رواية خلف الظلام الفصل الرابع عشر 14 بقلم عادل عبد الله


 رواية خلف الظلام الفصل الرابع عشر 


هبطت الطائرة أرض المطار ، فظل طارق يتلفت يميناً ويساراً ، فسأله يوسف : بتتلفت حواليك ليه ؟ مش أنت قولتلي إنك مخليها مفاجأة ومحدش عارف إننا راجعين النهاردة .
طارق يبتسم : أيوه محدش عارف ، بس أنا مصر كانت وحشتني أوي ، أول ما نزلت من الطيارة كنت عايز أملا عيني بكل حتة فيها ، عايز أخد في حضني كل شبر منها .
يوسف : أحنا مغبناش كتير للدرجادي !
طارق : متنساش إن أخر مرة شوفتها كان لما سافرت من سنين قبل الحادثة ، ولما رجعت كنت أعمي وعيني مش شايفة حاجة .
يوسف : حمد لله ع السلامة يا طارق ، نورت بلدك .
طارق : وعيني نورت لما شافتها .

كان الوقت ليلاً حينما أقترب طارق من المنزل ، ثم أرتدي نظارته السوداء حتي توقف يوسف بالسيارة أمام المنزل تماماً .
نزل يوسف من السيارة و فتح بابها لطارق وكأنه يساعده للدخول للمنزل .
أمسك طارق بعصاه البيضاء وصعد درج المنزل حتي توقف أمام باب شقته ودق جرس الباب عدة مرات .
فتحت رضوي الباب و بمجرد أن رأته أرتمت بين أحضا,نه : حمدلله علي السلامة يا حبيبي ، وحشتني أوي يا طارق .
لف طارق ذراعه حولها، وفتح عينيه خلف النظارة السوداء المعتمة ، لأول مرة منذ فترة طويلة يرى ملامح وجهها عن قرب ، رأى ذبول عينيها ، واصفرار وجهها ، و نظرة خوف دفينة تحاول أن تخفيها . 
الله يسلمك يا حبيبتي ، أنتي كمان وحشتيني ، مالك ؟ حاسس من صوتك إنك تعبانة ، أخبار الحمل ايه ؟
ارتبكت رضوى ، وابتعدت خطوة للخلف وهي تمسح دموعها : لأ يا حبيبي مش تعبانة ولا حاجة ، أنت عارف تعب الحمل بس مش أكتر .
أخذت بيده وأدخلته البيت : مقولتش ليه أنك راجع النهاردة علشان أستناك ؟
طارق : حبيت أعملهالك مفاجأة .
رضوي : دي أحلي مفاجأة يا حبيبي .   

استيقظ طارق صباحاً علي صوتها تناديه ، بمجرد أن فتح عينيه ورأها تقف أمامه ونظر في عينيها أنتبه لتمثيليته التي يريد أن ينجح بها ، فثبت نظره تجاه الحائط وقال لها : صباح الخير يا رضوي .
رضوي : صباح النور يا حبيبي ، قوم يلا علشان نفطر .
طارق : لسه تعبانة زي امبارح ؟
رضوي : بقيت احسن شوية .

بعد تناول الفطار
ذهب إلي الشرفة التي كان يجلس عندها بأستمرار و نظر إلي السماء قائلاً : شغلي الراديو بتاعي .
رضوي : أنت مش هتنزل المحل .
طارق : هنزل أكيد ، قوليلي سمسم عامل ايه معاكي في المحل ؟
رضوي " بأرتباك " : كويس ، ده شاطر أوي وأمين فعلاً .
طارق : يارب فعلاً يكون أمين . 

في المحل
دخل طارق المحل بصحبة رضوي يضع يده على عصاه ، وعيناه خلف الزجاج الأسود ترصدان كل شئ .
بمجرد أن رأه سمسم " أسامة " قال : حمد الله على السلامة يا استاذ طارق ، المحل كان مضلم في غيابك . 
طارق : الله يسلمك يا سامح ، المحل منور بيك ، قولي بقي مبسوط من الشغل معنا ؟
تدخلت رضوى بسرعة مدافعة : سمسم ما شاء الله عليه يا طارق ، كان شايل المحل كله ومريحني جداً .
أدار طارق وجهه تجاهها وخلف النظارة كانت عيناه تلمعان بذكاء حاد وهو يرى غمزة التحذير الخاطفة التي وجهتها رضوى لأسامة .
طارق : "تمام ، الأيام بتثبت أمانة البني آدم يا سمسم ، روح أنت كمل شغلك .
ثم سألها : كنتي بتابعيه يا رضوي في غيابي ولا سيباله كل حاجة ؟
رضوي : كنت بتابعه طبعاً .
طارق : لازم يعرف إننا بنتابعه كويس ، حتي لو كان أمين ، بس المثل بيقول المال السايب يعلم السرقة .
رضوي : لا يا حبيبي ، أطمن هو ما شاء الله عليه كويس .
لاحظ طارق نظرات التحذير المتبادلة بين رضوي و سمسم ، فعلم أن هنا سر خفي عنه ما بينهما .
ابتسم طارق ، فسألته : فيه حاجة يا طارق ؟
طارق : لأ أبداً ، مبسوط أني رجعت و كل حاجة ماشية تمام كأني كنت موجود بالظبط .
بينما كان يخاطب نفسه بصوت داخلي : أدي أول خيط يا طارق بيثبت إن فيه حاجة غلط بتحصل ورا ضهري ! يا تري فيه ايه بينهم ؟ يا تري يا رضوي مخبية عني ايه ؟ يا تري مين ده اللي جبتيه ومسكتيه فلوسي ؟ كلام عماد هيطلع صح ولا ايه ؟!
ظل طارق يرقب كل شئ في المحل من خلف نظارته السوداء حتي بدأ بعض الجيران يرحبون به ويهنئونه بسلامة العودة .
تذكرت رضوي تحذير أميرة لها ، فأنتهزت فرصة إنشغال طارق مع الجيران وأقتربت من أسامة وقالت بصوت منخفض : أسامة، أرجوك كفاية لحد كده ، طارق رجع ، وأميرة مرات أخوه كشفتك وبتهددني ، لازم تمشي من المحل النهاردة .
أسامة : بقولك أيه ، أنا مش همشي من المحل ، لو عايزاني أمشي جهزيلي ٥٠ ألف جنية .
رضوي : لأ ، مش هعرف أديلك فلوس تاني .
أسامة : أتصرفي .
رضوي : مش هعرف أتصرف ، كفاية اللي خدته ، مش هتاخد حاجة مني تاني .
أسامة : بقي كده يا رضوي ، طيب أعملي حسابك جوزك هيعرف كل حاجة .
رضوي : بطل قذارة بقي ، أنت أمتي هتنضف وتبقي بني ادم !
أسامة : لما يكون معايا فلوس .
كان طارق يتحدث مع الجيران بينما عيناه تتابعان الحوار المحتدم بين رضوي و سمسم ! لم يستطيع أن يسمع  كلمه ، لكنه رأي خيوط من دخان الخيانة تتصاعد أمامه .

عادت رضوي إلي طارق و قد شعرت بدوار وتعب شديد : أنا طالعة البيت ، أنا تعبانة ومش قادرة .
طارق : مالك ؟ 
رضوي : الحمل يا طارق تعبني .
طارق : طب أطلعي أنتي و أنا كمان هطلع كمان شوية .
رضوي : تحب أستناك ، ولا أبقي أنزل كمان شوية أطلعك ؟
طارق : لأ أطلعي أنتي أرتاحي ، وأنا بالعصايا احسس علي السلم زي ما بعمل .
رضوي : طب خلي بالك يا حبيبي وأنت طالع لتقع .
طارق : حاضر ، متخافيش عليا .

صعدت رضوي بيتها ، تفكر في كلمات أسامة وأسلوبه الذي يبدو منه إنها لن تستطيع أقناعه بالأبتعاد .
ظلت تبكي وهي تتصور حالة طارق أذا ما أفتضح أمرها !
أنتفض جسدها هلعاً حين سمعت دقات عالية علي بابها .
أستجمعت قوتها و فتحت الباب لتجد أميرة تسألها بحدة : جوزك رجع ورغم كده لسه شايفه البني ادم ده في المحل !
رضوي : والله كلمته يا أميرة ، بس رفض وبيقولي عايز ٥٠ ألف جنية علشان يمشي و يبعد .
أميرة : تااااني !! بعد كل ده وعايز لسه فلوس تاني ؟!
رضوي : أنا خلاص يا أميرة مش عارفة أعمل ايه .
أميرة : أنا بقي عارفة هعمل ايه .
تلتفت أميرة لتنصرف لكن تمسكها رضوي من يدها وتسألها بخوف : هتقولي حاجة لطارق ؟ أوعي تقول لطارق حاجة يا أميرة ، أنتي وعدتيني .
تتركها أميرة في صمت ، وتنزل سريعاً ، إلا إنها تقابل طارق صاعداً علي درج المنزل ، فينتبه لها ويتحسس درج السلم بعصاه البيضا ، وينظر إليها من خلف نظارته السوداء ويتظاهر لعدم شعوره بوجودها ، فتقف أميرة وتكتم أنفاسها حتي يمر طارق من جانبها في سكوت صاعداً .
تنزل أميرة بسرعة وتدخل المحل وتقف أمام أسامه وتقول له بحدة : أنت لسه هنا ؟ أنت فاكر نفسك ايه؟ اسمعني كويس يا أسامة ، وجودك هنا هيدمر كل حاجة ، لو مش مشيت  و غرت من حياة رضوى ومن المحل ده دلوقتي ، أنا اللي هروح لطارق وأقوله على كل حاجة ، ومش هيهمني اللي هيحصل بعد كده فاهم ولا لأ ؟ 
في نفس الوقت
كان طارق مازال يقف عند درج المنزل يفكر ، لماذا كانت أميرة عند رضوي ؟ ولماذا أخفت وجودها عنه ولم تلقي عليه التحية ؟ بالتأكيد أميرة تعلم بالسر الخفي لزوجته مع هذا الشاب !
يبدو أن خطته تسير بخطي ثابتة نحو النجاح . 
فلم يمر اليوم الثاني علي وصوله حتي بدأت تنغك عقد بعض الخيوط أمامه .


تعليقات