رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم ميفو السلطان


 رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الواحد والعشرون 

كان عامر يقف خلف المقود يشعر بشرايينه تتمزق مع كل تنهيدة تخرج من صدر ملوك كأن أنفاسها سياط تلهب روحه. فجأة وبدون سابق إنذار أوقف العربة بعنف أحدث صريرا هز أركان المكان. واستدار نحوها وجسده ينتفض غضبا ثم قبض على يدها صارخا.... 
ممكن أعرف إيه المسخرة اللي حصلت جدامي دي؟

نظرت إليه بذهول كانت عيناها غارقتين في ضعف شديد. وضعفها الحالي لم يترك لها ذرة قوة لردعه أو مجابهته. لم تنطق بكلمة بل اكتفت بالنظر إليه بنظرة خاوية. ثم مدت يدها ببطء نحو مقعدها لتنزله إلى الخلف. وركنت بجسدها المنهك وأغمضت عينيها وتركت يدها مستسلمه بين يديه  وكأنها تنسحب من واقع يجمعها به لا يعنيها ذلك المتجبر. 

اشتعل جنونه أكثر فشدها إليه مرة أخرى بعنف وهو يصرخ... 
مش بكلمك إيه.. هوا انا واجف جدامك؟

تنهدت بعمق ثم فتحت عينيها ونظرت إليه مطولا دون كلمة. استشاط غيظا وهتف بمرارة.... 
إيه.. جه الوجت اللي هتعيديه فيه من الأول يا بتاعة هتجعدي العمر كله عايشة على حنين جوزك الميت؟

لم تظهر أي تأثر ظلت تحدق في ملامحه الثائرة ببرود مميت. فصرخ فيها بصوت مبحوح من هياجه... أنتِ بتبصيلي ليه أكده ما تنطجي.. فيه إيه؟

هنا خرج صوتها ضعيفا لكنه كان يحمل نبرة موجعة قضت على ما تبقى من صموده... تعرف.. تعتبرني ميتة زي مانا معتبراك ميت.

سقطت الكلمة على صدره كالخنجر المسموم فارتد إلى الخلف بجسده خفت قبضته عن يدها.. واختلجت ملامح وجهه في صراع رهيب ليتحكم في نفسه.

وضعت يدها المرتجفة على موضع قلبه لم تكن لمسة حب بل كانت كمن يتاكد بوجود إحساس . شعرت بنبضه الهائج يضرب تحت كفه . مالت برأسها قليلا وهمست بصوت بارد يكاد لا يُسمع لكنه اخترق قلبه.. 

عارف .. دقات قلبك دي عالية قوي بس ماليهاش صوت عندي. إنت فاكر إنك كبير وجامد وعايش بس الحقيقة إنك ميت..  . ميت بالجحود والقسوة اللي واكلة قلبك لدرجة إنك مابقيتش تحس بالوجع اللي بتزرعه في غيرك انت ماسيبتش وجع تغرزه فيا وأنا معملتلكش حاجه .

توقفت للحظة وضغطت بأصابعها بخفة على صدره وكأنها تدفنه حيا بكلماتها

.الوجع مش في الضرب ولا في الإهانة ولا الحبس .. الوجع إنك كبيرنا اللي كان مفروض يغطينا بحماه بقيت إنت اللي بتعرينا. 
.. دقات قلبك دي مابتسمعش غير صوت جبروتك. إنت فاكر إن القوة في إنك تدوس على الكل.. انت قتلت الرحمة في قلبك قبل ما تقتل الفرحة في عيوننا.

الوجع الحقيقي مش إني أموت.. الوجع إني أبص في عيونك وماشوفش فيها غير ضلمة القبر. إعتبرني جثة زي مانا شايفاك بالظبط.. خيال لراجل كان ممكن يكون سند بس اختار يكون سجان.. 

ثم سحبت يدها ببطء وكأنها ترفعها عن شيء نجس وأسندت رأسها على زجاج السيارة البارد مغمضة عينيها لتتركه وحيدا مع صدى كلماتها التي نزلت على صدره كالجمر تُحرقه ببطء وهو يغلي أمام صمتها المميت.

أغمضت عينيها بتعب تام. ظل يتفرس في وجهها بقوة يغلي كالمرجل وهي في عالم آخر لا تشعر به ولا بوجوده.تلك الكلمات نزلت عليه أطاحت ماتبقي من صموده امامها. 

وضع يده على المقود ليرحل لكن عينيه لمحت ذلك الحزام المرتخي بعيدا عن جسدها الضعيف زفر بضيق وأوقف المحرك فجأة ترجل من السيارة بخطواته الثقيلة التي توحي دائما بالعاصفة.

فتح بابها بقوة جعلتها تفتح جفنيها المتعبين بذعر طفيف. حين رأته يقترب منها بوجهه الجامد. ظنت أن جولة جديدة من التجبر والتعنيف الكلامي قد بدأت فغمست رأسها في المقعد وهمست بصوت مبحوح يقطر وجعا... 
كفاية بقه منك.. إرحمني.. أنا تعبانة وموش قادرة على مناهدتك ..

تسمرت يده في الهواء وتجمدت ملامحه وكأن كلماتها كانت طعنة اخري أوقفت تدفق الدماء في عروقه. ساد صمت ثقيل لم يقطعه إلا أنفاسها العاليه. ببطء لم تعهده منه امتدت يده.. لم تكن يد الجلاد هذه المرة بل يد المحب الذي يحارب كبرياءه.

مال بجسده فوقها فحبست أنفاسها لكنه اكتفى بجذب الحزام برفق ليمرره فوق جسدها النحيل ببطء متعمد وكأنه يطوقها بحمايته لا بقيده. استقرت يده قريبا من قلبها وهو يغلق الحزام وفي تلك اللحظة.. التقت العيون.

سهمت هيا لأول مره في قربه واستكانت.. غرقت في بحر عيونه. عينه كانت تحكي عن نار لا تنطفئ وغيرة تأكل الأخضر واليابس وعينها كانت تسأل بصمت... أنت مين فيهم... الجاني ولا السند اللي كان المفروض يبقي ؟

ظلا هكذا الصمت كان أبلغ من مئة قصيدة. انسحب بهدوء وأغلق الباب برفق غريب تاركا إياها غارقة في عطر رجولته وفي حيرة أكبر.. هل هذا هو المتجبر الذي يعرفه الجميع أم أن هناك عامر آخر لا يظهر إلا في حضور ضعفها؟

استدار بصمت وقاد العربة بجنون نحو البيت. فور وصولهما نزل والتف ليفتح بابها فوجدها قد استغرقت في نوم عميق من فرط التعب. تنهد تنهيدة مثقلة ثم انحنى وحملها بين ذراعيه برقة تناقض ثورته قبل قليل واتجه بها إلى الداخل.

كانت فؤادة ونجوان ومعها عمر جالسين بانتظارهما. هتفت نجوان بلهفة وقلق...
إيه.. فيها إيه يا مري.. ده هيبقى مرار هيا وخيتها كمان؟.

تنهد عامر وهو يشدد من ضمها إلى صدره وكأنه يخشى أن تفر منه تلك الميتة التي تسكن ذراعيه وقال بهدوء... هتبقى زينة.. بس عايزة راحة.

على وقع أصواتهم استيقظت ملوك وتململت في حضنه فتنهد عامر بعمق وأحكم قبضته عليها ليدعمها. اقتربت فؤادة بوجه يملؤه الحنان وقالت... حمد الله عالسلامة.. نورتي دارك ودار ولدك يا بتي.

بقيت ملوك صامتة مشتتة في حضن عامر الذي يحميها  بينما كان هو يقف بصلابة  خلف قناع القوة. وضعها على الكرسي برفق . ابتعد خطوتين ووقف بجوارها  صامتا لكن عروق رقبته كانت تنبض بغضبه المكتوم.

اقتربت نجوان بأسى تربت على كتف ملوك وهي تنظر لعامر... حجك علينا يا خيتي والله جدي سخمط عيشة ندى وعمل الواجب وزيادة. 

في تلك اللحظة لمح عامر ندى وأختها تقفان على رأس السلم تتبادلان همسات الحقد. تحول وجهه لكتلة من جمر. صرخ بصوت هز أركان البيت... 
..... ندييييييييييييي. 

ارتعبت ندى وتشبثت بملابس أختها وكأنها تحتمي بها من إعصار قادم. نزلتا السلم بضعف وارتجاف وعيونهما لا تفارق الأرض. اقترب عامر منها بخطوات بطيئة مرعبة تسبقها هيبة الموت. وقف أمامها مباشرة وهتف بفحيح الأفاعي... عارفة يا ندى اللي يكدب اهنه ويتبلي على حد بريء يجراله إيه؟ ويضحك علي عامر الراوي كمان. 

تلعثمت ندى والدموع تفر من عينيها رعبا... ماهو.. ماهو أنا.. أنا ماكنش جصدي وكنت.. كنت متعصبة و..

لم تكمل كلمتها فقد دوى صوت صفعة قوية خرقت سكون المكان أطاحت بـ ندى أرضا لتسقط  من هول الضربة. صرخ عامر بجنون...
ماكنش جصدك كيف يعني ماكنش جصدك. تتبلي على واحدة بريئة وتسيبيها تموت وتجولي مش جصدي؟ ده أنا لو ماتت كنت هشيل ذنبها العمر كله بسببكم يا خلفة الندامة يا زباله .. فاكرين نفسكم هوانم؟ ده إنتو أتفه وأحقر من الحقاره   تخلوني أظلمها وأمد يدي عليها. 

اقتربت مها في محاولة يائسة لتهدئته وصوتها يرتجف... اهدى يا عامر.. الموضوع كبر من غير داعي حصل خير والبنت جامت بالسلامة..خلاص بقه مش جصه. 

استدار عامر كالإعصار ولم يمهلها لتكمل جملتها حتى عاجلها بصفعة أخرست لسانها وألصقتها بالجدار.. فشهقت مها من الرعب. وقف عامر يتوسطهم يشتعل غيظا وهتف بصوت كالرعد... 

إنتِ ما تفتحيش خاشمك واصل كبر من غير داعي؟ لما الروح تطلع يبقى ساعتها كبر من غير داعي؟ كدبتوا وجلتوا شتمتكم وصدجتكم وطلعت أنا اللي ماليش عجل عشان مشيت ورا حريم واطية زيكم . سحبتوني لوساختكم وخليتوني أظلم لحمي عشان خاطر شوية كدب وعفن طالع من لسانكم.. 
ثم أكمل بصوت يرتجف من شدة الاحتقار والندم .......

إنتو إيه؟ مابتخافوش من ربنا؟ تعملوا في البت كل ده وتيجوا تلبسوها توب الغلط وتخلوني أهينها وأكسرها؟  دُست عليها بسبكم وهيا أنضف من وشوشكم اللي ماليها الكدب والجرف . 

اسمعوا زين.. الكبير فيكم جبل الصغير اللي هيجرب من ملك أو يرمي عليها كلمة  هيشوف مني اللي ماشافهوش  في حياته إنتوا فاكرين نفسكم إيه.. أنا هنه الكبير والكل يمشي على العجين ما يلخبطوش وإلا والنعمة الشريفة لأكون كاسر رجبة اللي يغلط.. 

التفت لملوك التي كانت تراقبه بذهول ورغم بركان غضبه إلا أن عينه انكسرت أمام نظرتها.. اندفع عامر كالإعصار المفتقد للسيطرة وقبض على شعر ندى بعنف ليرفع رأسها إليه وهو يصرخ بوجهها وصوت عروق رقبتة بارزة من شدة الغيظ.. ٍإنتِ هتتحبسي ماهتخرجيش من الجصر واصل لمدة شهر ماتشوفيش طرف الباب إنتِ وأختك ولو رجليكم خطت بره العتبة هطير رجابكم.. غورا من وشي يا حريم ناجصة رباية ....... من اليوم ماليكمش عندي غير الحساب على كل جهرة جلب سببتوها. 

ارتجف جسد البنتين كأوراق الشجر في مهب الريح بينما أكمل عامر أمره بلهجة لا تقبل الجدال وهو يشير نحو ملوك.. ودلوقت.. رجليكم فوق رجابيكم تقدموا وتعتذروا لها ياللا.. 

كانت ملوك تتابع المشهد  بجسد مرتعش  مذهولة من هذا البركان الذي انفجر لأجلها.  قلبها الذي أخذ يدق بعنف لم تعهده من قبل ....... دقات ارتباك من صدمة ذلك العامر الذي ظهر  أمام الجميع ولم تراه من قبل  .

وضعت يدها على صدرها وكأنها تحاول تهدئة تلك الطبول التي تقرع بداخلها وهي تهمس لنفسها بذهول ....... هو عامر اللي بيعمل كدة؟ ....... عامر اللي ظلمني ومد ايده عليّ هو نفسه اللي بياخد حقي دلوقتي؟ .......
شعرت بغصة في حلقها حين سمعته يتحدث عن الذنب وعن فجرهم وكدبهم.  تجمدت مكانها وهي تشعر بشيء غريب يتسلل إلى وجدانها ..مزيج من الرهبة والامتنان والدهشة . وكأنها ترى رجلاً آخر غير الذي عرفته .. تصدق أن هذا المتجبر   يرد لها اعتبارها أمام الدار كلها في لحظة صدق لم تكن تتوقعها أبدا.

بخطوات مثقلة بالذل والقهر وتحت نظرات عامر التي كانت تتوعدهما بالموت. اقتربت ندى وأختها من ملوك. احنتا رأسيهما بكسرة لم تكن ملوك تتخيلها أبدا .

هتفتا بصوت مخنوق بالدموع والغل المكتوم......
..... حجك علينا يا ملك.. سامحينا.

ساد الصمت المكان ولم يكسره سوى أنفاس عامر الغاضبة وشهقات ندى المكتومة بينما ظلت ملوك في حالة من الذهول عاجزة عن استيعاب أن جبروت عامر قد تحول فجأة إلى درع. 

كانت ملوك في قمة إعياؤها تشعر بجسدها يخذلها وحين رن هاتفها ورأت اسم ماجد فتحت الخط وهمست بصوت واهن...ازيك  ماجد..

لم تكمل الكلمة حتى شعرت بظل عامر الطاغي يحجب عنها الضوء وبحركة خاطفة وسريعة شد الهاتف من يدها بجمود أرعبها. وضع الهاتف على أذنه وهتف بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش... 
هي تعبانة يا دكتور.. مش هتقدر تتكلم عن إذنك.

أغلق الخط ببرود بينما وقفت ملوك مذهولة تراقبه بعينين متسعتين من تجاوزه الصارخ لكل الحدود. وقبل أن تستوعب ما يحدث اقترب منها وعيناه تلمعان ببريق غامض. ثم انحنى وحملها بين ذراعيه دفعة واحدة.

انتفض جسدها بين يديه وتجمدت أطرافها وهي تشعر بقوته التي تحيط بها كانت متخبطة تائهة لا تفهم من هذا العامر الذي تبدل في لحظات من عدو لدود إلى حارس غيور.

صعد بها السلم بخطوات سريعة متجاهلا عيون أمه المذهولة ونظرات الحقد التي تشتعل في عيون مها وندي. فتح باب الغرفة  ووضعها على الفراش بمنتهى الهدوء وكأنها قطعة من زجاج يخشى عليها من الكسر.

لم يغادر بل التفت وأمسك بتلك الكيسة التي تحوي أدويتها. بدأ يتحرك في الغرفة  أخرج العلب واحدة تلو الأخرى ورصها فوق الكومودينو بنظام صارم. فتح"الروشتة   يدقق في خط الطبيب وعيناه تضيقان بتركيز شديد.

سحب قلمه الماركة من جيب قميصه وبدأ يكتب بخطه العريض الواضح فوق كل علبة... تكلم بآلية.. 
ده الصبح.. ده بالليل.. ده وسط الغدا.

كانت ملوك تراقبه بعينين تائهتين من  التعب لم تنطق بحرف كانت تشعر وكأنها في حلمٍ  هل هذا هو عامر الذي يجلدها بلسانه كل حين؟ أم أنه روح أخرى سكنت جسده الآن؟

اقترب منها وسند ظهرها بيده القوية التي شعرت بدفئها يخترق ثيابها ومد يده الأخرى بكوب الماء وحبة الدواء. هتف بخشونة وجفاء مفتعل يحاول به ترميم كبريائه الذي سقط تحت أقدام مرضها.... 
ده ميعاده دلوقتي.. خدي ومش عايز مناهدة واصل.

استسلمت له تماما تناولت الدواء من يده وهي ما زالت غارقة في صمتها وذهولها. بعد أن أعادها إلى وسادتها برفق وفرد عليها الغطاء واطمأن انها امنه تحت ذهولها. وقف لثانية واحدة جالت عيناه في ملامحها الشاحبة وكأنه يودع لحظة ضعف لن تتكرر ثم استدار مغادرا وهو يهتف ببرود صاعق.... هبعتلك نجوان.. 

خرج وأغلق الباب خلفه تاركا خلفه رائحة عطره التي اختلطت برائحة الدواء وقلب ملوك الذي بدأ يدق بعنف لا تفهمه وكأنها اكتشفت خلف ذلك الجبروت وجهاً آخر لم يحن أوانه بعد.

نزل عامر  وبينما هو يتجه للخارج يشعر أنه بجحيم سمع صوت جهوري... عااااا ماااااار.. 

توقف عامر فجأة وكأن الأرض انشقت تحت قدميه حين اخترق صوت جده الغاضب سكون المكان ليرن السؤال في أذنيه كالسوط... عملت إيه في مرت أخوك يا عامر؟

استدار ببطء وتنهد تنهيدة ثقيلة حاول بها استجماع شتات نفسه وابتلع ريقه بصعوبة وهو يرى نظرات جده التي لا ترحم يعلم أن المواجهة ستكون صعبة.. همس بصوت خافت... مافيش يا جدي.. إني كنت مفكر إنها..

ولكن الجد لم يمهله ليكمل فصرخ فيه بصوت زلزل كيانه... مفكر إيه وطين إيه؟ هاه.... مالك أنت بيها... تاخدها وتحبسها زي الكلبة والتعبان لافف على رجلها ناهشها.... أنت إييييبيه... جاحد ليه.. موّتوا الواد وعايزين تموتوا عيلته كمان؟

نزلت الكلمات على عامر كالصاعقة شعر وكأن طعنة أصابت شرفه وقيمه فتمتم بذهول وانكسار... أني موت عمر يا جدي؟ إني؟

هتف الجد بمرارة وجبروت وعيناه تفيضان بالأسى... الموت بالجلب يا بن الراوي. أنت وأخوك جلبكم متعبي حصاوي نار وحزن  ما بتعرفوش إلا الغل والحب ماهوبش جوا جلوبكم واصل. موت جلب أخوك بجهرتك ليه وجاي تكمل على مرته ليه؟ مفكر إنها مالهاش حد يا بن الراوي؟

اقترب الجد خطوة مشددا بنبرة تحمل وعيدا لم يعهده عامر منه من قبل.... لاه.. أنت تلزم حدك وتشيل يدك عن البت دي واصل. والمرة الجاية اللي ألاجيك واجف جدامها هتلاجيني إني بذات نفسي اللي واجف جدامك.. والبادئ أظلم يا عامر. 

وقف عامر مكانه صامتاً مذهولا وكلمات جده تتردد في عقله كالجرس تنهش في فكرة الرجولة والكبرياء التي عاش يحتمي خلفها. بينما كان الجد يسحب  منه سلطته عليها .اشتعلت النيران في صدر عامر ولم يعد قادراً على لجم لسانه أمام اتهامات جده فصرخ بصوتٍ يملؤه التمرد.... 
هو إيه اللي أشيل يدي؟ عايزني أسيبها طايحة أكده.ماليش صالح بمين وإزاي ...  هيا  تخصني.. . حريمي مايرمحش بعيد يا جدي.. 

نظرت إليه فؤادة بذهول وقد ألجمتها جرأته في الرد على جده. أما الجد فقد تحولت ملامحه إلى صخر صلب وهتف بصوتٍ رزين كوقع الرصاص... 

ماهياش حريمك يا عامر ولا هتتسمالك حرمة واصل... دي حريمي إني يا عامر مش حريمك.. أوعى لحالك واعرف مجامك. أنت آه كبير وواعر بس مش هتكبر على جدك فارتدع بدل ما أرجعك بطريجتي.. هاه. 

اقترب الجد منه خطوة وعيناه تلمعان بصدقٍ جارح... وطايحة... أيوه تطيح.. كنت سألتها طايحة ليه؟ إني جبت بت الجزمة اللي اسمها ندي وجرت بكل حاجة.. عرفت إيه اللي حوصل؟ هجمت على خيتها الغلبانة هرتها ضرب ولما نزلت جالتلها يا رخيصة.. أنت ترضاها ياللي بتجول حريمي؟ لاه.. ويتلموا عليها يعجنوها ليه؟ فاكرينه بيت متساب ملوش راجل؟

سكت الجد ليلتقط أنفاسه الغاضبة ثم تابع بسخرية لاذعة... ولا جه الراجل.. ماسمعش واقف زي الأهبل الدلدول.. ينملي زي الزمبلك ويمشي ورا اللي يوزّه بس عشان بيكره ومابيعرف يحب.. 

هتف عامر بحدة وقد بلغت القلوب الحناجر... يا جدي كفاية...  إني.... 

قاطعه الجد بصرخة هزت أركان الدار.... انت ماتنطقش ولا تفتح خشمك.. لما تقف قدامي تكتم. ولما أجول كلمتي تاخد الكلام وتحطه مداس على راسك يا كبيري.. ياللي هتحكم بين الرواية.. حتة عيلة لعبت بيك الكورة يا كبير الناس.. وهزأت نفسك وهزأتنا وفضحتنا وكنت هتموت البت. وإني جاعد نايم طيشة؟ راجل هفا.. كل واحد يعمل مابدا له في دار مافيهاش راجل؟

ختم الجد كلماته بنبرةٍ تقطر مرارة 
أشاح  بوجهه عنه في ازدراء تام وكأن رؤية حفيده باتت تثقل كاهله، ثم أكمل حديثه بنبرة باردة كالثلج .......

ويكون بعلمك إني اتفجت على دار ليها تجعد فيها وماحد فيكو عاد هيلمح توبها واصل .......

هوي قلب عامر وجحظت عيناه وشعر بأن الأرض تميد من تحت قدميه فكلمات الجد لم تكن مجرد تهديد بل كانت حكما بالإعدام على وجوده في حياتها ....... 

هبَّ عامر من مكانه والشرر يتطاير من عينيه، وصاح بقسم زلزل أركان المندرة .......
#########

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

ما إن قال الجد انه سيأخذ لملوك دارا اخري حتي هبَّ عامر من مكانه والشرر يتطاير من عينيه، وصاح بقسم زلزل أركان المندرة .......

على جثتي يا جدي البت دي مش هتطلع من الدار.. 

صمت الجد لبرهة ثم استدار ليرمقه بنظرة خذلان مريرة وتابع .......

ليه ماتطلع ليه... جول مالك اتنفخت واتمطعت اكده... خايف العبدة وابنها يخرجو من تحت طوعك.. عشان تعمل فيها سيد وتجعد تتكبر وتهين..

 عندها حج البت لما دخلت تسأل فين الكبير اهنه..... طلعت عندها حج مافيش كبير ....... كله بيعض في بعضه. عارف يا عامر أنا النهاردة بجولها حجك عليّ يا بتي الدار ما عادش فيها كبار الدار بقى فيها ديابة بياكلوا في بعض .

ساد صمت مطبق وقف فيه عامر مطأطئ الرأس يشعر برهبه وخوف . تجلده كلمات جده التي لم تترك فيه موضعا سليما وكأن كل كلمة هي سوط يهوي على كبريائه المذبوح .بينما كانت الحقيقة المرة تتكشف أمامه كاملة . لقد كان أداة في يد الحقد والغل واليوم يحصد ثمار ظلمه تحت أقدام جده.. الكبير الحقيقي الذي لقنه درساً لن ينساه.

أكمل الجد حديثه وهو يشير بإصبعه في صدر عامر بحدة... إنت اييييه مالك بيها؟ أنت إهنه زيك زي ولدها ماتتحكمش ولا تجول.عمر عمر الراوي لو حبست أمه يبقي تحبس امك يابن فضل.. هنت أمه تبقي تهين امك يابن فضل.. تجدر تعمل اكده تجدر والا انت ابن فضل سعفان الراوي وعمر ابن حرام.. 

لاااا فوووووج.. عمر ابن عمر فضل الراوي... سابلي أمانه وهو بيموت.. اصونها بروحي وانهش اللي جدامي عشانها.. انت جادر تدافع عن حالك.. وماهنش عليك تدافع عن لحم أخوك.. عيلة الراوي نسوانهم ينصانو جبل رجالتهم.. دي أم ولدنا اللي له مجام كيفك بالضبط هتأكلها وتنهش فيها؟ والنعمة اكل جلبك... 

هتحكم بين الراوية كيف وأنت ميزانك مخلوع. اللي ما ينصفش المظلوم في بيته ما يحجش ليه يفتح خشمه في مجالس الرجال.لو مفكر إنك بكلمتك دي بقيت الكبير فإني لسه فوجيك.. والدار اللي تنهان فيها مرت ولدي وهي في حمايتي ميبقاش لك فيها مكان واصل لو ملمتش يدك. 

ساد الصمت لثوان قبل أن يختم الجد وعيده بنبرة قاطعة... من إهنه ورايح.. كف يدك لو جرب من مرت عمر هتلاجي كف يدي على جلبك واكله فاهم؟ الأصول ما تنزعلش لاما أجولها بالسلامة يا بت الناس ونخلصو من الجرف ده. 

رجف قلب عامر قليلا  خوفا و صدمة من وصول الأمور لهذا الحد فهتفت فؤادة بعتاب يقطر وجعا... 
أكده يا ولدي تاخدها ترميها في الزراعية؟ إيه جلبك ده ماحدش يعمل أكده يا ولدي البت بت أصول وطيبة.. ليه أكده بس؟ ربنا يهديك يا ولدي وتحس زي باجي الخلج وتعرف إن مش كل حاجة عافية وجفش. 

قام عامر وخرج من البيت من سكات يجر أذيال خيبته وغضبه الذي ارتد إلى صدره. كان يغلي من الداخل ليس من جده بل من نفسه التي قادته للتهور والحكم عليها بالباطل. وما كان يحرق قلبه حقا ويجعله يشعر بالعجز هو أنها لا تراه من الأساس فبعد فعلته تلك تيقن أن كرهها له زاد أضعافاً.

جلس وحيدا في عتمة الليل يسأل نفسه بمرارة... لماذا...لماذا خاف من كلمه جده أن تجلس في دارا لا يلمحها.او يتركها ترحل . لماذا يريدها أن تكلمه أو تنظر إليه.. لماذا كل هذا الاهتمام بأن يكون في نظرها شخصا يستحق. كلماتُها بأنها تراه ميتا كانت تنغز صدره كإبر مسمومة ليبقى ساهرا لا يفهم هذا الإعصار الذي بدأ يضرب حصون قلبه. محولاً كبرياءه إلى حطام أمام طيف امرأة أقسمت ألا تراه.
------------
في غرفتهما كانت نجوان تراقب ملوك ومليكة   قامت من مكانها عدلت شالها وهي تهمس لنفسها... 

البتين متلجحين ويجهروا النفس.. لا هو إني ماهسكتش أكده هو إيه يعني؟ هيفضلوا واجعين جلبنا عليهم والكل بياكل فيهم؟

ظلت تروح وتجيء يطرق عقلها أبوابا مغلقة حتى استقرت عند باب واحد. توقفت فجأة ولسان حالها يقول... أيوه.. إني هكلم أمي وده يبقى أنسب حل. الستره حلوة. أمي هي اللي هتعرف تلم الدور وتلجم عامر ده جبل ما يطغى بزيادة. أيوه.. ده الحل الوحيد اللي يبرد ناري ويحمي الغلابة دول
---------

وعلى النقيض تماما كان الغل يغلي في جناح سعدات كالمرجل. كانت ندى تجلس عيناها جمرتان من الحق، تضرب بقبضتها على المقعد وهي تقول بصوت مخنوق من القهر... 

شفتي يا ماما.. البيه إبن عمي كبير البيت ضرب وإهانة ليه... كل ده عشان جربوعة شحاتة؟ داحنا هوانم والزبالة دي جاية من الشارع!

لم تتمالك مها نفسها فصرخت وهي تلمس وجهها الذي لا يزال يحرقها... 

أنا أنضرب.. أنا.. أنا همووت وعايزة أموت  الزبالة.. لا وداخل شايلها ربنا يشلها ويشلهم كلهم. 

حاولت سعدات أن تخرسهما فصاحت بنبرة خائفة ومحذرة... 

لا بقولكو إيه.. نتلم بقه.. فؤادة والحج كشرو نيابهم واللعب بقه عالمكشوف.. ماشي؟

لكن ندى لم تبالِ بتهديد أمها وقفت بحدة وصوتها يملؤه الشر... 

أسكتي أنتي  دانا هعرفهم مين هي ندى الراوي.. الصبر طيب.. 

ثم جلست من جديد وبدأت تسرد كلمات الغل تخطط كيف ستحول حياة هؤلاء الأغراب إلى جحيم بينما كانت نجوان تخطو أول خطوة في ممر الدار الطويل لتنفيذ خطة الإنقاذ.
------------
تسلل التوتر في أرجاء المكان وكان الهواء في المندرة ثقيلا جلس الجد وفؤادة والصمت بينهما يقطعه فقط صوت أنفاس الجد  من الضيق، حتى نطق وكأن الكلمات تخرج من قلبه مثقلة.. 

وبعدين في عيالك يا فؤادة.. مخلفة بهيمتين بينطحو! ده مرار إيه ده.. ينفع الفضيحة دي؟ نودي وشنا فين بس من حديت الناس؟

سكت لبرهة ثم هز رأسه كمن وجد المخرج الوحيد:

لاه.. الرجالة دي لازمن ليهم حل يربطهم. إيه جولك نجوز عامر لمها؟ جايز ينهد شوية ويهدي طبعه الواعر ده.. والبت بتحبه ورايدة قربه والستر واجب.

قطبت فؤادة جبينها ومرت صورة مها أمام عينيها تلك الفتاة التي لم ترَ فيها يوماً سوى القشور بينما ابنها عامر كالجبل لا يرضيه إلا ما كان بصلابته. هتفت بتردد لم... 

ماعارفاش يا حج.. ماحاساش إن مها تنفع ولدي عامر واصل. عامر له طبع غير طباعها والنفوس مش راكبة على بعضيها.

رد الجد بحدة ضاربا بعصاه الأرض لينهي الجدال... 

يا فؤادة البت لابن عمها وده حجها وحجه العوايد بتجول أكده واللمة لينا أولى من الغريب.

هنا لم تتمالك فؤادة نفسها فانفجرت بضحكة مريرة ضحكة من يعرف خبايا النفوس جيداً وقالت... 

الله مش بجول الحج؟ أنت أصلا شايف إن مها تنفع لواحد زي عامر؟ بت مايعة ومدلعة كل همها الزينة والدلع.. وعامر واعر يا حج عامر عايز فرسة جامدة تروّضه، تعرف تسايس طبعه الصعب وتقف قباله من غير ما تتهز.

كان الجد يجلس وهو يشعر بأن حديث فؤادة ينسج خيوطا لا يدرك آخرها. اتسعت عيناه بتعجب ونظر إليها وكأنه يحاول استيعاب ما تقوله، ثم هتف بنبرة استنكار... 

كنك مخبولة يا فؤادة؟ وده بيبص لصنف مرة أصلا؟ هنجبهالو منين الفرسة دي اللي تملى عينه وتكسر كبرياءه؟

تنهدت فؤادة بعمق وأسندت ظهرها وهي تنظر للأفق وكأنها ترى مشهدا لم يكتمل بعد وقالت بهدوء الواثق... 

هتاجي يا حج.. كلو بوجته والأيام بتجيب اللي مكنش على البال.

قطب الجد جبينه وازدادت ريبته من لهجتها اليقينية فمال نحوها وسألها بصوت منخفض.. 

جصدك إيه بحديتك ده وراكي إيه يا فؤادة؟

ابتسمت فؤادة تلك الابتسامة الغامضة  وقالت... 

لاه.. ريح جلبك أنت. عموما ابقى افتح الكلام جدامه، بس لما نكون كلنا جاعدين.. جايز ينحرج ويوافج تحت ضغط اللمة.

انتفض الجد في مكانه وهتف مستنكرا هذا الاقتراح الذي يخالف عاداته في الحذر... 

كلنا مين عيب أكده يا ولية.. اتكلم في جوازه جدام سعدات وولادها؟ مايصحش. 

ضحكت فؤادة بخفة وهي تهز رأسها وكأنها ترتب قطع الشطرنج في رأسها... 

لاه.. اني ونجوان وعامر وملك وخيتها.. عادي يعني أهل في بعضينا.

ساد الصمت للحظة استشعر فيها الجد أن هناك فخا من الحنان والتدبير يُنصب لعامر فتنهد بقلة حيلة وهتف وهو ينهض متكئا على عصاه.. 

الله يجيب الخير يا فؤادة.. الله يجيب الخير. يظهر إن الدار داخلة على أيام ميعلمش بيها إلا ربنا.

...... .... 

كانت ملوك جالسة في سكون الغرفة جسدها مسترخيه على الفراش لكن عقلها كساحة معركة.  يد عامر منذ قليل  وضعتها فوق جمر فما زالت تشعر بموضع قبضته على ذراعها وبدفء صدره الذي ركنت إليه رغما عنها في لحظة ضعفها.

تنهدت بعمق وهي تنظر إلى الفراغ المحيط بها تشعر بارتباك ينهش ثباتها. كانت تصرفاته اليوم غريبة ومتناقضة لدرجة تخيفها وتجعل عقلها في صراع لا يهدأ . صرخته المدوية في وجه الممرضين . لهفته المرعبة التي لم تستطع مداراتها حين ترنحت أمام عينيه . ثم ذلك الجبروت الذي زلزل به كيان ندى وأختها ليذلهما لأجلها . حتى اهتمامه الدقيق بأدويتها وعناية يده بها .كل هذا أثار بداخلها اضطرابا لم تعهده من قبل وزلزالاً  حصونها التي بنتها ضده .

سألت نفسها بصوت خافت برهبه... هو ملبوس؟ فيه إيه بالظبط؟ ....... ايه حاسس بالذنب؟ 

همست لنفسها بسخرية مريرة تحاول بها استعادة قوتها ....... هو ده بيعرف يحس أصلاً؟ ده قلبه حجر مايلينش. 

توقفت الكلمات في حلقها وتنهدت تنهيدة طويلة كادت تخرج معها روحها ....... بس نظرة عينه كانت بتقول غير كدة . نظرة كانت غريبة ومليانة بكلام وعتاب وخوف ملهوش تفسير .. ليه يعمل كده ويرجع يعمل كده؟ ليه يرميني في النار ويحاول يطفيها ؟ 

وضعت يدها علي قلبها... هو احنا هنفضل كده أنا تعبت.. لما بيبقي هادي ببقي هاديه ليه بس يعمل كده ليه بيكرهني كده ما خلاص إللي حصل حصل... 

تذكرت نظراتهم بالعربيه.. كانت دقات قلبها تدق بعنف وكأنها طبول حرب تعلن عن اقتراب عاصفة لا تبقي ولا تذر. عاصفة من مشاعر خفية تخشاها أكثر مما تخشى جبروته.. حاولت طرده من مخيلتها لكن صورته وهو يستنشق عبير رأسها ظلت تداعب حواسها تجذبها نحو منطقة خطرة من المشاعر لا تريد دخولها. استدارت ببطء لتجد أختها مليكة مستسلمة للنوم فابتسمت بحنان يغلفه الانكسار ثم ركنت برأسها على الوسادة وأغمضت عينيها وهي تتخبط في تساؤلات لا إجابة لها حتى غلبها التعب والوهن وغطت في نوم عميق.
-------------

مر الوقت وظهر أدهم بطلته الخاطفه اقترب بخطى ثابتة وسلم على جده وفؤادة بحفاوة.. 
ازيك يا مرت عمي.. اتوحشتك جوي وأنت يا جدي كيفك يا غالي؟

اتسعت ابتسامة الجد وهو يفتح ذراعيه ليحتوي حفيده في غمرة دافئة... 
أهلاً بالغالي ابن الغالية.. تعالي يا ولد في حضني كيفك يا جلب جدك؟ إيه الغيبة دي كلها يا واكل ناسك؟

أجاب أدهم وهو يميل على يد جده يقبلها بتقدير.. 
أهو كُت بدرس يا جدي والعلم عواز صبر.

ربتت فؤادة على كتفه بدعوات صادقة... تشوف الفرح كله قدامك يا ولدي، وتملى البيت علينا ضحك.

هتف الجد بنبرة حازمة لكنها محبة.. وكيفك يا ولدي؟ خلاص عتجلس في وسطنا وماعتش هتسافر ولا الغربة لسه واخدة عجلك؟

أجاب أدهم بثقة... 
خلاص يا جدي خلصت الدكتوراه وأتيت للدار  اللي ماليش غيرها.

لم تمهله فؤاده ليرتاح بل باغتته بسؤاله المعتاد... 
يبقى عالفرح يا ولدي.. خلاص ما بقاش فيه حجج.

في تلك اللحظة دخل عامر بوجه عابس وخطوات ثقيلة فرفع أدهم حاجبه بذهول مداعبا إياه...

إيه يا ياعم أنت؟ داخل على كفرة مالك داخل بوشك ده؟  كُت بايت في حضنك يا راجل.. 

تدخلت فؤادة بضحكة مكتومة.. 
سيبه يا أدهم أصل جده معكر مزاجه ومخليه يغلي.

ضحك أدهم بمرح وهو ينظر لعامر... 
وده بيحس ده؟ ده رماح طايح في الكل مابيهمه حد جلبه ده صخر.

هتف عامر بنبرة تحذيرية ممزوجة بضيق...  إيه يا ابن سلطان.. هتعملني مَجلتة  إياك؟ لمّ لسانك أحسن لك.

تعالت ضحكة أدهم وهو يغمز لفواده... 
لاه.. كدة نخاف  طالما جال ابن سلطان يبقى هيقوم يهرسني بيده وأنا لسه شباب وعاوز أفرح.

عادت فؤادة لتفتح السيرة التي يهرب منها الجميع... 
سيبك منه قولي أنت هتتجوز ميتى؟

ضحك أدهم بهدوء... 
أما نلاجي النصيب يا مرت عمي النصيب غلاب.

ابتسمت فؤادة بمكر... 
يا واد جول.. انت والحزين سليم اخوك.. جوز رجالة فلجه جمر طول بعرض.. صحيح اخوك بصباص بس برضك جيمه عالية مدير فندق اد الدنيا والبنات بينهبلو عليه.. ... يا حسره الرجاله... مافيش حاجه مدكنين حاجة اكدة ولا اكدة؟ بطل لوع.

هنا التفت أدهم ونظر لعامر بنظرة خبيثة نظرة جعلت عامر يشعر بنار تشتعل في صدره وتضخ في عروقه ليقول أدهم ببطء مقصود... 
يعني.. فيه حاجة كدة لمحتها بس لساته بدري عليها محتاجة صيد على الهادي.

هتفت فؤادة بحماس.. 
أجيبهالك لحد عندك أنت ما تتعيبش يا ولدي زين الرجال ويا ريت تعقل الحزين.

انفجر أدهم ضاحكا وهو يغمز لعامر الذي كاد ينفجر... 
الحزين نجيبله بهيمة مربوطة أصل ملوش في السبسبة والملاوعة عشان ما يجهرهاش ببروده ده.

لم يتمالك عامر نفسه فزغده  في كتفه بقوة وهو يصيح بضيق... 
خليت لك النحنحة والسبسبة يا نحنوح الجيل.. جوم غور من هنا أنت إيه اللي جابك دلوقتي؟

ضحكت فؤادة وهي تلوح بيدها كأنها تزيح عنهما عبء النقاش ....... بس يا أدهم سيبه  بهيمة إيه دا؟ دا عايز هانم بنت ذوات عالفرازة تليق بسيادة المستشار

نظر إليه أدهم ببرود مستفز وهز رأسه ....... ماشي يا عم  سيبنا إحنا نبص للغلابة. أمال بنات الغلابة مين ياخدهم؟ دا حتى بيبقوا   حنينين جوي  ماتاخدش إنت من الغلابة ما ينفعولكش واصل. 

هاج عامر بحرقة وكأن الكلمات لمست جرحاً ينزف بداخله ....... ما ينفعوليش ليه إن شاء الله؟ هاه؟ أنا ماحدش يطولني ولا يملي عيني غير اللي أختارها بيدي. 

رد أدهم بمكر وهو ينسحب من المواجهة ....... ماشي خلاص  مانا جولت خليك في الهوانم اللي من توبك. 

صرخ عامر بانفعال جارف وهو يخرج عن صمته المعتاد وعن كل وقاره .......

أني حر! آخدها غلبانة ....... آخدها متزفتة  مالكش صالح بالهوانم ولا باللي بتجوله ده واصل! 

ضحك أدهم بصوت عالٍ وهو يرى عامر يتخبط في غيرته ..... مالك هايج أكده؟ بس عارف . إنت فعلاً لازمك هانم متجبسة عشان تليج بيك وتستحمل نشوفيتك دي. 

صرخ عامر بانفعال أعمى وهو يشيح بوجهه بعيداً كأنه يهرب من الحقيقة .......

بلا هوانم بلا زفت.. اللي بتجول عليهم غلابة دول ساعات هما اللي فيهم الروح والحيا الغلبانة اللي بتجول عليها دي ساعات تبقي برجبة مية هانم من اللي تعرفهم .  هي دي اللي تكسر العين وتملى الدار وأنا لا عايز تجبيس ولا هوانم .. أنا عايز اللي تزلزلني وتعرف إني راجلها غصب عن الكل. انزل أنت من على ودني بقه وفضها سيرة ربنا ياخدك إنت جيت ليه ماكت تخليك بره. 

كانت فواده تنظر لابنها فاغره الفم لا تصدق كلامه من أساسه.. احتدمت المواجهة في المندرة وكان أدهم يقف ببروده المعتاد الذي يستفز كبرياء عامر بينما كانت فؤادة تراقب المشهد كصياد ينتظر وقوع الفريسة في الشباك .......

هتف أدهم بنبرة ساخرة وهو يرمق عامر بنظرة مستفزة.... 
أنت عبيط ؟ مش جولت هاجي أشوف ملك. كنك نسيت؟ إني جاي أسهر على مرضها الليلة بعد إذنك يا مرت عمي. 

انتفض عامر كالملسوع وهب واقفا بجسده الضخم  وصاح بصوت مبحوح من الغيظ... تسهر... تسهر فين وإيه.. أنت مخبول يا أدهم؟ 

لم يهتز أدهم بل تابع ببرودٍ زاد من اشتعال الموقف..... 
يا بني يا أبو عجل ناشف. جايز بالليل تتحمم ولا تعوز حاجة أنت أجعد إنت مالك بس؟ جولي. هو أنتو فيه حاجة البت ماطايجاكش ليه؟ ده إنت سيادة المستشار يعني حد  مايطيجش حديتك واصل .

هنا تدخلت فؤادة بخبث فطري وهي تعدل من جلستها وتنظر لعامر بطرف عينها... إستنى يا أدهم ....... هحكيلك أصل اللي حوصل عشان تعرف ولدي عامر جايد ناره ليه .......

هاج عامر وصرخ فيها مقاطعا وعيناه تشعان شررا.. فيه إيه ياما.. هتحكي إيه؟ ما خلصنا.. مفيش حاجة يا أدهم ....... إحنا زي السمن ع العسل خليك في حالك بقه وفضها سيرة .......

نظر إليه أدهم بشك ومال برأسه متسائلا.. إنت مالك قامط ليه كده؟ إنت فيه إيه بالظبط؟ مخبي إيه يا ابن عمي .......

زفر عامر بضيق وهو يحاول استعادة قناعه البارد ورد بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش... جولت ملكش صالح . وشكرا هيا بجت زينة  روح أنت نام وارتاح يا أدهم .

اشتعلت نيران الغضب في عيون الجد وهو يرمق عامر بنظرة حادة زجره بها قائلاً .......

مش إنت إللي تجول. 

حاول عامر أن يبث اعتراضه بصوت مخنوق بالغضب .......

بس يا جدي. 

لكن الجد بتر كلماته بصرخة حازمة .......

جولتلك مالكش صالح. 

استدعى الجد الخادمة وأمرها بلهجة قاطعة أن تصطحب الطبيب إلى الطابق العلوي وتلازمه في غرفة الفتيات .......

خدي الدكتور لفوج يا ورده وخليكي معاه. 

صعدت وردة بينما كان عامر يغلي كمرجل يوشك على الانفجار يقبض على يده بقوة وهو يتوعد في  نفسه بأمر ما .

في تلك اللحظة  نزلت نجوان من الطابق العلوي لتعلن  .......

الدكتور فوج جنب مليكة وملك ربنا يجومهم بالسلامه. 

استشاط عامر غضبا وغيره وصاح فيها مستنكرا .......

وسيباهم لحدهم ليه اتخبلتي؟

ردت نجوان متنهده  .......

ما ورده فوج  وعمر بدأ يعيط خفت يصحو وكنت عايزه أمي أجولها حاجه

التفتت إليها فؤادة بتوجس وسألتها .......

خير يا بتي؟

فاندفعت نجوان بصدق  تخاطب أمها وجدها .......

اسمعي ياما وإنت يا جدي . العيشه اهنه بالشكل ده ماتنفعش . ملك بت واعره وجويه وبنات عمي ماحدش يطيجهم وماتنفعش تجعد اهنه بالشكل ده

انتفض عامر من مكانه صائحاً بذهول .......

إنتي مخبوله يا بت أمال عايزه تمشيهم؟

لكن نجوان رفعت رأسها بإصرار وأوضحت قصدها .......

لاه ..... مش عايزاهم يمشو . عايزاهم يتسترو

قطب عامر جبينه وعيناه تشتعل ريبة .......

إيه يتسترو؟

هتفت نجوان موضحة مقصدها بشجاعة .......

يعني يتجوزو .... ملك صغيرة وأجلاً أو عاجلاً هتتجوز ماهتجعدش يعني. يبقى نشوفلها حد مننا أكده

هب عامر من مكانه كالثور الهائج وقد أظلم وجهه من شدة الغيظ .......

نهارك أبوكي طين... عايزة تجوزيها؟ نهارك أسود إنتي يا بت اتخبلتي؟

نظرت فؤادة إلى هبة ابنها الغريبة وانتفاضته التي تجاوزت الحد ....... بينما استمرت نجوان في حديثها مستغربة رد فعله .......

إيه يا ابن أبوي؟ جولت حاجة غلط؟ هو إنتو هتجعدوها من غير جواز في شرع مين ده؟

صرخ عامر في وجهها بصوت زلزل أركان المندرة .......

وإنتي مال أهلك تتجوز ولا تتهبب؟ ما تخليكي في حالك.. كُنتي اتجوزتي إنتي بعد راجلك؟

ترقرقت الدموع في عيون نجوان وانكسر خاطرها من كلماته القاسية .......

إنت عارف إني ماجدرش اتجوز وجلبي اتجفل

رد عليها بجمود وغطرسة وهو يحاول مداراة ضيقه الصامت .......

هيا كمان جلبها يتهبب ينجفل.. هندخل غريب على ولدنا ولا إيه؟

نظرت إليه فؤادة بخبث وكأنها وجدت الثغرة التي تبحث عنها .......

طب وليه غريب يا ولدي؟ ما ندخل جريب

قطب جبينه بضيق وازداد توتره .......

جريب إيه ياما إنتي بتجولي إيه؟

هتفت فؤادة بنبرة هادئة لكنها تخفي خلفها الكثير .......

الدكتور أدهم أهه بيدور على عروسة وهو كنه ولدي بالضبط والدار لازجة في الدار .. يبقى ليه لاه؟ أجوله وأعرض عليه لما ينزل ياخدها ........
انتفخت عروق عامر وشعر بشراينه ستنفجر لم يحتمل فهب صارخا.. 
.......... 

##############


تعليقات