رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الثلاثون
كان يجلس على مكتبه يتفحص بعض الأوراق على عجل قبل أن يرحل في حين كانت هي جالسة متربعة على السرير بملل يكاد يقتلها، إنها أصبحت لا تطيق هذا الوضع، تشتاق لعالمها.
تشتاق للإنترنت والفيسبوك وكل منصات التواصل الاجتماعي، تشتاق لأصدقائها وأهلها والشوارع والطرقات .. كل شيء بسيط كانت تحصل عليه أصبح الآن غاية لا تدرك إلا بشق
الأنفس ....
رفعت سود اوتيها عن أصابعها التي كانت تلعب بهم لتنظر إليه يبدو منهمكا في قراءة ما بيده
" محمد .. " تذمرت لكنه همهم دون أن يرفع عينيه عن الورق " ماذا ؟ "
" أنا زهقانة وخلاص جبت أخري، خرجني !! " قالت فراقبت ابتسامة جانبية ساخرة ترتسم على وجهه ومازال لم يرفع عينيه عن الأوراق لكنه تجاهلها ولم يجيب
" محمد !!! " صاحت بصوت أعلى فرفع رأسه راسما ملامح هادئة على وجهه وكأنه لم يسمع
" أنا عايزة أخرج، خرجني ! "
" لا " أجاب ببساطة ورجع برأسه إلى الورق ثم نهض عن الكرسي ورتب الأوراق ليأخذها بيديه وتحرك نحو الباب فقفزت أمامه لتبدأ بترجيه
" بالله عليك، وحياة أعلى حاجة عندك يارب تبقى السلطان العثماني بذات نفسه، أنا هموت من الزهق وخلاص مش قادرة !! "
نظر لها بشفقة قليلا؛ فهي حقا محبوسة هنا بين تلك الجدران، لا تكلم أحدا ولا ترى أحدا غيره لكنه يرحل في السادسة صباحا ويأتي في المساء، عكس باقي الجواري اللاتي يحادثن بعضهن البعض ويمرحن معن .....
" سأرى ذلك الأمر عندما أعود، حسنا ؟ " قال وهو ينظر إلى عينيها ليجعلها تصدقه لكنها أعطته نظرة متشككة فرسم ابتسامة مطمئنة على وجهه ووضع قبلة على وجنتها " لا أتلاعب بك.
ستنداقش بذلك الأمر عندما أعود اليوم. "
طلب خليك قاعد معايا وبلاش تخرج ! " تمسكت بنيابه كالطفلة فابتسم ونفى برأسه " لا
استطيع، يجب أن أذهب لدي أعمال. "
" عشان خاطري !! " ألحت عليه وتمسكت بثوبه أكثر لكنه صمم " عائشة ! قلت لدي أعمال !! "
رسمت ملامح باكية على وجهها " يعني هي الأعمال دي أهم مني ؟ " لكنها فوجئت به يومئ "
نعم العمل أهم منك ومن كل شيء ! "
بدت مستاءة منه وسخرت " طب عائلتك أهم ولا العمل ؟ " وصدمت أكثر عندما أجاب بدون
ذرة تفكير حتى " العمل بالطبع. "
ليجدها تعقد حاجبيها وكأن إجابته لم ترق لها
رسم ابتسامة جانبية على وجهه " تظنينني الآن رجلا أنانيا كل ما يهمه في هذه الحياة هو عمله، صحيح ؟ "
لم تجيب فأكمل وهو يميل برأسه نحوها " سأخبرك شيئا مهما يا عائشة، شيء يصعب على النساء إدراكه وفهمه. "
انتبهت له بكامل تركيزها فاقترب أكثر وأكمل
" بدون العمل لا يوجد عائلة بدون العمل لا يوجد زوجة ولا أبناء ولا بيت .. الناس يقولون الحب أهم من العمل والأموال لكن قولي لي هل ستبقين على حب رجل لا يوفر لك اللقمة لتأكلينها ؟ لا
يستطيع شراء حتى فستان بسيط لك ؟ أو حتى يقوم بأبسط واجباته كزوج ؟ "
هل حتى ستحترمينه ؟ بالطبع لا، لن تفعلي، الحب سيتلاشى تدريجيا وستكرهين حياتك معه. الفقر والحب لا يجتمعان، دعك من كلام الروايات والحب الأفلاطوني، عندما تجوعين هل ستشبعين بقصائد الغزل ؟ عندما تحتاجين شيء هل ستشترينه بكلمات الحب والهيام ؟ "
بدى كلامه مقنعا بشكل كبير فابتسم واستقام بصرامة وهو يعدل ياقة ثوبه " أنا أفضل العمل لأن بدون العمل لا يوجد أسرة، أنا أعمل لأجل الأسرة، ولو خيرتني بين أي شيء وأي شخص وعملي فالإجابة ستكون واضحة وبدون تفكير عملي، مهما كان هذا الشخص ومهما كانت درجة قربه مني وحبي له. "
أومأت فغمز لها " لكن ذلك لا يعني ألا يعطي الرجل الوقت لأهله، حتى ولو بأشياء بسيطة کتناول الطعام سويا أو الحديث وبالطبع يجب أن يكون هناك يوما كأجازة لنفسه، أنا أحب أخذ الجمعة كأجازة لي .... الأمر ليس وكأن العمل يجب أن يلغي باقي الأشياء، لكن الأولويات الأهم
أومأت يصمت وراقبته يرحل فعادت لتجلس على السرير يضيق من جديد، ستفقد عقلها عن قریب، حتى أن عمر أخبرها بأنه سيخرجها غذا لأن محمد سيذهب إلى موعد مهم ولن يكون من الصعب خداع الحراس وإخراجها لكن الوضع أصبح لا يحتمل وهي تكاد لا تصبر للغد.
خرج محمد متوجها نحو عمر ليعرف إن كان يصر على عدم الذهاب بدلا عنه إلى حفل الزفاف أم لا طرق على الباب فجاء صوت صباح الآخر من الداخل سامخا له بالدخول
فتح الباب وتحرك إلى الداخل ليجد الآخر جالنا أيضًا على مكتبه وأمامه الكثير من الأوراق وفي يده ريشة يخط بها، لكنه كان متأكدا مئة بالمئة بأن ما يفعله ليس له علاقة بالعمل، فهو عاطلاً لا يعمل وقد اتعب والديه بهذا الأمر.
نظر له محمد بسخرية وترجل ليسحب كرسي ويجلس بجانبه " ما الذي تفعله ؟ "
ابتسم عمر ابتسامة خبيثة ووضع الريشة في فمه ثم رجع بظهره على الكرسي وأجاب " أكتب الرواية. "
" عن ماذا ؟ "
أعطاه عمر نظرة خبيثة من جديد وأجاب " عن ملك الروم الذي وقع في حب جاريته البغدادية لكنه كان يرفض الإعتراف بحبه ويكابر وينكر حتى قابلت الفتاة رجلا آخر أمطرها بكلمات العشق فأحبته وهربت من الملك وانتحر في النهاية "
رسم محمد ابتسامة صفراء على وجهه ورفع إحدى حاجبيه ثم سخر " خطأ، كان من المفترض أن يبحث الملك عنهما ويقتلهما سويا لو أردت رأيي. "
قهقه عمر بخفة ثم أردف بنبرة ماكرة " ربما، لكن في كل الأحوال لن تكون النهاية سعيدة بسبب غباء الملك وعناده..
سقطت ابتسامة محمد ونظر لعمر بشار يعرف أنه يرمي بالكلام عليه ولم يجد شيئا ليرد به فنهض عن الكرسي وتمتم " اكمل روايتك السخيفة تلك، أنا راحل فلدي أعمال ولست بعاطل مثلك وبالمناسبة فكر مرة أخرى بشأن ذهابك لحفل الزفاف نيابة عني، لا تكن عنيدا ! "
قهقه عمر من جديد ثم غمز له بخبث " العناد شيء سيء صحيح ؟ لا ينبغي على الفرد أن يكون عنيدا خاصة لو كان في شيئا سيجلب له السعادة. "
رمقه محمد بضيق من الأعلى ودحرج عينيه بعيدا بغيظ، فلا هو ليس عنيدا لكنه أصبح يعرف مع من هو متورط !
" عمر، توقف عن استخدام الكنايات أعرف أنك تتحدث عني وعن عائشة، وصدقني قبل أن تهرب مني أنا كنت اتعامل معها بصفاء نية وأترك مشاعري تتحرك نحوها بحرية وبدون التفكير أو أخذ أية احتياطات، كنت حتى أجد أمر التقرب منها عاطفيا شيئا ممتعا لم أجربه من قبل. لكن بعد ما فعلته ... .
رفع يده ليسحب خصلات شعره للخلف وأكمل " هي قد جرحتني، لم يكن جرحًا كبيرا لكنني لم أتعرض للجرح قط !! ولذا فقد أصبحت حذرًا في مشاعري نحوها، لأنني بت أعرف بأنني لو تركت نفسي مرة أخرى فستقوم بجرحي جرحًا أكبر وأنا لا أريد أن أجرح. "
ظهرت ملامح حزينة على وجه عمر ونهض له ليعانقه ثم ابتعد عنه " أعتذر يا أخي، لكنني ما زلت أجد لعبة القط والفأر الدائرة بينكما تلك خاطئة، لما لا تصارحها بمشاعرك، أخبرها أنك تريد التعمق في علاقتكما. "
قلب محمد عينيه على العاطفة الجياشة تلك لكن عمر أكمل بحماس
" اخبرها أنك تحبها وتثق بها، وتريد قضاء حياتكما سويا ... وأنها الفتاة الوحيدة التي استحوذت على قلبك ...
نظر له محمد يضيق لكن الآخر لم ينتبه وأكمل " واجلب لها وردا واكتب لها قصيدة من الشعر وغازلها كثيرا ...
بدأت ضحكة مكتومة تظهر على محيا محمد وهو يكافح لكي لا يسخر لكنه ترك عمر يكمل لأن الوضع كان يضحكه بشدة
" وربما خذها واذهبا في عطلة، بعيدا بمفرديكما، أنا أريد أن أفعل هذا عندما أحب، تكون بمفردنا تماما ولا أحد معنا .. "
لم يستطع محمد السيطرة أكثر وانفجر ضاحكا بصوت عال ليخرج الآخر من الجو الشاعري الذي كان فيه ثم نكزه في كتفه وسخر
" دقيقة أخرى وكنت سأرى القلوب تطير من عينيك ! "
وسرعان ما مد ذراعه ليحيط بعنق عمر و يسخر " التي تتكلم عنها تلك هي عائشة، عائشة لا ينفعها قصيدة الشعر الغزلي، لو أردت أن تتغزل بعائشة فاجلب لها صينية من الدجاج المشوي على الفحم والمحشي بالأرز والمكسرات أو كتاب يتكلم عن حقوق الأقليات في المجتمع، أو ادخل معها في مجادلة حادة وطويلة ودعها تكسبك .... أما الغزل والمشاعر الفياضة تلك فاذهب وافعلها مع أنثى أخرى. "
رمقه عمر يقرف هذه المرة وجادل " فقط جرب أن تغازلها بطريقة شاعرية وقل لي ما حدث. لكن محمد نفى برأسها وارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهه
" عزيزي، لما لا تصدق بأنني لو فعلت ذلك مع عائشة ستجد الأمر سخيفا وربما ستنفر مني ؟ اسمعني جيدا، أنا أعرف ما أتحدث بشأنه، هذه الفتاة لا تحب المشاعر الفياضة، لديها طرق مختلفة للتعبير عن الاهتمام والحب، حتى عندما تريد أن تغازل فهي تغازل بطريقة غريبة ! كان تخيرك مثلا يأنك وسيم لكن بطريقة تجعلك تظن بأنها تمزح أو تسخر لكنها في الحقيقة تكون تغازل فعلا ! "
عقد الآخر حاجبيه غير مصدقا ثم أردف بتردد " لكن .. هي تبدو رقيقة أعني شخصا كهذه يجب أن تغوص في أعماقها ! "
ضحك محمد ونفى برأسه " أعماق ماذا يا رجل ؟ هذه لا تملك غير الأعماق المعوية، الأعماق الشيطانية، الأعماق الهضمية، الأعماق الجدلية ... هذا النوع من الأعماق، أما الأعماق الرومانسية العاطفية، معذرة لكن لا ! "
ثم تركه وتحرك نحو الباب لكنه بدأ يسهل ثم تمتم من بين سعاله وهو يضع يده على فمه " فكر مجددا .. بأمر حفل الزفاف، إنه .. غدا.".
عاد في المساء إلى جناحه ثم دخل ليجد ملامح الأخرى متجهمة بشكل كبير، لكنها رفعت عينيها إليه وقفزت وكأنها كانت تنتظر أي شخص لتجلس معه أو تحادثه
وضع الحقيبة من يده على الأرض وحمحم بابتسامة " كيف حالك ؟ "
" مخنوقة .. " أردفت لكنها سمعت صوت مواء قادما من الحقيبة فنظرت له عسى أن يشرح لكن كل ما ظهرت على وجهه هي ابتسامة جانبية ثم غمز لها فتحركت بسرعة لتفتح الحقيبة فاصطدمت عينيها بقطة بيضاء كثيفة الشعر وزرقاء الأعين، حملتها بسرعة وهي تكاد تموت من
الفرحة
" دي ليا ؟ " صاحت بحماس وهي تحتضن القطة فضحك عاليا وأوماً " جلبتها لك لتؤنسك ! "
احتضنت القطة بشدة فبدأت بالمواء من جديد، لكن عينيها تعلقت على محمد يقف وينظر لها بابتسامة صافية شابكا ذراعيه أمام صدره ومتأملاً اياها مع القطة ... لماذا يفعل كل ذلك لأجلها ؟
" شكرا يا محمد " همست بابتسامة واسعة، ثم عادت بعينيها إلى القطة لتلاعبها بفرح وسرعان ما صاحت " هسميها بسبوسة ! "
" اسميت من بسبوسة ؟! " سأل وهو يعقد حاجبيه فأجابت " القطة ! "
" عزيزتي هذا قط، إنه ذكر ا " انفجر ضاحكا فنفت برأسها " لا على فكرة ده طيب وهادي، شكلها
له أنثى الذكور أغبياء ! "
قلب عينيه وتحرك ليمسك بالقط وهو يضحك " إن لم تكوني مصدقة، تعالي الأربك.
تصبح وجهها و صرخت " توريني إيه يا ابني أنت !! "
علت قهقهاته أكثر تم أفلت القط ورفع كتفيه " حسنا، كما تشائين لكنه قط وذكر وعيب عليك أن تناديه ببسبوسة ! لو يفهمك لكان قد صفعك على وجهك، هل ترضين أن يناديك أحدهم بجعفر
مثلا ؟ "
نظرت نحو القط وانحنت لتمسك به مجددا " بقى كده ؟ بعد ما حبيتك تطلع ذكر !! بتخدعني ؟!
شبك محمد ذراعيه أمام صدره وعقد حاجبيه بابتسامة مستعجبة " ما هي مشكلتك مع الذكور
حقا ! ماذا فعلنا لك ؟! "
لم تجيبه فاقترب منها بضحكة مكتومة لتتراجع إلى الخلف لكنه أكمل تقدمه منها حتى وجدت
ظهرها يصطدم بالحائط ووجدت محمد أمامها
" هل فعلنا لك شيئا ؟ " همس بجانب أذنها ورأها تتوتر وتبتلع لعابها يخوف بعد أن صعدت
الدماء لوجهها
امتدت يده ليمسك بيدها لكنه فوجئ بالقط يعضه فابتعد بسرعة ممسكا يده يتفحصها
" يا لعين ! أنا من جلبتك والآن تعضني ؟ لأجلها ؟ تتحالف معها ضدي !! " زمجر في القط وهو
يضحك وهو يمسك بيده في حين نظرت هي للقط بابتسامة
" شاطر، بدأت أحبك .... وضعت قبلة على رأسه في حين نظر محمد لها والقط بابتسامة بدت حزينة ....
" ماذا عن صاحبه ؟ " همس وهو ينظر إلى عينيها، رأى ملامحها تذيهل الدقيقة، تشتت تماما
وجف حلقها ولم تجد أية إجابة وسقط القط من يدها فأمسك به محمد فوزا
" قل لي ماذا فعلت : كي تحن عليك وتحبك ؟ " حادث القط وهو مازال ينظر لها
كانت ضربات قلبها مرتفعة بشدة، كم بدى يائنا جدا للحصول على كلمة لطيفة منها !
قبضت على يديها بقوة محاولة السيطرة على نفسها ثم رفعت يدها لتضع خصلة من خصلات شعرها خلف أذنها وسألت محاولة تغيير الموضوع " منين جبت القط ؟ "
وعلى الفور استجاب هو لتلك المحاولة وبدأ يسرد لها كيف أنه رآه في السوق معروض بسعر غال لأنه قط نادر من بلاد القوقاز وكيف أنه تذكر أنها تحب القطط فاشتراه وأتى به إليها لكنه لم يكن يريده ذكر حقا وكان يرغب بقطة أنثى لأنه لن يحب أن يتمسح فيها ذكر حتى ولو كان حيوان وأنه سيشعر بالضيق لكن ما كان بيده حيلة لأنه كان أجمل قط موجود لذا فقد جلبه على
أية حال وبعدها أقلت القط من يده ونهض ليبدل ثيابه بتعب.
" هسميه توتي ! " قالت بحماس فور خروج محمد ببنطاله القطني الأبيض وسترته الخفيفة
بنصف الأكمام من المرحاض وهو يجفف وجهه بالمنشفة فضحك وأردف ساخرا
" توتي ! هذا أسوأ من بسبوسة !! "
تم رمى بجسده على السرير وسعل مجددا فاقتربت منه بقلق " مالك ؟ "
" لا شيء."
" البس حاجة تقيلة ما تنامش كده الجو بقى ساقع شوية ! " قالت فنفى برأسه " لا أطيق النوم بالملابس الثقيلة. "
أومأت وجلست تلاعب القط على الأريكة بينما علق هو عينيه عليها، يتفحص كل إنش بها. شعرها المصفف في كعكة للأعلى كالعادة مع بعض الخصلات الساقطة من غرتها، فستانها القرمزي ... ابتسامتها الواسعة الطفولية ... شعر بضربات قلبه ترتفع وتوتر أكثر عندما رفعت
عينيها نحوه فحول عينيه عنها بسرعة لكي لا تمسك به يراقبها
عادت بعينيها نحو القط فرجع ببصره بتردد نحوها، بدأ كلام عمر يتردد على عقله، وبدأ يفكر حقا في التراجع عن فكرته السيئة التي تتمثل في الانتقام منها وكسر قلبها عقابا لها على ما فعلته، فقلبه اللعين قد بدأ يرق لها مجددا !!
سعل من جديد وفوجئ بها تترك القط وتتحرك نحوه لتتحسس حرارته بيديها التي تلمس جبهته " محمد جسمك سخن شوية البس حاجة ماتنامش كده. "
" لا ، أنا بخير " أردف وسحبها لتنام بجانبه وهو يهمس " أنا متعب، أريد النوم فقط. "
وضع رأسه بين عنقها وكتفها ورفع عينيه لها، لا يعلم ما الذي يشعر به تحديدا في تلك اللحظة لكنه يعرف فقط بأنه يحب ما يحدث، يحب كونه نائما هكذا على كتفها ويحب يدها التي امتدت التداعب خصلات شعره دون أن يبالي بكونه والي مصر الذي يجب عليه أن يبقى صارها
قل ويتصرف بطريقة معينة
هي من جعلته يشعر بهذا فهي منذ أول لحظة لم تتعامل معه كوالي، بل كرجل مثل أي رجل وهذا جعله يشعر بأريحية كبيرة معها، لأنه بذلك يستطيع التصرف كأى رجل، بدون الخوف على
صورته كوالي لأنها لا تراه كوالي من الأساس !
دفن رأسه أكثر كالأطفال في عنقها يستنشق عطر الخزامي الذي لا تغيره من ضمن كل العطور حتى أصبح محفورًا في ذاكرته بأنه عطرها، فلو مر عليه شخص يضع نفس العطر عقله يقفز تلقائيا ليتذكرها، رغم كونه يحب عطر الياسمين ولذلك فجميع جارياته كن يضعنه وذلك جعل
حتى رائحتهن متشابهة له
تلمست وجهه بيدها الأخرى عندما سعل من جديد ليدرك بأنها فلقة عليه حقا وهذا جعله يبتسم بخفوت ثم أغمض عينيه لينام بسلام فهو مرهق جدا وغذا أمامه يوما شاقا بينما هي علقت
عينيها عليه بتوتر وخوف
كم بدى الأمر مؤلم كونه نائم على كتفها بسلام كالأطفال ولا يعرف بأنها تخطط للهرب منه غذا.
وكم شعرت بالضيق من نفسها ومن كل شيء سيئ فعلته وتسبب بوضعها في ذلك الموقف !
حولت رأسها إلى القط الذي يقف على الأريكة يتابعها بزرقاوتيه بهدوء وسرعان ما تحرك ليقفز على السرير ليضع نفسه على فخذها فقلبت عينيها بينه وبين محمد النائم على كتفها .. لماذا
يبدو الأمر صعبا بشدة ؟ إن قلبها يؤلمها منذ الآن !
وجدت محمد يرتعش قليلا وبدأ يسعل من جديد بقوة حتى استفاق من نومه وفتح عينيه ثم
اعتدل في جلسته
ربنت على ظهره بقلق وسألت بنبرة قلقة من جديد " أنت تعبان صح ؟ "
فابتسم ونفى برأسه " فقط بعض السعال، لست ضعيفا لتلك الدرجة لا تقلقي، اخبري فقط أحد الخدم بأن يجلب لي مشروب ساخن من الزنجبيل والعسل والليمون. "
لبت أمره وخرجت بسرعة ثم عادت من جديد لتجلس بجانبه عندما بدأ سعاله يزداد قوة. امتدت يدها لتتحسس جبهته وفوزا توسعت عينيها " أنت سخن جدا، حرارتك مرتفعة ! "
" لا لست كذلك " جادل رغم احمرار وجنته البيضاء فتلمست وجهه من جديد لتزمجر " لا أنت
تعبان ! "
" لا .. " كان سيجادل من جديد لكنها قاطعته " هو أنت عنيد حتى في المرض !! "
" ما تتحركش لحد ماجيبلك كمادات " قالت وكانت ستتحرك لكنه أمسك بيدها لينطق من بين سعاله " لا أريد ابقي .... معي ... فقط ..
شعرت بضربات قلبها ترتفع وعادت له لتلمس شعره وتنظر إلى عينيه، لماذا يدى برينا جدا الآن ؟
كالطفل الصغير ...
" هجيب الكمادات وهجيلك " همست له وتحركت بسرعة بينما أكمل هو السعال.
عادت له بالمشروب وبالكمادات لتضعهم على الطاولة بجانب السرير وجلست أمامه، امتدت يده المرتعشة نحو الكوب وكاد يسقط من بين يديه لكنها سارعت بإمساك يده الممسكة بالكوب ثم
أخذته منه وقربته من فمه
" عشر يهولك، ارتاح أنت شكلك تعبان جدا. "
تجرع من الكوب بإرهاق وهو ينظر نحو عينيها القلقتان المعلقتان عليه.
استند بظهره على السرير وظهرت ابتسامة خافتة على وجهه " خائفة على ؟ "
تشتت تماما ولم تجيب بل أثرت رفع الكوب لفمه من جديد لكنه أبى أن يشرب ونظر إلى عينيها
من جديد " لا أريد. "
" ما تبقاش طفل بقى ! اشرب عشان الكحة !! " تذمرت فسخر " وكأنك تهتمين ! "
جف حلقها وبدأت عينيها تتحرك يمينا ويسارا بدون هدى وتنفسها أصبح يزداد ثم اقتربت منه أكثر لتهمس " أبوة خايفة عليك، ممكن بقى تشرب ؟ "
لمت ابتسامة على وجهه وأخذت تتوسع حتى الحقرت غمازتيه على وجنتيه كالعادة ثم أمسك بيدها ليرفع الكوب إلى قمه.
بعد نصف ساعة كانت حرارته تعلو أكثر وبدأ يرتعش بصورة سيئة رغم أن عائشة تضع له القماشات المبللة بالماء الفاتر على جبهته وتمسح بها وجهه،
" أقول لمامتك جورنال ؟ " سألت بحزن فأغمض عينيه ونفى برأسه ليجيب بارتجافة " الوق ... ت .. مت متأخر .. "
طب قوم معايا مافيش حل ثاني ... لازم تاخد حمام ساقع! " قالت وهي تمسك بيديه فنظر لها برجاء كالأطفال ورفض " لالا .. لا اريد ... أشعر بالبرد .. لا أريد ماء .. ".
كويت وجهه بين يديها وبدأت بالشرح " جسمك فيه فيروس الجهاز المناعي بيرفع درجة حرارتك عشان يقتله، بس لو ارتفعت أكثر من كده هيبقى غلط على بقيت أعضائك الثانية، لازم
نخفضها .. ممكن تسمع كلامي ؟ "
أوما بضيق رغم كونه لم يفهم ونهض لتسنده وكادت أن تقع به فسخر " أنت هزيلة .. " فسخرت هي الأخرى " أنت اللي ضخم ! " لكنه جادل رغم تعبه " أنا بالأساس لا أسند عليك وإلا وقعنا
سويا. "
كانت تعرف بهذا بالفعل، محمد يتحامل على نفسه بكل قوة وبالكاد يضع بعض الضغط عليها فرفعت عينيها إليه وتأملت وجهه قليلا، لماذا يبدو جميلا جدا الآن !
وضعته على حافة ذلك الحوض الرخامي الذي كان يشبه البانيو لكن على أوسع وشغلت المياه حتى امتلأ ثم تقدمت منه يتردد لتقف أمامه، كان يحيط جسده بيديه وهو يرتعش وبالكاد يفتح
عينيه
" اقلع هدومك يا محمد .. " قالت بخجل فأوما وامتدت يده ليفك أزرار سترته لكن بده المرتعشة
حالت دون ذلك بينما كانت هي تراقبه جيدا ثم امتدت يدها بتردد لتفتحهم هي وصحبت سترته للأعلى ليظهر صدره العاري الذي لم يكن به سوى بعض الشعيرات الشقراء الخفيفة
" اقف عشان البنطلون .. " قالت فتحامل على نفس ونهض يستند على الحائط، لوهلة شعرت بأنها يجب أن تنادي أمه لكنه بدي وكأنه لا يريد أمه !
" أرتدي سروال داخلي، الأمر ليس .... ليس ... بتلك .... الصعوبة ! " سخر بنبرة مرتجفة مرهقة عندما أطالت التفكير فامتدت يدها المرتعشة لتخفض بنطاله
ادخلته إلى الحوض فبدأ جسده يرتعش أكثر حتى أنها سمعت صرير أسنانه المتخبطين ببعضهم
امتدت يدها لتلمس شعره وحاولت طمئنته " شوية وهتبقى كويس .. "
فوجئت به يدفن رأسه في حضنها وهو يرتعش، ورغم كون هناك ذلك الصوت القوي الذي يخبرها بأن تبعده عنها في عقلها هي لم تقدر إلا على أن تحيط براسه جيدا وتربت عليه وتلمس خصلات شعره، ضربات قلبها مرتفعة بشدة، كان مازال يرتعش بصورة سيئة وقد شعرت بأنه مثل الطفل الصغير
تحسست جبهته بظهر يدها لتطمئن أن حرارته انخفضت قليلا وسرعان ما نهضت عن حافة الحوض لكنه تشبت بها كالمتعلق بأمه فشرحت " هجيبلك منشفة من الدولاب. " فتركها.
عادت بعد دقائق فنهض عن الحوض وهو يستند على الحائط لتلفه في المنشفة بسرعة وتبدأ بتجفيفه ثم أسندته إلى السرير من جديد ليجدها قد أخرجت له ملابس أخرى وأدخلته تحت اللحاف
" نام شوية " همست وهي تتحسس حرارته من جديد ولمرة أخرى وضع رأسه بين أحضانها و همس هو الآخر " حسناء " ثم أغمض عينيه.
كانت تتأمله منذ مدة ليست بالقصيرة، هي لا تملك غير الإعتراف بأنها تهتم لأمره كثيرا، لدرجة أن الأمر أخافها .. هي لا يجب أن تهتم له أو تعجب به أو ... تحبه !
سارعت بإخراج تلك الفكرة من رأسها لكن عينيها وقعت من جديد على وجنتيه الحمراوان ورأسه النائم بسلام على كتفها .. قلبها بدأ ينبض بطريقة عشوائية وبوتيرة سريعة جعلت من أنفاسها تزداد، قبضت على يديها بضيق ... لماذا هي سيئة الحظ هكذا ؟
إنها تكاد تقسم بأنها من أسوأ الناس حظا ، لماذا ليست هي مثل بطلات الروايات اللاتي يحصلن على ما يردن ويفزن بالبطل الرائع بالنهاية ؟ لماذا يجب عليها الإختيار بينه وبين أهلها ومستقبلها وحياتها وكل شيء !
إن حظها سيء بصورة كبيرة، فحتى حلمها بالإنضمام إلى كلية طب الأسنان مثل أبيها قد ذهب هياء رغم كونها كانت دوما طالبة ذكية حادة الذكاء، لكن الت الظروف أن تموت جدتها في منتصف سنتها في الصف الأخير من الثانوية العامة، لتنهار نفسيتها تماما وتتعرقل في المذاكرة
لينتهي بها المطاف طالبة في كلية الحقوق
لم يكن الأمر صدمة لها بقدر ما كان صدمة لوالديها اللذان طمحا بأن تلحق بهما ابنتهما إلى المجال الطبي، فحتى أمها كانت صيدلانية رغم كونها تخلت عن العمل لتصبح ربة منزل ...
وفي ظل كل هذا ومع شخصية عنيدة كشخصيتها هي قد رفضت الانصياع لما أجبرتها عليه وزارة التربية والتعليم، ودابت على الهرب من المحاضرات ومذاكرة كل ما يقع تحت يديها عدا الكتب الخاصة بالكلية، بل كانت تفتحها فقط قبل الإمتحان بيوم مستغلة ذاكرتها وذكائها لتنهي المادة في يوم واحد فقط .. لكن ذلك لم يمكنها من الحصول إلا على تقدير مقبول طوال الأربع سنوات دراستها في الجامعة، وكانت أحيانًا تفشل باجتياز مادة أو مادتين على أقصى تقدير
ليزيد هذا من حنق أبويها عليها:
فهي تمرمغ سمعتيهما كتابغان في الوحل، وهذا جعلهما يهددانها بالزواج لأنها في نظرهما لا تصلح إلا لذلك، رغم كونهما كانا يشكان بأنها حتى لا تصلح لأجل ذلك؛ فهي طباخة مريعة وجافة المشاعر، فوضوية ولا تستطيع سوى التحاذق بالكلمات وكسب المناقشات بالحجج والنظريات المتحذلقة، تخيف الرجال بكلامها عن الحريات والمساواة، ولم يتجرأ عريس من العرسان الذين تقدموا لها أن يكملوا ما بدأوه ويتمموا الخطبة
ومع كل ذلك حظها العاثر لم يتركها وشأنها بل جلبها إلى القرن السابع عشر لتقابل ذلك الفاتن الذي تحمل كل ما تفعله معه، كان ليصبح الرجل المثالي وفتى أحلامها لو كانت هي من عصره أو هو من عصرها، لكن كيف يصبح الأمر سهلا هكذا وهي مازالت عائشة صاحبة الحظ العاثر؟
قاطع تأوه محمد النائم حبل افكارها فتحسست جبهته من جديد لتجد حرارته ارتفعت مرة أخرى فحركت رأسه يحذر لتضعها على الوسادة ونهضت لتعود بالكمادات من جديد.
كان محمد قد بدأ يخرف بكلمات وجمل لا معنى لها عن الضرائب، والمماليك، والإنكشارية !
" يجب أن نقضي على الإنكشا ... رية .. " نطق من جديد وهو غير واعي فضحكت الأخرى
بخفوت و همست له " ماشي هنقضي عليهم ماتقلقش. "
فوجئت به يفتح عينيه فجأة ونظر لها لدقيقة قبل أن يهمس " عائشة .. "
اقتربت منه وهي تومئ ... لكنه سقط نائقا من جديد وبعد خمسة دقائق بدأ ينطق بحروف لا معنى لها لكنها سمعته يهمس فجأة
" أحب .. ل. "
تعلقت يدها الممسكة بقطعة القماش المبللة في الهواء بعد أن شعرت بالصدمة تغمرها وارتفعت ضربات قلبها كثيرا، هل قال حقا بأنه يحبها أم لم يقصد ذلك ؟
تفحصت وجهه، لا بالتأكيد لا يقصد، إنه محموم ويخرف منذ النصف ساعة .. ولا تعلم لماذا شعرت بالتعاسة من كونه فقط يخرف !
امتدت يدها لتزيح خصلات شعره المبتلة والملتصقة بجبهته، بدى كالملاك النائم ... ألن يكون من الرائع أن يحبها ذلك الرجل ؟ .. ابتسمت بسخرية؛ فهو لا يعرف كيف يحب من الأساس، كل ما يرغب فيه هو تفضية ليلة معها مثلها مثل جميع جواريه هي تعرف بهذا .. وعمر لمح لها بألا تدعه يحصل عليها بسهولة معللا بأن ذلك سيجعله قريبا منها لوقت أطول لتدرك بأنه سيلقى بها إلى الحرملك فور أن يتمكن منها.
تسللت ملامح حزينة لوجهها لكنها فوجئت به يان من جديد " أحبك. "
ابتلعت لعابها وارتفعت ضربات قلبها أكثر عقلها تشوش بشدة، ابتسمت بخجل وهي تعدل من خصلات شعرها وكأنه يراها، ثم امتدت يدها لتمسك بيده الكبيرة نوعا ما
اقتربت منه من جديد ورفعت يدها لتلمس وجنته صعودا وهبوطا حتى تلاشت ابتسامتها فجأة وبدأت ملامح حزينة ترتسم على وجهها من جديد، فحتى ولو كان يقصدها، هي لا تستطيع الحصول عليه .. لقد بدى الأمر وكأنها حصلت على جائزة ثمينة وبمجرد أن أمسكتها أنتزعت منها بالقوة لتدرك بأنها ليست لها
ارتجفت شفتيها وبدأت عينيها تترقرق بالدموع التي سالت بعد فترة لتجهش بالبكاء ثم خبئت وجهها في عنقه لتهمس له " أنا آسفة ..".
استيقظ في اليوم التالي ليجد المنشفة موضوعة على جبهته وعائشة نائمة بوضعية غربية بجانبه ويدها الصغيرة تتشبت بيده بشكل لطيف، كان يشعر بأنه استرد جزءا من عافيته، لكنه مازال مرهق
أمال عليها ليضع قبلة على وجنتها ونهض متوجها نحو المرحاض.
استفاقت على هزة رقيقة ففتحت عينيها لتقابله مبتسماء
" أنت بخير ؟ " نهضت بسرعة لتتلمس وجهه بكلتا يديها فأوماً وهو يرفع يده ليضعها على يدها وسحبها ليضعها على شفتيه ثم طبع قبلة رقيقة على باطن كفها وهمس " بفضلك أنا بخير. "
شعرت بالحرارة تكتسيها فوزا، تذكرت كلمته التي قالها وهو غير واعي، رفعت نظرها نحوه عميقا في عينيه .. وكم أرادت أن تخترق عقله لتعرف هل الذي قاله بالأمس صحيح أم لا، وهل كان يقصدها أم ربما يقصد شخصا آخر ؟
" وأنت تعبان ... كنت ... بتقول كلام غريب ! " قالت بتقطع عسى أن تصل إلى إجابة فعقد حاجبيه واستفهم " كلام مثل ماذا ؟ "
" مش عارفة ... كلام عن حاجة اسمها الإنكشارية، والضرائب .. وبعدين ... " بللت شفتيها بلسانها وحمحمت " وبعدين .. قولت إنك بتحب حد ! "
شعر بأن دلوا من المياه قد شكب فجأة فوق رأسه، بدأت عينيه تلف في كل اتجاه وحمحم " لا
أتذكر حقا أنني قد قلت شيئا مثل هذا. "
لماذا لم يكذب عليها ويخبرها بأنه كان يقصدها مثلما يفعل مع باقي الجواري !! لقد أخبرهن جميعا بأنه يحبهن حتى أنه أخبرها بأنه يحبها حين لم يكن يحبها !!
لكن لماذا لا يستغل الموقف ويخبرها بأنه يحبها هي ؟ كانت لا تفهم تصرفه هذا؛ لأنها تعرف أن محمد سيظن أن إخبارها بأنه يحبها سيجعلها تستسلم له الكنه لا يقول ! يفعل كل شيء يجعلها تظن بأنه يحبها لكنه لا يقولها بلسانه .. حتى نظراته نحوها، هي قد بدأت ترى نظراته بشكل
مختلف تماما، كانت تشع حبا لكنه لا يقول !!
و بخت نفسها بداخلها، فحتى لو قال ؟ ماذا سيفيد ؟ هل ستعدل عن قرارها ؟
رفعت عينيها لتنظر إليه، ماذا لو قال ؟ ستبقى ؟ .. ربما ! لكنه لا يقول.
" طلبت الإفطار " قال فأومأت بصمت مما جعله يبتلع لعابه وينظر لها بحيرة، كانت هادئة ... وهذا الهدوء أقلقه، فعائشة لا تصبح هادئة هكذا إلا وهي حزينة !
" هل هناك شيء ؟ " جذب انتباهها فنفت برأسها بهدوء من جديد وهذا أكد له أن هناك شيء بالفعل !
" اخبريني ماذا بك ؟ " صمم وفوجئ بها تسأل " هو أنا إيه بالنسبالك ؟ "
كانت أول إجابة قد جائت لعقله والذي ود لو كان بإمكانه أن يصرح بها إليها هي [ حبيبتي ] لكنه القبض على شفتيه وأجاب " جاريتي. "
" جاربتك ؟! "
" نعم، جاريتي " ألقى بجملته ونهض عن السرير هاربا من عينيها التي لو مكث أمامها أطول لكان قد أخبرها بكم هي تستحوذ على تفكيره ولكان قد سرق منها قبلة غصبا ثم أخبرها بأنه يريدها زوجة له لكن هي بتصرفاتها الهوجاء تمنعه من أخذ أية خطوة جدية في علاقتهما: فكيف سيتزوج من فتاة هربت منه ؟
سيبدو الأمر دريا من دروب الجنون ! لكن ... ماذا لو سامحها ؟ فقط مرة اخيرة ؟
بدأت تلك الفكرة تلف عقله بقوة، لأنه شعر بأنه لا يستطيع السيطرة أكثر من هذا وسينهار قريبا وستعرف بأنه يكن لها المشاعر والأفضل أن يخبرها بأنه قد عرف ما فعلت، ويجعلها تعتذر ويسامحها .....
وقف أمام الشرفة ينظر نحو الحديقة، فوجئ بها تقف بجانبه فحرك رأسه لينظر لها ليجدها بالفعل تنظر إليه وابتسمت، لماذا تبتسم ؟ لقد أخبرها لتوه بأنه يعتبرها جاريته فقط !!
" لماذا تبتسمين ؟ "
" تعرف يا محمد، أنا أكثر شخص عارفة إن الحقيقة هي أصعب شيء ممكن نقوله والتعبير عن المشاعر مش سهل أبذا لشخص ما تعودش إنه يعبر عنها، يعني مثلا لما جدتي ماتت .. ماكنتش قادرة أقول إني كنت بحبها هي أكثر حد في الدنيا وإني إنكسرت لما مشيت وسابتني، ماكنتش قادرة أقول إني بتألم لأن كان بالنسبالي إظهار مشاعري الحقيقية صعب جدا، على عكس تمثيل اللا مبالاة .. كان أسهل بكثير لأنه ما كانش حقيقي ! "
ابتلع لعابه ونظر لها بشك فأكملت " عشان كده كنت بتقول لكل الجواري إنك بتحبهم بسهولة جدا، لأنه ماكانش حقيقي ! "
آثر الصمت و توجه ببصره نحو الحديقة مجددا، لا يستطيع الصمود في هذا أكثر، عمر كان محق، يجب أن يتكلما ويخبرها بأنه عرف بأنها هربت ويسألها عن الدافع ويسامحها، لأنه وللأسف يحبها، ولو أراد زوجة فهي الخيار الوحيد .. لا يريد الاقتراب من أنثى غيرها، وحتى أنه أضحى يحلم بطفل يمتلك ذكائها وخفة ظلها وعينيها ...
بينما هي قد يأست من جعله يتكلم بأي شيء، أو يعترف بأنه يكن لها المشاعر، وهي قد استسلمت الفكرة أنه كان يخرف فعلا ولم يكن يعني ما قد قال، لأنه لو كان يعنيه فلا شيء سيحول بينه وبين إخبارها، فهو ينام في حضنها كل ليلة، وهما سويا الآن وهي في نظره تعتبر
ملکه !
لن تنكر أنها شعرت بالكثير الألم من ذلك لكنها وجدت الأمر أفضل فهكذا ستهرب دون أن يؤلمها ضميرها ولن تتردد لحظة بأن تهرب منه مجددا وإلى الأبد
" احضري لي ثيابا نظيفة، لدي شيء مهم سأفعله وسأعود بعد الظهر لأن في المساء لدي زفاف يجب أن أحضره، اخبري الخدم بأنني أريد الثوب الأسود الملكي جاهزا، " قال فرفعت عينيها له " وأنت مريض ؟!! "
" أشعر ببعض التحسن " أجاب وكانت ستجادل لكنه قاطعها " لا أحب التغيب عن العمل. ".
