رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الرابع والعشرون
فتح باب غرفة الاستقبال التي تكونت من أرائك ومقاعد على صفوف الأربع جدران من الغرفة يتوسطهم طاولة كبيرة وفي منتصف الجدار الأمامي يقبع كرسي ذهبي حيث كان هذا مكان الوالي كما العادة، ونور الشمس الساطع يتخلل من النوافذ الكثيرة التي تغطي الجدران ليضيء الله جميع ثنايا الغرفة دون الحاجة لأية شموع.
لكنه وجد عمر يجلس على كرسيه وذلك دفعه لرفع حاجيه وسخر " يعجبك؟ "
ضحك الآخر ورفع يده ساحنا خصلات شعره السوداء الحريرية متوسطة الطول نحو الأعلى تم لله تقطع يجسده على الكرسي مردفا " مريخ كثيرا. "
دار محمد ببصره على الغرفة ليتأكد من عدم وجود أحد الحراس ثم سخر مرة أخرى " انزل عن كرسي أبها الوعد ا "
قفز عمر ذو السبعة والعشرون عاما عن الكرسي وهو يضحك ساخرا " تفضل سموك اجلس حيث نشاء !"
تجاهل محمد تعليقه وتحرك ليجلس بهيبة على الكرسي حينما وقف عمر أمامه
" هل هذه هي الطريقة التي تستقبل بها ابن خالتك وصديقك وأخيك في الرضاعة بعد ستة . أشهر من رؤيته ؟ "
تخرج محمد عينيه وتوقع الآتي سيذكره عمر الآن بكيف أن خالته أرضعته من حليبها
" هل نسيت أنك أخذت من حصتي من حليب أمي يجب عليك الدفع لذلك ! " قال عمر شابكا ذراعيه امام خصره بنبرة ماكرة لطالما كان مشاغبا كثير الضحك
عمر ارحمني أرجوك لست في مزاج جيد لمزاحك " تذمر محمد الذي لا يزال مشتعلا من اللعينة القابعة بالأعلى
" السلطان، يريدك الشهر القادم، يجب أن تسافر إلى القسطنطينية " قال عمر بعد أن تخلى عن سخريته عندما وجد محمد لا يشاركه الحديث
" يريدني أنا فقط أم يريد جميع الولاة ؟ "
" الجميع "
" حسنا، لكن إن كان الموعد الشهر القادم فما الذي أتى بك إلى هذا الآن ؟ "
" لدي بعض المشاكل مع والدي، وقررت المجيء إليك مبكرا والبقاء هذا التسافر سويا، فلا أريد السفر مع أبي كما أن وليد سيلحق بي قريبا. "
" حسنا، جناحيكما فارغان بالفعل ستسعد جورنال هانم برؤيتكما كثيرا لكنها ما زالت نائمة، فلم تتم البارحة جيدا .. " قال متذكرا كونه أفاقها من نومها بمشاجرته السخيفة مع عائشة ... لا يصدق حقا كم السخافة التي أصبح يرتكبها منذ رؤيتها، لقد اعتاد كونه يتصرف بطريقة معينة تليق به كوالي، وتقمصها بإتقان حتى أصبحت هي شخصيته وما عداها ليس من شيمه.
وتصرفاته جميعها الآن تبدو غربية بالنسبة له !
تفحصه عمر قليلا، بدى هاتفا في أفكاره وذلك جعله يقترب منه ليسأل بقلق " ما بك يا رجل ؟ هل كل شيء على ما يرام ؟ "
التيه محمد له ورفع رأسه ليومي لكن عينية وقعت على الحلق الفضي الذي قيع في أذن عمر اليمنى فتوسعت عينيه " هل فعلتها !! "
ضحك عمر وأوماً " نعم فعلتها، ما رأيك به ؟ "
" جيد، يبدو جيدا . "
" لن تصدق ما الذي فعلت أيضا " أردف عمر وهو يرسم ابتسامة شيطانية على وجهه وسرعان الله ما رفع كم قميصه الأسود بالكامل ليكشف عن وشم على شكل وجه أسد يرتسم على دراعه كلها
ضحك محمد بخفة وهو يحرك رأسه يمينا ويسارا بدون تصديق " أن تتغير ا هل علم والدك بشأن هذا ؟ "
" ولماذا تظنني في مشاكل معه ؟ " سخر الآخر وهو يعيد كم سترته إلى الأسفل وحينها عقد محمد حاجبيه ثم رفع يده ليلمس ذقته
عمر، يجب أن تستمع لوالديك، هما يريدان مصلحتك .. كما أن عملك كقاضيا سيمنحك فرصة مستقبلا بالحصول على كرسي كهذا. " أشار إلى الكرسي الذهبي فقلب عمر عينيه
" لا أهتم أريد العيش كما يحلو لي .. وليد يهتم ! هو يريد هذا .. لا أعلم لماذا يصرون علي ! "
" لأنك الأكبر / وليد في السادسة والعشرون وأنت في السابعة والعشرون !! "
" العمر لا يشكل فارقاً، ومازلت لا أهتم أنت ووليد تمتلكان نفس الشخصية لكن انظر لي | أنا لست مثلكما ... " رفع كتفيه بلا مبالاة ثم ارتسمت ابتسامة شيطانية على وجهه من جديد فتقدم
من محمد وهو يحكك يديه معا بحماس
" لقد سمعت أنك أكملتهن الثلاثون | هل هذا صحيح ؟ "
جف حلق محمد فجأة ورفع يده ليحك عنقه عندما أكمل عمر " هيا اطريني، الوضع أصبح
حماسيا بشدة | سيجن وليد لو عرف أنك تخطيته ! "
" ستتحدث بشأن هذا لاحقا، اخبرني ... أمازلت كما أنت ؟ " حاول محمد تغيير الموضوع فوجد الآخر يبتسم باتساع وهو يعدل من هندام سترته " نعم، لكن امي مازالت تصر على زواجي .. لا
أعلم ما مشكلة الجميع معي حقا ! "
" أنت غريب، هذه هي المشكلة " سخر محمد من جديد ليجد الآخر يرفع كتفيه بلا مبالاة " لا أحب أن أفعل الدور المنوط بي فعله، أنا أتحرك وفقا لرغباتي، وأنا لن أتزوج بتلك الطريقة ولن أتزوج بطفلة ! "
" تعرف أن حديثك مع النساء خاطئ ! توقف عن تلك العادة اللعينة ! " بدى محمد عصبي قليلا واشتغل أكثر عندما أجابه الآخر
" حديثي مع الإنات خاطئ ؟ ماذا عنك وعن وليد ؟ مضاجعتكما للإناث جيد ؟ على الأقل أنا أتحدث معهن لأتعرف عليهن على أجد واحدة قد أميل إليها وأتزوجها .. بربك هل تحدثت الأحد من حريمك يوما حتى ؟ "
" وكانني لا أعرف ترددك على بيوت الدعارة | " سخر محمد فأردف الآخر
" على الأقل من عاهرات برغبتهن، ثم ما الذي يختلف بيني وبينك وبين وليد ؟ تجد لك جارية واجد لي عاهرة، لا يوجد اختلاف | وعلى الأقل أنا أدفع لهن ولا أكسر قلوبهن ! "
قلب محمد عينيه ونهض عن كرسيه " الحديث معك لا فائدة منه، أنا سأرحل فلدي بعض المهام. ستجد أمي قد استقافت، تناول معها الإفطار ... أنا ليس لدي شهية للطعام. "
استدار له وأكمل " وبالمناسبة، أنا قد تكلمت مع إحداهن. " ثم أكمل سيره من جديد.
راقبه عمر يخرج تاركا إياه كما العادة فهو أصبح معتادا على هذا من الجميع، الجميع يتركونه يانسين في نهاية كل نقاش ! لكنه مازال لا يهتم .. لقد اشتاق لخالته حقا، في غيرهن قليلا ...
تهتم برايه و تعامله كاين لها اعكس أمه الحقيقية.
وهذا جعله يتحرك بسرعة نحو جناحها ليخبرها بكل شيء حدث في السنة أشهر الفائتة ويتجاذب معها أطراف الحديث.
كانت عائشة قد انتهت من فطورها وكل شيء حين تحركت إلى مكتب محمد وبدأت بالبحث فيه عن كتب أخرى، فتحت بعض الأدراج لتجد الكثير من الأوراق التي لم تهمها في شيء. فتحت درجا آخر لتجد كيس قماشي صغير مربوط ومعقود بعقدة فهمة، فضولها دفعها لمسكه
وفتحه فاصطدمت عينيها بالكثير من النقود الذهبية.
" أنت مايبهم كده عادي من غير قفل ولا أي حاجة ... " استغربت وهي تعيد الكيس إلى مكانه مجددا وصبت اهتمامها على البحث عن كتب لكنها لم تجد ا هل أخذ محمد كل الكتب من جناحه حقا !! ما اللعنة التي يفعلها !!
خرجت من جناحه لتحاول البحث عن زيدان لتسأله ان كان يوجد أي مكتبة هناء فهي تكاد تموت مالا
اصطدمت بشاب يمر من خلال الرواق وكادت أن تقع لكنه أمسك بها ليحمحم " اعتذر. "
حصل خير " أجابت وكانت سنتحرك لكن لهجتها استوقفته فوقف أمامها " أنت الجارية التي تحدثت عنها خالتي ؟ "
توسعت ابتسامتها باستغراب ونظرت له أعين عسلية وشعرا أسود اللون ولحية سوداء خفيفة
مع بشرة جنطية .. بنية جسدية نحيفة قليلا ومتوسط الطول لكنه وكحال باقي عائلته، كان وسيقا بشدة غير أنه يختلف شكليا وكليا عن محمد الذي يبدو ملونا وطويلا إلى حد ما !
" أيوة أنا غالنا | " أجابته وكانت ستتحرك لكنه وقف أمامها ليردف بالدفاع " لقد حاولت جورنال هانم شرح نظرية الحتميات التي أخبرتها بها لكنها لم تستطع وأنا قد تملكني الفضول حولها حقا ا فلم يسبق لي سماع شيئا مماثلا .. "
نظرت يمينا ويسارا لتتأكد من أن لا أحد يستمع ثم عادت بنظرها إليه فوضع يده على صدره له وأحتى رأسه نحوها ليعرف بنفسه " عمر بيك خورشید. "
"عائشة. " أحنت رأسها أيضا وابتسمت " عايز تعرف نظرية الحتميات ؟ "
أوما بسرعة ثم أردف مازحا " لأنني أحاول إقناع أبي بأن عملي في القضاء ليس بضرورة حتمية، لكنه لا يقتنع ويقول أنه شيء متوارت في عائلتنا بلا بلا بلا ... "
" وأنت مش عايز تشتغل قاضي ليه ؟ "
" لأنني لا أريد الحكم على الناس، فمن أنا لأحاسبهم ؟ أنا أريد العمل ككاتب ومؤرخ.
لوهلة شعرت بأن عمر مختلف كثيرا وهذا دفعها إلى إعادة شرح نظرية الحتميات بطريقة مختلفة تناسب حال عمر وتحدثا قليلا، ومن الطباعها عن عمر .. هو على عكس محمد تماشا صادق في مشاعره ومتحضر قليلا وذو ميول إلى التمرد وتجربة أشياء جديدة ومسالم، مرحوطفولي إلى حد ما، عكس متصلب الرأي ذو الرأس المتحجر الفستيد الذي تعيش معه ...
" إذا سأخبره أن الحتمية الوراثية لا تتمثل في كوني سأعمل كقاضي بل هي تخص الصفات الجسدية وأحيانًا الصفات الشخصية ؟ وأن حتى الحتمية المجتمعية والحتمية البيئية لا تفرض على العمل كقاضي ؟ " أعاد كلامها فأومات " بالظبط كده. "
" شكرا لك يا عائشة " أجاب بابتسامة واسعة ثم أردف بحماس " سأسجل نظرية الحتميات هذه باسمك في كتاب ! "
فور قوله لهذا وجدها تقفز عاليا وتصرح " yesssss yesss أخيراااا !! "
فرع وتحرك خطوتين إلى الخلف وهو يحملق بها باستغراب حتى انتهت من تأدية قفزاتها العشوائية ووقفت ترتب شعرها.
كان عمر سيتحرك لكنها همست نحوه " أنا عندي نظريات ثانية كتير لو عايز .. ابقى تعالى "
توسعت ابتسامة على وجهه وأوماً بحماس " سأفعل. "
كانت دولت قد ظهرت أمامهما فجأة ووجهت كلامها لها " ماذا تفعلين هنا ؟ "
ارتعبت لأن دولت بالفعل تشك بها وتكرهها وهي لا تعلم لماذا حتى الكنها فوجئت بعمر يتدخل " ما دخلك أنت ؟ أنا أحادثها ... ولا أظن أن محمد باشا سيعترض على هذا، تعرفين أنني أخيه في الرضاعة وهو قد راني أحادث بعض جارياته من قبل بالفعل من ضمتهن المفضلة له، كريستين. "
حمحمت دولت و تراجعت فورا لتومي " آسفة يا بيك " تم السحيت بعيدا فضحكت عائشة " مش عارفة مالها بتكرهني جدا ! "
" لا عليك، جميعهم يكرهون المختلفون، وأنت مختلفة .. لذلك يشعرون بأنك ضدهم أو شيئا ما .. أنا أعاني من ذلك كثيرا. "
" هو أنت أخو محمد باشا في الرضاعة فعلا ؟! "
" نعم، كانت خالتي صغيرة في السن كثيرا عندما أنجبته لذا أرضعته أمي بعد ولادتي بدلا عنها لأنها كانت ضعيفة ولأنها أرادت جعلنا إخوان..
" يقولك هو مافيش مكتبة هنا ؟ "
فور قولها لهذا وجدت ابتسامة مستقرية تعلو وجهه، مكتبة ؟ ما خصها بالمكتبة ؟
" هل تريدين كتاب ؟ " نبرته المستعجبة جعلتها تقلب عينيها وهي تومئ، لماذا أمر القراءة غريب لهم هكذا !!!
" سأجلب لك كتابي المفضل، إنه رواية أسطورية عن ملك الجان الذي وقع في حب ملاك وأقام الحروب للحصول عليها، مترجمة من الفارسية إلى العربية والتركية " قال بحماس ثم استدار
ليرحل وهو يصبح دون أن يلتفت لها
" سأبحث للي عن النسخة العربية، سأود معرفة رأيك به أيتها الغريبة. "
راقبته يبتعد وهي تبتسم بتوسع، تشعر بالألفة تجاهه، ولديها شعور عميق بأنها رأته من قبل، لكن اين ؟ لا تعلم !! حاولت عصر عقلها كثيرا لتتذكر لكنها تفشل في كل مرة، وجهه مألوف بشدة لكن
ذاكرتها لم تستجب لها.
في المساء عاد محمد إلى جناحه ليحدها امام وجهه، لاحظت كتانا في يديه فرفعه نحوها بلا مبالاة " عمر جلب لك هذا، أرى أنكما تحدثتما سويا .. "
" أيوة قابلته اتكلمنا شوية صغيرين " قالت والنقطته من يده بحماس لكن الإحياط خيم على وجهها شيئا فشيئا عندما وجدت جميع الحروف باللغة التركية التي لم تفهم منها شيئا
" يخبرك بأنه لم يجد النسخة العربية وقالت أمي أنك تتحدثين بعض التركية .. " قال وهو يخلع التاج عن رأسه ثم بدأ بفك أزرار تويه، كان قد قابل عمر في طريقه إلى هنا وقد أراد التحدث بشيء على حد قوله : مهم جدا، لكن محمد أخبره أنه ليس في مزاج جيد للتحدث الآن فسلمه
الكتاب وخرج من القصر يتسكع كعادته.
" لا مش يعرف ..." أجابت بضيق ونظرت نحوه ثم لمعت عينيها وقفزت أمامه لتمثل وجه
مستعطف " بودي ... "
ضيق عينيها وابتلع لعايه، ماذا تريد منه تلك الشيطانة !!
" !أجل ؟ "
" بودي ما تقرأهولي ! " همست وهي تلعب بياقة ثوبه المفتوحة فايتلع لعابه وارتفعت ضربات قلبه لكنه تذكر عندما فعلت نفس الشيء لتهرب منه وعقد حاجبيه ليزمجر " لا. "
" بوديي ... " ترجته فأشاح بوجهه بعيدا بعناد وهذا جعلها تردف " ما تبقاش رحم | بعدين لسة
الساعة خمسة ... هتعمل إيه في الوقت ده !! "
توسعت عينيه وزمجر " أنت هي الرحمة ! "
أزالت يدها عن ثوبه وتمتمت " ماشي براحتك أنا هخلي عمورة يقرأهوني. "
فوجلت بيده تمسك بذراعها وهمس من تحت أسنانه " ماذا قلت ؟! "
ارتعبت وجف حلقها وهمست بنبرة مبحوحة " ما قولتش ! "
نظر لها من أعلى يأعين متوعدة " جيد، ولى أقرأ لك الكتاب اللعين !! "
" ليه || " صاحت بغيظ فسخر " إنه كتاب سخيف ! شخصية البطل لم تعجبني - حرب طائلة الله لأجل أنثى ؟ يبدو فاقدا لعقله .
" أنت ليه بتكره الستات " قالت فجأة فوجدته يضيق عينيه وينفي برأسه " لا أكرهكن ! " "
طب لما انت ما يتكرهناش ليه مش بتحترمنا ؟!! "
" هل ضربتك أو فعلت لك شيء !! " شبك يديه أمام صدره وبدأ الغضب يتملك منه
" هو مادام ما بتضربناش يبقى هو ده الإحترام في نظرك هو عشان أنت شايف حبة بهايم بيضربوا الستات فأنت قررت إنك يتحترمنا لمجرد انك مش فى نفس مستوى البهيمية ؟! "
صك على فكه وحاول تمالك أعصابه ثم رسم ابتسامة صفراء على وجهه وهمس من تحت أسنانه بصوت منخفض فقط هو يستطيع سماعه " ها نحن ذا سنبدأ الوصلة اليومية بقيادة
المدافعة عن حقوق النساء عائشة ! "
" الإحترام يا باشا أنك تعاملها كإنسان، لانها إنسان !! ومش عشان ما بتضر يهومش تبقى بتحترمهم اده حقنا ان ماحدش يضربنا وأنت ما يتتفضلش علينا بيه !! "
" أنت بتكره الستات من جواك وده بينعكس على تصرفاتك ! وحقيقي مش قادرة أفهم ليه الحاقد اللي بتوجوه لينا ده من غير ما تعملكم حاجة | أبسط حقوقنا بتتفضلوا بيها علينا !! "
رفع يده ليمسح بها على وجهه بنفاد صبر ثم مد يده الأخرى ليمسك بذراع عائشة من جديد
وتمتم بغيظ "تعالى، ساقرا لك الكتاب اللعين. "
ابتسمت متناسية ما كانت تتحدث بشأنه وأردفت بحماس " بجد يا بودي ؟ كله ؟ "
نظر لها بابتسامة خافتة، يسهل تشتيتها ... " لكن بعد أن تأكل، أنا جانع ! "
فور إنهاءه الجملته سمع طرقا على الباب فأكمل " هذا الطعام، احضريه. "
أومات وأسرعت نحو الباب وهي تتضور جوعا هي الأخرى وفتحته على عجل لتلتقط الصينية من يد الخادمة وأغلقت الباب بسرعة دون النظر المحتواها ثم وضعتها على الطاولة أمام محمد الذي دقق النظر إلى الأطباق وبدأت علامات الامتعاض تعلو وجهه ليزمجر " سبانخ !! "
توسعت عينيها وارتسمت ملامح الضيق على وجهها هي الأخرى، لكنها كانت متجلس وتأكل على أي حال رغم عدم حبها للسبانخ وما أوقفها هو محمد الذي نظر لها بنظرة أرعبتها " هل
تحبين السبانخ "
سارعت بالنفي بخوف " لا والله ما بطيقهاش | "
" إذا من طلبها " زمجر فابتلعت لعابها بقلق ما مشكلته مع السبانخ !!
" وربنا ما أنا .. " أنكرت يخوف من جديد ورأته ينهض بشر متوجها نحو الباب وخرج ثم سمعت
صوت صراخه بالخارج
" بلال أيها اللعين أخبرتك مرارا وتكرارا بأنني لا أحب السبانخ ! ما المشكلة في فهم هذا !! ولم
يكفيك طبخها في صنف واحد بل وضعتها في الخبز أيضا 11 منذ متى يتم وضع السبانخ في الخبز واللعنة !! ولم تكتفي بهذا بل اخترعت لي حساء السبانخ !! "
مرت دقيقة صامتة لم سمعت صوت صراخه من جديد
" أمي طلبتها فتطبخها لها، لا لي !! أنا أتضور جوعا وكل ما لديك هنا هو سبانخ بالطماطم، خبر بالسبانخ وحساء السبانخ ... قل لي هل وضعتها في الحلوي ؟ اخترعت بقلاوة بالسبانخ ؟ ولو
طلبت عصير سيكون بالطبع عصير البرتقال بالسبانخ !! "
دقيقة صمت أخرى وصوت صراحه وصل إلى أذنيها مرة أخرى.
" جهز لي شيئا سريعا واللعنة لا احتمل الم أتناول الإفطار ولم أتناول أي شيء منذ الأمس "
" ولو سمعت حتى كلمة سبانخ في هذا القصر مرة أخرى فسأحيسك في زنزانة انفرادية ولن أضع لك إلا السبانخ وبعدها سأفتح بطنك وسأحتيك بالسبانخ. "
كانت تستمع بضحكة مكتومة وهي تلقبه في عقلها بسيد سبانخ بعد أن قررت أن اللقب يليق به كثيرا حتى رأته يقتحم الغرفة غاضبا من جديد فأخفضت ابتسامتها بخوف، يبدو مرعباً وهو
غاضي، ويغضب عندما يجوع .. مثل الطفل !
" ازيلي تلك الصينية من أمام وجهي | " زمجر فيها فنهضت لتمسك بالصينية فوزا وهي تهمس " امشي يا سبانخ، امشي خلاص ... " ثم فتحت الباب ووضعتها بالخارج وعادت له
بلال هيبقى شكله مسخرة جدا وهو محشي سبانخ، " تمتمت وهي تجلس بجانبه فرات ابتسامة خافتة ترتسم على وجهه، حاول إزالتها لكن غمارتيه كانتا تنحفران على خديه أكثر وسرعان ما ضحك
" أنت سيئة، لقد كنت غاضنا وأصحكتيني، " قلب عينيه فأكمات
" أنت ممكن تعاقبه كمان بإنك تحطه في حساء السبانخ بعد ما تحشيه سبانخ وبعدين تطلعه
وترش عليه حبة سبانخ ... وتكتب على قبره شهيد السبانخ. "
علت قهقهاته الرجولية التي أحباتها كثيرا، سماع رجلا يضحك ... لطالما كانت تحب سماع قهماتهم المميزة وهو قد امتلك ضحكة لطيفة تتخللها بحة جميلة، أو لديها مسجل للصوت
لكانت سجلتها لتسمعها مرارا وتكرارا
" أنت ما بتحبهاش ليه ؟ بغض النظر عن إن طعمها وحش فعلا .. " ضحكت فأجاب " امي كانت تجبرني على أكلها وأنا صغير، لذلك أكرهها بشدة. "
" أنا كنت بطلب بيتزا لما ماما كانت بتطبخ سبانخ " قالت فعقد حاجبيه " بيتزا ؟ ما هي البيتزا
لمعت عينيها وأجابت " دي أكلة جميلة جدا، بس أنا بس اللي أعرفها ! "
" تستطيعين طبخها ؟ "
جمحمت بابتسامة صفراء وتذكرت الخمس وعشرون صينية بيتزا التي قامت بإفسادهن لكنها ورغم ذلك أرجعت ظهرها إلى الخلف ووضعت قدما فوق أخرى لتجيب بغرور " أومال أكيد يعرف أطبخها .. "
" متى ستطبخينها لي ؟ " سأل فجف حلقها لكن الطرق القادم من الخارج أنقذها وخاصة عندما نسي محمد وأكمل بحماس " احضري الطعام، أكاد أموت جوعا. ".
" وهكذا قام الملك سالكياف بتجهيز جيشه كاملا للذهاب نحو السماء إلى أرض الملائكة .. " كان يجلس مسندا ظهره على ظهر السرير ويقرأ أثناء تعليقها لعينيها عليه بتركيز وهي تجلس أمامه
مربعة قدميها بعد أن انتهيا من الطعام وهدأ محمد كثيرا
" ثم رفع سيفه وقال : هذه الحرب لأجل الحب الراء ستسقط من الحرب يوما وسيبقى الحب شاهدا على التضحية " أكمل ثم سخر يغيظ " سخيف .. " فتكرته عائشة " يطل تفصلني بعد إذنك ! "
" إنه حقا سخيف ! ماذا لو كانت تلك الملاك لا تحبه بنفس القدر ؟ أو تمثل عليه الحب فقط ؟ النساء ليسوا بتلك البراءة !! فقط الرجال أغبياء وينقادون خلفهن حتى أن الله قال في كتابه العزيز إن كيدكن عظيم ! "
" يعني هما الرجال هما اللي ابرياء وبعدين ربنا قال اللي عزيز مصر قاله، ولولا مكر الرجال لما وجد كيد النساء ! ثم ممكن الملاك تكون بتحبه على فكرة !! "
أغلق الكتاب فجأة ونظر نحوها " هل تؤمنين بالحب حتى ؟! أراهن على كونك لا تفعلين ! " عقدت حاجبيها باستغراب " ليه بتقول كده ؟! "
رمقها بصمت الفترة تم فتح الكتاب مجددا ليكمل القراءة دون إجابتها لكنه فوجئ بها توقفه " ده
على أساس إنك أنت اللي بتؤمن بيه "
شاهدته يرجع بعينيه نحوها، شدد على فكه تفاحة آدم تحركت في عنقه عندما ابتلع لعابه تم
أخذ نفسا عميقا وأجاب " ليس من شأنك.".
