رواية صياد النايا آل حانا الفصل العشرون
غادر القصر، وعادت لغرفتها، وعاد الجميع أيضًا، وسمعتهم وهم يتناقشون ويقهقهون ويستمعون إلى طريقة جابر العبثية في الحديث كالعادة
لديها رغبة في الانضمام إليهم، والضحك معهم، وأن تنسى ذلك الرجل ولا تعيره ذرة اهتمام، ولكنها مازالت تعيش التردد، خاصة وأنه لن يتركها وشأنها.
ألهذه الدرجة يستضعفها ؟ يظنها تحبه لدرجة أن ترحب بقربه ورغبته بها بعدما بات مع غيرها ؟
هل كانت تعطي الحب ببذخ مبالغ فيه لدرجة جعلته يظنها ستتقبل قربه وأسفه ؟ هل كان هذا خطؤها ؟؟
كيف تعيد لنفسها الاعتزاز الذي يحاول إسقاطه عنها، كيف تؤكد له أنها باتت تنفر منه، كيف تقنعه أنها حلت وثاق حبه منذ اللحظة التي تباهى بزواجه من أخرى وأعلن أنها لم تكن اختياره ، كيف تفعل ؟
تعلم أن جميع من في الأسفل يودون رجوعهما، يرغبون في عودته نادمًا إليها ، يرغبون في أن تعفو عنه، ولكنها لم تعد تريد ندمه ولا أسفه، بل حقًّا تريد الابتعاد، ترحب بيد الصدمة التي صفعتها ثم انتشلتها من بئر الحب الجاف وأوقفتها أمام مرآة الاعتزاز بالنفس.
تدرك يقينا أن القوة لم تخلق للمرأة، وأنها الجانب الناعم حد الكسر، وأنها الركن الذي يلجأ إليه للاطمئنان والسكينة
وأنها المخلوقة من ضلعه ليشعر بألمها ويطيب خاطرها فإن فعل ستعود عليه بالراحة، وإن قسى سيلازمه الألم حتى الموت .
هي كائن خلق لتزرع فيه راحتك وطمأنينتك وسكينتك، وكلما كنت مراعيًا لها ستحصد خيراتها، أرأيت زهرة ناكرة للجميل حتى تفعل هي؟
هي لا تريد أن تكون قوية، تقف أمامه وتثبت له أنه خسرها ، هي فقط ترغب بأن تكون شجاعة تواجه الأيام المقبلة بسلام ، وتراه كأنها لم تره...
هل تغادر هذا القصر هي وصغيرها وتستأجر منزلا؟ هل سيتركها عمها تفعل ؟ هل سيتركها والدها ؟ أشقاؤها ؟ هل سيتركها هو ؟ خاصةً بعد ما فعله اليوم؟
الحقيقة التي يدركها ذكور عالمنا جيدًا أن المرأة تخاف تحاط بأمان زائف يدعى الحب، ولكنها تعلم جيدا أن مفاتيح الأمان يحتفظ بها من يحترمها، يقدرها، يفهمها، يعاملها بحرص كما لو كانت مصدر رزقه الوحيد.
تقلبت على أريكتها وهي تبكي وتريد أن تضم نفسها، تواسيها، ولكن صغيرها لم يتركها تفعل، بل استيقظ يبكي فأسرعت تنهض وتتجه إليها، تلتقطه وتحتضنه بعاطفة كبيرة.
أبعدته تتحسسه وحينما وجدت حرارته هادئة زفرت بارتياح، ونظرت له تناغشه وتبتسم قائلة :
ألف سلامة يا روح ماما.
ابتسم لها، ووضع رأسه على كتفها، لا تعلم ربما يود مواساتها، لذا از دردت ريقها واتجهت به نحو أريكتها تجلس وتهدهده وتفكر ماذا تفعل ؟
ولكن قطع أفكارها طرقات على الباب فسمحت للطارق بالدخول لتجدها حسناء تطالعها وتنطق بترقب :
- الحاج بيجولك انزلي انت وحمزة هما مستنيينك
زفرت بقوة ثم أومأت لها فتركتها وغادرت ونهضت لتستعد للانضمام لهم وتحاول أن تنشغل معهم إلى أن ترى ماذا ستفعل
وصل إلى العمارة، وترجل يخطو نحو الداخل، ولكن الحارس أوقفه يقص عليه ما حدث :
یا مهران بيه فيه راجل چه سأل عليك وع المدام وقال اسمه عابد ويبقى عمها ، وكان عايز يطلع فوق بس أنا رفضت، ولما لقيته مصمم كنت حطلبله النجدة بس لقيت المدام نزلت واتكلمت معاه شوية وبعدين مشي .
قطب جبينه بضيق، فقد أمرها ألا تنزل وتلتزم شقتها، ولكنها خالفت كلامه لذا ربت على كتف الحارس يومئ
ولم ينطق بل اندفع يستقل المصعد
وصل بعد ثوان واتجه صوب شقته، فتح الباب ودلف ليجدها تجلس على الأريكة وحينما رأته نهضت تسرع نحوه وتبكي وتعانقه قائلة :
شوفت یا مهران عمي عمل إيه؟
أبعدها يطالعها ثم تساءل :
- عمل إيه ؟ وبعدين أني جولتلك ما تتحركيش من إهنة، تنزلي تجابليه تحت ليه ؟ افرضي كان اتهجم عليكي ؟
تكتفت وكشرت عن أنيابها تنطق بتهكم حينما لاحظت حدته معها :
مهو حضرتك اتأخرت عليا، وهو كان مصمم يطلع وبعدين المفروض أنا اللي احاسبك، كنت فين كل ده وسايبني هنا قاعدة لوحدي ؟
زفر وتحرك نحو الأريكة يجلس ثم نطق دون أن يجيبها :
- تعالي اجعدي واحكيلي كان چاي ليه وعايز إيه؟
اغتاظت واتجهت تجلس أمامه وتحدق به ثم نطقت بندية :
مش هقول غير لما تقول إنت الأول كنت فين ؟
استغفر ربه وتنفس مطولاً ثم نطق يوضح بنبرة بدت
صلدة :
- اسمعي يا بنت الناس امبارح عملتيلك حوار و رميتي نعمة ربنا ولبختي في الحديث وخدتيلك جنب، ودلوك بتحاسبيني كنت فين واتأخرت ليه، وصممتي تنزلي لعمك تحت وأني محذرك ماتنزليش والحارس كان حيتصرف لو عمل أي حاجة إكدة ولا إكدة، الحوارات دي كلياتها ما تنفعنيش
طالعته عليه بصدمة ليعاود مستطردًا :
- إنت من البداية وافجتي على إنك تبجي زوجة تانية ، ولولا نهاد صممت على الطلاج كان زماني مجسم وجتي بين إهنة وهناك، وحطي في راسك زين إن ولدي ليه حج كبير عليا ولاز من اشوفه واطمن عليه دايما علشان اكدة مرة تانية ما تحاسبنيش، لما ابجي اجصر في حجك يبجى لينا حديت تاني، ومرة تانية يا تيا لما اجولك على حاجة تسمعيها وماتخالفيش حديتي واصل، لإن واضح إننا لسة ما نعرفش بعض زين .
صدمها بحديثه، لم تتوقع أن تسمع منه هذا الكلام، فقد ظنته سيبدو متلهفا عليها حينما تناديه، لذا قررت أن تستعمل سلاح التعاطف، فعصرت نفسها لتبكي، وبالفعل تكونت غيمات الدموع في عينيها، تطالعه بخذلان ماكر
وتنطق بتحشرج ونبرة درامية وهي تهز رأسها :
- إنت ماحبتنيش يا مهران زي ما قولت مش ده الحب اللي كنت مستنياه منك بس للأسف أنا اللي حبيتك أوي،
وبقيت شايفة نفسي إني الوحيدة في حياتك، وأيوة بقيت أغير عليك جدًا، ولو انت مستني مني اتقبل تصرفاتك دي وزعلك إن إزاي نهاد تسيبك وتصمم تنفصل عنك، لاء يا مهران مش هتقبل مش هقبل اشوفك وانت عمال تجري وراها وهي قاصدة تعمل ده علشان تقل منك قدام الناس
- اسكتي يا تيا
نطقها لا يتحمل سماع ما تقوله فصاحت وهي تنهض بانفعال وتلوح بيديها :
- لا مش هسكت دي الحقيقة اللي إنت رافض تسمعها شغلها في الشركة دي خطة منها علشان تثبت للناس إنك إنت اللي بتجري وراها، والنهاردة بردو لما طلعت تكلمها تعمدت تقل منك وخلت اخوك يشاركها في ده، وكل الموظفين شافوا اللي حصل وبقوا يتكلموا من وراك بسببها، مكانتك هتتهز في الشركة بسببها وبسبب اخوك وانت مصمم ماتشوفش ده وتفضل تجري وراها .
حدجها بنظرة تحذيرية بأن تصمت فحاولت أن تفعل ولكنها أرادت أن تعريه كي يتوقف عن محاولاته مع نهاد فتابعت بحدة :
فوق یا مهران واعرف انت عايز إيه بالظبط، لإن أنا مش عايزة الناس تقول عليك مراهق مش عارف ياخد قرار ،
أنا حبيتك جدًا واتعلقت بيك لما لقيتك واقف معايا وبتدافع عني وماسبتنيش في وقت كنت محتاجة فيه دعم، إنما اللي شيفاه قدامي دلوقتي واحد بيجري ورا واحدة هو نفسه كان زهقان من الحياة معاها، وهي فرحانة بجريك وراها علشان تثبت للي حواليها إنك تايه ومش عارف إنت عايز إيه
نهض بعدما لم يعد يحتمل ما تقوله طالعها بثقب ود لو يخبرها بأن قرار زواجهما كان خطأ، بأنه تسرع، بأنه بالفعل تائه ولم يهتد بعد ، ولكنه يرفض أن يبدو بهذه الصورة أمامها لذا تحرك يخطو نحو الباب فأوقفته تصرخ :
- إنت رايح فين؟
لم يجبها بل فتحه واندفع يغادر وتركها تنحني وتلتقط مطفأة السجائر وترطمها في الباب بعنف وصراخ، ووقفت تتطلع على القطع المتهشمة وتتنفس بغضب ولم تعد تعرف ماذا تفعل معه وكيف تؤثر عليه ، فيبدو أن هذا الرجل يعاني من اضطرابات عدة.
أما هو فنزل يستقل سيارته ويغادر المكان ويبتعد قليلا، حتى توقف بعد دقائق على ضفة النيل ، استند برأسه للخلف وقبض على تارة القيادة يستعيد كلماتها، هل تراه رجلا ضعيفًا ، هل بالفعل يراه الجميع هكذا؟ هل يتحدثون من خلفه ؟ وهل نهاد تتعمد التقليل من شأنه ؟
هو غير راض عن نفسه، يبغض ذلك التناقض الذي غرس فيه، يود لو يتعلق بأي قشة لينجو ، يود اتخاذ قرار سليم يشعر بعده بأنه قد انتصر ، حتى قرار الزواج الثاني لم يكن صحيحًا ، بل كان كمن يعالج نزيفا داخليا بحبة مسكن، وهذا ما اكتشفه للتو، حيث ما زال النزيف مستمرًا إلى الآن، ولأول مرة يشتهي الموت، فإن كان في السابق رجلا يعيش للعمل فقط، فهو الآن لم يعد يستطيع ممارسة عمله حتى ، ضاقت الحياة عليه بما رحبت وتخلت عائلته عن دعمه أيضًا
شعر بأنه يختنق، لذا ترجل سريعًا وحل وثاق ربطة عنقه ووقف ينظر حوله ويتنفس مرارًا ، فلمح مسجدًا على الجانب الآخر من الطريق، فقرر أن يعبر إليه ليؤدي صلاة العشاء ويناجي ربه قليلا عله يهتدي
بعد وقت
منذ أن تركها أمس وهي تفكر كيف تراضيه، فاليوم لم يكن لديها محاضرات ولم تذهب إلى الجامعة، ولكنه ذهب وعاد وتناول معهم وجبة الغداء، ثم غادر مجددًا ليجتمع مع صديقيه، وحينما عاد أخبرهم بعدم رغبته في تناول العشاء بل يرغب في النوم .
طوال هذا الوقت يتعامل معها معاملة تبدو طبيعية ولكنه لم يناظرها، وكأنه إن فعل سيضعف ويستسلم .
لقد فعل من أجلها الكثير، لم يسمح بأن يمسها الحزن دعمها واحتواها في أوقات ظنت أنها ستنكسر فيها.
لقد حرص على تنويع سبل الفرحة لها، كانت مخطئة حينما تركت الشك يتسلسل إلى عقلها، يجب أن تعلم جيدًا أن نوح لا يشبه مسعود، كلاهما خطان مستقيمان لا يلتقيان أبدا .
خرجت من غرفتها، نظرت حولها لتجد الأجواء هادئة فنجلاء اعتادت أن تؤدي فرضها وتنام ، وريم تجلس كعادتها في غرفتها .
تحركت تخطو نحو الباب ستذهب وتتحدث معه.
توقفت تلتقط مفتاح شقتها من علاقة المفاتيح، وفتحت الباب وخطت باتجاه الباب المقابل، توقفت أمامه تفتحه ثم أطلت برأسها تنادي بتوتر :
- نوح ؟ أنت صاحي ؟
لم يأتها رد فتنفست ودلفت تغلق الباب خلفها، ثم تحركت نحو غرفتهما لتراه، ووجدته بالفعل يتمدد على فراشه ويغط في نوم عميق
تحرکت نحوه وعقلها يفكر هل تعود وتنتظر للصباح أم توقظه وتتحدث إليه !
عقلها يخبرها بالعودة، وقلبها يجبرها على الاقتراب خاصةً وأن ملامحه ورائحته تجذبانها نحوه .
جلست على طرف الفراش بتهمل شديد، تتفحص ملامحه بحنين وعاطفة كبيرة ، ثم مدت يدها تتلمس خصلاته الناعمة وعادت تناديه بهمس :
- نوح .
لم يجبها، فشعرت أنه ربما قد يكون مستيقظا ومستاء منها لذا تجرأت ودنت تقبل جبينه ثم ارتفعت قليلا تميل عليه ونطقت معتذرة :
- حجك عليا يا نوح، أني ماشكتش فيك، أني بس اضطربت من كلامهم لما شوفت وحمتك، غير إكدة أني عارفاك من زمان جوي، ولما حكمت عجلي لجيت إني من يوم ما دخلت الجامعة ماشوفتش منك غير كل احترام ليا و لغيري ، علطول في حالك وما بتحبش تتحدت كتير وحتى لما كنا بندخلك المحاضرات اون لاین کنت چد چدا وعلطول تجول للبنات انتوا اخواتي الصغيرين ولو فيه أي حاجة محتاجة شرح عرفوني طريجتك دي هي اللي خلت جلبي يتعلج بيك، وبجيت ادعي ربنا تشوفني زي ما بشوفك ، لما لجيتك راجل صوح، بتخاف ربنا وعندك ضمير.
نظرت له لترى تأثير كلماتها عليه ولكنه لم يبد أي ردة فعل
فتنهدت بعمق وعادت تردف بترقب ولوم لترى هل سيتقبل اعتذارها أم لا :
- بس أني بردك عتبانة عليك في حاجة، يعني ينفع عمي الله يرحمه يجيب لخالتي نچلاء شيكارة فول كاملة وبردك تصمم تتولد بوحمتك ؟ استفدت إيه دلوك غير زعلنا مع بعض ؟
ترقبت ملامحه بابتسامة ناعمة، ولكنه كان ثابتا على وضعه فعبست ومطت شفتيها، وأدركت أنه لا يود التحدث إليها، يبدو أن استياءه منها سيطول، ويبدو أنه لن يتفهم ما شعرت به إلا بعد محاولات عدة..
نهضت تنوي الرحيل بحزن والتفتت لتتحرك بالفعل ولكنها وجدت يده تسحبها لتعيدها إليه، فشهقت بصدمة حينما وجدت نفسها على الفراش ووجدته يرنو منها ويطوف بعينيه عليها مبتسمًا، ويجيبها بحب :
ده يعرفك إني ما بتخلاش عن حاجة بحبها، مهما زعلت ومهما حصل بينا ومهما مر علينا عمري ما زهق ولا اشبع منك أبدا، صحيح زعلت شوية وحسيت إنك لسة مهزوزة من ناحيتي بس جيتك عندي بالدنيا كلها، وكل كلمة قولتيها دلوقتي خليتني ازعل من نفسي إني زعلت منك بحبك يا مندولينة.
تفشت السعادة على ملامحها ، برغم الخجل الشديد من فعلته هذه ، ولكنها ارتاحت حينما زال حزنه منها ، لذا ابتسمت و رفرفت بأهدابها تحاول النهوض فساعدها
وجلسا سويًا على الفراش يطالعان بعضهما بصمت لثوان قبل أن تتساءل :
. يعني صافي يا لبن؟
هام بها عشقا وشغفًا ، احمرار وجنتيها، حبها المنهمر من مقلتيها، وبشفتيها المبللتين بتوترها لذا لا إراديا هز رأسه بلا، وانجذب نحوها فشعرت بالخطر وكادت أن تنسحب لذا استعمل كفه يحتضن به وجنتها قبل أن يرنو مقبلا إياها قبلتهما الأولى ، أغلق عيناه ليستمتع بهذا المذاق الذي تمناه ليستكشف المتعة وحينما فعل أجزم بأنه لم يجد أفضل منه طعمًا.
ولكنه ابتعد حينما شعر بتصلبها وعدم استيعابها لم حدث يتفحصها عن قرب ويتفحص عيناها المغلقتان، وجنتاها المشعتان، وشفتاها المتوردتان ، تذكر بأنه وعدها ألا يتجاوز حدوده معها، لذا تنهد بقوة وهو يحاول أن يتحكم و يروض جيش المشاعر الذي تجمع داخله الآن، ونطق بخفوت وهو يعاود لمس وجنتها :
- روحي نامي دلوقتي يا مودة وبكرة نكمل كلامنا ، تصبحي على خير .
كأنه حررها لذا فتحت مقلتيها تطالعه لثوان قبل أن تنهض وتغادر على الفور، لا تصدق أنه قبلها للتو، هل هذه هي القبلة ؟ هل هذا هو الشعور بها ؟ يا إلهي كيف حدث هذا؟
تحركت عائدة ولكنها لاحظت أن باب شقة نجلاء مغلقًا لذا
قضمت شفتيها ووقفت لا تعلم ماذا تفعل، إن طرقت الباب ورأتها ريم بهذه الحالة فسوف تشعر بالخجل الشديد ويكفيها ما قام به نوح ، لذا وقفت حائرة بين البابين .
ولكنه فتح بابه وأطل عليها فرآها لذا تحرك يدفعها بحب ويتقدم من باب والدته، يفتحه بمفتاحه ويدخلها ويميل نحوها قائلا قبل أن يغلق بابتسامة جذابة ومقلتين لامعتين بالحب والشغف :
- حليب يا قشطة
طرق باب المنزل وانتظر قليلا ، فتح عابد الباب وأطل ليجده أمامه فنطق بنبرة مترقبة :
- خیر یا مهران بيه ؟
أردف بنبرة تحذيرية :
- أني جيتلك جبل إكدة واتحدت وياك بالحسنى، طلبت منك تجابل بنت أخوك وتجربوا منها وتحتووها بس إنت وعيلتك رفضتوا من بعد إكدة ملكش صالح بيها واصل هي دلوك مرتي، وفي حمايتي، لو جربت منها ولا من بيتي مرة تانية حتلجيني جدامك، وساعتها المركز هو اللي حيفصل بينا ما تخلنيش افتح في الجديم، واظن
إنك عارف كويس بتحدث عن إيه؟
أردف عابد بغلظة وهو يتقدم منه خطوة :
- إنت چاي تهددني في بيتي ولا إيه يا مهران بيه ؟ خد بالك دي بت ملعونة كيف أمها تجدر تلففك حوالين نفسك كيف ما امها عملت في أخوي وبعدته عن مرته وعياله، مش إنت متجوز بردك وعندك ولد؟ أني سألت عنيك وعرفت إنك راجل محترم و ما بتجبلش الغلط ، چیت احذرها من أنها تجرب على أولاد أخوي، وماتفكرش إنهم اخواتها والحديت ده لاااا دي هتفضل غريبة عنينا ليوم الدين
أدرك مهران أنها حاولت التواصل مع أشقائها، ليتجاوز سريعًا وينطق بحدة :
- مادام سألت عليا يبجى عرفتني زين، بعد عن طريج تيا واصل، ومن ناحيتها ما حتتواصلش مع حد منيكم مرة تانية، سلام..
قالها والتفت يستقل سيارته ويغادر وتحرك الآخر يصفع الباب ويدخل والغيظ يسيطر عليه، فلم يكن يريدها أن تبقى هنا وتتنعم بأملاك عائلة آل حانا، بل تمنى أن تعاني وتعود من حيث أنت وتتذوق القهر والفقر كما حدث مع أولاد شقيقه حينما تخلى عنهم والدهم آنذاك بسبب والدتها
كانت تصرخ وتشعر بصداع يكاد أن يفتك برأسها، متعجبة بأن لا أحد من سكان المنزل جاء ليراها، وباب غرفتها مغلقا ، تحاول فتحه عبنا.
التفتت فجأة تشهق حينما وجدت ملابسها تتحرك في الهواء، وأصوات مرعبة غامضة من حولها، والمكان لم يعد غرفتها بل بات كمنزل مهجور يحاوطه الخراب .
حاولت أن تركض وتبتعد ولكن ثيابها المتطايرة هجمت عليها تقيدها وتمنعها، والأكثر غرابة أن قوتهم فاقت مقاو متها، كانوا يشبهون الأشباح، وحينما كادوا أن يتملكوا منها وجدت باب الغرفة يُفتح وتطل منه نجوى، وبإشارة واحدة منها نحو سلة الزعف خاصتها اندفعت الثياب نحوها تختفي داخلها، بل تتبخر بشكل تام، لتعود أجواء الغرفة آمنة، ولم تعد تسمع إلا صوت عمتها وهي تبتسم وتنطق فاتحة ذراعيها :
- تعالي يا جلب عمتك
أسرعت تركض نحوها وتعانقها بقوة وتخبرها بما حدث بقلب مذعور وأنفاس لاهثة :
- الحمد لله إنك جيتي يا عمة أني كنت حموت من الرعب، وما حدش من أهلي لحجني.
ربتت نجوى عليها ثم ابتعدت تطالعها بابتسامة هادئة ثم أمسكت بكفها وتحركت بها نحو الفراش تجلسها وتقدمت
تحمل سلتها ثم عادت تجاورها وتنطق :
- متخافيش حتى لو حد منهم كان دخلك ماحدش حيعرف يلحجك غيري.
تعجبت نوارة وسألتها مستفهمة :
- ليه يا عمة ؟ وإيه الأصوات دي؟ إنت تعرفي؟
مطت شفتيها مستنكرة ولم تجب، فتابعت نوارة وهي تنظر نحو السلة بتوجس :
- طيب حتعملي إيه في السلة دي؟
انحنت نجوى تلتقط قطعة فطير من السلة وعادت إليها تردف بخبث :
- خدي دوجي، لسة عملهولك دلوك
هزت رأسها ترفض تناوله قائلة :
- لاء مارايداش بعديه عني يا عمة.
تحولت نظرة نجوى ونطقت بتصميم مريب
- لا حتاكليه ما هو أني مش بعد كل اللي عملته ده وتجولي لاء
لم تقبل نوارة أن تأكل ونهضت تنوي الخروج لتنادي والدها، ولكن نجوى قبضت على خصلاتها تعيدها إليها ونطقت مكشرة عن أنيابها وهي تحاول إطعامها عنوة :
- حتاكلي يا بنت عبد الوهاب وحتطلجي من ولد منصورة وتتجوزي ولدي
صرخت باستنجاد ليلحق بها أحدهم، ولكن الأخرى استغلت فتح فمها للصراخ فأطعمتها الفطير قسرا
انتفضت نوارة من حلمها تشهق بفزع وتواجه ضربات قلبها العنيفة وأنفاسها الصاخبة، ليستيقظ يونس على انتفاضتها وينهض يحتويها ويحاول استيعاب ما يحدث ، لذا بات يهدئها مرددا بدعاء :
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان، وسيء الأحلام.
وجدها تسكن داخله وترتعش فظل يقرأ آيات من القرآن الكريم حتى هدأت فابتعد قليلا يتفحصها فوجدها تبكي وتطالعه مستنكرة وتردف بتحشرج وهمس :
- عمتي، عمتي يا يونس
قطب جبينه يستفهم ويتساءل بحذر وشك :
- أمي ؟
هزت رأسها بلا ونطقت وهي تتمسك به :
- عمتي نچوی، حلم عفش جوي، ماجدراش احكيه
عاد يعانقها ويهدهدها :
- ما تحكيش دلوك اهدي واطمني أني جارك وبإذن الله مافيش حاجة تجدر تمسك
حاولت بالفعل أن تحصل على الهدوء بأي وسيلة وتتناسى تفاصيل حلمها، ولكن عبنا برغم ترديدها للأدعية والآيات كما قال يونس، وبرغم أنها شعرت بالارتياح بالفعل، إلا أن الحلم شغل عقلها لدرجة جعلتها تبتعد قليلا وتطالعه
متسائلة :
- ما عرفاش عمتي تجيلي في الحلم إكدة ليه؟ كنها هي اللي بتئذيني !
صدم يونس وسألها بترقب :
- ليه بتجولي إكدة ؟
هزت رأسها ونطقت وهي تبكي :
- كانت بتوكلني غصب عني وبتجولي حتطلجي من
يونس وتتجوزي ولدي
: شرد يونس قليلا يفكر ، ثم نطق وهو يحثها على النهوض
- طب جومي نصلي ركعتين دلوك وبعدين لو تجدري تحكيلي على الحلم زين ابجى احكيلي
أومأت بطاعة ونهضت معه بالفعل ليؤديا ركعتين ثم سردت له ما رأت..
على صعيد آخر
ولأنها اعتادت التفكير باستمرار، وربما تنام بشكل متقطع خال من السلام الذهني، ولأنها اتخذت من الشيطان وليا فبات عقلها منشغلًا في خطط الإيذاء والشر، خاصةً في الليل .
تمددت تفكر في حديث ابنها لها، عن رغبته في السفر إلى أوروبا، وزواجه من تلك الشمطاء التي رآها في المعبد، عن يأسه من أعمالها واجتماعه بنوارة
إن حل اليأس على الجميع لا يمكن أن يحل بها، ستظل تحارب بوسائلها حتى تحصل على ما تريد
وإن لم تنجح في التلاعب بنوارة، وإن نجح يونس في
تحصينها منها، فيجب عليها ألا تبذل جهدًا في السيطرة على نوارة إلا بعدما تخاطر وتقطع رأس الحية، يجب أن تتعامل مع يونس نفسه.
يجب أن تكسر شوكته وقوته وتجعله يسير بغير هدى لينشغل بنفسه قليلا، ولتنشغل هي بنوارة مجددًا .
يجب أن تزيحه من طريقها برغم يقينها بأنها مغامرة کبری ولیکن ستزيح كل من يعترض طريقها للوصول لأهدافها، ولن تستثني أحدًا ....
تنفست حقدًا وقررت ذلك، فاليوم أرسل لها شقيقها عبد الوهاب المبلغ الشهري كعادته، ولكن مع زيادة جديدة ككل عام
ابتسمت بارتياح، فهي ستستخدم جزءًا من هذه الأموال في عمل سحر محكم وقوي، ستلقيه عند عتبة المسجد ليلا ليعبر هو فوقه فجرًا، وليبحث قليلا عن الراحة ولكنه لن يجدها
صباحًا.
دلف أيوب يحمل صندوقًا في يده ويخطو قاصدًا الأعلى، أوقفه عمه حسان يتساءل بترقب :
خير يا أيوب؟ إيه اللي في يدك ده؟
التفت يطالع عمه وأردف بهدوء :
- دي صندوج عدة جبته من واحد صاحبي عشان فرحة رايدة تجدد كام حاجة إكدة في أوضتها.
قالها وعاد يستأنف خطواته نحو الأعلى وسط تساؤلات حسان ومنصورة التي طالعته بترقب فمط شفتيه بعدم معرفة
طرق باب غرفتها ففتحت له ودلف يغلق خلفه ونطق وهو يتحرك نحو الطاولة ويضع الصندوق فوقها :
- جبت صندوج العدة كلها عشان محدش ياخد باله.
أومأت بتفهم فتحركا يحضران الخزنة، حملها أيوب وعاد بها يضعها فوق الطاولة ووقفت فرحة تتساءل :
- حتاخد وجت يا أيوب ؟
هز رأسه بلا وفتح الصندوق يلتقط منه الصاروخ ويناولها السلك الخاص به قائلا :
- خدي حطي ده في الكهربا .
أسرعت تفعل وعادت تقف بجانبه فزفر يتابع :
بعدي وشك
أخفت وجهها خلف ظهره وانحنى قليلا، وبدأ بتشغيل الصاروخ وتوجيهه إلى قفل الخزنة
لم يكن الأمر سهلا، فطبقتها سميكة، وقفلها محكم، تحتاج إلى مجهود ووقت وصبر، استعمل الصاروخ، والمطرقة والمفكات، لأكثر من نصف ساعة من المحاولات، إلى أن فتحت الخزنة.
نظرا لبعضهما بتأهب وأسرعا ينظفان من حولهما ويجمعان الأغراض، ثم جلسا ينظران داخلها، عددًا من الأوراق، وأشياء أخرى.
از دردت ريقها ومدت يدها تنتشل الأوراق وبدأت تقرأها وهي تضع يدها على فمها بخوف.
عقود لقطع أراضي، وعقد تمليك شقة في أسوان، وعددًا من وصولات الأمانة بأسماء أناس لا تعرفهم .
أما أيوب فالتقط مفتاحًا، وعددًا من الفلاشات في قبضة يده، يتفحصهم وقلبه ينبض بعنف، يخشى أن ما بداخلهم لن يكون شيئًا عابرا.
رفعت نظرها تطالعه بصدمة وذهول يتجليان على ملامحها، ثم نطقت بنبرة يلتف حولها الحزن :
أخوك عنده شجة في أسوان وأراضي ملكه يا أيوب، منين الحاجات دي وفين ؟ وليه ماحدش فينا يعرف عنيهم حاجة ؟
هز رأسه بعدم فهم وأشار لما في يده فنظرت إليهم وعادت تزدرد ريقها بصعوبة كأنها تبتلع غصة وتساءلت :
- فيهم إيه الفلاشات دي؟
صاح بانفعال من شدة تشتته وقهره :
- ما عرفش يا فرحة، ما عرفش، أني زيي زيك أهو
أومأ مرارًا ثم باتت تقلب في وصولات الأمانة وتقرأ الأسماء المدونة بها واحدًا تلو الآخر وتمد له مستفهمة :
- طب تعرف حد من دول ؟
تناول منها يقرأ ولم يبد ردة فعل على معرفته بأحدهم بل يهز رأسه بلا فتركت ما في يدها تزفر، ثم لكزته تستطرد بمشاعر سلبية تقبض على صدرها :
- طب جومهات اللابتوب بتاعك وتعالى
نهض يسرع نحو غرفته ليحضر الحاسوب الخاص به وعاد إليها يوصد الباب ويتقدم ويجلس بترقب
قلبيهما يتصارعان، وعقليهما يتمنيان ألا يرى مالا يحمد عقباه، يتمنيان ألا تهتز صورة شقيقهما لديهما .
فتح الحاسوب ووضع أولى الفلاشات، وفتح الملف الذي ظهر أمامه والذي كان عبارة عن مقطع فيديو، وبدأ تشغيله وهما يتابعان بجحوظ
يظهر سمية وهي تتجادل مع أحدهم على بيع قطعة أثار إذا صدق عمار في حديثه عنها، ولكن لماذا يحتفظ مؤمن بهذا التسجيل ؟
نزعها أيوب ووضع غيرها ليجد مقاطع أخرى تدين سمية أيضًا.
نزعها أيضًا بعنف ووضع أخرى وصدمته هي من تقوده، فظهر له ثلاثة رجال ومؤمن يقف أمامهم وتجاوره سمية ، حينما رأته فرحة انتحبت بشدة وملأ النشيج صدرها اشتاقت له وها هو أمامها يقف يرتدي جلبابه ويتحدث كأنه حي والحقيقة أنه ليس هنا
تحاملت على نفسها لتستطيع إكمال المقطع، رأته وهو يأخذ منهم حقيبة ويعطيهم قطعا من الآثار
صعقت مما تراه، وتجمدت كما هي، إذا كان شقيقها يتاجر في الآثار أيضًا ؟
تاه عقلها في الصدمات التي تلقتها للتو ، بينما نزع أيوب
الفلاشة ووضع الأخرى، وعقله يدور في بحر مظلم ذو قاع أشد ظلمة
هذه المرة كان المحتوى عبارة عن تسجيل صوتي فقط ، بين مؤمن وسمية وهي تتحدث إليه بحدة :
- يعني إيه تجاسمني في كل حاجة ؟ على الأجل تبجى نسبتك 25 % وإكدة حلو جوي
أردف مؤمن بتصميم :
- لاء يا سمية، فيفتي فيفتي أني وافجت أبجى معاكي في الحوار ده، ولو حصل عكشة من الحكومة أني اللي هشيل الليلة وحزامل أبوكي وحطلع منيها زي الشعرة من العجين ، علشان إكدة فيفتي فيفتي يا مهجة الجلب
صمتت سمية قليلا ثم نطقت بنبرة مغلولة :
ماشي بس حتخصلني من عمار فوج البيعة، جولتلك كتير إنه عمال يحوم حواليا وأنت طنشت
أجابها بنبرته الباردة :
- ما تجلجيش، حیچیله وجته اصبري عليا
نطقها واستمعا بعد ذلك إلى أصوات مقززة جعلت أيوب يصفع الحاسوب وينهض يلتفت حول نفسه بذهول، بينما انهارت فرحة تصم أذنيها وتهز رأسها استنكارا وتبكي، هذا
الرجل ليس شقيقها، هذا ليس مؤمن نفسه، هذه الكلمات لا يمكن أن تكون حقيقية، لا يمكن أن يكون ذلك الأخ الحنون المتفهم المحب لها هو نفسه الذي يظهر أمامها الآن وتسمع صوته
عقلها يكاد أن يجن عمار؟ كانا يخططان لقتله ؟ إذا كل كلمة قالها هو محق فيها، هو كان يدافع عن نفسه آنذاك، هما كانا متواجدان هناك ليس لنزهة كما أخبرا الجميع بل لصفقة آثار، إذا الحقيقة المسلم بها على مدار خمس سنوات لم تكن سوى كذبة كبيرة ؟ وحزنها واحتراقها لم يكونا سوى بؤرة من الخداع والوهم .
أجهشت في بكاء مرير، وقلبها وعقلها يحترقان، فلحق بها أيوب يساكندها ويوقفها وينطق باستنكار :
لاء يا فرحة أكيد في إن في الموضوع، مؤمن كان راجل عنده ضمير مهواش اللي شوفناه دلوك ولا اللي سمعنا صوته، أكيد فيه حاجات ما نعرفاش، لازمن نفهم الحكاية كلياتها، ولاز من نوصل لل**** اللي اسمها سمية دي، والشجة اللي في أسوان دي فيها إيه؟ وأسامي الناس اللي في الوصولات دي كل دي حاجات لازمن نفهمها زين خليكي واثجة في أخوكي للآخر.
نطقها متأملاً برغم شكوكه فرفعت نظرها إليه وكأنها تخبره بعينيها ألا يكذب على نفسه وعليها، فما سمعته للتو كان في خزنته في غرفته، موضوعة بيده، ولم يأت بها أحد إليهما ، كيف لا تصدق؟
هزت رأسها وأطرقتها بتعب تردد بانكسار وتستند على كتفه :
- آاااااه يا مؤمن ليه إكدة يا أخوي ليــــــه، ليه تحرج جلبي بنار جديدة ليه.
حزن أيوب لحالتها، ولم يعد يعلم أيواسيها أم يواسي نفسه، ولكنه تركها ترتد على الأريكة تبكي، وأسرع يحمل الخزنة ويتحرك بها نحو الخزانة ليخفيها، ثم عاد يلملم الأغراض، وانتشل الأوراق والفلاشات ونطق وهو يدسهم في جيبه وينوي التحرك :
- أني لازمن اعرف مين الناس دي، لازمن نفهم الحكاية كلياتها
تحرك خطوة فأوقفته ونهضت تطالعه وتردف وهي تجفف دموعها بقسوة :
- أني حاجي معاك رجلي على رجلك في كل خطوة
أومأ لها، فهذا ما يريده بالفعل، لا يود أن يسلك ذلك الطريق بمفرده، لذا نطق باستعداد :
- يبجى جهزي نفسك ونتحرك دلوك
دلف شقته بعد ليلة مجهدة قضاها في السيارة، لم يرد الذهاب إلى الفندق الخاص بهم حتى لا يصل الخبر إلى والده أو عمار وحينها سيكون في موضع ضعف يكرهه، لذا قرر أن ينام في سيارته ، وبرغم التعب البدني الذي شعر به إلا أنه يفضلها عن هنا
جاء ليبدل ثيابه ثم يذهب إلى شركته بعدما قرر أن يكف عن اللحاق بنهاد سيتركها وشأنها وسيري؛ إن كانت تفعل هذا عن عمد فسوف تتوقف بكل تأكيد، وإن كانت تفعلها رغبة منها في العمل والنهوض فسيتركها تفعل، ربما إن تركها ستفكر بالعودة له
سمعت صوته فجاءت من غرفتها، وحينما رأته أسرعت تلقي بنفسها داخل حضنه وتتشبث به ناطقة بنبرة
متحشرجة :
- أنا أسفة يا مهران ، يارب اموت لو زعلتك مرة تانية الكلام اللي قولته امبارح فعلا ماكنش ينفع اقوله خالص
ابتعد عنها يطالعها بثقب، ثم نطق ببرود وهو ينوي التحرك نحو غرفته :
- أني اتحدت ويا عمك امبارح، ومرة تانية هو ما حيجبرش منيكي
تحرك خطوة فأسرعت تعاود عناقه من ظهره وتريحرأسها عليه معتذرة ومعترفة :
- طب علشان خاطري ماتزعلش مني، أنت عارف إني بحبك جدا وبشوفك أحسن راجل في الدنيا كلها، أنا انفعلت امبارح من غيرتي عليك وخوفي إنك تتأثر بعمايلها، خلينا ننسى يا مهران ونبدأ صفحة جديدة وخليها هي مع نفسها بقى، أنا مستحيل هخسرك علشان خاطر أي حد، أنا اصلا ماليش غيرك ومش عايزة غيرك، حقك عليا
وجدته ثابتا فأسرعت تلتفت وتقابله وتطالعه بنظرات استعطافية وابتسامة هادئة وتسترسل بمكر ودلال :
- أهون عليك تسيبني لوحدي هنا، أول ليلة انام من غيرك من يوم جوازنا، وعلى فكرة مانمتش خالص، يعني هروحالشركة وانا مطبقة وذنبي في رقبتك
لم يعد يرى وجهها البريء، ولم يعد يتقبل مشاكستها، ولم يعد يرغب بدلالها، بات كل ما يحدث أمامه مملا، لذا زفر بقوة ونطق وهو يربت على كتفها مختصرا :
- خلاص يا تيا خليكي إنت هنا، مالوش لزوم تيچي
حاول أن يتحرك ولكنها عادت توقفه وتستجديه بترج :
- طب إيه رأيك ما نروحش إحنا الاتنين ونطلع سوا رحلة
لأي مكان، عشان خاطري وافق
بدأ الضيق يلتهمه فنطق بنبرة باردة :
- حمزة ولدي تعبان ، وبعدين أني ورايا شغل كتير ما حعرفش اتحرك دلوك لأي مكان، سبيني بجى اروح أغير هدومي واشوف اللي ورايا
ابتسمت برغم غضبها الداخلي ونطقت تومئ :
تمام هسيبك بس قول الأول انك مش زعلان مني واوعدك مش هقول الكلام ده مرة تانية أبدا .
دقق النظر فيها، أتعده بعد أن هدأت وتريد منه تجاوز ما قالت أمس ؟ كيف يفعل وكلماتها تتردد على عقله إلى الآن؟ هو رجلٌ خُلق بذاكرة لا يمكنها حذف إساءة أو تجاوزها بسهولة.
نطق بتجهم واضح :
حتسبيني اشوف مصلحتي ولا حنفضل طول اليوم واجفين إهنة ؟
ابتعدت بملامح منكسرة تومئ بحزن مصطنع فزفر وتحرك نحو غرفته وقد بدأ ضميره يأنبه، ولكنه لم يتراجع، بل تركها تقف على شفا خصلة بين الجنون والصبر
بعد مرور يومين
يستقلان السيارة وفي طريقهما إلى أسوان للبحث عن الحقيقة ، بعدما تلقيا صدمات خلال اليومين السابقين تكفي لأعوام قادمة.
فمن استطاعوا مقابلتهم أكدوا لهما بأن مؤمن ابتزهم لمصالحه الشخصية، حاولوا الوصول إلى سمية ولكن لا أثر لها، بحثوا عنها في أرجاء الأقصر ولكن كأن الأرض انشقت وابتعلتها، والآن هما متجهان ليبحثان عن شقة شقيقهما ويريا ما بها ولم كان يخفيها عنهما، وكذلك سيقابلان ذلك الرجل الذي وجدا له عدة وصلات، وعلما أنه صاحب أحد البزارات في أسوان
أما نهاد فلم تذهب إلى الشركة منذ مرض صغيرها، بل جلست تراعيه وتهتم به، ولكنها كانت تجري بعض الحجوزات عبر حاسوبها وتتواصل مع عمار وجهاد وسامر حتى لا تتقاعس عن العمل
واليوم ها هي تخطو إلى داخل الشركة بحماس جديد وثوب جديد، وقرار لن تتراجع فيه، ستمضي قدمًا وتقدم أفضل ما لديها إلى أن تحين الفرصة وحينها ستبتعد عن هذا المحيط برمته ستأخذ صغيرها وتغادر
في شركة جابر
جلس مع كمال وريم والمحامي في غرفة الاجتماعات ، يتناقشون حول الشراكة التي لم ترق لأحمد لذا لم يأت.
تساءلت ريم حينما لاحظت :
هو مستر أحمد مش جاي ولا إيه؟
نطق جابر بنبرة هادئة تخفي الكثير :
- سبيه على راحته أني وكمال موجودین و مرحبين وبعدين النسبة الأكبر إهنة ليا وأني رايدك ويانا
عبست وزفرت بقوة، فهذا ما كانت تخشاه، لذا ترددت فتابع جابر بتريث :
- كشرتي ليه بس دلوك؟ المفروض نكون مبسوطين، ولا إيه يا كمال ؟ ما تجول حاجة...
نطق كمال بترحيب :
کلام چابر صح يا باشمهندسة، إنت تستحجي تبجي ويانا والمجهود اللي حججتيه في الأيام اللي فاتت دي إحنا نفسينا اتعلمنا منه كتير ، وبعدين ماحدش إهنة حياخد من رزج حد بالعكس ده الخير حيزيد وحيعم ع الكل، بس هو أحمد حمبلي شويتين وثلاثة ، ما تجلجيش
بكرة حيروج
از دردت ريقها وشردت قليلا تفكر ليستطرد جابر مشجعًا
:
کلام کمال ،صوح، الخير حيعم ع الكل، وبالمبلغ اللي حتشاركي بيه حنطور شوية في التقنيات ، وبعدين إحنا کنا محتاچین شهادات الآيزو علشان نجذب البنوك والهيئات السيادية، ودلوك نجدر نعمل إكدة ، يعني دخولك في الشراكة ويانا حيساعدنا جوي، ماتحطيش بجى أحمد في دماغك، هو علطول يسد النفس .
ابتسمت وأومأت تتمنى ألا يحدث توترًا بينهم، فهي حقا سعيدة بهذه الشراكة كثيرًا وكم كانت تتمناها، ولكنها تخشى العثرات، لذا زفرت ونطقت توميئ بتمهل وهي تستعد للتوقيع على هذا العقد الذي تمنته منذ أن عملت في مجال البرمجة :
تمام توكلنا على الله
في مطعم ما بالقرب من جامعة الأقصر
جلس نوح تجاوره مودة وأمامهما الزميلتان ذاتهما .
بصعوبة بالغة دامت ليومين أقنعتهما مودة بالمجيء معها
والتحدث إلى نوح بعدما تعهدت لهما بألا تخبر أي أحد عنهما
لينطق نوح أيضًا متعهدًا بثبات :
- اتكلموا براحتكم واوعدكم إن كل كلمة حتقولوها حتفضل سر بينا ومش حجيب سيرتكم أبدًا في الحوار ده، بس أنا محتاج مساعدتكم علشان نقدر نساعد صديقتكم اللي المعيد ده استغلها، ولو فيه بنات غيرها کمان نعرف نتصرف.
نظرتا لبعضهما ثم عادتا تطالعانهما ونطقت إحداهما بتوتر :
- حنجولك يا دكتور نوح بس انت وعدتنا، لاحسن دكتور باسل ما بير حمش حد واصل.
إذا هو باسل كما توقع، إذا هو ذلك الحقير، تجهمت ملامحه ونطق مترقبا :
- ماتخافوش اتكلموا وقولوا كل اللي عندكم، بس لازمن نحاول نقابل صديقتكم دي ونتكلم معاها لإن أكيد عندها دلیل ضده، ولو تعرفوا بنات غيرها عمل معاهم كدة بردو عرفونا
أومأتا وتحمستا وبدأتا تسردان له كل ما لديهما، وأخبرتاهما بأسماء بعض البنات اللاتي يعرفوهن
على الجهة الأخرى
في الجامعة
كانت تقف سجود داخل القاعة تستند على بابها قبل أن يدخل الطلاب إليها ، وتنظر لصديقتيها اللتان جاءت بهما إلى هنا، تنطق بترقب ومقلتين متسلطتين :
- ماجيتوش يعني بجالكم يومين؟ خير كنتوا واخدين برد سوا ولا إيه؟ ها حتعملوا إيه في اللي اتفجنا عليه ؟
نظرت إحداهن بتوتر إلى الأخرى، وهزت رأسها بلا، بينما نطقت المدعوة دلال :
- حتدينا كام يعني يا سجود في الليلة دي؟
ابتسمت سجود ونطقت بإغواء :
- 5 تلاف جنيه لكل واحدة فيكم، وجبل ما تعترضوا إنتو بس حترموا الطعم ، وهو حينتشر لحاله ، يعني كلمتين في الخباثة إكدة وسط المدرج والباجي سهل، وانتوا خابرين زين البنات إهنة ما بيصدجوا يلاجوا خبر ويذيعوه، ولو حد و چهلكم حديث جولوا انكوا سمعتوا زيكم زي غيركم .
نطقت الثانية بخوف :
وهو بالساهل إكدة مش لازمن يكون في يدنا دليل ؟ وبعدين دكتور نوح ما يستحجش مننا إكدة، أني برا الموضوع ده یا سجود
باغتتها بنظرة ثاقبة لثوان، ثم ابتسمت بمكر، وابتعدت تدعي فتح الباب لها ولكنهن وجدن الباب يدفع ويظهر أمامهن ذلك المدعو باسل، يطالعهن بنظرات خبيثة ويتساءل :
- كنتوا بتقولوا إيه بقى يا حلوين؟ شاركوني معاكم علشان اتأكد من اللي سمعته، عايزين تشوهوا سمعة دكتور نوح ليه بقى ؟
تجمدن ثلاثتهن وانسحبت أنفاسهن ونظرت له دلال نظرة احتقارية باغتها بابتسامة وغمزة خبيثة وهو يتكتف ويسترسل :
- حتتكلموا ولا اخدكم دلوقتي ونطلع على مكتب العميد؟
وصلا إلى مدينة أسوان، وسارت السيارة في شوارعها العريقة، وباتا يسألان عن بازار سياحي صاحبه يدعى محمود عادل
دلهما بعض الأفراد إلى ذلك البزار، وقاد أيوب باتجاهه حتى توقف أمامه وترجلا سويًا
نظرت فرحة أمامها لترى المكان المعبأ بالأثريات داخليا وخارجيا، محل قديم تنسدل من أعلاه مظلة كبيرة تضلل عليه من حرارة شمس أسوان الشامخة.
تحركت مع أيوب نحو الداخل ليقابلا المدعو محمود، دلفا ليجدان ثلاثة سياح يبتاعون بعض الأثريات، فتجاوزاهما وتحركا للداخل ليجدا شابًا يجلس خلف مكتبه ويتحدث مع أحدهم، حينما رأهما توقف عن حديثه ونظر لهما قائلا :
- يا أهلا وسهلا، اتفضلوا
تساءل أيوب بترقب :
- إنت محمود عادل ؟
أومأ لهما وأشار بيده للعامل أن يغادر فاسترسل أيوب وهو يتفحص ملامحه :
- إحنا اخوات مؤمن آل حامد
صمت محمود لبرهة، ثم ابتسم ونطق وهو يشير لهما
بالجلوس :
يا مرحب اتفضلوا
جلسوا سويًا ليتساءل أيوب بشكل مباشر :
إحنا لجينا حاجات تخصك في خزنة أخوي، وجايين نعرف منك نوع العمل اللي كان بينكم، وتجولنا اللي تعرفه.
مط محمود شفتيه ونظر إلى فرحة نظرة ثاقبة ثم أشار برأسه يتساءل :
- إنت مرت عمار ؟
قطبت جبينها وتعالت وتيرة أنفاسها وهي تسأله :
- إنت تعرف عمار كمان؟
أومأ مؤكدًا ونطق وهو يفرد ظهره على المقعد :
- عمار ومؤمن كانوا أعز رفجة، بس الزمن غدار بيفرج الصحاب وبيفصل ما بينهم.
تعجب أيوب وعاد يتساءل :
- جول اللي عندك ليه مؤمن كان واخد عليك وصولات أمانة ؟
أدرك أنهما وجدا تلك الوصولات، لذا تنهد ونطق يلوحبیده :
- مالوش عازة الحديث عن الميت الله يرحمه وينتجم من
اللي كانت السبب
نظرا لبعضهما ثم عادت فرحة تسأله بترقب :
جصدك سمية ؟ جول تعرف إيه عنيها ؟ لو جولتلنا اللي عندك حتاخد الأوراج اللي تخصك.
منذ سنوات وهي يبحث عن هذه الأوراق، منذ سنوات وهو يريدها كي لا تصبح ورقة ضغط في يد تلك الشيطانة، والآن اطمأن حينما أدرك أنها معهما لذا نطق بتريث :
- كل اللي اعرفه إنك اخوكم كان زين الشباب، سمعه دوغري وكلمته واحدة بس سمية الشيطانة لافت عليه وكنها غرزت سمها في عجله، من بعديها حاله اتبدل وبجى واحد تاني، مشي في سكة الحرام وسمعلها، وللأسف أني کمان غلطت زمان ومشيت وياهم واخدت منيهم مبلغ كبير ومضيت على أساس حشغل البزار من تاني وحعرف أسد ، والحمد لله ربنا تاب عليا واتراجعت علشان كدة هددوني وكانوا رايدني اكمل وياهم ، حاولت كتير أنبهه منيها بس هو كان خلاص وجع، وبعدها بأيام جليلة عرفت إنه اتجتل وإن عمار هو اللي جتله وهو بيدافع عن نفسه
هذه الكلمات تسمعها عن شقيقها منذ يومين حتى لم يعد لديها مشاعر تنتابها ، باتت متبلدة تنظر إليه بصمت ليتساءل أيوب :
وعمار تعرفه منين؟
تنهد وأجابه :
- عمار كان بيجيلي إهنة علطول مع السياح، وعرفت بعديها إنه بينه وبين مؤمن صلة جرابة، ولسة مهران أخوه كان عندي من كام أسبوع ولما سألته عنيه جال إنه اتجوز اخت مؤمن
أوماً أيوب بتفهم ودس يده يخرج الوصولات ويناولها إياه قائلا بنبرة حزينة :
- خدهم، ما عدلهمش عازة واصل
تناولهم محمود منه ينظر لهم بدقة ويومئ مرارًا، ثم مال قليلا يفتح خزنته وينتشل منها عددًا من رزم النقود، ثم مد يده يناولهم إلى أيوب قائلا :
- دول جزء صغير من حجكم، والباجي حجسطوا لو تجبلوا
نظر أيوب إلى فرحة التي هزت رأسها ونطقت برفض :
- ما وخدينش حاجة اللي عندك وزعوا لله، أحنا جولنا إكدة للي عندهم حاجة لمؤمن طلعوهم على روحه يمكن ربنا يسامحه ويغفرله
قالتها وهي تعاود البكاء، فتذكر شيئًا ما لذا نطق :
- على فكرة عمار باني مسجد إهنة صدجة جارية على روح مؤمن، ومن ضمنه كمان جمعية بتساعد المحتاجين وبتجد ملهم معونة شهرية كل شهر بيبعت المبلغ للمسؤول عن الجامع وهو بيوزعه وبيعمل منه إطعام، لو رايدين تزوروه اشيع معاهم حد يدلكم هو جريب من اهنة...
تأكد أنهما لا يعلمان من خلال صدمتهما ونظراتهما لبعضهما، لذا زفر بارتياح حينما أخبرهما، فهو يعلم أن عمار دفع ثمن ذنب لم يقصده، وأضاع من حياته سنوات في قضية ثأر لم يتعمد فتحها
از درد أيوب ريقه بصعوبة، يبتلع الغصة المتحجرة ويحاول أن يستوعب كل هذا، ليخرج من جيبه عقد الشقة المملوكة لمؤمن ويناوله إياها متسائلا :
- المكان ده نوصله كيف؟
نظر محمود إلى الورقة وتجلى التعجب على ملامحه ثم نطق :
- بعيد عن إهنة، ده مكان خلا حدلكم عليه بس معاكم عربية ولا تحبوا اوصلكو ؟
- معانا، دلنا عليه ويبجي كتر خيرك .
نطقها أيوب ونهض وتبعته فرحة تتحرك معه وعقلها يدور في فلك عمار، تاهت في متاهته، هل فعل هذا برغم كل ما عاناه على مدار سنوات ؟ هل حقًا يشعر بالندم الشديد الذي جعله يبني مسجدًا وجمعية مساعدات لأجل روحشقيقها ؟ برغم كل ذنوبه التي اكتشفتها للتو؟
في مكتب مهران
دلفت السكرتيرة بعدما سمح لها، وقفت أمامه تردف
بترقب :
- فيه برا واحد اسمه عبدالله آل حانا بيقول إنه ابن عمك وعايز يقابلك
قطب جبينه لثوان ثم انفرجت ملامحه يردف بإيماءة :
- أيوة عبد الله ابن عم الحاج، دخليه يا منى
أومأت تبتسم وتحركت تغادر ويدخل بعدها ذلك الرجل الطويل ذو الملامح الرجولية والبشرة السمراء، والعطر الفواح، والحلة المنمقة
نهض مهران يتحرك نحوه فابتسم عبدالله والتقيا في
منتصف الغرفة يرحبان ببعضهما بحفاوة لينطق الأول :
والله زمان يا أبو العبد، عامل إيه يا راجل وفينك من زمان ، نسیت لوجصر ولا إيه؟
بادله عبدالله الترحاب يعانقه بحفاوة ثم ابتعد يبتسم ويردف :
- وهو حد يقدر ينسى بلده بردك يا ابن عمي، بس هي الظروف اللي بتحكم
أشار له نحو المقعد واتجه يعود خلف مكتبه بينما جلس عبد الله أمامه ليستجوبه مهران مستفهما :
- طب إيه طمنا، چاي زيارة ولا استجرار؟
تنهد عبد الله وعبست ملامحه يوضح :
- لو عليا اتمنى استقر هنا، بس الأولاد حابين يفضلوا في اسكندرية
أومأ مهران بتفهم وتساءل :
- وهما عاملين إيه؟ وعلي أكيد كبر دلوك
أومأ عبد الله ونظر إليه بثقب ينطق :
- علي في تانية ثانوي وندا في تالتة إعدادي.
ابتسم مهران وتساءل :
- ماشاء الله ربنا يبارك فيهم، وأخبار أم علي إيه، لسة بتشتكي من سفرك الكتير ؟
عبست ملامح عبد الله والتمعت عيناه يجيبه بهدوء حزين :
- نهلة اتوفت من حوالي 6 شهور يا مهران ربنا يرحمها.
صدم مهران ولم يعلم ماذا يردف إلا بعد ثوان حيث نطق :
- إنا لله وإنا إليه راجعون، حصل كيف ده؟ وإزاي ما نعرفش يا عبد الله ؟
نطق يوضح بعد تنهيدة حارة :
إحنا كنا برا مصر يا مهران بقالنا حوالي سنتين ، والوفاة حصلت هناك، وبصعوبة قدرت أنزلها أنا والأولاد ودفناها هنا، وانت عارف أن أهلها متوفيين وقرايبها اللي في القاهرة ماكنوش بيسألوا أصلا
أومأ مهران بتفهم ونطق بأسف :
- البقاء لله يا عبد الله ربنا يرحمها ويغفر لها.
آمین
تابع وهو يحاول مواراة حزنه :
- المهم دلوقتي أنا جاي في شغل، اتعرفت على شريك أجنبي موثوق منه، وعرض عليا فكرة حلوة أوي قولت اجي واشاركها معاك انت وعمار ونشوف لو نشتغل مع بعض ، هو عايز يعمل رحلة حياة بدل من الرحلات السياحية، عنده أفكار حلوة، يعني مثلا هو شايف ان السائح الأجنبي رؤية الأهرامات بالنسباله بقت تقليدية، هو عايز يعرف القصة بدأت منين ويشوف أماكن أصلية بدل المعارض ويقدر يستمتع فيها بأجواء الحرفيين المصريين، وبردو بيقترح إننا نعمل برامج عن الصحة والهدوء، نستغل طبيعة الاقصر وأسوان وندمج معاها جلسات تأمل ونقدملهم مثلا وجبات من الريف الصحي بتاعتنا، وفيه أفكار تانية حلوة جدا.
أعجب مهران بحماسه ونطق وهو يلتقط سماعة هاتفه ليبدي ترحيبه :
- استنى بجی نطلب عمار ونشوف الموضوع ده
حاول أن يهاتف شقيقه على رقم مكتبه ولكنه لم يجب لذا نطق :
بين عمار مهواش في مكتبه
نهض عبدالله يردف بحماس :
طب قوم نشوفه ونتكلم برا انت عارف انا بتخنق من قعدة المكاتب دي
أوماً ونهض يتحركان سويًا نحو الخارج ومنه إلى الردهة المؤدية للمكاتب، لمح عمار يقف يتحدث مع أحد الموظفين ويواليهما ظهره فاقتربا منه ونطق مهران :
- عمار !
التفت عمار يطالعه ويطالع عبد الله الذي ابتسم وفتحذراعيه يرحب به بحفاوة فبادله عمار يردف وهو يربت على ظهره كما يفعل الآخر :
- حمد الله ع السلامة يا عبد الله، إيه المفاجأة الزينة دي
ابتعد قليلا يتحدث إليه، ووقف مهران يتطلع على نهاد التي كانت تتحدث إلى عمار، ولم تنظر نحوه بل ابتسمت وهي ترى عبد الله يطالعها متفاجئا وينطق :
- إيه ده معقول ؟ إزيك يا مدام نهاد؟ إنت اشتغلتي هنا؟
أومأت تنطق بترو :
- الله يسلمك يا أستاذ عبدالله لسة بدأة شغل من كام يوم بس، إنت عامل إيه وأزي الأولاد؟
- بخير الحمد لله
التفت ينظر إلى مهران وينطق مشجعًا :
- برافو عليك يا مهران إنك خليت مدام نهاد تشتغل معاك بصراحة أنا عارف إنها خطوة صعبة شوية على عادات النجع بس إنت عملت الصح
نظر ثلاثتهم لبعضهم بصمت، وشعر مهران بالدماء تفور في رأسه ، فتساءل بعدم فهم :
- في حاجة ولا إيه؟
نطق عمار وهو يسحبه معه ويتحرك به نحو مكتبه :
ولا أي حاجة، تعالى ندخل بس ونتحدت جوة
دلفوا مكتب عمار بينما تحركت نهاد تعود إلى مكتبها بصمت، وجلس ثلاثتهم يتحدثون قبل أن يرن هاتف عمار الذي التقطه وتجلى التعجب على ملامحه ولكنه نهض يعتذر ويجيب على هذا الاتصال...
بعد وقت
توقفت سيارة أيوب في هذه المنطقة الحديثة، هدوء تام
يدل على عدم استكمال تسليم وحداتها بعد.
نظرا لبعضهما وعاد أيوب يتفحص العقد ليرى رقم المبنى والشقة، وبالفعل توجها نحو أحد المداخل، حتى أنه لا يوجد حارس هنا
دلفا وصعدا على الدرج حتى وصلا إلى الطابق المنشود ينظران إلى الأبواب، يبدو أن لا أحد يقطن هنا
تحركا صوب الباب المقصود وأخرج أيوب المفتاح من جيبه ليحاول فتح الباب ولكنه لم يفتح، حاول مرة أخرى ولم يفتح أيضًا، لذا وقفا ينظران لبعضهما بترقب ثم أردف أيوب بحيرة :
- حنعمل إيه دلوك يا فرحة ؟
رفعت يدها تطرق الباب بشكل مفاجئ تعجب له أيوب وكاد أن يخبرها أن لا أحد هنا، ولكنهما وجد الباب يفتحوتظهر من خلفه سمية تطالعهما بصدمة لم تكن من نصيبها وحدها
