماً من الظلام عاش فيه طويلاً ، ومقبلاً على عالم جديد ، لا يدري هل سيكون نوراً وفرحاً أم نوراً يكشف له حقائق مؤلمة لم يكن يريد أن يراها أبداً .
كانت دقات الساعة تسير ببطء ويوسف يقف في الانتظار خارج الغرفة ، والآمال والدعوات تحوم حول السرير الذي يرقد عليه طارق ، وهو بين يدي الأطباء ، وبين يدي قدر الله الذي كتب له أن يكون "خلف الظلام" طويلاً ، وحان الوقت ليقرر هل يخرج منه إلى النور ، أم يبقى فيه ليحتمي به من قسوة الحقيقة .
وبدأت ساعات الترقب الطويلة ، التي ستحسم مصير طارق ، ومصير رضوي ، ومصير كل الأسرار التي ظلت مخفية طويلاً داخل ظلام سراديب النفوس والقلوب .
هل ستنجح العملية ؟ وهل يفتح طارق عينيه ليري نور الحقيقة ، أم أنه سيري حقائق مظلمة تمني لو لم يراها ؟
