رواية فتنة زكريا الفصل الاول 1 بقلم نور محمد


 رواية فتنة زكريا الفصل الاول 

— "يا بنتي ردي عليا.. إنتي إنس ولا جن؟ انطقي الله يرضيكي، وقفتي قلبي!"

صوت "زكريا" طلع مهزوز ومخلوط بصوت المطر اللي كان بينزل زي السيول في الليلة دي. واقف في نص طريق زراعي مقطوع، الكشافات بتاعة عربيته الربع نقل القديمة ضاربة في شجرة ضخمة.. وتحت الشجرة دي، كان في كيان غريب متكوم على نفسه.

كان راجع من شغله في المشتل بتاعه متأخر، طريق ضلمة وموحش محدش بيمشي فيه بعد المغرب، لكن عينه لمحت حركة غريبة، حاجة بتزحف في الطين وسط المطر. نزل من عربيته وهو بيسمي الله وبيستعيذ من الشيطان، لكن اللي شافه خلاه يتسمر في مكانه.

بنت.. أو ملاك مكسور الجناح، متكورة على نفسها بخوف مرعب. هدومها عبارة عن حتت قماش بالية ومقطعة يادوب ساترة جسمها، وشعرها أسود وطويل جداً ومبلول، مغطي وشها كأنه ستارة بتحميها من العالم.

— "يا ساتر يا رب.. يا بنتي إنتي كويسة؟"

قرب منها خطوة وهو بيوطي عشان يشوفها، فجأة البنت رفعت راسها.. وهنا "زكريا" حس إن نفسه اتكتم.

جمال مش طبيعي، جمال يفتن الحجر ويزلزل الجبال! عيونها واسعة بلون العسل الصافي، ملامحها بريئة لدرجة توجع القلب، وبشرتها بيضا زي التلج رغم الطين اللي مغرقها. لكن اللي لفت انتباهه أكتر من جمالها، هي "النظرة" اللي في عينيها.

نظرة رعب، نظرة كأنها أول مرة تشوف بني آدم! عينيها كانت بتتحرك في كل اتجاه بخوف، وبتطلع أصوات أنين خافتة زي طفل رضيع موجوع.

— "بسم الله ما شاء الله.. اللهم إني أسألك العفو والعافية."

تمتم "زكريا" بالكلمات دي وهو بيغض بصره بسرعة، أخلاقه وتربيته منعوه يطول النظر ليها في حالتها دي. قلع الجاكت الصوف بتاعه بسرعة، وقرب منها بحذر عشان يغطيها.

أول ما مد إيده بالجاكت، البنت صرخت صرخة مكتومة، وانكمشت في جذع الشجرة أكتر، ورفعت إيديها الاتنين كأنها بتحمي وشها من ضربة متوقعاها!

— "أهدي.. أهدي والله ما هأذيكي، أنا بس هغطيكي عشان البرد."

قالها زكريا بصوت هادي جداً وحنين، كأنه بيكلم طير خايف. رمى الجاكت عليها بالراحة، استغرب جداً من رد فعلها.. البنت مسكت الجاكت، شمت ريحته، وفضلت تبص للقماش باستغراب شديد كأنها أول مرة في حياتها تشوف هدوم! 

حاولت تتغطى بيه بس مكانتش عارفة إزاي، كانت بتلفه حوالين رقبتها بطريقة عشوائية وهي بتترعش.

"زكريا" وقف مذهول. البنت دي مش طبيعية، دي مش بس خايفة، دي كأنها متعرفش يعني إيه تتصرف زي البشر! عمرها يبان في حدود الـ 18 سنة، لكن حركاتها وردود أفعالها طفلة عندها 3 سنين، أو أقل.

— "قومي معايا.. هتموتي من البرد هنا، تعالي اركبي العربية."

شاور لها على العربية، لكنها بصت للعربية برعب وشهقت، ورجعت تزحف لورا في الطين. زكريا مكنش عارف يعمل إيه، يسيبها؟ بس كده هتموت من البرد والكلاب الضالة. ياخدها معاه؟ طب هياخدها فين وهو شاب أعزب عنده 26 سنة عايش لوحده بعد وفاة أهله؟
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد 

لكن الموقف مكنش مستحمل تفكير. نزل على ركبته في الطين قدامها، ومد إيده ليها.

— "هاتي إيدك.. صدقيني أنا مش هسيبك هنا."

بصت لإيده الممدودة، وبعدين بصت لعينيه. يمكن شافت في عينيه الأمان اللي مشافتهوش في حياتها، أو يمكن البرد كان أقوى منها. مدت إيدها الصغيرة اللي كانت متجمدة من البرد، ولمست إيده.

أول ما مسكت إيده، زكريا لمح سلسلة فضة قديمة جداً ومصدية ملفوفة حوالين رقبتها بخنقة، ومحفور عليها بالعافية اسم:"فتنة مرزوق".

— "فتنة.. اسم على مسمى، سبحان من صورك."

همس بيها زكريا في سره، وسندها عشان تقوم. كانت مش عارفة تمشي، بتدوس على رجليها كأنها أول مرة تستخدمهم، وزنها كان خفيف جداً كأنها ريشة. وصلها للعربية، وفتح الباب.

فضلت واقفة مش فاهمة تعمل إيه.
— "اركبي يا فتنة.. ادخلي جوه."

لما لقاها مش مستوعبة، شالها بخفة وغمض عينيه عشان ميلمسهاش أكتر من اللازم، وحطها على الكرسي اللي جنبه. قفل الباب، ولف ركب مكان السواق.

شغل الدفاية بتاعت العربية بأعلى درجة. بص عليها لقاها مش قاعدة على الكرسي زي الناس، دي نزلت في الدواسة بتاعة العربية تحت، مكورة نفسها جنب رجليه، وماسكة الجاكت بتاعه بتعضه بأسنانها وبتترعش!

— "لا حول ولا قوة إلا بالله.. إيه اللي وصلك للحالة دي؟ ومين بس اللي خلاكي كده؟"

قالها زكريا وعينيه مليانة دموع وشفقة على حالها. دور عربيته واتحرك في طريق العودة لبيته في أطراف القرية، وهو بيستغفر ربنا وبيدعي يلهمه يتصرف إزاي في الابتلاء العظيم ده. 

بنت متعرفش تتكلم، متعرفش تلبس، متعرفش تمشي، وفي نفس الوقت بتمتلك جمال يفتن أي راجل، وهو شاب لوحده معاها في بيت واحد.. اختبار قاسي من ربنا، و"زكريا" لازم ينجح فيه.

وصل زكريا قدام باب بيته، نزل من العربية وفتح الباب اللي جنبها.
— "وصلنا يا فتنة.. يلا ننزل."

لكنها بصتله بضياع، وفضلت ماسكة في الدواسة بتاعة العربية بأيديها الاتنين، رافضة تماماً إنها تخرج لعالم هي متعرفش عنه أي حاجة...

— "يا بنتي ارحمي ضعفي وقلة حيلتي.. مش هينفع تفضلي في دواسة العربية، هتموتي كده من البرد !"

زكريا وقف في الشارع والمطر بيغسله، بيحاول يسيس "فتنة" اللي مكلبشة في دواسة العربية كأنها الملاذ الأخير ليها. عينيها العسلي بتلمع في الضلمة برعب، وكل ما يقرب إيده تنكمش وتطلع صوت زي قطة خايفة من الضرب.

حس إن الكلام معاها ملوش فايده، هي في عالم تاني خالص غير عالمنا. استغفر ربنا في سره، وغمض عينيه نص تغميضة عشان يغض بصره عن هدومها المتقطعة المبلولة، ولف الجاكت الصوف بتاعه عليها كويس جداً كأنه بيكفنها بيه عشان ميلمسش جسمها، وشالها بين إيديه.

انتفضت في حضنه وبدأت ترفس برجلها وتخربش في الجاكت وهي بتطلع أصوات مكتومة.

— "بسم الله.. بسم الله.. أهدي أنا أمانك والله."

فضل يردد الكلمات دي بصوت دافي وحنين لحد ما دخل بيها باب البيت. قفل الباب برجله، وراح ناحية الكنبة الخشب اللي في الصالة ونزلها بالراحة.

أول ما رجليها لمست الأرض، جريت زحف على ركبها وإيديها واستخبت ورا الكنبة، في أضلم ركن في الأوضة!

زكريا وقف ياخد نفسه وهو بيمسح وشه من مية المطر. مد إيده وفتح كبس النور.. اللمبة اللي في نص الصالة نورت فجأة.

في اللحظة دي، "فتنة" صرخت صرخة عالية جداً، صرخة وجعت قلب زكريا وحطت إيديها الاتنين على عينيها كأن النور ده نار بتحرقها!

فهم فوراً إنها عاشت عمرها كله في العتمة، النور بالنسبة لها شيء مؤذي ومرعب. بسرعة قفل النور تاني، الصالة رجعت ضلمة إلا من نور الشارع الضعيف اللي داخل من الشباك.

— "خلاص.. خلاص قفلته والله، متخافيش."

راح المطبخ بسرعة، جاب شمعة وولعها، وحطها على الترابيزة بعيد عنها عشان النور يكون هادي وميوجعش عينيها.

رجع قعد على الأرض على مسافة بعيدة عنها عشان يديها مساحتها. لمحها بتترعش بعنف، أسنانها بتخبط في بعضها بصوت مسموع، وهدومها اللي عبارة عن خرق بالية بتنقط مية طين على البلاط.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد 

هنا زكريا وقع في أكبر حيرة في حياته.. البنت دي لازم تغير هدومها فوراً وإلا هتموت بسبب البرد. بس إزاي؟ دي متعرفش حتى تغطي نفسها، وهو راجل غريب، مستحيل يلمسها أو يشوف منها حاجة، دينه وتربيته يمنعوه! ووو



تعليقات