رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم فاطمه عبد ربه


 رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الثامن والعشرون 

كان في الحديقة عاري الصدر، يرتدي بنطال قطني مريح وأمامه رجل يرتدي نفس الملابس تقريبا عدى أن جسد ذلك الرجل ضخم ومليء بالعضلات، كيف لا وهو أمهر مبارز في الجيش

ولذلك يستعين به محمد للتدرب على المبارزة.

كلاهما ممسكا بسيفه وبديا على وشك بدأ مبارزة بالسيوف حينما خرجت هي لتقف في الشرفة التراهما

" جلالتك متأكد بأنه من الأمن التبارز بدون سترات واقية مرة أخرى ؟ " قال يوسف وهو يحك عنقه، فبآخر مرة فعلا هذا الأمر، انتهت المبارزة بينهما يجرح عميق على كتفه وبجرحين سطحيين على صدر محمد وذراعه

" هيا لا تكن جبان ! الجو حار بشدة وأنا لا أطيق ملابسي ! " ضحك محمد فانتبهت لهما أكثر وسرعان ما بدأ القتال

كلاهما محترفان بشكل كبير ! لكن على حين غرة كان يوسف سينال منه عندما انتبه محمد على تحديقها لهما من النافذة وتشتت قليلا

صك على فكه بغضب ... في كل مرة تظهر بها أمامه تحدث كارثة !!

حاول تجاهل عينيها المعلقة عليهما وإكمال المبارزة لكنه توقف فجأة ونظر نحو يوسف عاري الصدر ثم رجع بعينيه إلى عائشة التي ما زالت تراقب بشغف !!

" ارتدي ملابسك يوسف .. " قال وهو يمسح بعض العرق المتكون تحت عينيه فعقد يوسف حاجبيه " لكن جلالتك ... أن الجو حار بالفعل ! "

" ارتدي ملابسك يوسف لن أعيد كلامي ! " زمجر فتحرك يوسف ليلتقط سترته ليرتديها على

عجل بينما رفع محمد رأسه لينظر إلى عائشة وأشار لها بالدخول وعدم النظر،

لكنها تجاهلت إشاراته وبقيت تشاهد، عندما يعود ستخبره بأنها لم تفهم ما الذي كان يريده

!! 27 قليل

تجهم وجهه وأشار لها بالدخول بغيظ فرفعت يديها ولوحت له وهي تضحك، سيفقد عقله بعد

" يا غبية .. " همس من تحت أسنانه وهو يراها تلوح له يطفولية من الشرفة لكنه سرعان ما وجد يوسف أمامه مرة أخرى بكامل ملابسه ورفع سيفه ليهمهم " تكمل جلالتك ؟ "

أوماً وعاد ليكمل لكنه لم يكن منتبها بالشكل الكافي، فعيناه تزوغ مرة تلو الأخرى ناحية الشرفة التي تطل منها هي حتى انتبه يوسف لذلك ورفع رأسه ليرى ما الذي ينظر له محمد باشا فاصطدمت عينيه بعائشة وحينها وجد محمد يرفع يديه ويمسك برأسه ليديرها نحوه " ركز

هنا. "

" عفوا جلالتك .. " حمحم وعادا للقتال من جديد لكن محمد وجد يوسف يرفع عينيه مرة أخرى نحو الشرفة فرفع يده بالسيف وجرحه جرحًا سطحيا على ذراعه عمدًا

تا وه يوسف ووضع يده على ذراعه الذي جرح للتو من سيف محمد ليجد محمد يدفعه في كنفه " لم تكن منتبها وهذا جزائك !! "

" أعتذر جلالتك. " قال فاهما تلميحه ليدرك فورًا أن الواقفة في الشرفة هي إحدى حريم الوالي .. وهو لم يحبذ أبدا أن يطيل أحدهم النظر لحريمه

يكفي هذا اليوم، يمكنك الرحيل " قال محمد ورمى بسيفه ثم تحرك بسرعة نحو القصر في حين ابتلعت هي لعابها ودخلت بسرعة لتغلق الشرفة وجلست بهدوء على الأريكة

بالطبع سيتشاجر معها؛ فهي قد رأت كل ما حدث غير أنها لم تسمع شيء الكنها رأت ملامحه المتجهمة .. ما بال هذا الرجل يغضب من اللا شيء !!

شعرت بألم في بطنها لكنها تجاهلته عندما فتح الباب بقوة فأخفضت رأسها لتلعب بأصابعها متفادية النظر له، في حين وقف هو والعرق يقطر منه والغيرة تشتعل بداخله يخترقها بنظراته الحاقدة، تتصرف وكأنها بريئة لم تفعل شيء !

فوجئت بقبضته على ذراعها تم سحبها لتقف أمامه ونطق من تحت أسنانه " ما الذي كنت

تفعلينه في الشرفة اللعينة ؟! "

شعرت بالخوف منه وأجابت بتقطع " كنت ... كنت بتفرج .. "

" ألم أشير لك بالدخول وغلق النافذة ؟ " زمجر مرة أخرى فرسمت ملامح باكية على وجهها

وأردفت " افتكرتك بتعملي باي باي !! "

" باي باي ماذا ؟! " عقد حاجبيه يضيق، والآن تبدأ بالهرتلة بذلك الكلام الغير مفهوم !!

" قصدي إنك بتنوح لي ! " قالت فتوسعت عينيه " أنوح !!! "

" بتلوح .. بتلوح .. " صححت بخوف فنظر لها بأعين ضيقة، لا .. هي كاذبة؛ فهي ذكية كفاية لكي تفهم أنه كان يشير لها بالدخول !!

شدد قبضته أكثر على ذراعها الطري تم همس من تحت أسنانه مهددا " مرة أخرى لو رأيتك تنظرين من تلك النافذة اللعينة وهناك رجلا ما سأضعك بالقبو حيث لا يوجد أي ثقب تستطيعين

منه النظر إلى الخارج، مفهوم ؟ "

أومأت بسرعة وتأوهت " ماشي بس سيب إيدي !! " ثم حاولت الإفلات من قبضته لكنها لم تستطع فتمتمت بضيق " إيه يعني أنا ما عملتش جريمة !! أنا كنت بتفرج !! "

" الرجل كان نصف عاري !! " صرخ في وجهها فأردفت " أنا كنت بتفرج عليك أنت .. "

شعرت بقبضته ترتخي على ذراعها فرفعت عينيها لتجده يهدأ قليلا وسرعان ما ترك ذراعها ثم رفع سبابته في وجهها " لو لم تنفذي كلامي ستعاقبين، لن تقلتي بها مثل كل مرة، حسنا ؟ "

أومأت فوزا وهي تنظر إلى الأسفل لكن عينيها أصطدمت بعضلات بطنه فأشاحت بوجهها بعيدا وهي تقبض على شفتيها، حين كان هو يراقبها من أعلى ...

" تفضلين العضلات الضخمة ؟ " سأل فجأة فرفعت رأسها له ونفت " لا. "

شبك ذراعيه أمام صدره " لماذا ؟ جميع النساء يفعلن ! "

" مش عارفة ! " قالت بإحراج فعاد ليسأل من جديد " إذا، أي شيء تفضلين ؟ "

توترت بشدة وهي تقبض على شفتيها تم نظرت بعيدًا ولم تجيب فكرر بلهجة آمرة " لقد سألت سؤال، أي شيء تفضلين ؟ "

صعدت الدماء إلى وجهها من الخجل وفتحت فمها وهي تحارب لتجيب عندما كان يراقب هو جميع تصرفاتها، هو قد حصل على إجابته دون أن تتحدث .. وهذا جعله يبتسم ثم أمال عليها

ليهمس في أذنها " مثلي، صحيح ؟ "

تصبغ وجهها تماما خاصة عندما أكمل همسه بنبرة لعوبة " قوليها، قولي أنني النوع المفضل لديك .."

بدأت وتيرة تنفسها تزداد وهي تتفادى النظر نحوه، لا تستطيع إنكار ما قال .. فنعم كان محمد هو النوع المفضل لها كشكل، لكن كشخصية لا وألف لا هي تفضل الرجل اللطيف ومحمد ليس بلطيف على الإطلاق ....

" قوليها وأنا ملكك " همس نحوها مرة أخرى ورأت صدره يعلو ويهبط لكنها لم تستجيب، لم تتفوه بحرف

" حسنا، كما تريدين ... لكنني لست ملكك إذا " غمز نحوها ثم ابتعد وهو يقهقه ليدخل إلى المرحاض.

وقفت تنظر نحو الباب، هذا الرجل ماكر بشكل لا يصدق ... أصبحت تشعر بأنه ليس مغفل كما كانت تعتقد ! فحتى عندما سألته عن حق المكاتبة صمت قليلا ونظر لها ليجيب بثقة

" حق المكاتبة هو حق تحرير العبد لنفسه نظير مبلغ من المال يكسبه بعرق جبينه يتفقا عليه هو وسيده ... وهذا لا ينطبق على الجواري من النساء بل على العبيد من الرجال. "

كانت تشعر بأنه يكذب .. لم تريحها نظراته ! لكنها ركزت أكثر على أن حتى هذا الحق مسموحللرجال وليس مسموح للإناث !! وهذا دفعها للغضب كثيرا وهاجمته فوزا بكلامها " ليه ؟ مش كلنا بني آدمين ؟ "

" نعم، لكن هذا هو القانون .. " قال ثم نهض وتوجه بسرعة إلى السرير لينام وكأنه يهرب من ذلك النقاش الذي بالطبع سيخسر فيه لو بقي يجادل أكثر لأنها بكل تأكيد محقة في ما هي كانت مقبلة على قوله، لكنها على كل حال سألت عمر عن حق المكاتبة وهو قد أخبرها الحقيقة

فللجارية الحق بشراء نفسها مثلها مثل العبد، وبمناسبة عمر، لقد تكلما كثيرا لكنه لم يعطها إجابة واضحة لطلبها في الخروج بدون علم محمد، أخبرها بأنه فقط سيفكر في الأمن لوهلة شعرت

بالخوف من أن يخبر محمد لكن عمر بدى وكأنه ليس من ذلك النوع من الأشخاص، ولن يشي بشيء قد أخبرته به، خاصة أنها قد قالت له بأنها قد طلبت من محمد أن يخرجها بنفسه لكنه لم

يوافق بدون أي سبب واضح.

أيقظها خروج محمد من المرحاض يلف المنشفة حول خصره من جديد، لا تعلم ما هي مشكلته في البقاء أمامها عاري !! وكأنه يستعرض جسده أو ما شابه !

سمعت طرقا على الباب فقال " افتحي الباب واحضري الطعام. "

هل سيأكل هكذا !!

تحركت بتراخي نحو الباب لتأخذ الصينية من يد الخادمة ثم توجهت نحو الطاولة لتضعها عليها، حين كان محمد انتهى من تمشيط شعره المبتل وجلس بمنشفته على الأريكة أمام الطاولة ليأكل.

شبكت يديها أمام خصرها ورمقته بضيق قبل أن تشيح بوجهها بعيدا، ما بال هذا الرجل حقا !! ألا يمتلك ذرة من الحياء !!

رفع رأسه نحوها ليجدها تنظر إلى اللا مكان فحمحم " ألن تأكلي ؟ "

" لما تبقى تلبس حاجة الأول ! " سخرت دون أن تنظر إليه وفوجئت بضحكة عالية تملى الغرفة سافل وليس لديه أي ذرة من الشعور .. فقط ينحرج من فعل أشياء لطيفة كجلب وردة لها، أما

أفعاله المشينة كالبقاء نصف عاري لا تمثل له أهمية !

وضع لقمة في فمه تم سخر رافعا كتفيه بلا مبالاة " إذا لا تأكلي ! بدأت تزيدين في الوزن على أية حال .. ".

توسعت عينيها وشعرت ببركان يغلي بداخلها فورا فلم تمنع نفسها من النظر إليه لتلقي بنظرات كالنيازك عليه وأنكرت " مين دي اللي زادت في الوزن يا حبيبي !!! "

رفع حاجبه الأيمن وأجاب بتحدي " أنت ! بالطبع ليس أنا .. أنا أمارس التمارين الرياضية لست نائم نصف الوقت !! "

نظرت لجسده المفضل لوهلة ثم شعرت بالغيظ يتملك منها " أنت كداب بعدين ما تروح تشوف جواريك !! ده أنت عندك ثلاثة منهم معديين الطن يا ابني !! "

ضحك ضحكة خافتة وغمر نحوها " أحب التنوع ! "

نفخت الهواء من أنفها وسرعان ما صرخت " يتحب التنوع تقوم تشتري تسعة وعشرين جارية | أنت فاكرنا فاكهة ولا إيه !! "

" بلى .. لو دققت النظر ستجدين ولا جارية منهم تشبه الأخرى ! هناك القصيرة وهناك الطويلة وهناك السمينة والرفيعة وهناك اللطيفة وهناك .... الشيطانة الخبيئة ! "

ضيقت عينيها نحوه، لماذا تشعر وكأنه يقصدها ؟!

" أن الخبيثة كريستين ! " ابتسمت ابتسامة شيطانية وكأنه لا يعنيها بكلامه وقد كان يشرب من كوب المياه فضحك ودخل الماء إلى حنجرته وكاد يصل إلى أنفه فبدأ بالسعال فوزا

بقي يسعل لفترة ثم حمحم بوجه أحمر وهمس بخفوت وهو يضع يده على فمه " ستقتلني يوما أقسم ... "

" ما هي مشكلتك مع كريستين أنا لا أفهم حقا ! " قال وهو يشبك يديه أمام صدره العاري لكنها لم تجيبه وحينها أكمل " أنا لم أقترب لأى جارية من قبل مجيئك بثلاثة أشهر ولا حتى كريستين

ظهرت معالم الصدمة وعدم التصديق على وجهها فحملقت به بأعين متشككة " يا راجل ! طب بالنسبة لإنك كنت بتعاقبهم لحد مدة قصيرة بإلغاء لياليهم ده كان إيه ؟! "

ابتسم بخفوت ليهمس " ذاكرتك جيدة ودقيقة الملاحظة، لكن لا فائدة من الكذب عليك .. نعم كنت أجلبهن إلى هنا فقط لأجل سمعتي أمام جميع من في القصر ... لكن لمسهن ؟ لا لم أفعل منذ

الستة أشهر الآن .. لم أقترب من أية فتاة. "

" عايز تفهمني إنك بعدت عنهم بالبساطة دي ! "

" نعم بهذه البساطة، أنا لست فتى مراهق يا عائشة وأعرف كيف أتحكم بنفسي وأظنك تعرفين ذلك جيدا، أنت أكثر فرد يجب أن يكون متأكدا من هذا، تنامين في سريري منذ الثلاثة أشهر وأنا لم أفعل لك شيء، وفي حالتهن لم يكن على التحكم بنفسي لأنني لم أكن أشعر بأي رغبة نحو أي

واحدة منهن مؤخرا. "

" !ليه ؟ "

" لا أعلم ! مللت .. من جميع النساء .. " أجاب وهو يرفع كتفيه من جديد

" بس هما مش شبه بعض على فكرة ! بعدين تمل من تسعة وعشرين جارية !! "

جميعهن يشبهن بعضهن في نظري، جميعهن نفس الشيء .. لم أكن أشعر بهذا منذ سنة مثلا لكن منذ وقت ليس بقريب أنا بدأت أمل وتنتابني رغبة بالإبتعاد عنهن جميعًا، حتى أنني ذهبت السوق النخاسة بنفسي بعدها للكثير من المرات وشعرت بأن جميعهن أيضا نفس الشيء ... "

" غريب .... " تمتمت فأمال برأسه " لماذا ؟ "

رمقها بصمت وبدون أي ردة فعل، كان وجهه جامد تماما ثم رفع يده ليحك عنقه وأجاب ببساطة  " لا أشعر بالملل مناك. "

" أصل أنا شبه عايشة معاك في جناحك تقريبا ! "

رأى ابتسامة خافتة تعلو محياها لكنها زالت فورا ووضعت خصلة من شعرها خلف أذنها بتوتر ولم تعلق بأي شيء

" لم أقيم أي محادثة مع أي فتاة من قبل، لذا .. أظن أن ذلك هو السبب .. تتجادل دائما وعلاقتنا ببعضنا عبارة عن أحاديث ومشاجرات ومجاذبات كما نتشارك أنشطة مثل القراءة .. الأمر ليس ممل كنقضية ليلة مع فتاة ثم الرحيل في الصباح لتأتي جارية غيرها ليلا وهكذا .. " أكمل

ببساطة أيضًا

أومأت بتفهم لكنها شعرت بالقلق الشديد .. إن علاقتهما غريبة حقا مثلما قال، تشبه علاقة ال ..... لا ... هي لا تريد التفكير في هذا الأمر لأن ذلك ليس بصحيح .. هما ليسا شريكين

" صامتة ! " قال عندما لم تعطيه أي ردة فعل فحمحمت منظفة حلقها وسرعان ما وقعت عينيها على قدمه لترى جرحًا عميقا في منتصف قدمه اليمنى لكنه ملتنم

نظر إلى حيث تنظر ثم توتر قليلا وحمحم " ما زلت لا تريدين الأكل ؟ " ونهض ليردف " أنا راحل على أية حال .. كلي، تركت لك صدر الدجاجة كما تفضلين وكما أنني كنت أمزح بشأن زيادتك في الوزن، تبدين رائعة كما أنت. "

و سرعان ما تحرك نحو المرحاض مرة أخرى حينما عقدت هي حاجبيها ونظرت إلى الطعام، متى لاحظ أنها تحب الصدر وليس الفخذ ؟!

هذا الكاذب المحتال .. هو يحب الفخذ ولذلك تظاهر بكونه ترك لها الصدر لكي يظهر كرجل لطيف ومراعي أمامها !

عاد بكامل ملابسه ليقف أمامها وأشار إلى زر في ياقة ثوبه الرمادي اللون " هل يمكنك غلق هذا ؟ لقد حاولت ولم أستطع ! "

اقتربت منه ثم رفعت يدها لتحاول إغلاقه حين كان هو ينظر إلى ملامح وجهها التي بدت مركزة بشدة، خاصة حينما لم تستطع غلق من أول مرة، قبضت على شفتها السفلى وهي تعاود المحاولة من جديد.

رفعت عينيها فجأة لتصطدم بزرقاوتيه تراقياتها بتركيز، هي لم تنظر لعينيه قريبا هكذا من قبل ! إن مقلتيه جميلتان بشدة ... ازرقاقهما صافيا تماما وبهما لمعة غريبة

" عائشة .. " همس ثم حمحم " الزر !! "

استفاقت وتوترت فجأة وسارعت بالنظر نحو الزر من جديد وهذه المرة هي نجحت بغلقه رغم يديها المرتعشة

" شكرا لك " قال وطبع قبلة على وجنتها فجأة فتصنمت في مكانها بعد أن شعرت بالشلل يصيب رأسها وقبل أن تستوعب ما الذي حدث للتو كان قد خرج من الجناح بعد أن وضع التاج على رأسه.

تحركت لتجلس على الأربكة وهي تحاول تنظيم أنفاسها السريعة ثم رفعت يدها إلى وجنتها لتستشعر الحرارة المنبعثة منها، بدأت كلماته تعاد على عقلها من جديد كل ما قال .. لم يقترب من أية فتاة منذ الستة أشهر ؟

الهذا أخبرها زيدان عندما اشتراها بأنه يبحث عن جارية مختلفة ؟ نعم، لقد قال بأنه سأم الجميع .. لكنه يبقيها معه !

هل أصبح زير نساء متقاعد ! .. رائع، إنها تكتشف أشياء جديدة به كل يوم !

انتبهت إلى ضربات قلبها التي تنبض بقوة وحاولت إخراجه من عقلها وسرعان ما تذكرت بأنها لا يجب أن تفكر فيه لأنها ستهرب من هنا قريبا، حتى ولو لم يساعدها عمر.

عاد محمد إلى القصر في المساء كالعادة وكالعادة أيضا توجه إلى جناح أمه ليقبل رأسها وتوجه بعدها إلى جناحه ليجد عائشة تجلس أمام مكتبه وتمسك بورقة وتبدو منهمكة بكتابة شيء مهم

حمحم ليجذب انتباهها لكن يبدو أنه لم يفلح فرأسها مازال منخفض وعينيها على الورقة ومازالت تضع الريشة الخشبية في فمها بتركيز

تحرك بخفة ليقف ورائها وينظر نحو الورقة ليعرف ماذا تفعل ليجد هناك حروفا مكتوبة لا يتبينها ولا يفهم ما هي

" ماذا تفعلين ؟! " سأل فجأة من خلفها فانتفضت بخوف وتذمرت " ينفع كده ؟ الناس بتحمحم

أو بتقول السلام عليكم أو أي حاجة ! "

تحرك ليستند على مكتبه أمامها وشبك ذراعيه امام صدره " حمحمت ولم تنتبهي، تبدين

مشغولة جدا ! "

" أيوة، أصلي بحاول أفتكر النظرية النسبية لأينشتاي ... لا مش لأينشتاين خلاص ما بقيتش لاينشتاين دي بقت بتاعتي لعائشة أيوة النظرية النسبية لعائشة جمال محروس ! "

عقد حاجبيه بدون فهم " النظرية النسبية ؟! "

" أيوة، مالكش دعوة أنت بس أنا عارفة أنا بعمل إيه، هفتكر كل اللي أخدته في ثانوية عامة أحياء بقى وجيولوجيا وفيزياء وكيمياء ... هحط اسمي فيهم كلهم، مش كفاية دخلت كلية

حقوق بعد ما كنت علمى علوم !! "

رفع محمد رأسه للسقف بيأس وهمس " يا الله الهمني الصبر !! "

" بص دي. " قالت وهي ترفع يديها أمامه بورقة مرسوم عليها شيئا بيضاوي الشكل

" ما هذه ؟ فاصوليا ؟ " سخر فقلبت عينيها " دي الميتوكوندريا، أصلي رسمت شكل مفصل للخلية. "

رفعت يدها بورقة أخرى ليجد شكل دائري وبه الكثير من النقاط فسخر من جديد " مهلا مهلا ! لا تقولي .. أنا قد عرفتها .. هذا طبق من البازلاء صحيح ؟ "

" طبق بسلة ؟ ده السيتوبلازم يا بيه ! "

" لست بيك، أنا باشاء " قال وهو يعدل من هندام ملابسه فرفعت حاجبها وتحاذقت " بس مازلت

إنسان، والرتبة مش هتخليك حاجة أعلى من الإنسان، هتعيش وتموت إنسان. "

ضيق عينيه ونظر لها بتعجب " من أين تأتي بهذا الكلام حقا !! "

نهضت له بتكاسل وغمرت " من عقلي تعرف أن العقل هو ثاني أقوى شيء في الإنسان ؟ "

" وما هو الأول ؟ "

أمالت عليه وهمست " انسانيته. "

" ما الذي تقصدينه بالضبط بالإنسانية ؟ "

جلست بجانبه على المكتب وبدأت بتحريك قدميها إلى الأمام وإلى الخلف بطفولية ثم التفتت له لتجده ينظر نحوها بالفعل

تأملت عينيه قليلا وابتسمت لتهمس " الإنسانية هي الإحساس، لما الإنسان بيكون عنده قدرة انه يحس بغيره أو على الأقل يحس بنفسه، يحس بالحزن والسعادة، يحس بالألم والندم، يحس بالتعاطف أو حتى بالكره، طول ما هو قادر يحس فهو مازال إنسان. "

رمش بعينيه قليلا، ابتلع لعابه وشعر بضربات قلبه ترتفع، عقله دخل في دوامة لكنه أجبر نفسه على الاستفاقة منها ليسألها بتردد

" هل تظنينني إنسان ؟ "

" بتحس ؟ "

" أظن ذلك .. "

" يبقى أكيد أنت إنسان. "

" حتى لو ارتكبت الكثير من الأخطاء ؟ "

نظرت له لوهلة بصمت، شبه تعرف إلى ماذا يرمى ...

" قصدك قتلت الكثير من الأشخاص ؟ "

" لم أقتلهم دون ذنب، كانوا فاسدون ويستحقون، وكان معظمهم من الخونة المتأمرون على الخلافة !! لكن من كثرتهم ظنني الناس سفاحًا ! ومنذ ذلك الحين قررت استغلال الأمر وبت

أهدد بالقتل كثيرا لذا أصبح الجميع يخافون بشدة. "

توسعت عينيها وضحكت " بالنسبة لجدو برستيجي اللي كنت هتقطع رقبته ؟ "

رفع يديه ليحك عنقه وحمحم ليجيب وهو لا ينظر إلى عينيها " كنت غاضيا لكونه أراد فعل السوء بك .. وقررت أن من يفعل ذلك بفتاة فيستحق القتل، أنا لا أقتل بدون سبب قوي، لكنني لن أتردد يفعلها ما دام هناك سبب. "

لماذا صورته بدأت تنصلح في عينيها ؟ فجأة صورته القديمة كقاتل ومعتدي وزير نساء قذر بدأت تتلاشى لتحل محلها صورة رجل آخر جديد يحاول أن يتوقف عن أفعاله السيئة !

مرت فترة صامتة بينهما فحمحم " إذا، لماذا ترسمين فاصوليا وطبقا من البازلاء ؟! "

لكنها لم تضحك هذه المرة بل أمسكت ببطنها التي يؤلمها منذ الصباح وقفزت عن المكتب التهرول بسرعة نحو المرحاض لتمكث به مدة طويلة حتى قلق محمد عليها وصاح " هل أنت

بخير ؟ "

لكن لم يأته صوت سوى صوت تقيؤها بالداخل فطرق على الباب ثم فتحه بتردد ليجدها منكفئة على الأرض وتمسك ببطنها فجثى بجانبها ليسأل " ما بك ؟ " لتجيب يتعب

" من الصبح وبطني وجعاني، بس كان خفيف وكنت متحملاه .. دلوقتي مش قادرة. "

" هيا معي، سأجلب لك طبيب ليتفحصك " قال وانتشلها أرضا ليتحرك بها ويضعها على السرير

ثم خرج الدقيقة وعاد ليجلس بجانبها

" هل أكلت شيئا ملونا ؟ "

" لاء ما كلتش غير الفول المطبوخ والفراخ اللي أنت أكلت منهم ! "

أوماً ووضع يده على يدها ليطمئنها " الطبيب في طريقه إلى هنا. ".

بعد النصف ساعة سمع طرقا على الباب فنهض ليفتح ليجد الطبيب أمامه والذي انحنى له وهو يتمتم " جلالتك. " وأمه بجانبه تقف يقلق وقد سألت فوزا " ما بك يا بني ؟ هل تشكو من شيء

نقى برأسه وأجاب " عائشة، بطنها تؤلمها وتشعر بالغثيان. "

لم ينتبه إلى اللمعة الفرحة التي مرت على أعين جورنال ثم استدار وتحرك للأمام فدخلا خلفه وأغلق الحارس الباب

تفحص الطبيب الذي كان في أواخر الأربعينات وجه عائشة ولسانها ووضع يده على بطنها، وكم ود محمد أن يقطع له يده التي لمسها بها، لكن لا يوجد مفر فجميع الأطباء ذكور .. كان يرغب كثيرا في تلك اللحظة لو أن هناك طبيبة أنثى؛ فحينها لم تكن لتأكله الغيرة هكذا

" هل تشعرين بالغثيان وألم بسيط في أسفل الحوض وترغبين بالدخول إلى المرحاض بشكل أكثر من المعتاد ؟ " سألها الطبيب فأومات

" ولديك بعض التقلبات المزاجية والتوتر ربما ؟! "

أومأت بتعب فأكمل " وتشعرين ببعض الخمول والكسل ؟ "

" نعم، لديها تقريبا كل تلك الأعراض " قال محمد فأوماً الطبيب وابتسم ليردف " لا تقلق

جلالتك بسيطة .. يبدو أن هناك خبرا سعيدا .. "

عقد محمد حاجبيه بدون فهم بينما عائشة نظرت للطبيب باستغراب في حين ارتسمت ابتسامة

خافتة على وجهه جورنال

" ما الذي تعنيه لا أفهم ! " استفهم محمد فأجابه الطبيب " مبارك لك جلالتك، جاريتك حامل !".

تعليقات