رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم فاطمه عبد ربه


 رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الثالث والثلاثون 

في اليوم التالي كان جالسا أمام مكتبه ويديه تتفحص أشلاء هاتف عائشة مرة أخرى، كل شيء يبدو معقدا بداخله بصورة كبيرة، ولم يسبق له أن رأى شيئا مماثلا،

ولهجتها الغريبة التي لم يسمع بها قط وهو الذي قابل أناسي من معظم البلدان، مصطلحاتها المعقدة وكلامها الذي لم يكن يفهمه ولم يمر عليه من قبل، قولها دائما بأنها تريد وضع اسمها في

كتب التاريخ ....

قاطع تفکیره سماعه الطرق على الباب فصاح " ادخل. " ليجد دولت تدخل وهي تحتي له رأسها وفي يدها ما قد أمرها بجلبه

" جلالتك، هذه هي الملابس التي قد جائت بها عائشة أول مرة إلى ذلك القصر " قالت دون أن ترفع عينيها إليه فأوما لها وأشار بيديه بصمت أن تضعهم على الأريكة وتخرج

انسحبت دولت بهدوء فنهض بوجه متجهم إلى الملابس التقط أول شيء، كانت تنورة سوداء محاكة بعناية، ويوجد على وسطها مطاط يضيق ويتسع ...

مد يده إلى السترة البيضاء التي كانت من الدانتيل ومبطنة بطبقة قطنية بيضاء وبها حزام

ذهبي في المنتصف، ذلك التصميم لم يره قط!

تفحصها أكثر ليجد قطعة قماش صغيرة مخاطة في السترة من الداخل، ولقد كان مكتوبا عليها نقوشات بلغة لم يفهمها لكنها على الأرجح حروف اللغة الإنجليزية

تبقى شيء واحد في ملابسها، والذي فور أن النقطه أكتشف أنه حمالة صدر بيضاء، ولم يستطع عدم الابتسام رغم صعوبة الموقف الذي هو فيه.

تفحصها جيدا أيضا، وهو للمرة الثانية لم يرى شيئا مماثلا، ذلك التصميم من حمالات الصدر لم يره قط !

كان في حيرة من أمره، حتى الرسمة المرسومة في الدفتر لوجهها كانت متقنة للغاية، ولا يوجد أي رسام يستطيع رسم صورة بنفس التفاصيل كذلك !

هو ليس بقبي ليتجاهل كل ما يراه لكنه ليس بمجنون ليصدق كلامها | كلامها لا يصدقه عاقل !! جلس على الأريكة يحك جبهته بضيق عندما وجد القط يقفز إلى جانبه، تبادلا النظرات لوهلة

قبل أن يبتلع لعابه وينظر بعيدا ليفكر من جديد.

في زنزانة مظلمة، يكاد يدخلها شعاع ضوء من الشموع الموجودة في الطرقة التي تؤدي إلى الزنزانة، كانت تجلس وهي تمسح عن عينيها بعض الدموع التي كانت تذرفهم منذ الأمس.

نظرت للطعام بجانبها، كان طعامًا كثيرًا، هي تعرف بأنه من أمر بهذا ... لكن، كيف يقول أنه يحبها

ويرميها في مكان كهذا ؟ يحبسها !

فكرت مرة أخرى وحمدت الإله أن كل ما فعله محمد معها هو حبسها، هي تعرف أن عقوبتها هي الإعدام، لكنه فقط وضعها في زنزانة بل وجعل أحد الحراس يجلب لها وسادة وطعام !

مازال طيب القلب رغم كل ما حدث بينهما.

التقطت أذنيها صوت أقدام قادمة من بعيد، ولقد ظنت أنه أحد الحراس حتى اصطدمت بزرقاوتيه تنظران إليها من خلف القضبان

كانت على وشك التكلم لكنه سبقها قائلا " اثبتي اثبتي أن الجنون الذي قلته صحيح"

نهضت و ابتلعت لعابها لتحاول التفكير في أي شيء " أثبت إزاي !! "

شبك يديه أمام صدره وأردف بجمود " لا أعلم وليست مشكلتي ! "

عصرت عقلها، هي حقا لا تستطيع إيجاد أي شيء !!

كان يتفحص ملامح وجهها المرهقة بصمت، حزن على كونه قد وضعها في تلك الزنزانة، يبدو أن قلبه اللعين لا يستطيع القسوة عليها، وهذا جعل صدره يضيق غضبا من جديد

" ليس لديك أي شيء ؟ " سخر واستدار معطيا إياها ظهره وكان سيتحرك لكن صوتها فجأة

أوقفه

بدأت بغناء أغنية إنجليزية لكاتي بيري فاستدار إليها عاقدا حاجبيه وانتظر حتى انتهت فرمقها بأعين ضيقة وسخر " حسنا ! ما الذي يفترض أن يعنيه هذا ؟! "

ارتسمت ملامح يائسة على وجهها عندما استدار مرة أخرى ليرحل فصرخت باندفاع

" الإمبراطورية العثمانية هتسقط، واليهود هيحتلوا فلسطين، الإنسان هيقدر يوصل للقمر هيبقى فيه طيارات بتطير في الهوا الإنسان هيركيها و هيسافر بيها أي مكان.. اللي بيسيب الأمراض للإنسان كائن دقيق اسمه فيروس هنكتشف حاجة اسمها الكهرباء، وهنكتشف مصدر للضوء غير النار .. وهنعرف إن الأشياء مكونة من وحدات صغيرة اسمها ذرات، وإن الكائنات الحية مكونة من وحدات صغيرة اسمها خلايا .. هنخترع جهاز ممکن نكلم منه بعض حتى لو أنت في دولة وأنا في دولة ثانية، اسمه موبايل ! "

كان جسده قد اقشعر مما قالته، يبدو دربا من دروب الجنون لكن ثقتها وسلاستها وهي تقوله قد جعلوا عقله يتوقف عن التفكير

استدار لها من جديد ليجدها تنظر له بأعين زجاجية راجية

اخرج بقايا هاتفها من جيب توبه ومد يده إليها بها " مثل هذا الشيء ؟ "

فوجئ بمقلتيها تخرجان من أماكنها ولم يعي إلا وهي تصرخ عليه " الله يخربيتك اكسرت الأيفون بتاعي !! أنت عارف ده بكام !! يا خراب بيتك يا عيشة ده أنا أبويا ذلني شهرين قبل ما يشتريهولي وذلني شهرين كمان بعد ما اشتراه !! "

تجعدت ملامح وجهه وألقى به أرضًا أمامها وزمجر " تأدبي وأنت تتحدثين ثم لقد كان لا يعمل أي شيء من الأساس ! وعلى كل حال سأعطيك حقه، كم حقه ؟ "

" حداشر ألف هاتهم ! عايزاهم جنبه جنيه، ماليش دعوة زي ما كسرته هات حقه !! " دبدبت بقدميها في الأرض ثم جئت على ركبتيها لتمد يدها من بين القضبان الحديدية لتلتقط أشلاء

الهاتف

" آد، قلبي .. هيجيلي جلطة " قالت بنبرة باكية وهي تلملمه من الأرض حينما نظر هو بسخرية لها لكنه سرعان ما تذكر ما قد قالته عن الإمبراطورية العثمانية

" ما الذي قتله عن الإمبراطورية العثمانية ؟ كيف ستسقط ومتى ستسقط !! "

رفعت عينيها له ثم استقامت لتنفض نيابها وتجيب " أنا ما درستش تاريخ، بس أظن إنها متسقط بعد الحرب العالمية الأولى. "

توسعت عينيه " حرب عالمية ؟ هل ستحدث حرب عالمية !! "

" بووه .. أبوة حرب عالمية أولى وبعدها حرب عالمية ثانية، الكوكب هيولع في بعضه ياسطا. " صمت قليلا، مازال عقله يكذب كل شيء تقوله وهذا ليس بيده المنطق يقول أنها مجنونة

" وكيف جئت إلى هنا ؟ " سأل محاولا مجاراتها في هذا الهراء ليجدها تبتلع لعابها، وتهرب بعينيها بعيدا

" كيف ؟ " سأل مجددًا، ولقد كان عقلها يخيرها بأن تكذب عليه وتخبره أنها سقطت من ثقب دودي لكنها قد تعلمت الدرس جيدا وأصبحت تعرف أن الكذب لن يقود سوى إلى الهلاك

" كنت عايزة أسافر برا مصر سرقت سائل سحري من عند ساحرة، وماكنتش أعرف إنه سفر عبر الزمن، فشربته ولقيت نفسي هنا ! وكنت يهرب عشان أقابل الساحرة اللي في درب البرابرة عشان أشوف طريقة أرجع بيها للعصر بتاعى تاني، وعارفة إن الكلام كلام ناس مجانين وماحدش هيصدقه، بس أقسم بالله إني مش بكدب ومش مجنونة. "

رمقها بصمت، يلعن قلبه الذي يريد تصديقها رغم كمية الهراء التي تقولها.

استدار وتحرك مغادرا دون أن يتفوه بأي كلمة حينما شعرت هي باليأس يصيبها من جديد وعادت لتجلس على الأرض مجددا ، له الحق في عدم تصديقها، إذا كانت هي نفسها أحيانًا لا تصدق ما الذي يحدث معها وكانت تظن أنه كابوس وستستفيق منه، لكنها تنام وتستيقظ كل

يوم لتجد نفسها في نفس القصر ومع نفس الأشخاص وفي نفس الزمان.

وصل هو إلى جناحه من جديد، وسرعان ما جائت إلى عقله فكرة سديدة، رغم الشعور السيء الذي جاءه في قلبه ليعلن له أن تلك الفكرة يكونها ستوضح له الحق من الباطل ألا أنها ليست

جيدة لكلاهما

هو سيتركها في الزنزانة هكذا الأسبوع، وسيغريها بأنها لو قالت الحقيقة فسيخرجها وكأن شيئا

لم يكن !

إنه يعرف بأن عائشة لن تصمد طويلا قبل أن تنهار وتعترف لا تبدو كفتاة معتادة على السجون.

تبدو من هؤلاء الفتيات اللاتي تعودن على الأكل والراحة وعدم فعل شيء سوى التغذي والنوم واللعب.

زفر الهواء من فمه يضيق الفكرة لا تروقه حقا، ومازال قلبه السيء ينبض لها، وهذا أيضا لم بروقه، فكيف بعد كل ما حدث مازال يكن المشاعر لها ؟

وهو الذي لديه تسع وعشرون جارية مستعدات لتقبيل قدميه حتى ولو شاء لكان قد تزوج بإبنة السلطان العثماني بنفسها .. لكنه لم يكن يريد أن يتزوج بفتاة أبيها يتحكم به وبحياته ويستطيع قتله في أي لحظة.

ولم يتزوج من بنت باشا أو بيك لنفس السبب الذي لم يتزوج لأجله عمر، ولعل هذا هو الشيء الوحيد المشترك بينهما، لا يريدان الزواج بأنثى لن يروها إلا ليلة الزفاف وحبذا لو كانت طفلة صغيرة !

كان كل شيء في عادة الزواج هذه ينفره، وأمه شجعته على الأمر على عكس خالته التي تضغط على عمر بشدة ليتزوج، لكن لأن أمه كانت ضحية من ضحايا تلك الزيجات

فهي قد تزوجت بكهل وهي مازالت طفلة لا تفهم معنى الزواج حتى، وهذا تسبب بتدمير حياتها تماما، وطوال سنوات نشأته أخذت جورنال تحذره من الزواج بطفلة، ولعله استمع لها لأنها كانت تقربه كثيرا في السن، فالفرق بينها وبين محمد لا يتعدى الإثنتي عشرة سنة.

نهض ليبدل ثيابه وتحرك نحو السرير؛ فأمه تجبره على البقاء في جناحه حتى يشفى تماما. ويذكرها سمع طرقا على الباب وبعدها دخلت بدون استئذان كعادتها

" أخذت الدواء ؟ " سألت وهي تتقدم لتتحسس حرارته فأوماً بصمت

بحثت بعينيها في أرجاء الغرفة باستغراب ثم عادت لتنظر له " أين عائشة ؟ "

قلب عينيه وسخر " لماذا تهتمين بوجودها إلى ذلك الحد أمي ! لطالما تعاملت مع جواري بإسلوب سيء ! "

" لأن جواريك متصنعات ويتصنعن الحب والطيبة، ويحاولن التقرب مني لأجلك ويجاملن بالكلام المعسول رغم أنهن فعليا حاقدات على، بعكسها .. حتى أنها ظنت بأنني جارية جديدة لك هنا في بادئ الأمر. "

لم يستطع عدم الضحك ورفع يده بيأس ليضعها على جبهته بدون تصديق " ظنتك إحدى جارياتي ؟! هذه ال .... غبية. نعم لن أستبعدها عليها، فهي غبية حقا في تلك الأمور البديهية.

" إنها في المرحاض على أية حال، بطنها تؤلمها " أجاب كاذبا فأومأت له جورنال ونهضت عن سريره لترحل وتغلق الباب خلفها حينما انفجر هو ضاحكا مرة أخرى وتمتم

" غيبة ".

بعد مرور يومان كان في طريقه إلى الخارج حينما وجد عمر يهرول خلفه " مرحبا ؟ " لكنه تجاهله وأكمل سيره

" أنا حقا أسف .. أعدك بأنني لن أخالف تعليماتك مرة أخرى هيا لا تكن سيء هكذا ! كلانا لدغنا من نفس الجحر ! " صاح بجانب أذنه وهو يسير خلفه فوضع الآخريده على أذنه وزمجر له " توقف عن الصباح هكذا !! "

" أريد مصالحتك ! وأريد شيئا آخر ! " قال فتوقف محمد عن السير واستدار له برأس مائل " شيئا مثل ماذا ؟! "

" حسناء اسمع ... أنا أفكر في العمل ... أريد أن أعمل ! " أجاب يتردد فتوسعت أعين الآخر وظهرت ابتسامة مستغربة على محياه ثم رفع إحدى حاجبيه ليستفهم وكأنه لا يصدق ما سمعه

" دعني استوضح ما الذي سمعته، لقد قلت بأنك تريد أن تعمل حقا أم أن أذني سمعت شيئا خاطنا ؟ "

رفع عمر يده ليحك مؤخرة عنقه وأردف " بلى، لقد فكرت كثيرا .. ووجدت بأنني إن أردت أن أكون حرا من سلطات أبي وأمي فيجب علي الاستقلال ماديا، لأن المال هو السلطة حقا مثلما قالت .... " توقف عن الكلام وقضم شفائيه بضيق.

دحرج محمد عينيه بعيدًا، ومن غيرها سيقول هذا الكلام لكن جيد ... فعلي الأقل لقد دفعت بالعاطل هذا إلى الخروج للحياة أخيرا.

" لكنني لا أريد أن أعمل مع أبي، سأعمل معك لذا جد لي عملا ! " أوما له محمد تم أشار له بسبابته " اتبعني. ".

في اليوم التالي يكون قد مر أربعة أيام على تواجدها في السجن، ولا أحد يعلم بهذا سوى هو وبعض الحراس، وبرغم كونه أرسل لها مضطجع من الصوف لتنام عليه والطعام كان يصلها ثلاثة مرات كل يوم ألا أن الأمر لم يكن سهلا عليها، فلقد قضت حوالي أكثر من تسعون ساعة بمفردها

محبوسة ولا ترى الضوء لدرجة أنها أصبحت معتادة على الظلام وعندما يأتي الحارس بالطعام وهو يحمل شمعة تضع يدها على عينيها بعدم راحة ، و كانت تشغل وقتها بتسميع القرآن على

نفسها كمراجعة، ولعل هذا ما جعل الأمر محتمل.

كان هو في طريقه إلى زنزانتها عندما استمع لها تتلو القرآن بصوت عذب، توقف عن التحرك واصننت أكثر لم يعرف أن صوتها جيد هكذا سوى الآن !

عندما انتهت تحرك من جديد حتى وصل إليها، رفعت عينيها إليه ولم تتحرك من مكانها على الأرض

" ألن تقولي الحقيقة ؟ " سأل بنبرة رسمية هادئة فرفعت كتفيها بلا مبالاة وتمتمت " الحقيقة قولتها !

" هل تظنين أنني سأصدق الهراء الذي قلته ؟ "

فوجئ بها تسخر " أنا ممكن أكدب دلوقتي عليك وهتصدقني ومش هتقول هراء ولا حاجة، بس انا خلاص زهقت من الكدب يا محمد، لأن الكدبة الصغيرة بتجر وراها كذب كثير عشان يغطيها، وفجأة تلاقي نفسك بقيت كداب وكل كلمة بتقولها مشكوك في صدقها حتى لو مش كدب. "

صمت لوهلة, رمقها من أعلى إلى أسفل، وضعها مذري حقا .. والألم في قلبه لا يحتمل

" عائشة، قولي الحقيقة وأقسم بأنني سأخرجك من هنا لا داعي للبقاء هنا أكثر ! " قال بنبرة حنونة

" الحقيقة إني سافرت بالزمن من المستقبل وجيت هنا غصب عني وكنت يهرب عشان أقابل الساحرة اللي في درب البرابرة واللي أنت مسكتني قدام بيتها " كررت ما قد قالته كثيرا في

الأيام السابقة

دم شفتيه معا بيأس وحدق إليها بصمت لدقيقة قبل أن يومئ ويستدير ليعود من حيث أتى.

لكنها وجدته أمامها من جديد في صباح اليوم التالي وفوجئت به يفتح قفل زنزانتها ويردف "

انهضي هيا. "

وقفت بسرعة عن الأرض لتنظر له " هتخرجني !! "

نظر إلى عينيها وحاول رسم ابتسامة مزيفة على وجهه رغم الألم الجلي في عينيه وفتح فمه

ليكمل " سأساعدك بالرجوع إلى أهلك. "

توسعت عينيها بدون تصديق، هل ما سمعته صحيح ؟ هو سيدعها ترحل !! " !! بجد "

أوما بهدوء " نعم، ساخذك بنفسي إلى أي مكان تريدين، لا حاجة للهرب بعد الآن. "

" هتسيبني أمشي ؟ "

" أجل، سادعك ترحلين يا عائشة، أنا أصدقك رغم كوني لست مقتنعًا تماما، كما أنني لن أجبر فتاة على البقاء وهي لا تريده. "

فوجئ بها تعانقه بسرعة وشعر بالدموع تبلل ثيابه قربت على رأسها بيد مرتعشة وهمس بألم " لا داعي للبكاء. "

أومأت وابتعدت عنه تمسح الدموع عن عينيها " هنروح للساحرة دلوقتي ؟ "

" يجب أن تستحمي وتبدلي ثيابك أولا، رائحتك سيئة " أجاب وتحرك فتحركت خلفه وهي تشمشم في ثيابها حتى وصلا إلى جناحه فحمحم بضيق دون النظر إليها

" تيابك في الخزانة، ثيابك التي أتيت بها، استحمي ورتبي شعرك. "

" أنا سأنتظرك في العربة أمام الباب " أكمل وتحرك بيقلب مفطور إلى الخارج

فور خروجه وضع يده على قلبه، يؤلم كثيرا .. الأمر يؤلم كثيرا وإخفاءه كان أصعب، لكنه توقف واخذ نفسا عميقا ورسم ملامح باردة على وجهه، لا يمكنه أن يظهر ضعيفًا .. ليس وهو محمد باشا البستانجي والي مصر والسبب فتاة ... لكنه لم يشعر أبدا بألم مماثل، وكان قلبه يتمزق إلى أشلاء .. الألم كان سيء بشدة والتحمل كان أسوأ، لكنه كان قد اتخذ قراره والأمر قد قضي، هو

لن يجبرها على البقاء حتى لو كانت كاذبة

دخل إلى العربة وجلس بداخلها وهو يقبض على يديه بشدة وينظر نحو الخارج إلى اللا مكان كان الوقت يمر ببطء شديد وكأنها سنوات وليست دقائق، لأنه كان يكابح الألم الذي يشعر به .. لا يوجد ألم جسدي مماثل للألم الذي يشعر به الآن هو فقط يريد من كل شيء أن يتوقف ... لكن لا شيء يتوقف .. قلبه المجروح ما زال ينبض بتضارب أبيا التوقف، لكن هذا كان خطأه .. لم يكن يجب عليه أن يحب إحداهن وقد فعل ويجب عليه تحمل نتيجة ذلك الخطأ بمفرده

رأها تتحرك لتخرج من باب القصر وكان الحراس سيمنعونها لكنه أشار لهم بيديه ليجعلونها تمر وفي تلك اللحظة هو رغب بعدم النظر لها لكن كان هناك ذلك الصوت في رأسه يخبره بأن تلك هي المرة الأخيرة، فلينظر بقدر ما يشاء لأنه لن يحصل على فرصة أخرى

توقع أن يرى ملامح سعيدة على وجهها لكنه ضدم من ملامح وجهها الباهتة، راقبها حتى فتحت

باب العربة وجلست بجانبه لتتفادى النظر له.

الألم يصبح أقوى، هو لن يراها مرة أخرى أبدا !

" درب البرابرة صحيح ؟ سأل وهو ينظر إليها فأخفضت رأسها إلى يديها المرتعشة وأومأت بصمت

" جابر إلى درب البرابرة " صاح إلى السائق وسمع صوت اللجام يضرب وصهيل الخيول تعلو ثم العربة تتحرك

كانت ضربات قلبها مرتفعة تريد البكاء والأهم من هذا تريد احتضانه .. لتخبره بأنها تحبه ولم تحب أحدا سواه، ولتخبره بأنها أحبته رغم ذكوريته وأفكاره السيئة كما هو أحبها رغم تمردها وتصرفاتها السيئة لكن ... لا شيء له أي معنى الآن .. ولو قالت فهي ستجعله يحزن أكثر وربما لسيتراجع عن تركه لها

بينما كان ينظر لها، ولا يعطي الأمر أي أهمية فهي تعرف أنه عاشق لها بالفعل وماذا سيفيد إظهار غير ذلك ؟ فقط سيخسر فرصة النظر لها وحفظ ملامح وجهها جيدا لكي لا ينساها، بدت مختلفة فعلا في تلك الثياب، وبدت أجمل ...

" أسف على حبسك. لم أرغب في ذلك لكنه كان الحل الوحيد لتصديق ما قد قلت لأنك كذبت علي كثيرا، " أفتتح كلامه وهو يحك يديه معا بخفة، يرغب في محادثة أخيرة معها

رفعت رأسها أخيرا لتنظر له وابتسمت بهدوء " أصفة إني كدبت عليك كثير، كنت مفكراك مش هتصدقني. "

" نحن نصدق ما نريد أن نصدقه يا عائشة " نطق أثناء نظره إلى عينيها ثم قضم على شفتيه وتمتم

" مازلت غاضب من جميع أفعالك الهوجاء ولا يمكنني مسامحتك على ما قد سببته لي من ألم، لكن ذلك لا يمكنه جعلي أتغاضى عن شعوري بصدقك تلك المرة. "

عقدت حاجبيها ورمقته بضيق ثم سخرت " على فكرة أنت كسرتلي موبايلي ولطشتني بالقلم وكنت هتخر ملي طبلة ودني !! ومش عايز تسامحني كمان !! "

توسعت عينيه وزمجر " أنت من دفعتينني لفعل هذا ! "

" أنا سامحتك على القلم بس عشان أنت كنت مريض، رغم أن القلم اللي لطشتهولي ده ما يجيش من واحد مريض أبدا أقسم بالله ده أنت صوابعك علمت على وشي يومين !!! " سخرت

من جديد

" احمدي الله، لم تكوني لتتحملي يدي لو لم أكن مريض " سخر هو الآخر ورمقها بطرف عينيه ثم نظر أمامه وشبك يديه أمام صدره بغيظ، هذه الغبية قد جعلت آخر حديث بينهما يتحول

المشاجرة !

" أنت مش ناوي تعتذر على القلم ده ولا حاجة ؟! " تكلمت من جديد فجحظت عينيه وحرك رأسه إليها في استعداد للهجوم عليها لكن صوت توقف العربة وجابر الذي صاح " مولاي، لقد وصلنا. " أوقفه.

تعليقات