رواية ظل بعد ظل الفصل التاسع عشر 19 بقلم ياسمين النعيمي

 

 

رواية ظل بعد ظل الفصل التاسع عشر بقلم ياسمين النعيمي



بعد الفطور، و بعد ما هدأت ضحكاتهم و انشغل كل واحد بشيء صغير، بقى أثر الصباح معلق بقلب ريّا.
الشموع ... دموعها ... السوار الذي ما فارق معصمها ... و نظرات قيس من آخر الليل إلى هذه اللحظة.
كانت تتحرك في البيت كعادتها، تساعد رهف، ترتب الصحون، ترد على مزاح رغد ... لكن شيئاً فيها لم يعد كما كان.

كلما حست بعيونه عليها، تهرب بنظرها فوراً ... تبتسم بخجل ... تنشغل بأي شيء ... تخفض راسها كأنها البنية الي تعيش أول حب بحياتها.
و قيس كان يلاحظ كل هذا بصمت.

ما أحرجها، و ما علق أمام أحد ... بس كان يراقبها بنظراته الهادئة، و ابتسامة صغيرة ما فارقت شفايفه. ابتسامة رجل يعرف تماماً سبب هذا الارتباك ... و مستمتع بيه أكثر مما ينبغي.
بعد شوية، كانت واقفة وحدها بالمطبخ، ترتب أكواب الشاي بهدوء.
سمعت خطواته خلفها.
و ما احتاجت تلتفت حتى تعرفه.

توترت فوراً.
خلت الكوب ببطء، بدون ما تستدير.
وقف قريب منها، مو ملاصق، بس قريب بما يكفي حتى تشعر بحرارة حضوره.
صوته اجاها هادئ،
- ريّاوي ...
غمضت عيونها للحظة،
- همم ؟
ظل يتأمل جانب وجهها.
- بيج شي ؟

هزت رأسها بسرعة.
- لا.
سكت شوية، ثم سأل بصوته العميق الي ما ترك لها مجال للهروب،
- متباعدة عني من الصبح.
- مو متباعدة ...
- كل ما ادحكَلج تتهربين مني ...
احمرّ وجهها أكثر.
و ما ردت.

اقترب خطوة صغيرة،
- ريّا ... إذا بيج شي حاجيني.
بقت ساكتة،
فمال براسه شوية، يحاول التقاط نظرتها.
- من الصار البارحة ؟!
ارتجفت أنفاسها.
ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:
- ما أگدر اشوفك بنفس الطريقة بعد.
سكت لحظة.
كلماتها أصابته بعمق أكثر مما توقعت.

تحرك لما صار أمامها مباشرة،
رفع إصبعه برفق تحت ذقنها أجبرها تنظر له،
و عيونه ثبتها بعيونها،
- شلون صرتي تشوفيني ؟!
اتسعت عيونها بخجل شديد.
فتحت شفايفها لترد ... بس ما قدرت.
ابتسم ابتسامة صغيرة 
- ضجتي مني ؟
هزت رأسها فوراً بالنفي ...
- ندمتي على الصار ؟
هزت رأسها مرة ثانية، هذه المرة أسرع.

ابتسامته اتسعت شوية، لكن صوته بقى هادئ جداً:
- عجبج ؟
سكتت.
لكن سكوتها كان أوضح من أي جواب.
أنفاسها المرتبكة ... احمرار خدودها ... نظرتها الي ما تكَدر تثبتها بعيونه ...
كلها أجابت بدل عنها ...

مال براسه لما صار قريب من وجهها، و همس،
- عجل منيش خايفة ؟!
غمضت عيونها بخجل،
- ما خايفة ...
- عجل شجرالج ؟!
همست بصعوبة:
- لأن ... ما عدت اشوفك مثل قبل.
ساد الصمت بينهم للحظة.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة جداً، مليانة حنان.
رفع يده، و أزاح خصلة شعر نزلت على خدها.
- زين اسمعيني.

كانت عيونها معلقة بيه،
- قيس اللي شفتيه امس ... هذا قيس الحقيقي.
مرر إبهامه على خدها ببطء.
- و هذا الوجه الما يشوفه أحد غيرج.
شهقت أنفاسها بخجل، و امتلت عيونها بعاطفة دافئة،
واصل همسه:
- جدام الناس اظل قيس اللتعَرفيه ... يا جبل ما يهزك ريح ...
ثم مال أكثر لما لامست أنفاسه شفايفها،
- بس هذا الوجه ... هذا الشوكَ ... و الحب ... هذا كله إلج لوحّدج.

                                            

              
                    

ارتجفت شفايفها.
و ما قدرت تقول شي ...
فابتسم، و طبع قبلة صغيرة جداً على طرف شفتها.
قبلة خاطفة ... بس وقفت نبضها للحظة.
ثم همس قرب شفتها،
- لا تستحين مني بعد.
مرر أصابعه على حلقته، بيمينها يقول،
- حلالج اني.
شهقت بخجل، و نزلت راسها مبتسمة برجفة.
دفنت وجهها بصدره القريب بدون وعي.
ضحك بخفوت، و ضمها إله بذراع وحدة، يربت على ظهرها بحنان.
- هذا أحلى شي بيج.

ظلت ساكتة للحظات، تستمع لنبض قلبه تحت أذنها.
ثم همست بصوت خافت جداً:
- ما جنت اتوقع احبك بهاي الطريقة.
شدها إله أكثر، و طبع قبلة طويلة على شعرها.
- و انا ما جنت اتوقع الله يعوضني بيج بهاي الصورة.
رفعت وجهها إله، و الخجل بدأ يذوب شوية شوية، و حل مكانه تساؤول فضولي،
- تكَول الله عوضني بيج، و ما جنت اتوقع احب مرة ثانية ...
ركزت عيونها بعيونه تسأل،
- شوكت تفتح لي دفاتر ماضيك ؟!

رفع حواجبه مركزة عيونه بعيونها ...
ابتسم لها و هو يمسح بإبهامه أثر احمرار خدودها،
- هسة ردّت ريّا الاولية !!
ضربته على صدره تقول،
- لا تضيع السالفة ...
عدل خصلة من شعرها يقول،
- شتريدين احجيلج ؟!
رفعت حواجبها تقول،
- اريدك كتاب مفتوح، بس انت حتى صفحتين ما كاشف لي ...

صفن و نظرته صارت جدية ... سكت لثواني، و رد بهدوء،
- بوكتها تعَرفين ؟!
و باغتته،
- شوكت وكتها ؟!
- عليش مستعجلة ؟!
و ردت له بحلاوتها،
- مو من حقي اعرف عن حبيبي ؟! 
رد بهدوء،
- حكَج ...
و كملت،
- يعني يصير اروح وياك لاهلنا، و مثلاً اسمع اشياء عنك، من غيرك ؟!
ابتسم يتأملها، تعرف على كلمة اهلنا ...
و كملت،
- اذا نعكسها تحب تسمع عني شي من الناس ؟!

مسد على كفها بأصابعه يقول،
- لا أبد ... ماكو ناس تخش بينّا ...
و رفع حواجبه بنبرة تحذير،
- أبالج ريّا تسمعين عني شي، و ما تسمعين مني ...
- لعد شوكت ؟!
صفن بوجهها يتأملها مطولاً و رد،
- مو هالوكت ... 
تأملته بعيونها لثواني ما تعرف شتقول، و لما شافت تهربه سألته،
- أكو شي تخاف اعرفه ؟!
هز راسه و ضغط كفها بكفه يقول،
- ما عندي شي اخاف منو، بس اكو أمور صارت كَبل، ما اكَدر احَجيها هالشكل ... يريد لها كَعدة و اسولفهن وحدة وحدة ...

رفعت حواجبها تقول،
- و احنا مو كل يوم كَاعدين ؟! 
ابتسم يقول،
- هاي سوالف بس ... ذنيج غميجااات، جثير ...
التفتت تبتعد عنه و هي تقول،
- هو اني ما اخذ منك لا حق ولا باطل ...
و قبض على زندها وقفها يقول،
- ريّاوي ... انتي عاقلة عيب تزعلين على هاي ...
ظلت بمكانها و هو ورا ظهرها، حاوط زندها الثاني بإيده الثانية يقوللها،
- واثقة مني لولا ؟!

سكتت لحظة ...
ثم همست بعناد خفيف:
- لو ما واثقة ما سألتك.
ابتسم بخفة،
هالجملة وحدها هدّت جزء بداخله.
قرب خطوة ...
صار صوته أهدأ:
- ريّا ... أكو فرق بين اضم عليج ... و بين اريد اختار الوكت الصح.
التفتتله أخيراً
عيونها بيهن ذاك الفضول الحساس الي يريد يفهمه ... مو يحاسبه.
- يعني أكو أشياء كبيرة ؟ 
تنهد بهدوء.
- مر عليّ عمر كامل كَبلج ... طبيعي أكو اشياء.

            

              
                    

ظل يباوع بعيونها ثواني ...
ثم كمل بصراحة محسوبة:
- بس ماكو شي يغير نظرتج إلي لو عرفتيه.
هنا هدت ملامحها شوية.
مد إيده و عدل السوار بمعصمها ...
كأنه يثبت انتباهها على الحاضر، مو الماضي.
- تدرين شنو أكثر شي مخوفني؟ 
رفعت عيونها إله بهدوء.
- شنو ؟ 
ابتسم ابتسامة متعبة،
- إنج تستعجلين على سوالف مالهن داعي هسة.
هالجملة وقفتها.
لأنها حسته ما كَاعد يتهرب من الحقيقة.
دا يحاول يحمي اللحظة بينهم.

كمل بصوت هادئ:
- اني مو زلمة عندو حياة سرية و قصص مخفية. و مو رجال يريد يبهرج بالحچي حتى يحببج بيه أكثر. بس أكو أشياء ... لازم تنحچى بوكت تكونين مستعدة تسمعيها كاملة، مو نص نص.
سكت لحظة، و أردف،
- لانّو أنصاف الكلام تظلم البشر ريّاوي.

هنا انكسرت حدّة فضولها شوية.
سألته بهدوء:
- و هسة شتريدني اعرف عنك ؟ 
ابتسم لأول مرة ابتسامة دافية حقيقية، و بإبهامه داعب تحت شفتها،
- أريدج تعَرفين إنج أول انسانة بحياتي ما خلت الكَرب هذا هم على كَلبي ...
سحبت نفس عميق، و هو ...
ظل يتأملها كأنه متردد يكمل ... لكنه قرر يعطيها قطعة صغيرة من الحقيقة.
- و أول مرة من سنين اشتاكَ اطب البيت الانتي بيه ...
و أكد لها مركز عيونه بعيونها،
- مو بس مرتاح ... لا ... مشتاكَ.

لانت نظرتها بالكامل ...
تقربت منه خطوة،
- يعني جانت حياتك متعبة ؟! 
ابتسم بدون مرح،
- جثيير ... كل البشر تتعب ريّاوي ...
ثم رفع عيونه إلها مباشرة ... بنظرة عميقة جداً،
- بس مو كل البشر الله يعوضهم هالشكل ...
و هنا ...
ما عاد لها حاجة بالتفاصيل، بالوقت الحالي ...
لأنها فهمت الشي الأهم: 
إنه هذا الرجل مو هارب من ماضيه ...
ولا عالق بيه ...
بس أكو جروح بداخله بعدها تألمه لما تحاول تلمسها ...

قبل يومين تقرر سفره يوم الغد ...
الليلة هادئة الهدوء الي يسبق الفراق ...
البيت مرتب، أغراضه جاهزة، الكل طبيعي ظاهرياً ... لكن ريّا من داخلها كانت تختنق شوية شوية.
من بعد العشا و هي مو على بعضها ... 
ترد بكلمات قصيرة ... تضحك نص ضحكة ... تسرح هواية ... و كل ما تتذكر إنه بعد ساعات راح يسافر، قلبها ينقبض أكثر.

و قيس من النوع اللي يلتقط تغيّر مزاجها فوراً. خصوصاً هذه ريّا ...
كان بالبداية ساكت، يراقبها فقط. 
لكن لما طول الموضوع ... زعجه فعلًا.
كانت واقفة بالصالة ترتب غطا رهف بعد ما نامت، و هو جالس يتأملها من بعيد. 
أخيراً تنهد و قال،
- ريّاوي ... تعالي جاي.
التفتت له
-ها ؟! 
أشر بعيونه للمكان يمه.
- تعالي احچي وياج.

اقتربت ببطء و جلست، من دون ما ترفع عيونها إله. و هو ظل ساكت ثواني يتأمل ملامحها المتغيرة.
- شبيج ؟
هزت راسها مباشرة.
- ماكو شي.
رفع حاجبه بضيق خفيف.
- هاي الحجاية ربّت لي علة ...
سكتت.
انتظر ... بس من شافها ساكتة، تقرب أكثر و نبرته صارت أهدأ:
- ريّا ... احچي.

            

              
                    

تنهدت أخيراً، و همست بدون ما ترفع عيونها،
- ما أريدك تسافر.
تنهد تنهيدة طويلة ...
خايف من هذا التعلق يكبر بطريقة تأذيهم هم الاثنين ...
مرر إيده على وجهه بتوتر خفيف، ثم التفتلها:
- ريّاوي ... شنو يعني ما تريديني اسافر ؟
رفعت عيونها بسرعة،
- مو قصدي هيج ... انسى.
قاطعها بهدوء حازم:
- لا، فهميني ... ما ظال غير شهور و نرتب حياتنا و ننجمع بفد بيت ... هسة نهد كلشي ؟!

سكتت فوراً ...
أما هو فكمل، و صوته صار أثقل:
- تريديني اهدّ كلشي و اجي هين ؟! لو انتي تهدّين دراستج و شغلج و البنات و تجين ؟! لو شنو بالضبط ؟!
هزت راسها بسرعة و دمعتها سبقتها:
- لا ... ما أريد هيج.
هدأ شوية لما شاف دموع، لكن الضيق بقى بصوته:
- عجل شكو تحَجين جَن الدنيا اوكَفت !!
نزلت عيونها، و أصابعها تشابكت ببعضها بعجز طفولي موجع.
- لأن ... يوم بعد يوم البعد دا يصير اصعب.

هنا ... سكت تماماً ...
هاي أول مرة تعترف بهذا الشكل.
ظل يتأملها مطولاً، ثم سأل بهدوء:
- هذا كلو من الصار بينا ؟! 
رفعت عيونها إله بصدق كامل.
- لا ... 
تنهدت،
- هو من زمان صعب ... بس هسة ... صار أصعب بهواية.

هاي الجملة دخلت لقلبه مباشرة.
لأنها مو رغبة عابرة ... مو تعلق لحظة ... هي وصلت لمرحلة صار وجوده جزء من راحتها و مفهوم البيت عندها.
مد إيده و سحبها أقرب إله،
- تعالي هين ...
بالبداية قاومت بخفة، بس أول ما لف ذراعه عليها، استسلمت فوراً
ظل ساكت ثواني يربت على ظهرها، و همس:
- اسمعيني زين ... الحب مو يعني نركض ورا مشاعرنا و نخرب مستقبلنا. الحب الحقيقي لمن نصبر عليه تا نعيش بيه العمر كلو بعدين.

ضمت وجهها بصدره أكثر،
كمل بهدوء:
- اني صبرت جثير على هالحب و راح اصبر بعد تاظل وياج لاخر عمري ... و انتي تتعبين هالوكت شوي تا لا تخسرين الاولي و التالي و يظل كَلبي ياكلني عليج كلما اشوفج عايفة الاولي و التالي و جاية بوراي ...
سكتت، و هو كمل يذكرها،
- انتي دكتورة عين الله ترعاج، شهادة و خبرة عالية رغم بعدج زغيرة ... درستي و جاي تتخصصين بوحدة من أقوى الصروح الطبية بالعالم ... تعَرفين كمية النعم هاي ؟!

هزت راسها ...
و هو رفع إيدها و باس أصابعها واحد واحد،
- بعدين ...
و رفع حاجبه،
- تره ما احب اشوفج ضعيفة هالشكل.
رفعت عيونها بسرعة.
- مو ضعيفة ...
ابتسم ابتسامة صغيرة،
- عجل قوية ؟! 
هزت راسها بخفة.
مال قريب منها و همس:
- زين يالقوية ... ماريد يظل بالي عليج ...

شهقت بخفة من نبرته، بدأ يلعب وياها ...
- لا يظل بالك ...
ابتسم يقول،
- نختبرج و نشوف ...
سكتوا شوية ... و هو بدا يرجع لنبرته الطبيعية، الأخف.
مرر إبهامه على خدها،
- تعالي جاي ... أريد ابوس حبي كَبل لا أسافر.
شهقت بخجل فوراً ... و هاي الشهقة وحدها رجعت له مزاجه.
تقرب حتى يبوسها ... لكن فجأة وقفت بسرعة و ابتعدت باتجاه الدرج.

            

              
                    

تجمد على وضعه بس عيونه تبعتها للدرج ...
و هي تصعد درجة درجة، التفتتله بنظرة كلها دلال و خجل و قالت:
- شكلك تعودت ...
طالت نظراته عليها ... مصدوم ؟ لا، مستمتع ؟ جداً ...
رفع حاجب ببطء، و ابتسامة صغيرة مالت بطرف شفته.
- و شيصير لو تعودت ؟!
دارت وجهها بسرعة حتى تخفي ابتسامتها،
- لا تتعود هواية.

نهض من مكانه، مشى خطوتين و هي فوراً صعدت درجتين للأعلى.
- ريّاوي ...
هزت راسها بسرعة،
- لاا، كافي اليوم.
ضحك بخفوت ... هاي ال"لا" مالتها مو لا حقيقية، و هو يعرف.
صعد درجة وراها.
- ها ؟ هو شنهو الكافي ؟!
- قيس ...
- همم ؟
- لا تصعد.

وقف بمكانه، يتأملها بنظرة كلها متعة و رغبة و حنان بنفس الوقت.
- و إذا صعدت ؟!
عضت شفتها بخجل،
- أزعل عليك.
هنا ابتسم ابتسامة أوسع، مو ابتسامة مغازلة ... ابتسامة رجل عاشق مستمتع بخجل اللي يحبها.
سند إيده على المحجر و همس:
- لا يابا ما يصير اسافر و ريّاوي زعلانة عليّ ...
هنا ضعف قلبها فوراً ... لأن صوته تغيّر.
نزلت عيونها، و همست:
- ما زعلانة ...
- عجل تعاي ...

ظلت ثابتة بمكانها ... و هو يراقب ترددها، بعدها تنهد باستسلام خفيف،
- زين لا تجين.
استغربت ... رفع عيونه إلها و ابتسم بمكر:
- بس باچر لا تكَولين قيس ما ودعني زين.
وسّعت عيونها تقول،
- انت دا تبتزني ...
- إي ... 
قالها بكل بساطة و ثقة خلتها تضحك غصب عنها.

بقت واقفة بمنتصف الدرج ... تنظر بخجل واضح، و هو ينظر لها بنظرة كلها صبر مستنزف.
رفع حاجبه:
- ها ؟ شقررت المحكمة ؟ 
ضحكت بخفة،
- ماكو محكمة.
- عجل حدري.
و اعترضت،
- لا تحجي بلهجتكم كللش ...
رفع حواجبه يقول،
- شتريدين احجي مثلج ؟!
- شفتك وية الناس ما تحجي هيج كلش ...
و رد ببساطة،
- انتي مو الناس ...

تأملها يقول،
- ما تنزلين ؟!
عضت شفتها بتردد ... ثم نزلت درجة وحدة فقط.
ابتسم فوراً
- ايي ... دحجي العقل شلون زينة ...
ضيقت عيونها عليه،
- لا تتعود هواية على الفوز.
مد لها إيده من مكانه،
- هسة تعالي و ما نتعود ...

ترددت ... لكن بالنهاية نزلت باقي الدرج ببطء. أول ما وصلت قريبه، مد إيده وسحبها بخفة لما اصطدمت بصدره.
شهقت بخجل:
- قيس ...
لف ذراعه حول خصرها، و قرب جبينه من جبينها.
- ها يا بعد قيس ... هسة اكَدر اسافر واني مرتاح شواي.
نزلت عيونها بخجل.
- ما مرتاح انت أصلاً.
ضحك بخفوت.
- اي والله ... انتي علّيتي گلبي.

رفعت عيونها إله ... و قبل لا تلحق تتهرب أكثر، رفع إيده و حطها على خدها، و قبلها.
مو قبلة طويلة مثل ليلة عيد ميلادها ... لا.
هاي كانت، قبلة وداع.
هادئة ... ناعمة ... و بيها شوق أكثر من اللهفة، و شعور انتصار سجاله وياها ...
و لما ابتعد ... بقى قريب جداً منها و همس،
- جنها العافية ... خصّة لو اجت بعد عناد ...
شهقت بخجل و ضربته بخفة على صدره:
- قيس !!!

            

              
                    

ضحك بصوته الرجولي الهادئ ... و باس طرف جبينها يقول،
- يلا امشي نامي ...
و هاي المرة ... صعدت و الابتسامة ملونة وجهها ...

الصبح ...
من الفجر هي بالمطبخ، سوت فطور البنات و طلعوا للدوامات ... قيس كان بغرفته ما طلع بعده، رغد استحت تروح تسلم عليه، بس رهف تسللت لباب الغرفة ودعته كأنه و طلعت بدون دموع و دراما المعتادة ... ما تعرف شنو سوالها، بس زين سوا ...

دخل قيس للمطبخ مبدل ملابسه ... ريحة عطره ملت المكان فوراً ...
التفتتله بسرعة ... و أول ما شافته جاهز للسفر، انقبض قلبها من جديد.
حاولت تبين طبيعية.
- الريوكَ صاير ... جاي لو قهوة ؟!
رفع لها عيونه،
- قيس شيشرب الصبح ؟!
ابتسمت،
- جاي ...
خلت له الشاي، بس ما جلست وياه ... ظلت تشيل اشياء و ترتب اشياء و تغسل أكواب ... عرفها تتهرب من الجلوس مقابله ...

عيونه تبعتها، ما أكل غير لقمتين و نهض يقول،
- الحمدلله ...
التفتت له،
- ما أكلت شي ...
- مالي نفس ...
و قبل لا تستوعب ... مسك خدها بسرعة و خطف منها قبلة سطحية على جانب شفايفها ..
شهقت بقوة:
- قيييس !!
ابتعد فوراً يقول،
- مرة الاخرى ما تخليني لوحّدي ...

لمّت المطبخ بسرعة و طلعوا ...
ريّا أصرت توصله.
و رغم إنه بالبداية حاول يرفض، مو لأن ما يريدها وياه، بالعكس ... بس لأنه يعرف ثقل الوداع عليها، بالنهاية استسلم لإصرارها.
بس أول ما قربوا من السيارة تقرب من باب القيادة، و مد لها إيده تعطيه المفتاح ...

رفعت عيونها إله باستغراب،
- اني اسوق. 
ابتسم ابتسامة خفيفة و فتح باب السيارة إلها:
- لا حبيبتي ...
- ليش ؟!
- لانّو بالج مو وياج ...
احمرّ وجهها شوية، و حاولت تعترض:
- أركز عادي. 
رفع حاجبه و نبرته صارت كلها هدوء و ثقة،
- ريّاوي ... من الصبح و انتي تتهزمين، و ناسية حتى صباح الخير ... و حاطة ملح بالجاي بدال الشكر ...

شهقت بخجل ...
و هو ضحك و أخذ المفتاح من ايدها يقول،
- خلي بالج من المساكين البدربج اليوم ...
ما لكَت رد غير إنها تدور وجهها بخجل و تركب السيارة.
و هو ... ابتسامته ما فارقته طول الطريق.
قاد السيارة بهدوء، إيده على الستيرن بثبات، و كل شوية يمد إيده الثانية يمسك كفها للحظات ثم يرجعه.

هدوء المدينة و صوت القرآن بالسيارة كان معطي سكينة بالأجةاء ...
ريّا، كانت تحاول تبقى طبيعية.
تسأله إذا أخذ كل أغراضه ... عن تفاصيل الرحلة ...
و هو يسمعها و يعرف إنها تحچي حتى تهرب من لحظة الفراق.
إلى أن سكتت فجأة.
التفتلها بطرف عينه:
- ها ؟ خلص الحچي ؟! 
ابتسمت بخفة:
- خاف تكَول تحجي هواية ...
- احب حجيج ما عليج ...

ظلت ساكتة ثواني، بعدها مد إيده و أخذ إيدها بإيده. مرر إبهامه على أصابعها بهدوء:
- ريّاوي ... 
همّت ترد، لكنه سبقها:
- لا تضوجين هيج.
ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة،
- ما ضايجة. 
رفع حاجبه فوراً،
- هاي الجذبة حفظتها حبيبي.

            

              
                    

ضحكت غصب عنها، و لأول مرة من الصبح ارتخت فعلاً. قرب إيدها لشفايفه و باسها بخفة:
- فدوة لضحكتج، ظلي هيج ...
تنهدت بعدها بصراحة تعبت من إخفائها:
- أكره لحظات الوداع، طول عمري اتهرب منها.
هنا لان وجهه بالكامل. ظل عيونه على الطريق، بس صوته صار أهدا:
- و اني صرت اكرهها من اشوف وجهج مغيم ...

وصلوا للمطار ...
نظر لها نظرة مبتسمة، و نزلوا ... 
نزل جنطته، و قال،
- لا تروحين جوة، مسافة مشي و تبطين.
هنا انكسر شي صغير بقلبها ... حتى بلحظة سفره، بعده يفكر براحتها قبل نفسه.
أخذ نفس هادئ، و اقترب منها خطوة. 
رفع إيده يعدل ياخة قميصها،
- اسمعيني زين.
كانت عيونها معلقة بيه بالكامل.
- ديري بالج على نفسج ... و على رغودة ... و رهوفة لا تخلينها برا جثير ...

ضحكت بخفة وسط دمعتها:
- حاضر.
مال أقرب شوية، و صوته صار أهدا:
- و انتي ... 
سكت لحظة يتأملها.
- لا تخلين الشوكَ يكسرج، ما ظال الا شهور و نخلص ... بعدها ماكو سفر يبعدني عنج.
هزت راسها بسرعة حتى تمنع دمعتها ... بس أول ما شاف شفتها ترتجف، تنهد باستسلام خفيف و جذبها لحضنه.
حضن طويل ... ثابت ... مليان أمان أكثر من الشوق. غمضت عيونها فوراً و حازطت جذعه، و هو باس شعرها ببطء.
- بأمان الله حبيبي ...
رفعت وجهها بصعوبة:
- توصل بالسلامة ...
ابتسم و مسح دمعتها بإبهامه:
- هاي شنو ؟ مو متفقين تضحكين ؟
طلعت منها ضحكة صغيرة فعلاً ... و أول ما سمعها ... ارتاح قلبه.

رجع خطوة لورا بصعوبة، لأن إذا طول أكثر ... يمكن فعلاً ما يقدر يروح.
قال و هو يبتعد،
- أحبج.
ردتها مبتسمة و بدون تردد،
- و اني أحبك.
هنا فقط ... ابتسم قيس ابتسامته الحقيقية الكاملة. ابتسامة رجل تطمن على حالها و هو يتركها لفترة أخرى.
و بهذه الابتسامة ... التفت، و مشى باتجاه بوابة المطار.

أيام مرت و اسبوعين صار على سفره ... الاشتياق صعب، بس هو وياها طالما ما عنده عمليات او مراجعين او مشغول بأمور البيت و عمها ...

رغد من العصر بغرفتها، وبابها سادته غير عن العادة. لا طلعت تشرب قهوة وياها، و لا حتى تناوشت بالكلام وية رهف مثل كل يوم ... 
ريّا بالبداية عبالها ضغط امتحانات.
لكن بالليل ... صعدت ملابس مغسولة للغرفة، مرت من باب غرفتها و سمعت صوت بكاء مكتوم.

توقفت فوراً.
طرقتين على الباب،
- رغودة ؟
ماكو جواب.
فتحت الباب بهدوء ...
و أول ما دخلت، انقبض قلبها.
رغد جالسة على السرير، موبايلها بإيدها، و وجهها كله دموع. أول ما شافت ريّا ... انهارت أكثر.
- ريا ...
مشت ناخيتها بسرعة،
- شبيج حبيبتي ؟!

هزت راسها بسرعة، ما تقدر تحجي من دموعها ...
أخذت ريّا الموبايل من إيدها.
رسائل ... اتصالات ... فويسات طويلة.
و الاسم ؟ رائد.

تجمّد وجهها مباشرة.
بدأت تقرأ.
بالبداية: "بس أريد أفهم." "جاوبيني." "ليش تغيرتي؟"
بعدين: "لا تضطريني أجي."
و آخر رسالة...
"الأفضل تجاوبيني لأن أعرف بيتكم."

            

              
                    

هنا تبدل كل شي بملامح ريّا.
هدأت فجأة بشكل يخوف.
رفعت عيونها لرغد.
- من شوكت رجع يدز لج ؟!
مسحت رغد دموعها بسرعة.
- من أسبوع تقريباً ... اني تجاهلته بالبداية، بس هسة ديزيدها ...

- و انتي ساكتة ؟!
نزلت رغد عيونها بخوف.
- خفت تضوجين ...
و ريّا انفعلت،
- رغد باعي سكوتج وين وصلنا ... تعرفين شنو يعني يعرف البيت ؟!
و رغد ما عندها رد غير الدموع ...

تنهدت ريّا بقهر ... 
أخذت نفس طويل ... و اتصلت مباشرة.
رد بعد كم رنة.
واضح كان متوقع رغد،
- و أخيراً قررتي تردين ؟!
- ألو ؟
صوت ريّا خلاه يسكت لثواني و رد بتردد،
- ألو ...

ريّا قالت مباشرةً،
- اسمعني زين رائد ...
نبرتها كانت باردة جداً ... مو عصبية ... و هذا الشي خوّفه أكثر.
- أي تواصل بعد هاي اللحظة راح اعتبره تهديد رسمي.
سكت.
أما هي فكملت:
- و إذا تكررت كلمة أعرف بيتكم مرة ثانية ... اني بنفسي أبلغ الشرطة عليك.

ارتبك فوراً،
- دكتورة اني ما قصدت تهديد ...
قاطعتـه بدون ما تعلي صوتها:
- قصدت او ما قصدت، ما حبوة بحق الرجال يهدد بنية حتى ترد عليه.
صمت عم
وهي خفضت نبرتها أكثر:
- انتهى الموضوع الي بينكم و لا تعيدها بعد. 
و غلقت الخط مباشرة.

رغد متوترة يمها، و اول ما انغلق الخط سألت،
- شيكَول ؟!
- ما عنده كلام، صدكَ من كَال قيس كلمتين ما يعرف يحجي.
و ابتفتت لها،
- بالجامعة هم يعترض طريقج ؟!
هزت راسها،
- لا ما أبقى لوحدي، يعني اظل بين مجموعة بنات دائماً و بس اخلص امتحان اطلع.

تنهدت بتعب و قالت،
- رغودة عفية انتبهي منه، هذا جاي من مستنقع قذارة، بس دخل بوجه لطيف.
- والله بعد ما حجيت وياه ...
- اعرف اعرف بس انبهج لأنه والله احنا مو كدهم و كد مشاكلهم.

ساعة مرت لما تركت رغد تنام، و هي عيونها ما تغمض ... تفكر شنو لازم تسوي ؟! و شلون تحمي أختها ...
ما تريد تقول لقيس و تشغل باله، خاصة هالفترة عنده ضغط شغل مداتلقي وقت تسولف وياه بيه.
من الصبح للظهر عمليات، و العيادة مزحومة من العصر لليل، و لما يتصل يسولف وياها ما يكمل عشر دقايق و ينام تعبان ... 

بس بالنهاية تعرف: إذا عرف بعدين، راح يزعل منها و يكبر الموضوع.
كاتب لها قبل دقايق اذا موجودة،
و هسة اتصلت بيه فيديو،
أول ما فتح الاتصال، و سلم عليها عرف فوراً أكو شي غلط،
- شبيج ؟
ريّا حاولت تكون هادئة، بس أول ما ذكرت اسم رائد ...
تغيّر وجهه بالكامل.

هدوءه اختفى،
- شبيه هذا ؟
حاولت تهديه:
- قيس خلص الموضوع اني تصرفت.
رفع صوته لأول مرة:
- ريّا كَلت شبيه ؟! شمسوي ؟!
سكتت تماماً، و صوته خلى أطرافها ترجف، ثواني مرت و انتبه انه خوفها ...
غمض عيونه ... أخذ نفس طويل، و رجع يحچي بشكل أهدأ:
- ريّا احجي والله تعبان، مو مال حزازير هسة.

            

              
                    

سحبت نفس طويل و تتأمل ملامح وجهه التعبانة ... و قالت،
- من الصار هي تتجنبه و أبدا ما تلتقي بيه بمحيط الجامعة ... من اسبوع راجع يدز لها و سوالف ردي و تغيرتي و حاجيني ووو ...
سكتت لحظات و كملت،
- و هسة يقوللها ردي ترى اعرف بيتكم وين ...

تغيّرت ملامحه بالكامل.
مو غضب عادي.
هذا النوع من الغضب البارد اللي يخوف أكثر من الصراخ.
سكت ثانيتين ... بس ريّا شافت عضلات فكه شلون توترت بطريقة واضحة، و عيونه ثبتت بمكان واحد كأنه دا يحاول يسيطر على أعصابه حتى ما يخوفهل أكثر.
قال بصوت هادئ جداً،
- شلون عرف البيت ؟!

هزت راسها بسرعة،
- ما نعرف ... يمكن من شافها مرة أو تبعها ... 
قاطعها فوراً،
- لا ... هذا مو يمكن.
سكت لحظة ... و بدأ يفكر بسرعة مرعبة. 
- هذا مو شاب يلح بس. هذا واحد كسر حدود الاحترام و وصل لمرحلة التهديد.

رفع عيونه إلها فجأة:
- دزيلي رقمه بساع ضاع بين الارقام عندي.
ارتبكت:
- قيس لا تكبر الموضوع ...
- ريّااا ...
هاي المرة نطق اسمها بنبرة مرعبة.
تنهد بعدها مباشرة لما شاف خوفها، و خفف نبرته:
- حبيبي ... هذا مو وكت نجامل بيه واحد يكَول لبنية اعرف بيتكم حتى يجبرها ترد ... هذا مو زلمة.

نزلت عيونها. و هو ظل يتأملها ثواني ... بعدين سأل:
- رغد شنو وضعها ؟!
تنهدت ريّا:
- خايفة هواية ... و بس تبچي.
سكتت و كملت،
- اني اتصلت له من رقمها و هددته، قلتله اي كلام بعد عن انك تعرف البيت و غيره راح ابلغ الشرطة. 
هنا لان وجهه للحظة، غمض عيونه و مرر إيده على جبينه بتعب ... بعيد هو، مضغوط بالشغل، و هسة هذا الشي صار فوق كل اشغاله.

فتح عيونه من جديد، و قال بصوت ثابت:
- اسمعيني زين.
رفعت عيونها إله.
- منا و جاي، رغد ما تطلع لوحّدها ... و لا ترد لوحّدها. اخذيها انتي و جيبيها اذا يصير لج مجال حبيبة.
- زين ...
- و إذا هذا دز أي شي بعد، لا تردون ... لا انتي و لا هي. زين سويتي من هددتيه، هسع وكت تنفذين التهديد و بلغيني أول باول.
هزت راسها، و هو كمل:
- و البيت ... البيبان قفليهن زين، و لو شفتي أي سيارة غريبة واكَفة أو أي حركة، بلغيني بساعتها.

هنا توترت ملامحها،
- قيس ... لا تخوفني. 
رفع عيونه إلها بسرعة، و نبرته هدت مباشرة:
- ما أخوفج حبيبتي ... أحميكم.
سكت ثواني ... بس ريّا كانت تعرفه زين، هذا السكوت معناه إنه وصل مرحلة خطيرة من التفكير.
همست،
- شتفكر تسوي ؟

ابتسم ابتسامة قصيرة جداً ... باردة بشكل مو مريح:
- أفكر شلون اخليه يتعلم إن بنات الناس مو لعبة.
توترت فوراً،
- قيس... 
قاطعها بهدوء:
- لا تخافين يولي، بس سوي الاكَولّج عليه.
ظل ساكت شوية بعدها ... ثم سأل فجأة:
- رغد وينها هسة ؟
- نايمة ... أو تحاول تنام. 
هز راسه بهدوء و قاللها،
- وايكَي عليها، و لو ما نايمة لا تخلينها لوحّدها، هاي جبانة.

            

              
                    

هزت راسها و قال،
- خليج وياي اول بأول حبيبة، والله مالي حيل أذية تصيبجن.
هنا انكسر قلب ريّا عليه أكثر من خوفها نفسه ... لأنها شافت شكَد فكرة إنهم خافوا وهو بعيد دا تقتله من الداخل.

غلق الخط وياها و اتصل لرائد.
الي طول يلا رد ...
سلم قيس سريع و قالّه،
- ها رائد امورك تبين بخير ...
و الآخر ارتبك و كمل هو خلال ثانية،
- اسمعني زين ... اني المرة الفاتت من عرفت أمو سالفة جبتك و حجيت وياك مثل ما تحَجي الزلم ... و انت بانتك ما فهمت الحجي.
و الآخر بعده ما رد و كمل عليه،
- لا تظن ما اعَرف شيصير ما يصير بالبيت، هاي سوالف الرسايل و ردي و متغيرة و لو ما رديتي اعَرف بيتكم عيب ابني ... من حجة وياك ازلمة، يصير حجيك بعد وي الزلم، لا تظل برسايل تستميل البنية من ورا ظهري.
صوته منخفض كان... لكن بيه كمية غضب تخلي أي رجل يفهم الخطر فوراً.

و رائد رد مرتبك،
- دكتور والله اني أح....
- لا تبرر ... هاي خرابيط مو حب ابني ...
سكت فوراً ...
قيس كمل:
- هاي آخر مرة اسمك ينذكر بهالطريقة رائد. و إذا فكرت تخلي وحدة بناتنا تخاف مرة الاخرى ... السالفة ما تظل تلفونات، خليها ببالك ... احنا مو قليلين شر.

و غلق الخط بوجهه.

بعد أيام ...
الموضوع انتهى ظاهرياً ...
بس مو بداخل قيس.
هنا بدأ التعب الحقيقي يظهر عليه.
صار يتصل أكثر، يسأل:
- البيبان مقفلة ؟!
- منو طلع ؟
- وين رهف ؟! رهف لا تطلع بوحّدها ... حت لو للجيران.
- رغد ردّت ؟
لا تطلعن لوحّيدجن.

حتى ريّا لاحظت نومه قلّ.
مرة اتصلت بيه بالليل ... و هو واضح كَاعد رغم الوقت.
- بعدك ما نايم ؟
و هو يهز راسه يقول،
- من ايام النوم مجافي عيوني ...
- حبيبي احنا بخير، هدّي نفسك و ارتاح.
- مو بايدي ريّا، مو بايدي ... اربد بالي يهدا عليجن.
- ميخالف، ع الاقل نام زين، احنا دا ننام اكثر منك ...
رد بحنيّة،
- نوم الهنا يا روحي ...

و قبل الإجازة بيومين ...
اتصل بريّا بالليل.
صوته كان مرهق جداً.
- ريّاوي ...
- ها حبيبي ...
- رغد يمتى تخلص امتحانات نهاية السنة ؟!
- باقي يومين ...
- و انتي و رهف ؟!
- رهف عطلت، و اني مخلصة بس باقي لي كم مريض اخلص حالاتهم.

سكت شوية و قال،
- هالفترة مضغوط جثير ... و ما أگدر اجي عليجن. 
سكتت شوية،
مو زعل ... بس خيبة صغيرة وصلتله فوراً من ملامحها،
غمض عيونه.
- لا تغندبين وجهج ...
ابتسمت،
- شنو يعني ؟!
و هو تنهّد يقول،
- شادعي عليك اركاان ... ألف رحمة على روحك ما عرفت تعلمهن حجي اهلهن !!

- شنو حجينا ما يعجبك ؟!
- يعجب يا بعد روحي والله يعجب، بس أضعف الإيمان افهمي عليّ من احَجي ... 
و ردت بنبرة دلالها الي تقلب مزاجه،
- زين مو كَلنا شوية شوية، على كيفك وياية.
و رقّت نبرته،
- هاي على كيفي ابوي انتي ...
- اي شحلاتك هسة فدوة لعمرك ...
و هو رجع يقول بنبرة تهديد مبطّن،
- يول ريّا لا تلعبين عليّ ...

            

              
                    

و رقّت نبرتها تقول،
- شبيك اليوم بس معصب !!
و رد بتلقائية،
- لانّو مشتاكَ عليج، و ايديّة مربّطة بالشغل ...
- شنو الحل ؟!
سكت لحظة،
و فجأة قال:
- تجن لهينا ؟! 
رفعت عيونها باستغراب.
- شنو ؟!
- اجازتجن طويلة هالوكت، تعالن كَضنها هين.

ظل ساكت ثانية ... ثم اعترف،
- أريد انام مرتاح ريّا ... بالي عليجن.
الجملة نزلت بقلبها مباشرة.
همست بهدوء،
- اختفى هذا، لهالدرجة بعدك خايف ؟!
ابتسم ابتسامة بيها كل التعب،
- ريّاوي ... اني من ذاك اليوم راسي ما هاد عليجن. و هذا ما يختفي ... فترة و يرد.
سكتت لحظة ... و ابتسمت بحنان أخيراً،
- زين ... نجي.

أول ما سمعها... تنفس بعمق
كأن حمل انشال من صدره.
- كَولي للبنيات، و رهمن امورجن، اني باجر احجز التذاكر، و اجي اخذجن.
قاطعته تقول،
- وين تجي انت مشغول، نجي احنا ...
و رد بسيطرة تامة،
- لا ريّا ... ماكو سفر كل هالمسافة لوحّيدجن، رهمي امورجن لمن ما اجي ...
- و شغلك ؟!
- ما يتعطل بيومين سفر ...

ثاني يوم العصر ...
نفس هدوء بيتهم ...

رغد على القنفة، اللابتوب بحضنها تحاول تراجع للمادة الأخيرة، بس واضح عقلها مو وياها.
رهف متمددة على الأرض ترسم، و كل شوية تسأل ريّا إذا هاي الرسمة أحلى لو هاي.
و هذا شي جديد خلتها ريّا تلتهي بيه بعد ما نبهها قيس انه ما تطلع برا لوحدها ...

أما ريّا ...
فكانت واقفة بالمطبخ تسوي شاي، و عيونها بين فترة و فترة تروح للموبايل.
رسالة من قيس:
-حچيتي وياهن ؟
ابتسمت بدون شعور.
ردت:
- هسة.
أخذت نفس خفيف ...
و طلعت للصالة.
- بنات ...
رفعت رغد عيونها فوراً،
- ها ؟ 
أما رهف، تركت الألوان و ركضت:
- شنوو ؟!

ضحكت ريّا بخفة من حماسها،
- عندي خبر.
ضيقت رغد عيونها بشك،
- مو حلو من نبرة صوتج ... شكو ؟!
جلست ريّا بجنب رغد، و رهف يم رجليها واقفة، و حاولت تخفي ابتسامتها:
- بعد يومين نسافر للعراق.
سألتها رهف،
- وين العراق ؟!
و ردت باللغة الي تفهمها،
- يم بابا قيس، و عمو سلمان ...

ثانية وحدة ...
و انفجرت رهف حرفياً،
- بابااا ... عمو سلمان ؟!!
و نطت بحضن ريّا قبل ما حتى تكمل كلامها،
- يم عمو سلمان ؟! و البيت الكبير ؟! و نروح البستان ؟!
ضحكت ريّا،
- إي نروح هناك.

أما رغد ...
فظلت ساكتة ثواني تستوعب.
- لحظة ... شلون فجأة هيج ؟!
- قيس يكَول تعالوا كَضوا الإجازة يمنا ...
هنا تبدلت ملامح رغد شوية،
شي بين الراحة ... و الإحراج ... و الفهم.
- من ورا رائد ؟!
هدأت ملامح ريّا مباشرة،
- مو بس علمودها ... بس هم حتى نغير جو، و عمو مشتاقلنا ...

سكتت رغد لحظة ... و نزلت عيونها بخجل واضح.
- اني سببتلكم قلق هواية صح ؟
تنهدت ريّا، و مدت إيدها مسكت إيدها.
- رغودة ... الصار صار حبيبتي، المشكلة مو منج، هي بس فترة نغير جو، و تكون حماية إلنا و بلكي يبعد عيونه ...
- بس ...
- بدون بس.
سكتت رغد ... و لأول مرة من أيام، حسّت بشي يشبه الأمان.

            

              
                    

أما رهف؟ فكانت بعالم ثاني تماماً ...
- شنو آخذ وياية ؟!
- كلشي لا تاخذين، بس ملابس.
- لااا، لازم آخذ لولو.
رهف عندج 3 دباديب هناك أصلاً.
و هي اعترضت،
- لا هم مو لولو ...
ضحكت رغد غصب عنها، و ريّا تأملتهن و قلبها هدأ شوية.
هنا رن موبايلها.
اسم قيس.
رفعت رغد عيونها فوراً، و رهف صاحت:
- افتحي سبيكرر !!
ضحكت ريّا و ردت:
- ألو ...
إجى صوته متعب ... بس أول ما سمع أصواتهم لان فوراً،
- ها ... كَلتيلهن ؟!
رهف تقدمت تتكلم أول،
- بابا نسافرر ؟! صدكَ نسافر للبيت الكبير ؟!
ضحك بخفوت من الطرف الثاني.
- اي يابا نسافر ... بس بشرط.
- شنوو ؟!
- هاي لولو ما تجي ويانا ...
شهقت رهف باعتراض،
- لا باباا اني اريد لولو ...
- بابا مو عندج ثلاث لولوات هين ؟!
و هي تقول،
- مو لولوو، بس هاي لولو ...

ضحك يقول،
- نعلة على روح لولو، بس هاي تكَعد وياج بالكرسي.
و هي بثقة تكَولّه،
- اي بابا نكَعد يمك ...
و قيس ... سكت لأنه بأسلحتها لعبت بقلبه.
تنفس بعمق،
و قال بهدوء:
- يلا رهمن غراضجن ... و لا تنسن شي ريّاوي.

نظرتله ريّا بنظرة دافية ما شافوها البنات.
- حاضر.
و قبل لا يغلقة... سمعته يهمس لها لوحّدها، بصوت هادئ:
- هسة اكَدر انام مرتاح.

جهزوا نفسهم للسفرة، و قيس المفروض يوصل اليوم، و باچر يسافرون للعراق.
صار لها شهرين ما شايفته ... حستهم أطول من الشهور المضت ... قضته مكالمات سريعة، و صور، و اشتياق يتراكم يوم ورا يوم.
بس هالمرة غير ...

فكرة إنهم راح يقضون الإجازة كلها يمهم، و إنه راح يصير قريب منها بكل هالتفاصيل اليومية، خففت شوية من وجع الشوق ... و خلت بقلبها حماس دافي للقادم.
طلعت للمطار وحدها، و المكان مزدحم بشكل يخنق. العطلة بدأت، و الناس بكل مكان، و أصوات الجنط و النداءات تصدح بصالة المطار.

بين ما دخلت و رفعت عيونها للشاشة تدور رقم رحلته، استوعبت إن الطيارة نازلة من نص ساعة تقريباً.
و قبل لا تلحق تستوعب أكثر ...
فزّت على إيد حاوطت كتفها فجأة من ورا.
انتفض جسمها كله بخوف، و التفتت بسرعة ... و بنفس اللحظة شافته.
قيس.

واقف يضحك عليها بهدوء، و عيونه مليانة ذاك المرح المستفز الي ما يطلع إلا وياها.
- أواش أواش ... ما شفتيني ؟!
ظلت ثواني بس تباوع له، تستوعب إن هذا هو مو شخص غريب.
أول ما شاف الخوف بعده بعيونها، لان وجهه فوراً. مسّد بأصابعه على شعرها، و رجع حاوط كتفها يسحبها لصدره.
- ماكو الحمد لله على السلامة ؟!

تنفست أخيراً ... لفت إيدها حوالين ظهره، و دفنت وجهها برقبته تشم ريحته حتى تهدّي رجفة قلبها.
- الحمد لله على سلامتك حبيبي ...
حس برجفتها بوضوح، شدد حضنه إلها أكثر، و باس راسها يتمتم:
- الله يسلمج يا روحي ... آسف والله، ما ردت اخوفج.
رفعت وجهها إله بخفة:
- أدري بيك ردت تفاجئني ... بس هنا أخاف من هيچي سوالف بالشارع.

            

              
                    

ابتسم بحنيّة، و هي سحبت نفس عميق من قربه، بعدها باسته على خده بضحكة،
- أعيش و اكل منك مواقف.
ضحك بصوته الرجولي الهادئ، و مشوا سوا.
كالعادة ... هو يسحب الجنطة بإيد، و الإيد الثانية محاوطة كتفها كأنه مكانها الطبيعي.
لمن وصلوا للسيارة، أخذ المفتاح منها مباشرة و فتح الباب.
- لا تروحين تكَلبينا على ابو انت، خرعتيني اليوم.

ضحكت و هي تصعد:
- إي الناس هنا مرات يجيتون على أي وحدة، قابل احنا مثل يمكم ؟!
صفن عليها ثواني، و هز راسه بضحكة:
- حكَج والله ... وجهة نظر منطقية. 
و شغّل السيارة يكمل:
- يلا عجل هناك تعيشين و تاكلين غيرها.
ضحكت، و قبل لا يربط الحزام، مد إيده فجأة و سحبها عليه.

شهقت بخفة، بس ما لحقت تحچي، لأن بوساته نزلت على خدها و فكها بسرعة.
و دفن وجهه برقبتها يشمها و يتمتم بصوت متعب:
- أفيش يا عافيتي ...
ابتسمت بخجل و باسته بخفة:
- حبيبي منقص حنان ...
غمض عيونه لحظة و همس:
- إي والله حبيبي ... جثير مو شلون ما جان.

شبكت إيدها بإيده و همست:
- اني هم ... بس متحمسة أكون بينكم.
رفع حاجبه بمكر:
- عينج لا تدحكَ سلمان شسوى و شعمل ... اليكَول عندو باچر عرس مو بس بنات اركان جايات.
ضحكت بحنان:
- يا عمري ... فرحان.
كَرص خدها بخفة،
- عمرج هاي ما تكَوليها لغيري.

- أكَولها لعمي ... أبوك.
حرك السيارة يضحك:
- إي هو عمج أول واحد تضيع علومه على هالحچي.
التفتتله بمكر:
- يعني تغار من أبوك ؟!
ضحك فوراً:
- لا يولي لااا ... هو ابوچ صدكَ جذب !!
و كمل بثقة:
- بس بنيّاتنا فقيرات، ما يعرفن يحچن هالشكل، و هذا عمج فقيّر حاله حالي ... يسمعله جلمتين حلوات منج و يكَع بالفخ.

ظلت تتأمله شلون يحچي بثقة و سألته:
- منو الفقيّر ؟!
رفع حاجبه:
- شنو يعني اني مو فقير ؟!
ردت بنفس طريقته:
- لا حبيبي ما أتوقع ... 
و كملت وهي تباوعله بثقة:
- يعني انت من تمشي بطريق ...
سأل بفضول يمثل البراءة:
- إي ؟!
ابتسمت:
- للأسف الفقر يمشي بطريق ثاني، و انتو خطين متوازيين ما يلتقون.

سكت ثانية يتأملها ... بعدين ابتسم بهدوء و هو مركز بالطريق:
- إي هاذ هو ... انتي أعلم بعد.
ظلوا بالطريق يضحكون و يتداهرون، و لأول مرة من مدة طويلة، حسّت إن روحها ردّت لمكانها الطبيعي.
لمن وصلوا للبيت، تنهد براحة:
- جثر الله خيرج اليوم ... وانستيني بالدرب. 
و كمل بضحكة:
- كل مرة ماكو غير أسوق و ادحكَ بالأميرة النائمة.
التفتتله فوراً:
- حبيبي هي الأميرة ما نامت لو ما شافتك ملك و كَدها.

باوعلها بطرف عينه و ضيق عيونه:
- انتييي فرد وحدة ...
سكت ثواني، بعدين كمل:
- انتي خطر على المجتمع.
قربتله بخفة تهمس:
- عالمجتمع لو عليك ؟!
غمض عيونه و فتحها بتعب مستمتع:
- عليّ ... و عالمجتمع ... و عالبشرية كلها.
ضحكت، و همست:
- بس محد يشوف هذا الوجه غيرك.
هنا بلع ريقه فعلاً، و تلفت للشارع حوالين البيت يتمتم:
- إي يابا أدري ... بس مو هين الحچي.

            

              
                    

أول ما انفتح باب البيت و دخل قيس ...
رهف كانت جالسة عالأرض بالصالة، لابسة بجامتها، و يمها لولو و دفتر تلوين مفتوح.
بالبداية رفعت عيونها بس ... ثانية وحدة بس حتى تستوعب.
و بعدها انفجرت،
- باباااا قيس !!!

نطت من مكانها تركض، لا لولو بقت بإيدها ولا دفترها. ركضتها السريعة الصغيرة خلت قيس يضحك غصب عنه، و فتح إيده قبل ما حتى توصل.
و أول ما وصلتله، تعلقت برقبته بكل قوتها.
- بابااا اشتاقيتلك !!
غمض عيونه لحظة من قوة الشعور، و شالها بسهولة بإيد وحدة، يضمها لصدره كأنها قطعة منه رجعت لمكانها.
- يا بعد روحي يا بابا، شكث، مشتاكَلج ...

لفت إيديها الصغيرات حوالين رقبته أكثر، و بدأت تبوس بوجهه بسرعة، خدّه، جبينه، حتى خشمه.
- ليش تأخرت ؟! ليش كلش طولت ؟!
ضحك بخفوت، و باس خدها المليان:
- والله بابا عنده شغل بنيتي ...
عقدت حواجبها الصغيرة باعتراض:
- لا تروح بعد.
هاي الجملة نزلت بقلبه مباشرة.

تأملها ثواني ... بعدين ابتسم حتى ما يبين شكَد أثرت بيه، و هزها بخفة بين إيديه:
- هسة ما راح أروح، بابا اجى ياخذج وياه.
ابتسمت فوراً، و دفنت وجهها برقبته تشمه مثل كل طفل يطمّن نفسه بريحة الشخص الي يحبه.
و ريّا واقفة تتأمل هذه الطفلة شكَد متعلقة بيه، و تعلقها زاد بشكل ملحوظ من لما خلاها تقولّه بابا ...

رغد فكانت تجهز الغدا و متشاغلة من التوتر و الفرحة بنفس الوقت.
دخل لغرفة أبوها حتى يبدل، و بعد دقيقة صاح عليها.
- ريّاوي.
دگت الباب بهدوء و دخلت، لكَته واقف يم الكنتور فاتحه، يدور شي بملابسه.
- ها حبيبي محتاج شي ؟
رد بدون ما يلتفت:
- إي ... تعالي هين.

سدت الباب و مشت ناحيته، بس أول ما قربت، سد باب الكنتور بسرعة، و دفعها بخفة عليه محاصرها بجسمه.
شهقت بخفة و ضحكت:
- قيس !
مال عليها يهمس:
- شلونج ؟!
ابتسمت من قربه:
- بخير حبيبي.
صارت أصابعه على خدها، و همس بنبرة متعبة:
- بس اني مو بخير.
رفعت حواجبها:
- ليش ؟!
قرب شفايفه يبوس خدها، و همس بإذنها:
- انتي صايرة تتحرشين ... و اني گلبي خلصان.

ضحكت بخجل، بس قبل لا تلحق تجاوبه، سحبها لحضنه و ضاعت شفايفها بين شفايفه.
قبلة مشتاقة ... مو هادئة، ولا مستعجلة ... بس بيها حرمان شهرين كاملين.
ابتعدت تتنفس بصعوبة، بس ما تركها.
ظل ضامها لصدره، و صوت نفسهم عالي بالمكان الصغير.
لمن استوعبت نفسها، ضربته بخفة على صدره:
- هو هيچي ؟!
رفع إيدها الي ضربته باسها، و بعده محاوطها:
- ما عجبتج ؟!
دفنت وجهها بصدره تهمس:
- انت اليوم ناوي تموتني من الفزات ؟!
باس راسها يتمتم:
- اسم الله عليج ...

و بعدين همس بإذنها:
- حبيبي ؟
ابتسمت بخجل:
- ها حبيبي ...
باس خدها مرة ثانية، و قال بهدوء:
- بعد لا تتحرشين بية بالشارع ... ولا جدام أحد، يصير ؟!
رفعت عيونها بسرعة:
- حبيبي مو قصدي ... طلعت عفوية.

تأملها مطولاً، و رد بهدوء رجولي حنون:
- أدري مو غشيم ... 
و بإصبعه رفع ذقنها بخفة،
- هي طينتج هاي.
سكت ثانية، ثم كمل:
- بس احنا رايحين لاهلنا ... كل كلمة تنكَال، الناس تفكر بيها بشكل ثاني. 
و عيونه ثبتت بعيونها:
- ماريد حچاية مو حلوة تطلع عليج، و اني ما أگضب روحي أكاون و تصير سوالف.

هزت راسها بتفهّم، و همست:
- راح أتقيد هواية ؟!
ابتسم بخفة، و مسّد شعرها:
- شوي بس جدام أهلنا. 
و كمل مبتسم:
- اصلا بعد وين تكَلبين قيس اذا جابلتي سلمان و نهّودة !!
ثم ابتسم ابتسامة أعمق:
- و امي اول وحدة تاخذج مني اعرف ...
رفعت حاجبها:
- شمعنى اني ؟!
ضحك بخفوت، و قرب جبينه من جبينها:
- من تصلين لهناك، اسأليها ...

تعليقات