رواية بنت القلب الجزء الرابع (سفراء الظلام) الفصل السابع عشر 17 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الرابع (سفراء الظلام) الفصل السابع عشر 

دلف «إلياس» ومعه صغيرته إلى القاعة وسط تصفيق حار من الجميع ونظر هو لها بابتسامة لتبادله تلك الابتسامة بحب. بدأت فقرات حفل الزفاف وسط سعادة الجميع إلى أن أشار «مراد» بيده وتوقفت الموسيقى لتبدأ موسيقى أخرى مختلفة. أمسك «مراد» المايك وبدأ في الغناء:
- صاحبيييي، أنت فين وأنا اجيلك، تعبان اجي اشيلك، صورتك دايما مش بتفارقني، ضهري وسندي مش سايبنييي
وقف «كرم» هو الآخر بعد أن أمسك المايك:
- ابن عميييي يعني أخويا وسندي، عشرة عمر كبيرة، فاكر كل تفصيلة، وأنت واقف جنبي وأعدائنا في حييييرة
نهضت «سما» هي الأخرى وانضمت لهم في الغناء:
- ابن عميييي يعني أخويا وسندي، عشرة عمر كبيرة، فاكرة كل تفصيلة، وأنت واقف جنبي وأعدائنا في حييييرة
ليقول «مراد» مرة أخرى:
- بجد ياصحبي أنا معاك، في الشدة في ضهرك دايما وياك، ويارب يخليني دايما جنبااااك
ليقول «كرم»:
- آه يا اخويا، دايما محتاجك جنبي، تبقى في ضهري وسندي، وإن بس في يوم، احتاجت حاجة تيجي عليا،  يا أغلى دايما ما ليااااااا
لتكمل «سما»:
- آه يا أخويا، دايما محتاجك جنبي، تبقى ضهري وسندي، وإن بس في يوم، احتاجت حاجة تيجي علينا، إحنا عيلتك يا ماليناااااا
ليكمل «مراد»:
-  صاحبيييي، أنت فين وأنا اجيلك، تعبان اجي اشيلك، صورتك دايما مش بتفارقني، ضهري وسندي مش سايبنييي
-  ابن عميييي يعني أخويا وسندي، عشرة عمر كبيرة، فاكر كل تفصيلة، وأنت واقف جنبي وأعدائنا في حييييرة
- بجد ياصحبي أنا معاك، في الشدة في ضهرك دايما وياك، ويارب يخليني دايما جنبااااك
- آه يا اخويا، دايما محتاجك جنبي، تبقى في ضهري وسندي، وإن بس في يوم، احتاجت حاجة تيجي عليا،  يا أغلى دايما ما ليااااااا
- آه يا أخويا، دايما محتاجك جنبي، تبقى ضهري وسندي، وإن بس في يوم، احتاجت حاجة تيجي علينا، إحنا عيلتك يا ماليناااااا

انتهت الأغنية وصفق الجميع تصفيق حار وحضن «إلياس» صديقه وابن عمه بشدة بعد تلك المفاجأة الرائعة. استمرت الأجواء الرائعة إلى أن حانت لحظة النهاية ووقف «إلياس» ومعه صغيرته بعد يوم سعيد. تحركا أخيرا إلى الخارج وسط سعادة الجميع وقبل أن يستقل «إلياس» السيارة نظر إلى هاتفه ثم رفع بصره بحثًا عن «طيف» وما إن وجده حتى أشار إليه فاقترب منه وهو يقول بابتسامة:
- اؤمر يا عريس
ابتعد معه بعيدًا عن الجميع وردد بجدية:
- جالي إشعار حالا بمكان الواد اللي كلمتني امبارح عنه، فتح موبايله وعرفت مكانه
ابتسم «طيف» وقال بجدية:
- حلو أوي ابعت اللوكيشن وأنا هنطلق على هناك 
وضع يده على كتفه وردد بجدية:
- طيف زي ما اتفقنا مفيش حاجة مجنونة هتعملها تمام؟
حرك رأسه بالإيجاب وقال على الفور:
- مش عايزك تقلق خالص، زي ما قولتلك أنا هعلمه الأدب بس زي ما اتجرئ وعمل حاجة زي كدا لأختي وخلاها تقضي يومين كاملين في رعب بالشكل ده، ابعت بس اللوكيشن ومتشغلش بالك، ركز في ليلتك يا عريس
حرك «إلياس» رأسه بتفهم وأردف:
- تمام افتح الواتس بتاعك هتلاقي لايف لوكيشن له يارب تلحقه قبل ما يتحرك بس

توجه «طيف» إلى زوجته وردد بجدية:
- نيران بقولك ايه، روحي مع بابا علشان فيه مشوار كدا لازم اعمله
ضيقت ما بين حاجبيها وقالت متسائلة:
- مشوار ايه؟
وضع يده على كتفها وقال بابتسامة:
- هقولك لما أرجع يلا هسيبك أنا علشان ألحق
تركها ورحل في الحال وسط مراقبتها له بتعجب شديد.

التقط «طيف» أنفاسه وتابع سرد ما حدث للطبيب:
- دي كانت آخر مرة أشوف فيها نيران أو بمعنى أصح آخر مرة أشوفها كويسة قصاد عيني لأن اللي حصل بعد كدا دمر الكل

قاد سيارته بسرعة كبيرة إلى موقع هذا الذي شغل باله كثيرًا ومع كل دقيقة كان يفكر في طريقة مختلفة لتلقينه درسًا بعد ما تسبب فيه لشقيقته من أذى نفسي. وصل أخيرا إلى موقعه وكانت منطقة حديثة البناء وخالية تمامًا من السكان. ترجل من سيارته وتحرك عدة خطوات إلى أن وجد دراجة نارية أمام منزل فعرف أنه هنا. تحرك حتى وصل إلى هذا المنزل وطرق الباب بهدوء ليفتح له شاب في نهاية العقد الثالث من عمره لكن «طيف» لكمه بقوة في وجهه ليسقط هو إلى الداخل بعد أن خرجت الدماء من فمه. 

اعتدل قليلًا ووضع يده على فمه ليجد الدماء مما جعله ينظر إلى «طيف» وهو يقول بابتسامة:
- شرفت يا سيادة المقدم
تعجب «طيف» من معرفته له وشعر بوجود كمين له فأخرج سلاحه على الفور ووجهه تجاهه وهو يقول:
- آه ده اللي حصل بقى مقصود
نهض هذا الشاب ونظر له ليقول بهدوء:
- والصراحة أنت كنت متعاون معانا بشكل كبير، دلوقتي دوري انتهى
في تلك اللحظة وضع سم بداخل فمه وابتلعه ليسقط قتيل أمامه في الحال. ضيق ما بين حاجبيه ونظر حوله في ظن منه أن هناك من ينتظرونه لكي ينتقمون منه لكن لم يحدث ذلك.
ظل يبحث في جميع الغرف عن أحد لكنه لم يجد فتحرك مرة أخرى إلى سيارته وقادها إلى المنزل بعد أن أبلغ الإسعاف والشرطة عما حدث. 

ضيق الطبيب ما بين حاجبيه وقال بتعجب:
- لما هو كمين إزاي محدش قربلك؟ معقولة عملوا الحوار ده كله علشان تروح وهو يقتل نفسه قصادك؟
ابتسم «طيف» بسخرية وردد:
- ده كان كل تفكيري وأنا سايق ومروح البيت، ياترا ايه الهدف من اللي حصل ده؟ مخي مأسعفنيش نهائي ولا جيه في بالي أي حاجة لكن لما وصلت البيت عرفت إن الكمين مكانش ليا أبدا، كنت أتمنى الصراحة إنه يكون ليا أنا لكن للأسف حصل عكس كدا، حصلت النقطة السودة اللي في حياتي واللي لغاية دلوقتي مش قادر أفوق منها

وصل أخيرا إلى المنزل وفي رأسه العديد والعديد من الأسئلة لكنه أخرج في النهاية مفتاحه وفتح الباب ليتقدم إلى الداخل. تحرك عدة خطوات وما إن وصل إلى الداخل حتى وجد ما لم تصدقه عيناه. كانت «اسماء» ومعها «تنة» و«رنة» يجلسون على ركبهم وهناك ثلاثة مسلحين يقفون خلفهم ويوجهون أسلحتهم إلى رأس كلٍ منهم وفي الجهة المقابلة كان «قايد» ابنه الأصغر يحمله أحدهم ويضع السكين على رقبته ويجاوره من يضع السكين على رقبة ابنته «ميلا».

شعر أن العالم يلتف من حوله من شدة الصدمة التي لجمت لسانه. كان يريد التحدث لكن المشهد أمامه أقوى من قدرته على الحديث لكنه نطق أخيرا:
- سيبوهم! أنا قدامكم أهو اقتلوني أنا
تحدث أحدهم ليقول بجدية:
- مش دي الأوامر اللي عندنا
اتسعت عيناه وردد بصوت مرتفع:
- إزاي يعني؟ هم ملهمش ذنب في أي حاجة
- هو ده المطلوب، إنهم ميكونش ليهم ذنب، في البداية أنت وأبوك وقفتوا قصادنا وواجهتونا، اللي يواجه عدو من غير ما يعرف نقاط قوته قبل ضعفه يستحمل بعد كدا
تقدم خطوة إلى الأمام ورفع كفيه في الهواء وهو يقول بترجي:
- بلاش هم أنا قصادكم أهو
نظر إلى والدته ليجد عبراتها تنزل دون توقف ثم وجه نظره إلى شقيقتيه ليجد نظراتهم له من بين بكائهم. تسارعت أنفاسه ونظر إلى ابنته لكنه وجد في نظراتها قوة وتحدثت قائلة:
- متخافش علينا يا بابا، بكرا لما أكبر هقبض عليهم كلهم
حاول رسم ابتسامة لها لكنه لم يستطيع فنظر إلى ابنه الصغير وردد:
- متخافش يا حبيبي، متخافش
ثم عاد ببصره إلى أحدهما وردد بترجي:
- محدش فيهم له ذنب في أي حاجة، أنا السبب في كل حاجة حصلت ليكم، خدوا حقكم مني لكن بلاش هم علشان خاطري بلاا....
لم يكمل جملته لأنه سرعان ما انطلقت رصاصة من سلاح أحدهم تبعها عدة رصاصات انطلقت قتلت الجميع.

حرك رأسه برفض تام لما حدث وردد بصوت غير مسموع:
- لا ..
ظل يحرك رأسه بصورة سريعة وهو يردد برفض:
- لا لا لا 
وأخيرا صرخ بكامل صوته:
- لاااااااا

سقط على ركبتيه ورحل هؤلاء المسلحون من أمام عينيه بهدوء تام دون أي مقاومة منه لهم.

انهمرت عبراته وتوقف عن الحديث لثوانٍ قبل أن يقول بنبرة باكية:
- عمري في حياتي ما كنت اتوقع خسارة زي الخسارة دي، عمري ما كنت اتوقع يحصل حاجة زي دي، كل ما يجي المشهد على بالي مبعرفش أفكر رغم الوقت اللي عدى ده كله، مشيو من قصادي من غير ما أواجه حد فيهم، أنا نفسي معرفش مشيو امتى وإزاي، أنا من صدمتي مبقتش عارف أروح لمين فيهم؟ اروح لأمي ولا أخواتي ولا عيالي؟ كلهم غرقانين في د-مهم، كل اللي بعمله هو إني بهز دماغي وأقول لا لا بأعلى صوت، كنت بدرس في الكلية إزاي الواحد يسيطر على صدماته وإزاي يتحكم في أعصابه لأن طبيعي هبقى دكتور يعالج الناس من الحالات اللي زي دي فاستحالة أقع أنا فيها لكن في الموقف ده بالذات عرفت وأيقنت إن الواحد يعيش الموقف غير ما يسمعه من حد ما بالك بقى باللي حصل معايا؟ عيلتك كلها قصادك بتم-وت وبيطلعوا في الر-وح وأنت مفيش في إيدك حاجة تعملها حتى عقلك مش عايز يسعفك أو يوجهك تروح لمين فيهم، أخيرا بدأت اتحرك وأهز كل حد فيهم شوية على أمل إنه يرد عليا لكن مفيش رد، بقيت زي المجنون أجري عليهم واصرخ فيهم يكلموني لكن مفيش أموات بيردوا؟! فضلت أصرخ بأعلي صوتي لغاية ما قعدت وسطهم على الأرض على ركبتي وفضلت أعيط بحرقة

جلس «طيف» على ركبتيه بعد حالة الجنون التي أصابته ومال بظهره إلى الأمام قبل أن يدفن وجهه بين كفيه ويبكي بصوت مرتفع. كان صوت بكائه يعبر عن مدى خسارته فهي لا تقارن بأي خسارة أخرى.

في تلك الأثناء دلف «ايمن» ومعه «بارق ونيران» ليجدوا هذا المشهد أمام أعينهم لركض كلٍ منهم إلى أحد مختلف في وقت واحد.

صرخت «نيران» وركضت صوب أطفالها وهي تقول بصدمة واضحة:
- ولادي؟ قايد ميلا؟! 
حركت رأسها بصدمة شديدة ونظرت إلى «طيف» وهي تقول بنبرة أشبه بالصراخ:
- مين عمل في ولادي كدا يا طيف؟ رد علياااا 
عادت ببصرها إليهم مرة أخرى وظلت تهز كلٍ منهم في محاولة منها لإيقاظهم لكنها بالطبع فشلت في ذلك وحضنت كلاهما وهي تبكي بصوت مرتفع:
- ولادي لاااا، ليه سيبتهم يعملوا كدا في ولادنا ليه؟ حرام عليك حرام عليك، ولاااادي
أما «بارق» فركض على الفور ورفع «تنة» قبل أن يضم وجهها بين كفيه وهو يقول بصدمة:
- تنة؟ مين عمل فيكي كدا؟ ميييين؟
نهض من مكانه وأمسك «طيف» من ياقة قميصه وصرخ في وجهه بقوة:
- مين عمل كدا يا طيف؟ ليه سيبتهم يعملوا كدا؟ ليييه
لم يُجيب «طيف» وظل يبكي دون أن يتحدث بينما جلس «ايمن» على ركبتيه أمام زوجته وعائلته بأكملها وحرك رأسه بحزن شديد وللمرة الأولى انهمرت عبرة من عينيه واقترب من زوجته ليمسك بيدها وهو يقول:
- إنا لله وإنا إليه راجعون
ثم وجه بصره لابنتيه وانهمرت عبرة أخرى من عينيه وهو يقول:
- يارب الهمني الصبر في مصيبتي يارب، يارب الهمني الصبر، يارب الهمني الصبر 
حضن «بارق» زوجته وظل يبكي بحزن شديد بينما كانت «نيران» تبكي بصوت مرتفع وهي تضم أولادها وكأنها تحضنهم للمرة الأخيرة.

أما عن «طيف» فكانت الصدمة لم تفارقه رغم بكائه وصراخه. نظر إلى والده أخيرا وحرك رأسه بنظرات تحمل معنى وكأنه يعاتبه على عدم تحركه بالرغم من معرفته بعودة هؤلاء.
نهض «بارق» من مكانه وأمسك «طيف» من ياقة قميصه وجذبه لكي يقف ويواجهه وردد بنبرة أشبه بالصراخ:
- أنت لازمتك ايه؟ أنطق؟
نظر له «طيف» نظرة تحمل الضعف وردد:
- خسارتك مش بحجم خسارتي، سيبني يا بارق علشان قلبي محروق
دفعه بقوة وصرخ في وجهه بقوة:
- على الأقل كنت قاوم يا بني آدم؟ كنت حتى موت وأنت بتدافع عنهم لكن تتفرج عليهم وهم بيموتوا؟! أنت ايه؟ هاا أنطق أنت ايه
في تلك اللحظة ظهرت «ملك» ابنته التي حضرت من الأعلى بعد أن استيقظت من نومها لكنها لم تدخل ورددت بتعجب:
- بابا؟ بتتخانق مع خالو ليه؟
نظر لها على الفور وركض صوبها قبل أن تدخل وترى والدتها وعائلتها بتلك الحالة وضمها إلى صدره وهو يقول:
- مش بتخانق يا حبيبتي ده أنا وخالو بنهزر، بصي اطلعي فوق واستنيني أنا شوية وجايلك
ابتعدت قليلا عنه ورددت:
- طيب فين ماما علشان أنا جعانة
ضمها إلى صدره مرة أخرى وانهمرت دموعه في صمت قبل أن يقول:
- هقول لماما وهتجيب الأكل وناكل مع بعض بس اسبقينا على فوق ومتخرجيش خالص غير لما اجيلك اتفقنا؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت:
- اتفقنا

صعدت إلى الأعلى وعاد هو إلى الداخل لينظر إلى الجميع بعدم تصديق، ما يحدث أشبه بالحلم، لا ليس حلم بل كابوس لا يمكن الاستيقاظ منه. نهض «ايمن» بعد أن تمالك أعصابه ووضع الهاتف على أذنه وهو يقول:
- الحقني يا رماح

- المشهد كان صعب أوي، كل واحد فينا حزنه مختلف، لا مش حزن دي صدمة، حجم الخسارة مكانش متوقع لأي حد فينا بس كلهم دخلوا لقوا الوضع ده لكن أنا اللي عيشته بتفاصيله، شوفتهم وهم بيعيطوا وجواهم أمل ولو بسيط إني هخلصهم منهم، بنتي وهي بتتكلم بكل قوة ومش خايفة اللي خلاني ازرع أمل جديد بإنهم هيكونوا بخير، مش هتصدقني لو قولتلك إني لما كنت بقولهم اقتلوني أنا وسيبوهم كنت بتكلم بجد مش مجرد لعبة علشان اتخلص منهم، أنا كنت مستعد إني أموت بدالهم، أول مرة في حياتي أبقى مستعد للموت بالشكل ده، والله كنت بدعي ربنا من جوايا يقتلوني أنا وميقربوش منهم، هم قتلوهم وسابوني لكن الحقيقة إني مت معاهم، أيوة أنا مت معاهم
أغلق عينيه وتابع بنبرة خافتة:
- الفرق الوحيد بس إنهم اتقـ..ـتلوا مرة واحدة لكن أنا اتقـ..ـتلت مليون مرة، هم اتدفنوا تحت التراب لكن أنا مش مكتوب عليا اتدفن، مكتوب عليا امو..ت كل دقيقة وكل ثانية، أنا بتنفس لكني مـ..ـت من وقت طويل أوي ...

تعليقات