رواية ظل بعد ظل الفصل الواحد والعشرون بقلم ياسمين النعيمي
الساعة الثالثة ظهراً ...
الباب انفتح ...
و مثل كل مرة، أول صوت ركض بالصالة كان صوت هبة:
- بابااا !
قيس توه داخل، بيده كيس و مفاتيحه، حتى ما لحق ينزلهم.
فتح ذراعه إلها تلقائياً:
- هلا بروح بابا ...
بس بنفس اللحظة ...
رهف كانت أقرب له من هبة، نزلت من الدرج ركض، شعرها منفوش من النوم و عيونها بعد نعسانة.
أول ما شافته ... ركضت بكل قوتها:
- بابااا !
و شمرت نفسها عليه.
هبة تجمدت.
باوعت لرهف المعلقة برقبته ... بعدين رفعت عيونها عليه بصدمة حقيقية.
- لا.
قيس حس بالجو انشحن بالغيرة فوراً، بس ما علق، سحب هبة لحضنه،
و هبة بدل الدخول لحضنه دفعت رهف بإيدها:
- لااا ! هذا بابا اني !!
رهف تشبثت أكثر بقيس، و صوتها ارتفع:
- لا بابا مالتي هم !
هبة عيونها امتلت دموع غضب:
- لااا انتي لا كَولين بابا !!
و قبل لا ينتبه ...
مدت إيدها الصغيرة و جرت شعر رهف بقوة.
رهف شهقت شهقة موجوعة حقيقية.
مو شهقة دلع أطفال ... شهقة طفل انصدم إن أحد أذاه.
و بنفس اللحظة انفجرت تبچي.
- آآآآه !!
إيدها راحت فوراً على شعرها ... و جسمها كله انتفض بحضن قيس.
هبة هم بدت تبچي و تصرخ:
- بابا مالييي !!
بس رهف ...
رهف غير.
انقهرت.
وجهها احمر ... و شهقاتها متقطعة بحرقة، مو بس ألم.
كأنها ما مستوعبة أصلًا إنه أحد ممكن يمد إيده عليها.
دفنت وجهها برقبة قيس و بكت بقهر طفل مدلل انكسر لأول مرة.
- يوجعنييي ...
قيس ملامحه تبدلت فوراً،
نزل نفسه بسرعة للأرض، و شال رهف كلها بحضنه بإيد وحدة ... و جذب هبة بإيده الثانية قبل لا تركض،
- تعالي جاي ... شسويتي انتي ؟!
هبة تبچي و معصبة:
- هاي تاخذ بابا !!
رهف تشهق بحضنه:
- بابا جرت شعريي ...
و كلما تتذكر الموقف ترجع تبچي أكثر.
قيس باس راسها بسرعة، و إيده تمسد شعرها،
- اكَفي بابا اكَفي ... تعالي خل اشوف.
رهف حتى ما رضت تبعد وجهها من رقبته.
متشبثة بيه بقوة ... تبچي بطريقة تقهر و تردد،
- بابا أوااه ...
صوته صار أهدأ فوراً:
- لا تبجين حبيبتي ...
بس رهف كانت ترجف بحضنه.
ما متعودة أحد يعاملها بعنف. لا أبوها ... لا ريّا ... لا حتى رغد.
و هاي أول مرة تنأذي من طفل ثاني بهالشكل.
هبة هم تبچي،
- هذا بابا اني !!
قيس سحب نفس طويل ... و عرف إذا بقى هنا الدنيا كلها تسمع الصوت ...
شالهن الثنتين و دخل للغرفة بالطابق الأرضي.
و جلس على الأرض.
رهف فوراً دحست نفسها بصدره. حتى رجلينها لمتهم بحضنه، عارفها خايفة.
و كلما هبة تقرب منها ... تبچي أكثر.
- لااا ...
قيس لف ذراعه حولها بحماية واضحة:
- محد يجيسج يابا ... اهدي بنيتي.
هبة شهقت:
- بابا ليش هيچ ؟!
قيس التفت عليها بهدوء رغم التعب،
- بابا عورتيها ...
- بس هاي تاخذك !
- و تمعشين شعرها ؟!
هبة سكتت.
رهف بعدها تبچي بصوت مبحوح:
- بابا خليها روح ...
و هنا بالضبط ...
الباب انفتح شوية،
ريّا ...
دخلت مفزوعة على صوت رهف.
أول ما شافت رهف بهالحالة ... وجهها انقبضت ملامحه فوراً،
- شبيها ؟!
رهف أول ما شافتها ... مدت إيديها إلها و انفجرت تبچي أكثر:
- ماماا ...
هاي الكلمة وحدها خلت ريّا تعرف إن الموضوع مو بسيط.
قربت بسرعة، و كَعدت يمهم:
- شصار حبيبتي ؟!
رهف حتى ما كدرت تحچي من القهر.
بس تأشر على شعرها و تبچي:
- ماما أوااه ...
ريّا رفعت عيونها لهبة.
هبة فوراً نزلت نظرها.
قيس سبق الموقف بهدوء:
- غيرة جهال ريّاوي و تكاونن.
ريّا تنهدت ... و مدت إيدها تمسد شعر رهف بلطف:
- رهوفة ماما هباوي صديقتج، ما تقصد تأذيج.
بس رهف هزت راسها بسرعة و دموعها تنزل:
- وجعتني ...
قلب ريّا ضعف فوراً،
قيس لاحظها ... لاحظ نظرة الأم الي تريد تضم بنتها و بنفس الوقت ما تريد تجرح طفلة ثانية.
فمال على رهف و باس شعرها:
- زين حاجيني ... شنسوي بيها هسة، نتصالح ؟!
رهف دفنت وجهها بصدره بعناد طفولي،
- لااا ...
هبة هنا انفجرت تبچي هي الثانية:
- باباا !
قيس غمض عيونه لحظة كأنه دخل بمعركة دبلوماسية مستحيلة.
بعدين جذب هبة على فخذه الثاني غصباً عنها.
- تعالي انتي اللخ.
هبة تشهق،
- هاي ما تحبني ...
رهف فوراً ردت،
- لأن ضربتيني !
قيس مسد شعر الثنين بنفس الوقت ... و همس بهدوء:
- بابا انتن خوات، ما يصير وحدة تضرب الاخرى.
الثنتين سكتوا
رهف بعد بعينها دموع.
هبة بعد مخنوقة.
ريّا ظلت ساكتة تراقبهم ... و قلبها يذوب من طريقة احتوائه إلهم.
لا عصبية ... لا صراخ ... لا تفضيل وحدة على الثانية.
بس حضن ... و أمان موزع بالتساوي.
قيس باس رأس رهف:
- و انتي ... محد بعد يمد إيده عليج، اتفقنا ؟
هزت راسها بسرعة.
التفت لهبة:
- و انتي إذا زعلتي شتسوين ؟
هبة سكتت.
و قيس كمل عنها،
- ما نمعش شعر بنيتي هاي اختج.
و هبة تسأله،
- اني ما عندي اخوان.
و رد لها،
- انتي مو من كَبل كَلتي اريد اخت ؟! هاي اختج بابا ...
و هي بطفولية تسأل،
- يعني اثنينا نفس بابا ؟!
- اي اثنينجن نفس بابا ...
هبة سكتت شوية كأنه تفكر ... و التفتت على رهف بتردد صغير:
- العفو.
رهف صفنت بيها بعيونها دموع ...
و قيس يهمس لها،
- يلا اختج تكَول اسفة.
بعدين دحست نفسها أكثر بحضن قيس و همست:
- بعد لا سويها.
هبة هزت راسها بسرعة:
- ما اسوي.
و أخيراً ...
قيس تنفس الصعداء كأنه طلع من حرب عالمية مو عركة طفلتين.
التفت لريّا و بنظرة فهمت انه تعبان و يريدها تخلصه من البلوتين الي استقبلوه استقبال أسطوري ...
تقربت ريّا أخذت رهف و هبة، تقول،
- تعالو يلا بابا تعبان.
أخذتهم منه، و بقت تراقب رهف ... طول الوقت ما تتقرب كلياً من هبة، و كأنه صارت عندها ردة فعل و تخاف بأي لحظة تعيد الي سوته.
البيت كله هدأ بالليل ...
الأبواب تقفلت، الأصوات خفت، حتى هبة نامت يم نورا بعد ما ظلت ساعة كاملة تحاول تراضيها لأنها حست إنه أبوها زعل منها.
بس رهف ...
رهف غير.
من وقتها و هي ساكتة بشكل مو طبيعي ... لا لعبت ... لا حچت ... و كل شوية تتحسس شعرها و تهمس بقهر طفولي:
- واوا ...
ريّا كانت ضامتها بحضنها من المغرب تقريباً ... مرة تبوس راسها ... مرة تلهيها ... مرة تحاول تخليها تضحك.
بس هي كل ما تتذكر ... ترجع تبچي.
مو لأن شعرها بعدها يوجعها ...
لأن نفسها انكسرت.
هاي أول مرة بحياتها أحد يعنفها ... أول مرة تنحط بموقف تخاف بيه.
و هاي النوعية من الأطفال ... تتأذى نفسيته أكثر من الألم الجسدي.
قيس طول الوقت يسأل عنها.
مرة يكتب:
- نامت ؟
و مرة:
- بعدها تبچي ؟
و ريّا ترد عليه:
- اي ... ما تقبل تعوفني.
آخر مرة كتب:
- جيبيها و تعالي للبلكونة.
مشت لباب البلكونة الي بصالة الطابق العلوي، تءكرها مكان محد يجي له، رغم إطلالته حلوة.
طلعت بهدوء ... و رهف بعدها متدحسة بحضنها، راسها مدفون بصدرها و إيدها الصغيرة لازمة قميصها.
أول ما فتحت الباب ...
وقفت لحظة.
و البلكونة ما عادت مجرد بلكونة.
مرتبة هالمرة.
قنفة خارجية بلون فاتح ... إضاءة صفراء خافتة ... سنادين زرع بأركانها ... و حتى مخدات صغار عليها.
كعدت عالقنفة بهدوء ... و رهف بعدها بحضنها مثل الكوالا الصغيرة، حتى ما رافعة وجهها.
الجو كان بارد شوية ... و صوت الليل هادئ بشكل يريح القلب.
بعد ثواني ...
انفتح الباب الزجاجي بهدوء.
قيس.
لابس دشداشته النص ردان ... و شعره بعده رطب مبين توه غاسله.
أول ما شاف رهف ... وجهه رقّ فوراً.
بس ما حچى.
تقرب بهدوء ... و بدل لا يكَعد يم ريّا ...
نزل مقرفص عالأرض يم رجليها.
صار بمستوى رهف بالضبط.
ظل ثواني يتأملها و هي ضامة وجهها بصدر ريّا ... بعدين مد إصبعه يداعب رجلها الصغيرة:
- هاي مني الزعلانة ؟!
رهف تشنجت أكثر و دفنت نفسها أكثر بحضن ريّا.
قيس سوا نفسه ما انتبه،
رجع داعبها:
- هاي شكثر زعّولة !!
رهف شهقت بصوت صغير:
- واوا ...
مال أقرب، و باس شعرها،
- فدوة لهالشعرات، ما تنطيني ؟!
هزت راسها بلا بدون ما تباوع بوجهه، و سوا نفسه انصدم،
- اخخ ليش ما تنطيني ؟!
و ردت هو بدون ما تلتفت،
- عندك ...
- بس شعراتج احلى ...
و هي تقوله،
- شعراتي واوا ...
ريّا مسدت شعرها بهدوء،
- رهوفة خلص راحت ...
بس رهف همست بقهر:
- جرتني هواية ...
قيس تنهد ... بعدين فجأة قرّب وجهه من رقبتها و قال يسايرها،
- وينها هباوي هاي، خل اعضها ...
رهف سكتت.
رجع كررها بطريقة طفولية،
- أروح اگوللها عيب عليج، هاي رهوفة أميرتي ...
هنا رهف ثانية و ضحكت بصوت من حضن ريّا و تباوع له بعين وحدة مطلعتها.
قيس فوراً التقطها.
وسع عيونه بتمثيل:
- هااا ! ضحكت ؟! لا لا لا ... هاي مو رهوفة الزعلانة.
رهف حاولت تضم وجهها أكثر ... بس ضحكتها طلعت.
قيس هنا مد إيده بسرعة و سحبها من حضن ريّا لحضنه غصباً عنها.
شهقت بخفة ... بس أول ما ضمها و رفعها لفوق، انفجرت ضحك أكثر.
باس خدها بسرعة:
- هااا هاي بنيتي ... هاي الحلوة الأميرة.
و ظل يداعبها و يبوسها،
- فدوة لهالضحكة ... فدوة لعيونها ... فدوة اغدي للزعلانة.
رهف أخيراً لفّت إيديها حول رقبته.
قيس هدى شوية ... و ظل يمسد شعرها بهدوء،
- أميرتي ...
هزت راسها،
- هباوي شتصيرلج ؟!
سكتت، و كمل،
- اختج الزغيرة.
رهف همست بعناد طفولي:
- ضربتني ...
- اي صح، و غلطانة ... بس الأخوات يتكاونن عادي.
رهف صفنت بيه.
و عدل لها حتى تفهمه،
- يتعاركن بابا الاخوات يتعاركن ... مو رغودة و ريّا هم ؟
و هي تأكد له،
- اي هواية ...
باسها يقول،
- عادي بابا ... تعرفين عمو زياد ؟!
و هي تسأله،
- هذا بوسني هواية ؟!
و هو سوا نفسه متفاجئ،
- يبوسج هواية ؟! باجر اجر شعره ...
و هي تسأله،
- هو اختك ؟!
ضحك قيس بصوت يصحح لها،
- اي اخوي ... البنات يكَولن اختج، و الولد يكَول اخوك ...
و كمل لها،
- يعني هسة هذا عمو زياد اذا يبوس رهوفة هواية اجر شعره، بس هو اخوي ...
و هي ترد له،
- لا خطية اواه ...
باسها يقول،
- و انتي و هبة ... هسه تكاونتن ... و باجر تلعبن سوا و تضحكن سوا.
رهف بعدها ساكتة.
قيس ابتسم،
- و بعدين إذا واحد يزعل هباوي منو يرضيها ؟!
رهف فكرت ثواني ... بعدين همست:
- اني ...
- و انتي اذا زعلتي ؟!
التفتت عليه بعينها الدامعة:
- انت ...
ضحك بخفة ... و ضمها أكثر:
- اي بابا ... اني.
ريّا ظلت تراقبهم بصمت.
طريقة احتوائه إلها ... صبره ... و كمية الأمان اللي يعطيها للأطفال بدون ما يحسون ...
شي يخلي القلب يرق بالغصب.
رهف أخيراً ارتخت بحضنه ... و خدها استقر على كتفه بنعس.
قيس خفض صوته أكثر،
- خلص راحت الزعولة ؟!
هزت راسها بخفة.
- نحب هباوي لو لا ؟
رهف فكرت ... بعدين همست بنص نومة:
- شوية ...
ضحك هو و ريّا بنفس اللحظة.
قيس باس شعرها:
- هم انعم الله ...
رهف بعد ما هدت، رجعت تريد بحضن ريّا.
إيدها الصغيرة متشبثة بقميصها من الصدر، و خدها لازق برقبتها كأنها تخاف إذا ترخيه تروح منها.
ريّا ظلت تمسد شعرها بهدوء، بينما قيس جلس لجنبها ساعده مستند على القنفة و عيونه كلها على رهف.
بعد فترة، تنهد بخفة و قال بهدوء:
- رجنت متوقع تصير سوالف غيرة بينهن.
رفعت ريّا عيونها عليه:
- من هبة ؟
هز راسه:
- اي ... هي حتى من بنات زياد تغار لو لاشيتهن، مو عاد احد غيرها يكَلي بابا.
سحب نفس و كمل،
- بس بلمح البصر غافلتني و عتت شعر رهف.
رهف أول ما سمعت الكلام عن شعرها عبست و رجعت دفت وجهها أكثر بصدر ريّا تشتكي بصوت ناصي،
- واوا ...
ضحك بخفة و مد إيده يمسد شعرها بحنيّة،
- بابا اخلصت، بس الواوا مالتج تظل يوم ؟!
ريّا ضمتها أكثر، و نبرة القهر بعدها بصوتها:
- انقهرت عليها ... بعمرها محد ماد ايده عليها.
رفع عيونه عليها بهدوء،
- لأن رهف ترفة و مدللة ... ما تعرف شنو يعني طفل يغار و يضرب، هين الجهال مشيطنين.
ابتسم بخفة،
- هبة سوت هالحركة كَبل سنة و توبتها منها، عتت بنت زياد هالشكل من حضني، و كل ظني ما تسويها بعد، بس اثاري البنوات من تغار تنعمي.
سكت لحظة و كمل:
- هي اعرفت بابا زعلان.
مال براسه على رهف،
- هاي هم مدللة و فجأة شافت جهيل مشيطنة.
ظلّت ريّا ساكتة تمسد ظهر رهف ببطء، و قالت،
- ميخالف قيس لا تقسي عليها ... زغيرة كلش.
- لا ما اقسي، بس هي منا لباجر تعَرف راح تظل عيني عليها، من اشوفها ردّت تتصرف عدل تعَرف بعد ما زعلان.
قيس تأملها ثواني و كمل بهدوء،
- باجر تلكَيهن يلعبن و يركضن سوا و ناسيات السالفة كلها.
تأمل رهف الي شبه نامت، أشر لها تعدل وضعها،
- نوميها عدل، كَامت تغفّي.
مددتها ريّا بحضنها بدل الوضعية الأولى.
هو تأملهن و قال،
- ريّاوي ... تكَدرين تحتوين هبة ؟!
رفعت عيونها عليه،
- شلون يعني ؟
صفن يقول،
- دحكَي هبة ربت بدون أم، صح امي و نورا وياها وياها، بس ما بعمرها كَالت ماما لأحد. امي جدة، و نورا نورا، نوبات عمة ... ما مكَصرات بشي هن يشهد الله، تني بليّاهن ما اكَدر اربيها لوحّدي ... بس من هي زغيرة تربت تربية اول، مثل ما امي ربتنا، ربتها، و جيل هالوكت يختلف.
تأمل رهف يقول،
- دحكَي رهف معلّمة على حضن و دلع أم و تدحكَيها هالشكل ترفة ... هبة محد يدللها هالشكل غيري و اني مو كل الوكت هين ... صارت البنية شوي عنيفة، و نوبات تتصرف بعدوانية، و كبرت، صارت تفتهم و لمن تسمع احد يكَول ماما، تسألني وين امي ؟! و هسّع بالها وية رهف عدها ماما ...
تأملها مبتسم و مال يقول،
- انتي نبع حنان ... تكَدرين تنطين لبنتي شوية منّو ؟! حت لا كل الحنان يروح لهاي الفصعونة و ذيج تظل تدحكَ عليها من بعيد.
ابتسمت بعيون مدمعة،
و هو أول ما شاف الابتسامة، استغلها فوراً:
- و ان شاء الله السفارة البريطانية ما تعَرف بينا عنّفنا بنتهم هين ... الا بعد لا اشوف لندن ولا عيون الحبيبة.
ضحكت رغماً عنها:
- قيس !!
و هو ضحك وياها بصوت ناصي حتى لا تحس رهف،
- لا صدكَ، هاي اذا تعرف السفارة لو الخارجية البريطانية، باجر يدزون بيان:
" استدعاء عاجل بسبب عت شعر مواطنة بريطانية."
ضحكت أكثر هالمرة، و حتى رهف حركت أجفانها، حست عليهم، و رجعت تنام.
قيس ابتسم لها،
- جعلني فدوة لهالضحكة الحلوة.
ابتسمت تقولّه،
- اسم الله حبيبي ...
رجعت ظهرها للقنفة تريحه من ثقل رهف بحضنها، كان قريب هو ماد إيده على القنفة أصلاً و مالت براسها على كتفه صافنة بالفراغ، بأصابع يمينه داعب خصلات شعرها يسأل،
- وين صرتي ؟!
همسة تتأمل عيونه،
- حبيبي لا تعلق هبة بية.
صفن بوجهها و بلع ريقه يقول،
- ما تريدين ؟!
غمضت عيونها تهز راسها،
- لا لا ... مو متعاجزة منها لو أستثقل الموضوع، بالعكس.
سحبت نفس عميق و كملت،
- اني الله خلاني أم من عمر زغير، أكذب عليك لو اكَولّك سهل الموضوع، و اذا ربيت طفلة من عمرها ساعة،
و دنكَت لرهف بحضنها،
و كملت،
- لما كبرت هسة و صارت اكبر من حضني ... ما راح اتعاجز من هباوي ...
رفعت عيونها إله تقول،
- بس هبة أصلاً فاقدة أمها، اذا علقتها بية، و اني ورايا سفر ... هاي الطفلة راح تنكسر، و اني ما عندي قلب يتحمل اسوي هيجي بيها.
تأملها بنظرته الحلوة، و إيده مسدت وجهها يقول،
- شهالكَلب العندج !! هو ينلام سلمان لو كَال كَلبها اذهبة ؟!!
ابتسمت له تهمس،
- انت زرعت و جاي تحصد حبيبي ...
و هو رفع حواجبه من المنتصف، و عيونه تتأمل شفايفها و الي تنطق بيه شفايفها، و همس،
- صرتي تحَجين امثال اهَلج ؟!!
ضحكت بخفة تقول،
- شوية شوية، حتى ما تعيبون علية بعد ...
و هو مال باس طرف شفتها يقول،
- يول ابوس التحجي مثل اهلها ...
ضمت رهف أكثر لحضنها و همست،
- لا تحس ...
دقايق مرت بهدوء ...
الهوا بيه نسمة برودة خفيفة يدخل للبلكونة،
ثقل جسم رهف أكثر بحضن ريّا، و أنفاسها انتظمت.
قيس تأملها و قال بصوت هامس،
- نامت.
هزت ريّا راسها بخفة.
وقف بهدوء و سند إيده على طرف القنفة:
- جيبيها اخليها بفراشها.
ضمتها ريّا أكثر فوراً و هزت راسها،
- لا ... رغد نايمة، اني اخذها ...
نزلت عيونها على رهف و همست،
- و هاي لازم بالحضن للصبح.
تأملها ثواني ... هي و الطفلة المتشبثة بيها بنفس الطريقة.
و نبهها،
- علميها شوي شوي تنام بليّا حضن حبيبي، ما يصح و هي اكبرت.
نهضت نفسها بصعوبة من ثقل رهف بحضنها، سندها و قالت،
- اي والله صايرة ما أكَدر اشيلها ...
سكتت لحظة، بعدها رفعت عيونها عليه و قالت بنبرة صادقة دافية:
- شكراً ...
عقد حواجبه،
- على شنو ؟
- لأنك رضّيتها ...
و ابتسمت له،
- و خليتها تنام.
نظراته لانت أكثر، و قرب يمسد شعر رهف بحنان:
- بيجن خير و تدللن ...
بعفوية عدل ثوبها، يقول،
- يلا نامن هسة، باجر يومج طويل وية هالجيش.
ضحكت بخفة.
و قبل لا تدخل، همستله:
- تصبح على خير حبيبي.
ابتسم لها نفس ابتسامته الهادئة و مال باس خدها،
- على مثله و اخير يا بعد اهلي ...
ثاني يوم لما اجت تنزل للفطور، كانت تمشط شعر رهف،
- رهوفة ماما اليوم نلعب وية الاطفال حلو.
و هي بس هزت راسها.
خلصت ريا ترتيب شعاها و دارتها عليها،
- احنا هسة ما زعلانين وية هباوي صح ؟
و سألت،
- هي ما اسوي واوا ؟!
مسدت على شعرها تقول،
- بابا شنو كَال ؟!
هزت راسها تقول،
- اختي ...
توها خلصت كلامها، و انفتح باب الغرفة سنتيمترات، لوهلة ظنته انفتح لوحده لأنه ماكو احد وراه، لحد ما لمحت عين بكستوى رهف تباوع لهم من فتحة الباب الصغيرة.
هبة ...
ابتسمت لها ريّا،
- تعالي هباوي ...
و دخلت بخطوات خجولة،
- اجي خالة ؟!
و ريّا فتحت ايدها مبتسمة،
- تعالي حبيبتي ...
تقربت هبة من ريّا الي لفت ايدها على كتفها تقول،
- صباح الخير ...
و هبة ردت خجلانة،
- صباح الخير ...
و عينها على رهف تسأل،
- نلعب ؟!
و رهف صفنت لثواني تسألها،
- ما سوين واوا ؟!
و هبة مدت اصبعها الصغير تتصاحب،
- ما اسوي ...
رهف صفنت على الحركة، ما تعرف و أشرت لها ريّا،
- يلا سوي مثلها ...
و تصاحبوا و نزلوا ...
و هنا تطمنت، انحلّت مشكلتهم و راح يهدأ البيت.
العصر ... صوت سيارة وقف بباب البيت.
نورا أول وحدة انتبهت، تركت الي بإيدها تقول،
- هاي خلود اجت ...
و خلال ثواني، البيت كله تحرك.
أم قيس طلعت بسرعة للحوش، و رهف ركضت وراها بحماس، بينما ريّا وقفت بمكانها مرتبكة شوية.
هي شايفة خلود مرة وحدة قبل ... زيارة قصيرة جداً بعد وفاة أبوها، و بعدها اختفت تماماً.
سمعت صوت الباب الخارجي ينفتح ... و صوت امرأة تضحك بصوت مسموع ...
- شلون كيفج يمّة ؟!
حضنت أمها بسرعة، وراها طفلين بعمر عشر و تسع سنوات تقريباً داخلين بحماس، واحد يحضن جدته والثاني يركض للصالة يستكشف البيت.
خلود بعدها التفتت بسرعة تدور بعينها ... و أول ما شافت ريّا، هدت ابتسامتها شوية،
تقدمت إلها مباشرة.
كانت أطول من نورة بشوية، شخصيتها تدخل المكان قبل صوتها، و ملامحها بيها نفس حدّة قيس بس بطريقة نسائية واضحة.
- السلام عليكم.
- و عليكم السلام.
حضنتها بخفة و قالت فوراً:
- هلا بريّاوي شلونج حبيبة ؟!
و ريا بادلتها الحضن،
- الحمد لله بخير، عساج بخير.
- بخير يا كَلبي، يول ما اجيت علن ابن خال رجلي توفى كَبل مهركم بيوم.
ريّا ابتسمت بأدب،
- الله يرحمه ... لا أبد، معذورة والله.
خلود تنهدت:
بس عرسكم ما أفوته إن شاء الله.
ابتسمت ريّا بخفة:
- لازم تجين.
خلال هالكلام، أولاد خلود كانوا يتحركون بالبيت بحرية، يدخلون الصالة، يطلعون للحوش، يركضون للمطبخ.
و بهاللحظة ... ريّا انتبهت لأول مرة لنظرات خلود.
مو نظرات عدائية، بس مراقِبة لكل شي بالبيت ...
و خاصة عليها و على البنات ...
و ترجع تنظر لأولادها.
دخل قيس من الباب بعدها بدقايق، و البيت انقلب هوسة.
- هااا ابو هباوي و أخيراً تذكرت عندك اخت !!
صرخت خلود و هي تضربه على كتفه.
ضحك قيس و حضنها:
- يول هو انا وين شايف دربي، مشتاكَلج والله ...
باسته تقول،
- المشتاكَ يعَرف الدرب ...
و هو باس راسها يقول،
- حكَج عليّ والله ...
ضحكوا، و أودلاها تقربوا يسلمون على خالهم، سلام رجال، و هو يطبطب على ظهرهم يقول،
- خالي صايرين زلم ما شاء الله ...
البيت صار مليان أصوات ... بيت زياد و ببت أسامة تجمعوا ... أم قيس بالمطبخ ... نورا تسولف، هبة تلحق الأطفال ... و قيس بين الكل، مرة يشيل هذا، مرة يرد على ذاك.
أما ريّا ... فظلت تتحرك بهدوء بيناتهم.
كل ما التفتت، تلقى عيون خلود ترجع عليها للحظة ... ثم تنزل على ثيابها أو شعرها.
شي خفيف ... بس مزعج.
بعد شوية، الكل تفرق، الأطفال للحوش. قيس ويا أولاد أخته، نورا تسولف بالصالة.
و أم قيس صاحت،
- يمة يا بنات العشا مو يبطي.
ظلت ريّا وية سارة و نورا و رغد متجنبة الزحمة ... أم قيس مجهزة جدور العشا برا أصلا، الطبخ مو بالمطبخ عدا الدجاج الي مالي الفرن.
سارة طلبت منها تجيب كاسات طرشي إضافية و كانت تقول انها بمعرض بغرفة ام قيس ...
مشت ريّا بهدوء، و دخلت الممر المؤدي لغرفة أم قيس،
بس قبل لا تدخل ... سمعت صوت خلود بالداخل.
نبرة تبين طبيعتها، وحدة متعودة تعتبر رأيها طبيعي ينقال،
- يمة ولدي ما معودين على هالسوالف ... و اخوتي زلم ما يصح هالشي.
ردت أم قيس بنبرة هادئة:
- يمة البنات ما محجبات أصلاً.
- اي بس هسة هن بهذا البيت، مو المفروض اكو قوانين ؟!
ريّا حسّت جسمها برد.
خلود كملت:
- يعني اني ما قصدي شي، بس هاي هين ناس طابة طالعة، و البيت كلو زلم.
أم قيس هالمرة نبرتها تغيرت،
- خلود ... البنية الجبيرة حرمة اخوج، لو اخوج عندو شي يحچي هو، احنا مالنا غرض.
- يمة اني جاي احچي عبن ولدي صاروا زلم ...
- ولدج جهال يمة مو حجة هاي، و البنوات جايات من غير مكان، لا تخشنين الكَلوب عليج من اولها.
سكتت خلود ثواني، بعدها قالت منزعجة،
- والله مادري، هذول يم عيالي ما يشوفون هيج شي !!
- احنا هين مو عيالج، كلمن يمشي برايو، سدّي السالفة عاد.
سكت المكان بعدها.
أما ريّا ...
فظلت واقفة برا الباب، إيدها باردة على المقبض.
ما قادرة تستوعب.
هي من وصلت تحاول تراعي كلشي، لبست عباية من تطلع، صارت تنتبه على لبسها أكثر، تحاول ما تضايق أحد.
و رغم هذا ... طلعت "غلط" بنظر أحد.
بلعت الغصة بسرعة و رجعت للمطبخ بدون صوت.
دخلت، و وقفت الكاونتر، و سألتها سارة،
- ها ما لكَيتيهن ؟!
و ردت بكذبة بيضا،
- الباب مسدود، مادري منو هناك ...
و سارة قالت و هي تمشي،
- يول لا تستحين، خل اشوف اني.
رغد كانت تضحك ويا رهف:
لاا مو هيچي!
أما ريّا ... فظلت ساكتة.
دخل قيس و الأولاد يلعبون بكل مكان،
ما حسته غير وراها يقول،
- هذن ردّن تصاحبن ؟!
التفتت له، بنظرة عادية و عينها على البنات، رهف تركض ورا هبة،
- اي تصالحوا الصبح ...
و سكتت تكمل الي بإيدها ...
و تحاشت النظر بعيونه، تعرفه لو باوعلها بنظرة لعيونها، راح يحس فوراً إنه شي بداخلها انكسر.
الليل ...
البيت هادئ أخيراً بعد يوم طويل.
أصوات الأطفال خف ... و الأنوار بالصالة طفت وحدة ورا الثانية.
ريّا كانت جالسة بالغرفة، تقلب كتاب بدون ما تقرأ حرف. من العصر و هي مخنوقة.
سمعت تلفونها يهتز.
قيس:
- تعالي للبلكونة مشتاكَلج.
سكنت للحظة ...
رغم كل شي ... هي مشتاقتله.
اشتاقت لصوته الطبيعي قبل لا يضيعون بزحمة البيت الكبير.
تنهدت، عدلت بجامتها، و طلعت.
كان واقف بالبلكونة، لابس دشداشة بيت، و متكي على محجر البلكونة،
أول ما شافها ... اعتدل فوراً.
و ابتسم ابتسامته الهادئة الي دائماً تضعفها.
- هلا بريّاوي ...
ما ردت غير بابتسامة خفيفة.
تقربلها ببطء ... عيونه تتأملها بمحبة واضحة.
- شبيج تعبانة ؟
- ماكو شي.
رفع حاجبه يعرفها تكذب، مد إيده أخذ إيدها و باسها بخفة،
- لا، بيج شي.
سكتت، و لما طالت نظرته ينتظر ردها قالت،
- جان يوم طويل بالبيت، ما متعلمة هيجي.
هو ظل يتأملها ثواني، ثم قال بهدوء محسوب و هو ضمها لصدره و طبع بوسة على شعرها يسأل،
- تعبانة ؟!
حاوطته هي الأخرى تستكين على صدره بعد تعبها و همست،
- مشتاقتلك.
مسد بإيده على شعرها و ظهرها يتمتم،
- يخسى الشوكَ ... يخسى ...
سكت شوية و بعدها عن صدره، إيده على ظهر القنفة و هي جالسة لجنبه و سألها،
- جثير تعبانة ؟!
أومأت له، و رد،
- نامي زين من تردين للغرفة، و لا تكَعدين من غبشة لو تتعبين روحج، البنوات معلمات على اللجّة بالبيت، انتي محد عاتب عليج.
سكتت تحس فعلاً كلامه هو الأصح، و بعد شوية قال،
- حبيبي ... اريد احچي وياج بشغلة.
هنا قلبها انقبض ما تعرف ليش،
- شنو ؟
تنهد بخفة:
- هالفترة البيت مليان ناس ... و طلعة و طبة ... و كَلت يمكن احسن تحطين شيلة خفيفة على راسج.
رفعت عيونها عليه مباشرة،
و بهاللحظة بالذات ... كل شي فهمته.
خلود.
خلود حچت ... و هو إجى ينفذ.
انسحب لون وجهها شوية،
سحبت إيدها من أيده ببطء و سألت فوراً:
- هالشي انت تريده ... لو خلود ؟!
انصدم من السؤال،
- شنو ؟
- جاوبني ... هذا انت تريده لو اختك ؟!
قطب حاجبه:
- خلود حچت وياج ؟!
ابتسمت ابتسامة قصيرة، مكسورة،
- لا ... بس واضح حچت وياك.
- ريّا ...
قاطعت كلامه بسرعة:
- معقولة أي حچي ينحچي عليّة تمشيه بلسانك ؟!
- لا تبالغين.
- أبالغ ؟! قيس اني من اجيت لهنا شنو سويت ؟ غيرت لبسي كله تقريباً ... صرت ألبس فساتين محتشمة حتى ما ألفت نظر، لما گتلي حطي عباية و شيلة بالبستان حطيت ... حاولت أراعي كلشي لأن هذا مجتمعك و اهلك و احترمهم، و احترمك.
كانت تحچي و صوتها يهتز أكثر شوية شوية،
- بس معقولة توصل بيك تخلي كلام غيرك يمشي علية ؟!
- رياا ...
- يعني إذا نزلت باچر مثل ما هي تريد، تفرح انها مشت كلمتها علية عن طريقك ؟!
هنا نبرته تغيرت لأول مرة.
مو عصبية ... بس إثبات حدود،
- ريّا ... عيب هالحجي يابا، مو اني الزلمة الجلمة توديه و الاخرى تجيبو ...
سكتت تنظر له و دموعها تلمع بعيونها،
كمل بهدوء:
- كَبل البيت فارغ، هسع البيت مليان اوادم و طلعة و طبة. و اني جاي احچي عن هالفترة بس.
- بس اني ما محجبة قيس.
- أدري ما محجبة.
- و مو شي سهل علية كل شوية أغير بنفسي أكثر حتى أناسب الكل.
سكت.
و لأول مرة انتبه ... إن الموضوع بالنسبة إلها مو حجاب،
الموضوع إنها تحس شخصيتها تنمحي شوية شوية حتى ترضي الجميع.
همستله بوجع:
- لو انت طالب هالشي قبل لا أسمع كلام خلود ... جان يمكن فكرت، بس هسة؟ لا.
حرك راسه بضيق خفيف.
- عليش عود ؟ الحجاية مو سمعتبها مني ؟!
هزت راسها "لا"،
- لأن مو من حق أحد يدخل بينا ... اختك على عيني و راسي ... بس مو من حقها تتحكم بية.
سكت قيس.
و هنا دخل بصراع بداخله، بين كلامه الي يشوفه منطقي، بس بنفس الوقت شايف دموعها تحارب حتى ما تنزل.
شافها تدور وجهها حتى تخفي عيونها.
و هنا قلبه ذاب، و صراعه ذهب هباءً مع الريح.
تنهد ... و قرب منها بهدوء.
- تعالي هين.
- لا.
مد إيده و سحبها برفق لحضنه رغم مقاومتها الخفيفة.
- لا تعاندين يابا ...
- مدا أعاند.
- إلا دا تعاندين لأنج مجروحة ... مو لأن الموضوع نفسه جبير.
سكتت.
ضمها أكثر و همس فوق شعرها:
- اسمعيني زين ... اني لمن أطلب منج شي، أطلبه لانّو شايفو صح، و لا تظنين ابدد اني خرخاشة بيد احد و يحركني عليج ... لو شفتي هالشي بعينج بيوم، ساعتها تعالي و اگفي جدامي و حاسبيني، مو تفترضين سوالف، و تسكتين و تنكسرين هيچ، و لمن احجيلي حجاية تطلعين ضامتهن.
شهقت نفسها بصعوبة.
هو حس بيها فوراً.
رفع وجهها بإيده، و نبرته هدت بالكامل:
- لا تظل تظنين انتي عجينة و لازم تتشكل بشكل تا تناسب المكان، هاي مو نيتي، و اني احبج لانّج ريّا ... بس حبيبتي اكو أمور اني لانّو احبج احجيلج بيها، سوالف حبايب، لانّو ما اريد العين تتسلط عليج.
دمعتها المعلقة نزلت أخيراً،
و هنا انتهى كل عناده، و نقاشه.
باس جبينها و قال بهدوء:
- هذا هو، لا تبجين ... هالفترة إذا تضوجج السالفة لا تلبسين شي بالبيت، و أي أحد عندو حچي ... يجي يحچيه إلي.
بقت بحضنه ... بس مو نفس كل مرة.
مو حضن دلال و أمان كامل هالمرة.
حضن وحدة تعبت من فكرة إنها كلما ترتاح للمكان ... يطلع شي يذكرها إنها مو منهم بالكامل.
قيس حس بيها مباشرة.
حس إنه جسمها مرتخي عليه ... بس مو استسلام راحة.
استسلام تعب.
بقى ضامها ساكت، و إيده تمسد ظهرها ببطء، ينتظرها تهدأ ... بس هي فجأة تمسكت بقميصه من صدره أكثر.
و بهالصوت المبحوح الي يطلع منها بس لمن تنكسر صدگ، همست،
- تعبت قيس ...
نزل راسه فوراً:
- من شنو حبيبتي ؟!
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة.
- من محاولة اني اغير من نفسي حتى اناسب كل شي.
سكت.
لأن هاي الجملة حقيقية جداً ...
كملت و هي بعدها بحضنه، ما قادرة حتى ترفع عينها:
- كل مرة اكَول بسيطة ... هاي هم بسيطة ... و هاي هم بسيطة ... بس شوية شوية احس نفسي دا اختفي.
ضمها لحضنه أكثر،
- لا تحجين هالشكل ...
- بس هذا احستسي اليوم قيس ... اليوم عرفت شكَد اني غريبة هنا. اني احب هذا البيت، بس احس نفسي غريبة كلما يجي أحد ...
- مو غريبة ريّاوي.
رفعت عيونها، و دموعها متجمعة:
- قيس ... اني حتى لمن حاولت، هم طلع مو كافي.
صفن بيها ...
هو يعرف ريّا، مو من النوع الي تطلب ترضي الناس أبداً، و إذا وصلت لهالمرحلة ... معناها الموضوع أثر بيها هواية.
مسح دمعتها بإبهامه و قال بحزم هادئ،
- خلص ريّاوي، مو حجينا و كَتلج، سوي التردينو حبيبتي، و اني بظهرج.
ابتسمت بمرارة،
- أعرف راح تصير لنا مشاكل هواية.
تنهد بضيق خفيف،
- ريّاوي ... خلود طبعها تدّخل بكلشي ... حتى بيني و بين امي تسويها، بين امي و نورا، بس مو معناته ارخي الحبل و تتحكم بيج.
- بس كلمتها وصلتلك.
هاي الجملة سكتته ثانيتين.
لأنها صح.
مو بالطريقة الي فهمتها ... بس بالنهاية وصلت.
شاف دمعتها الثانية تنزل، و هالمرة ما لحقت تمسحها،
- اني مو ضد الحجاب قيس ... ولا ضد عاداتكم ... بس ضد شعور إنه أحد ديقرر شلون لازم اصير.
نزل راسه قبّل جبينها ببطء، و همس يمسد على شعرها،
- بنيتي محد يقرر عني و عنج شي.
غمضت عيونها ... و التعب النفسي بعده واضح.
قال بهدوء:
- انتي ضجتي من حجي خلود.
سكتت هاي السكتة وحدها تكفيه يفهم.
نزلت عيونها بخجل من اعترافها،
- من سمعتها ضجت شوية، بس من رجعت سمعته منك انقهرت.
هنا قلبه هبط ...
سندت راسها على كتفه بتعب ... و لأول مرة من المغرب تحس نفسها ما محتاجة تتماسك.
بس بقت الغصة موجودة،
و همست بخوف طفولي:
- قيس ... لا تخليني اضيع بين الناس و بينك.
و كملت بغصة،
- اخاف بيوم تصير كل هاي الاصوات أعلى من صوتي.
رفع وجهها بإيده بحزم،
- ريّا يزي عاد، هاي الافكار منين تجيبيها ؟! تعوذي من الشيطان.
سحبت نفس عميق تقول،
- اني نعسانة كلش ... تصبح على خير.
ظسد على شعرها يقول،
- تنامين ؟!
هزت راسها و باسها بشعرها،
- نوم العافية ...
و تبعها بنظراته المهمومة، إلى أن اختفت من أمامه.
ثاني يوم ...
نزلت ريّا متأخرة.
مو لأنها نايمة ... بس لأنها من فتحت عيونها، حسّت نفسها ما مستعدة تواجه أحد.
ظلت فترة طويلة كَاعدة عالسرير، تاأمل الستائر تتحرك وية الهوا، و تحاول تستجمع نفسها قبل لا تنزل.
لبست ثوب بيت هادئ، مرتب كعادتها ... و نزلت.
أول ما دخلت للمطبخ، الكل كان موجود.
صوت سوالف ... ضحك أطفال ... ريحة غدا ...
و وسط كل هذا، حسّت نفسها غريبة أكثر من البارحة.
- صباح الخير يمة.
قالتها أم قيس أول ما شافتها.
ابتسمت ريّا بخفة:
- صباح النور عمة.
خلود كانت جالسة وية البنات.
رفعت عيونها لريّا للحظة ... ذاك النوع من النظرات الي كأنها تراقب كل المستجدات.
و لأن ريّا ذكية ... فهمتها فوراً.
نزلت عيونها و كملت طريقها كأنها ما انتبهت.
- ياا ريّا صاير الغدا يولي، شو لسّا نايمة ؟!
و ريّا بهدوء ردت،
- تعبانة شوية ...
خلت وجةدها عبارة عن سلام ... ردود قصيرة ... و بس.
لا مجاملة زايدة، لا سوالف، لا دفو البارحة.
حتى أم قيس انتبهت.
بالغدا، الكل كان ياكل و يحچي ... إلا ريّا.
ملعقتها تتحرك ببطء، لقمتين ... و توقف.
أم قيس التفتتلها:
- يمة خومو تعيبانة، عليش ما تاكلين ؟!
رفعت عيونها بسرعة و ابتسمت غصب:
- ما بية شي عمة ... بس ما بية حيل شوية.
- تعبانة ؟
- شوية بس عادي ...
قيس من الصبح بالدوام ... و غيابه عن الصورة خلاها تحس بنفسها فعلاً وحيدة.
بعد الغدا ...
جمعت الصحون وياهم و نورا قالتلها،
- لا تجيسين شي انتي مو تعبانة ؟!
- ميخالف نورا شوية بس ...
و هي أخذت مكانها،
- لا والله ما تسوين شي، روحي ارتاحي.
توجهت للدرج ...
أم قيس لحقتها بنظرة قلقة:
- يمة شجرالج يبعد امي ؟!
- عمة ما بية بس شوية صداع ...
و هي ردت بنبرة أم،
- ريحي يمة ريحي، ما بيج الا العافية.
و صعدت بسرعة قبل لا أحد يوقفها مرة ثانية.
دخلت الغرفة ... و أول ما سدت الباب، حسّت جسمها كله هبط.
تمدّدت عالسرير بدون ما حتى تبدل ملابسها.
السقف فوقها ... و الغصة نفسها بعدها بمكانها.
كل ما تتذكر كلام خلود ... و بعده كلام قيس ...
تحس بشي يضغط على قلبها.
مو لأن الموضوع كبير بحد ذاته ... بس لأنها من تعبت و حاولت تتأقلم ... طلعت بالنهاية "مو كافية".
ظلت تفكر ما حاسة بالوقت، راسها وجعها من التفكير ...
بعد فترة، الباب انفتح شوية،
رغد دخلت بهدوء:
- ريّا ؟!
التفتت لها بسرعة و عدلت نفسها شوية،
- ها ؟
تقربت رغد:
- ليش منعزلة هنا ؟!
- ماكو شي ... صداع.
قربت أكثر تتأملها:
- ماخذة دوا ؟!
هزت راسها بسرعة:
- اي.
رغد صفنت بيها شوية ... واضح ما مقتنعة.
بس بالنهاية تنهدت:
- زين ارتاحي، و اذا ردتي شي دزيلي.
طلعت رغد ... و رجع الهدوء للغرفة.
و بهالهدوء ... استسلم جسمها أخيراً للنوم بدون ما تحس.
ما وعاها غير إحساس دافي يمسد وجهها برفق.
حركة هادئة جداً ... تعرفها.
فتحت عيونها بثقل.
- قيس.
كان جالس يمها عالسرير، و ملامحه كلها قلق.
لثواني ما استوعبت وجوده هنا.
إلا لما انتبهت الباب مفتوح ... و وراه رغد و نورا واقفات يباوعن بخوف.
قيس أول ما شافها فتحت عيونها، تنفس براحة:
- ريّاوي شبيج ؟!
غمضت عيونها من جديد بتعب:
- ماكو شي.
- شهالصداع ؟! منيش صار ؟!
- ما ادري ...
صوته صار أهدأ:
- يابا الدنيا عصر ... شهالنوم هذا كله ؟!
استدارت بوجهها للجهة الثانية:
- عوفني انام ... اريد ارتاح.
ظل يباوعلها ثواني طويلة.
و البنات بعدهن واقفات بالباب.
وقف و التفت لهن،
- حدرن يابا... حدرن، خلنها تنام تا يهود راسها.
نزلوا البنات بهدوء ... و هو امامهم كان متجه يطلع، و بس نزلوا، غلق الباب و رجع.
هالمرة ما جلس بعيد.
صعد وراها على السرير، اتكّى خلف ظهرها، و صدره خلفها.
إيده دخلت بشعرها تمسد بيه ببطء،
- ريّاوي ... شبيج حبيبتي ؟!
و هنا ...
انكسرت.
شهقة بجي صغيرة طلعت منها،
و فوراً جسمه كله تأهب.
نزل راسه قريب من أذنها، بسرعة:
- عليش البجي يا يابا ؟!
ما ردت.
بس كتفها بدأ يرجف بحضنه.
لف إيده عليها أكثر و حاول يخليها تلتفتله:
- شو دحكَيلي ...
قاومت بالبداية ... بس لما ضغط عليها بخفة، استدارت أخيراً.
و أول ما شاف وجهها ...
عرف إنه الموضوع أكبر من الصداع.
عيونها مورمة ... و التعب النفسي مبين بكل تفصيلة بيها.
سألها بهدوء،
- هذا كلو من حچي البارحة ؟!
هنا شهقت بقوة أكبر ... و دفنت وجهها بصدره.
- مشتاقة لبابا ...
قالتها بطريقة كسرت قلبه حرفياً.
مو مجرد اشتياق ...
اشتياق وحدة حست فجأة إنها بدون ظهر.
صفن يتأمل ملامحها، و ضمها بكل قوته، و إيده ثبتت على راسها يحميها بحضنه.
و هي تبچي بصمت موجوع:
- لو بابا موجود ... محد يحسسني اني غريبة هيچي ...
غمض عيونه بألم ...
هسه فهم ...
مو الحجاب، مو خلود، مو حتى النقاش بينهم.
كل هذا حرّك داخلها خوف قديم جداً ...
خوف إنها فقدت الشخص الوحيد الي كانت تحس وراه بالأمان الكامل.
مسد شعرها ببطء، و باس راسها:
- ششش ... لا تحَجين هالشكل حبيبتي.
- تعبت قيس ... كل مرة احاول اندمج ... احاول اراعي ... احاول ما اضوج احد ... و بالنهاية احس نفسي غريبة.
هنا حس بعجز موجع.
لأن ريّا مو من النوع الي يشتكي بسهولة، و إذا وصلت لهالحالة ... فهي منهارة فعلاً.
سحبها أكثر لحضنه، لدرجة صارت تقريباً بحجره، و ظل يهدهدها مثل طفل،
- لا تبچين ... فدوة هالعيون لا تبچي.
بس دموعها كانت مستمرة.
و بين شهقاتها همست،
- بابا جان يفهمني بدون ما احچي ...
نزل راسه على شعرها و همس،
- و اني فاهم عليج يا بعد روحي، والله مو ضدج.
رفعت إيدها و تمسكت بقميصه،
- لا تخليني وحدي بينهم ...
هنا قلبه انقبض بقوة.
رفع وجهها بإيده و لأول مرة من يومين، حچى وياها بحزم حنون يشبه الأمان:
- ريّاوي انتي مو لوحّدج حبيبتي، هذول اهَلج، و اني ابوج و اخوج و زلمتج، كَولي شتريدين و تامريني أمر.
ضمت نفسها بصدره، و دموعها بللت قميصه.
لأن أول شي خطر بباله ... يعني بهاللحظة ... حسّت نفسها بدون سند.
و هاي عند قيس مو شغلة سهلة.
ضل ساكت ثواني، بس إيده ما وقفت تمسد شعرها، لحد ما هدت شهقاتها شوية
بعدها رفع وجهها بإيده بهدوء ... غصب عنها خلاها تنظر له،
عيونها محمرّة ... و ملامحها متعبة بطريقة كسرت قلبه.
تنهد، و قال بصوت هامس،
- ريّا... اسمعيني زين هالمرة.
نزلت عيونها بخجل من انهيارها،
بس هو ما خلاها تهرب.
رفع ذقنها أكثر:
- والله ... والله العظيم ... اني ما اجيت احچي وياج لأن أحد أثر عليّ.
رمشت بعينها بسرعة ...
كمل مباشرة، كأنه يريد يلحق سوء الفهم قبل لا يترسخ أكثر،
- اي ... خلود حچت، بس مو مثل ما انتي متخيلة.
سكتت تسمعله،
- من العصر اني شفت البيت شلون مليان ناس، طابة طالعة، و عيوني عليج و كَلبي ياكلني من الغيرة، ظليت افكر بيني و بين نفسي شلون نرتب الوضع بالليل.
و بالليل خلود فتحت الموضوع ... و اني سديت الحجي بلحظتها.
رفعت عيونها عليه شوية،
- كَلتلها هاي سوالف بيني و بين ريّا، و بما انها على ذمتي محد يتدخل بينّا ... لا امي ... ولا اختي ... ولا أي بشر.
سكتت.
هو حسها بعدها متأذية.
قرب جبينه من جبينها و همس:
- بس انتي سمعتي حچيها ... و من حاچيتچ فهمتيني غلط.
ارتجفت شفتها،
- لأن حسيت ...
- حسيتيني مو وياج.
نزلت عيونها فوراً ... كأنه جاب الكلمة من قلبها.
تنهد بألم.
و هاي الي وجعتج صدگ مو سالفة الحجاب.
دموعها نزلت من جديد بهدوء.
- اي ...
غمض عيونه للحظة ... و بعدها ضمها بقوة لحضنه،
- لا تعيدين السالفة براسج حتى ... اني لو الدنيا كلها تميل عليج ... أظل سندج.
شهقت بخفة بحضنه.
و هو كمل، نبرته صارت أثبت،
- تسمعين ؟ حتى لو كل هالديرة حچت ... ما اسمح لأحد يجي صوبچ.
رفعت إيدها تمسح دموعها بسرعة،
- بس اني خفت ...
- من شنو ؟
- من فكرة اني ابدي اخسرك شوية شوية ... و كل مرة يصير شي يبعدك عني أكثر.
سحبها أكثر لحضنه و باس راسها يقول،
- ريّا ... ريّا لا تكَولين هيچ.
و لأول مرة صوته يبين بيه جرح حقيقي،
- انتي من تذكرين ابوج بهالشكل ... تحسسيني اني كَصرت يم أمانتو.
سكتت.
هو رفع وجهها بإيده، و عيونه ثابتة بعينها،
- عمي الله يرحمو تعب عليجن جثير. و اني ... اني مستحيل اخليج تحسين يوم انتي أقل من احد لو لوحّدج.
دمعتها نزلت بصمت،
- بس خفت.
هز راسه بسرعة:
- لا الخوف هذا عيب و اني هين.
هاي الجملة هدت شي داخلها.
ظل يمسد دموعها بإبهامه،
- اني ممكن أقصر على نفسي ... على راحتي ... على الدنيا كلها ... بس عليج انتي؟ مستحيل.
شهقت نفسها بصعوبة و دفنت وجهها برقبته.
و هو حس شلون جسمها بدا يلين شوية شوية بعد ساعات من التوتر.
همس فوق شعرها:
- هاي البنية السبعة كلها ... و بالاخر جلمتين هالكثر تهزها ؟!
هزت راسها بحضنه،
- مو من الكلام ... من الاحساس.
- شنو الاحساس ؟
- اني غريبة.
خلى سبابته على شفتها، يمنعها من الكلام،
- اششش ... لا اسمعها منج بعد.
سكتت.
- هذا بيتج ... و هذول اهلج و ناسج، و لو احد بعدو ما يعَرف هالشي اني اعلمو.
مسد شعرها يقول،
- من جيت البنوات يكَولن عندج صداع، و امي حايسة تكَول البنية وجهها جَن مريضة.
تنفست ببطء ...
و هو انتبه لها تهدأ تدريجياً، فبدأ يسحبها للكلام حتى يطلعها من الحفرة الي دخلت بيها،
- ها ... و بعدين ؟!
رفعت عيونها بتعب:
- شنو بعدين ؟!
- يعني كل هذا البجي ... و بالنهاية طلع عندج صداع لو لا ؟!
طلعت منها ضحكة صغيرة،
ابتسم فوراً لما سمعها.
- اييي هاي ريّتي ...
غمضت عيونها بخجل و رجعت سندت راسها على صدره.
ظل ضامها لحضنه ... و إيده تمسد شعرها بهدوء، لحد ما حس تنفسها بدأ ينتظم شوية شوية
البچي خف ... بس التعب بعده بكل ملامحها.
بعد فترة، نزل راسه يتأمل وجهها و همس:
- ها يابا ... صدكَ عندج صداع لو جذبتي عل البنوات ؟!
غمضت عيونها بخجل خفيف ... و هزت راسها بخفة:
- شوية جان بس اني بالغت ...
رفع حاجبه:
- اوهوو ... ليش ؟!
دفنت وجهها بصدره أكثر:
- ردت انعزل وحدي.
تنهد ... و باس راسها بهدوء،
- لا تعيدينها.
سكتت ثواني ... ثم همست بصوت ناصي،
- بس هسة صدكَ بدا راسي يوجعني.
ابتسم بخفة:
- اي طبعاً ... هاي الچذبة ردت عليچ.
رفع إيده يمسح تحت عينها بإبهامه:
- شلون الوجع ؟ عادي لو شقيقة ؟!
رفعت إيدها ببطء و أشرت على جهة وحدة من وجهها:
- شقيقة ...
بلطف أبعدها عنه شوية حتى يگدر يطلع من الجرار الجانبي الدوا.
فتح العلبة و طلع الحبة، و مد لها كوب المي،
- هاچ حبيبي.
أخذتها بهدوء و بلعتها.
ظل يتأملها ثواني ... هاي الملامح المتعبة بعد البچي تخلي قلبه يوجعه عليها أكثر.
مد إيده و سحب الغطا، مددها عالسرير براحة، و ظل جالس يمها يرتب شعرها عن وجهها.
- هسة ماكو تفكير، تنامين بس.
ابتسمت بخفة تعبانة،
- حاضر.
انحنى عليها، غطاها زين، و طبع بوسة طويلة دافية على راسها.
و همس يم شعرها:
- نامي يا روحي ... أهم شي ما بعدو ضايج خلكج.
رفعت عيونها إله ... و هزت راسها بالنفي بخفة.
و ضحك يقول،
- هسع مال صورة و لعمج سلمان.
اتّسعت ابتسامتها و ضربت صدره،
- تريد تفضحنا ؟!
و هو باس ايدها يقول،
- اريد اعرّس يولي.
و اعترضت،
- و اذا اني ما اريد ؟!
غمز لها يقول،
- ورا هذا كلو هو شظل يا يابا للعرس ؟!!
دفعته تقول،
- ما تستحي انت والله.
ابتسم لما شافها هدت أخيراً، و رجعت تشاكسه،
- زين ... نامي هسة.
و قبل لا يبتعد، أشر عالموبايل يمها:
خلي التلفون منج. اذا كَعدتي لو عزتي أي شي دكّيلي بوكتها، تا لا يظل بالي عليج.
ابتسمت بتعب:
زين حبيبي ...
مسد شعرها آخر مرة ... و ظل يتأملها ثواني، لحد ما شاف عيونها تثقل تدريجياً.
و هالمرة ... نامت مرتاحة أكثر، لأنها أخيراً حسّته بعده سندها الي ما مال.
نزل بعد ما غطاها ... و ظل آخر شي يباوع عليها قبل لا يطفي الضوا الخافت و يسد الباب بهدوء.
اتجه لغرفته، يرمي عنه تعب يومه بالمستسفى، و نزل يتغدى غداءه المتأخر.
و أول ما دخل للصالة كل العيون التفتت عليه.
أم قيس كانت أول وحدة تسأل:
- شلونها يمة ؟!
و حتى سلمان، الي كان مشغول أصلاً، قطع سوالفه و ركز عليه ينتظر الجواب.
قيس سحب نفس هادئ و جلس،
ما بيها شي، نوبة شقيقة بس ... من تجيها لازم تاخذ دواها و تنام، خلوها ترتاح.
أم قيس تنهدت براحة:
- يمة فدوة ... لابت روحي عليها، من الصبح وجهها لونو مدري شلون من الصبح.
سلمان سأل بقلق:
- أكلت لو ما اكلت ؟!
و قيس يقولّه،
- لا تجبرونها على شي، من يهوّد راسها تاكل.
بهاللحظة رهف رفعت راسها بسرعة، واضح كانت تراقب الحوار كله.
عيونها توسعت بخوف،
- ماما واوا ؟!
التفتلها فوراً، و ملامحه كلها هدأت حتى لا يخوفها أكثر. فتح لها إيده،
- شوية راسها واوا بس نامت.
نزلت من الكرسي بسرعة و ركضت باتجاه الدرج،
- اشوفهااا.
نورا صاحت،
- رهف تعالي خليها تنام.
و قيس رد،
- لا خليها ما تسوي شي، بس تشوفها نايمة ترد.
ظلوا يسمعون خطواتها الصغيرة تصعد ركض ...
و بعد دقيقتين رجعت نازلة بهدوء أكثر، شايلة لعبتها و همست،
- نايمة ...
ابتسم قيس:
- و بابا مو يكَول نايمة !!
رجعت كَعدت يمه و ظلت تسند راسها على ذراعه ساكتة.
صار وقت العشا ...
و ريّا بعدها ما نزلت.
أم قيس قالت،
- اخذ لها عشا ...
و نطت خلود،
- اني اخذ لها الاكل.
سكت قيس لحظة ... بس بالنهاية ما علق.
صعدت خلود بصينية صغيرة مرتبة.
الغرفة كانت مظلمة إلا من الضوء الجانبي الخفيف.
ريّا كانت مغمضة عيونها ... بس ما نايمة بالكامل، من شوية وعت على نفسها.
سمعت الباب ينفتح بخفة ... و صوت خلود،
- ريّا ... ما اتّعشين ؟!
ما ردت.
تقربت أكثر، و نبرة صوتها صارت أخف،
- حبيبتي كَومي بس اكلي لج لكَمتين.
ريّا حسّت معدتها تتقلص من الداخل، مو كره ... بس تعب،،و ما عندها قوة الأعصاب للمواجهة.
فبقت مغمضة عيونها ... و سوت نفسها نايمة.
وقفت خلود ثواني ... واضح مترددة.
بعدين تنهدت بهدوء:
- الله يشافيج.
و رجعت نازلة بالصينية مثل ما هي.
اول ما شافتها أم قيس نازلة بالصينية بعد دقايق حزنت،
خلود قالت،
- بعدها نايمة.
رد قيس بهدوء،
- دواها بيه نسبة منوم، خلوها يابا لمن ما تكَعد.
و انغلق الموضوع.
بس بعقله ظل مشغول بيها.
طلع موبايله ... و دز لها.
- شلون صرتي ؟!
ماكو رد.
بعد دقايق:
- رياوي ... تاكلين شي بنيتي ؟
شاف الرسائل وصلت ... بس ما فتحتها.
بعد تقريباً ساعة ...
وصل الرد أخيراً،
- احسن شوية ... بس الضوا يوجع عيوني.
رد فوراً:
- جوعانة ؟
تأخر الرد شوية ... ثم:
- اي.
نهض مباشرة، التفت لنورا بهدوء،
- نورا يابا سويلها شي خفيف.
بس أم قيس سبقتها،
- لا يمة اني اودّيه.
قيس حاول:
- يمة خلي نورا، وين الج حيل ؟!
بس أمه قاطعته بنظرة:
- لا اريد اوايكَ عليها.
و أخذت نورا الصينية صعدت وياها،
فتحت الباب بهدوء ... و دخلت.
ريّا كانت نصف متمددة، الغطا عليها، و عيونها بعدها تعبانة من البكاء و النوم، و صداعها.
أول ما شافت أم قيس نهضت بسرعة،
- عمة لاا ... ماله داعي تعبتي نفسج.
أم قيس فوراً تقربت منها،
- لا تكَومين يمة لا تكَومين.
نورا حطت الصينية يمها،
- ريّا شلون صرتي ؟!
ابتسمت لها،
- بخير حبيبتي، عاشت ايدج، ليش تعبتي و عمتي صعدت ؟!
نورا مبتسمة،
- كل شوية نريد نوايكَ عليج و الشرطي يكَول عوفوها.
سمعت اسمها و تحركت،
- هاي طلع اسمي ... خل اروح.
نزات هي و ام قيس مدت إيدها على جبينها بحنان أم حقيقي.
- هسع شلونو راسج ؟ خف الوجع لو بعده ؟!
ريّا هدت نبرتها بدون شعور:
- احسن عمة ... بس الضوا و الصوت يأذني.
أم قيس هزت راسها بتفهم،
- اي كَال قيس، و من هيج ما خليتهن يصلن لهين، الا رهيفة غافلتني و اجت.
ابتسمت ريّا،
- عمة ليش تعبتي نفسج ؟!
مدت ايدها للصينية،
- ظل بالي عليج، يلا اكلي لكَمة تسند طولج، انتي حت غدا ما تغديتي.
مدت إيدها تسألها،
- ما تاكلين وياية ؟!
- اكلنا حبيبة، و شربنا جاي ظليتي بس انتي.
- بالعافية عمة.
و أكلت خفيف و تركت الأكل و ظلت تبرر لها انه بنوبات الشقيقة حتى معدتها تتأذى، أصلا هذه النوبة خفيفة.
خلت الصينية على جنب و ظلت تمسد شعرها،
- يمة بنيتي، احد مضيج خلكَج بشي ؟!
ابتسمت،
- لا عمة محد ...
و نزلت عيونها بسرعة حتى لا تبين تأثرها
بس أم قيس انتبهت.
همست بحنية،
- و عليش تشيلين عيونج من عيوني ؟!
هزت راسها بسرعة،
- ماكو شي ...
قربت أم قيس منها أكثر، و باست راسها نفس طريقة الأمهات،
- يمكن بعدج ما اخذتي عليّ، بس تعَرفين بية اني من اول يوم الجن هين صرتن بكَلبي، لو شي ضيج خاطرج تعالي حاجيني، و اعتبريني امج. ادري محد يصير بمقام الأم لو شما سوة، بس يشهد الله ما اشوفجن غير بنياتي.
سكتت تسمع لها و هنا نزلت دموعها و مالت لحضنها تقول،
- الله لا يحرمنا منج عمة.
و هي تبوسها و تقول،
- يبعد اهلي، يا احلى البنات ...
ظلت بحضنها دقايق، و انفتح الباب، دخلوا البنات، و ام قيس بعدتها تقول،
- يووو يولي اجت الهذرة، انتن شو اجيتن ؟!
و رغد ردت،
- عمة اشتاقينالها، فرصة انتي ماكو جوا و صعدنا.
و رهف تقربت تقول،
- جدة رياوي زينة هسة.
و هي تبوس برهف و هبة الي بجانبها، نورا أخذت الصينبة، نزلت ام قيس، و رجعت نورا و ظلوا وياها، بقانون الضوا خفيف و الصوت ناصي ...
حتى ما يخلوها لوحدها.
و مر اليوم بسلام، ما تعرف انه الايام الجاية بيها تحديات أكبر
