رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم شهد الشوري


رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل الثاني والعشرون 

دخل يوسف إلى المطعم بخطوات غاضبة لكن عينيه كانتا تعصفان بشررٍ مكتوم بداخله حربًا يحاول بكل ما يملك ألا يتركها تنفجر أمام الجميع وما إن لمح هاشم ونانسي جالسين بالفعل حتى أجبر نفسه على الهدوء شد أعصابه واقترب منهم بوجهٍ جامد يخفي خلفه الكثير

ابتسم هاشم فور رؤيته وقال بترحاب شديد :
عاش من شافك يا عم يوسف ليك واحشة

أما نانسي فهزت رأسها بعتاب لطيف وقالت :
ولو إني زعلانة منك عشان اللي سمعته عنك الفترة اللي فاتت بس مفتقدينك والله يا يوسف

لكزها هاشم بغيرة وهو يتمتم بحنق :
اتلمي

انفجر كريم ضاحكًا وهو ينظر لهما بعدم تصديق :
والله الواحد عمره ما كان يتخيل إن إنتوا الاتنين تتجوزوا

التفتت ليلى إليهما بصدمة ممزوجة بسعادة حقيقية :
إنتوا اتجوزتوا بجد؟!

ردد يوسف بهدوء ظاهري :
ألف مبروووك

ابتسمت نانسي بامتنان لكن عينيها حملتا ذكرى أيامٍ قاسية مرت بها وقالت بصوت هادئ :
كانت فترة صعبة أوي اللي عيشته مع طليقي كان جحيم بجد أيام سودا، ومكنش ليا حد يقف ليه بعد موت بابا الله يرحمه لحد ما قابلت هاشم لولا إنه وقف جنبي مكنتش قدرت أخلص من الجوازة دي هو اللي خدلي حقي ودافع عني فضل ماسك إيدي لحد ما وقفت على رجلي من تاني وخلاني أحبه زي ما بيحبني

ثم نظرت إلى هاشم بحب صادق أكمل دفء كلماتها :
أوقات كتير بنفضل ندور على الحب الحقيقي والسعادة ونكتشف في الآخر إنهم كانوا جنبنا طول الوقت بس إحنا اللي مكناش شايفين....
العمر بيجري وفيه ناس بتعرف قيمة اللي قدامها وبتتمسك بيه وفيه ناس مابتفوقش غير بعد فوات الأوان وأنا مبسوطة أوي إني لحقت أحس بحب هاشم ليا الحب اللي عمري ما حسيت زيه، هاشم أحسن حاجة حصلتلي في حياتي أنا مبسوطة إني لقيته قبل ما العمر يجري بيا

ابتسمت ليلى لها بحنان لكن قلبها انقبض بمرارة مؤلمة كلمات نانسي أصابت شيئًا عميقًا بداخلها وكأنها تتحدث عنها وعن يوسف دون أن تدري

أما يوسف فابتسم هو الآخر ابتسامة موجوعة شاحبة بينما سؤال واحد فقط ينهش صدره هل فات الأوان أم أن الطريق ما زال مفتوحًا وما زالت لديه فرصة أخيرة.....؟!!

التقت عيناه بعيني ليلى للحظة نظراته كانت ممتلئة باعتذارٍ صامت، بندمٍ لم يعد يعرف كيف يشرحه بالكلمات لكنها تجاهلته تمامًا وأكملت حديثها مع أصدقائها وكأنه غير موجود
جلس يراقبها بصمتٍ قاتل، يتابع ضحكتها وحركاتها الصغيرة بعينين ممتلئتين بالشوق والخسارة بينما كان كريم بجانبها يشاركها الحديث طوال الوقت يحاول لفت انتباهها بأي طريقة وكأن وجود يوسف لم يعد يعني شيئًا بالنسبة لها !!!
............
برغم ألمها ونفورها منه، إلا أن جزءًا خفيًا داخلها كان سعيدًا سعيدًا بتمسكه بها، بعدم استسلامه، بعدم نطقه لتلك الكلمة التي كانت ستُحطم ما تبقى منها ورغم تلك السعادة الصغيرة ظل الحزن ينهش قلبها بصمت، تتألم منه.....وبسببه !!

أما آدم فقد بدأ شيءٌ داخله يتغير تجاه ذلك الشاب
لو أنه طلقها يوم هدده بالسلاح لكان تأكد أنه لا يستحقها وأنه لم يكن سوى عابرٍ استغل ابنته وتركها تواجه العاصفة وحدها لكن تمسكه بها واستعداده للموت بدلًا من أن يتركها جعل قلبه يلين رغمًا عنه

ربما كان مستهترًا وربما نشأ وسط القذارة والخراب لكنه يحب ابنته، يريدها، ويتمسك بها بكل ما فيه
كان آدم يعلم أن الخطأ لم يكن من إياد وحده بل من ابنته صافي أيضًا ومع ذلك، لم يكن مستعدًا لمنحه ثقته بسهولة
كان يريد أن يتأكد أن ذلك التغير حقيقي

فخلال الفترة الأخيرة بدأت شركة جلال تتقدم بشكل ملحوظ تحت إدارة إياد وكل التقارير التي تصله عنه كانت جيدة لكن ذلك لم يكن كافيًا بعد ليُسلمه غاليته

وقفت صافي أمام المرآة تتأمل هيئتها بصمت
كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء أنيقة أسفلها قميص أبيض من الستان الناعم وقد رفعت شعرها في ذيل حصان أبرز جمال ملامحها الرقيقة كانت جميلة.....جميلة بحق 
لكن ما نفع الجمال وقلبها يبدو كمدينةٍ احترقت بالكامل...!!

هبطت للأسفل بعدما أصدر والدها أوامره بأن تبدأ العمل بالشركة برفقته وكعادته تجاهل النظر إليها بينما أمسك شقيقها بيدها يساعدها حتى ركبت السيارة وبعد ساعات كانت تجلس داخل مكتبها الصغير بالشركة بعدما قرر آدم أن يجعلها متدربة تحت إشراف رئيس المهندسين وما إن علم إياد بالأمر من رجاله الذين يراقبونها حتى اندفع نحو شركة والدها بغضب وقلق يكاد يفتك به
اقتحم مكتب آدم دون استئذان وقال بحدة :
حضرتك إزاي تسمحلها تنزل تشتغل وهي بالحالة دي مش شايف إنها حامل ولسه في الشهور الأولى يعني ممكن تتعب أو يجرالها حاجة

رفع آدم عينيه إليه ببرود قاتل وقال :
قصدك ابنك اللي يجراله حاجة وده طبعًا اللي يهمك وبس

قطب إياد حاجبيه ورد عليه باستنكار :
لأ طبعًا صافي عندي أهم من أي حاجة والطفل لو مش منها أنا مش عاوزه، تمسكي بيه عشان منها هي وبس ولو عيشت معاها عمري كله من غير أطفال يكفيني إنها جنبي...
عارف إنك مش مصدقني بس أنا مش بكدب ولا ليا مصلحة أكدب عليك وعليها وأزيف مشاعري، ودليل كلامي إني لما حسيت بمشاعر ناحيتها جيتلك عشان أتجوزها بس إنت اللي رفضت وكل اللي حصل من البداية كان لعبة عليا وعليها وإلا كان زماني دلوقتي قدامك بعافر عشان تقبل تجوزهالي

سخر آدم منه بتهكم :
عشان كده هربت وسيبتها !!

تنفس إياد بإنهاك ورد عليه بحزن :
عارف إني غلطت لما هربت وسيبتها بس حط نفسك مكاني أنا طبعًا مش ببرر غلطي بس أنا مش ملاك ولا اتربيت في بيئة زي اللي بنتك اتربيت فيها أظن إنت عارف أنا عيشت فين ووسط مين ومش هطلع من وسط كل القرف ده ملاك بس أنا برده مش وحش وعاوز أبتدي حياة نضيفة لما جيتلك قبل كده وطلبت إيد بنتك كنت عاوز البداية دي تكون معاها هي عشان حبيتها من قلبي ورغم إنك رفضت كان عندي استعداد أعافر عشانها ودلوقتي أنا كمان لسه متمسك
بيها وعاوز أبتدي معاها من جديد وأنا لو وحش أو ناوي على غدر كنت طلقتها وسيبتها هي وابني ولا همني حد.....
بس أنا هنا عشانها هي

ظل آدم صامتًا يراقبه بينما أكمل إياد بصوت خفيض متألم :
هربي يومها عشان اللعبة اللي اتلعبت عليا كانت متفصلة بالملي وأنا آسف ع اللي هقوله بس أنا وصافي متقابلناش في جامع أنا شوفتها في حفلة زبالة طبيعي كراجل هفكر كده وهصدق، وبرده مش ببرر غلطي أنا غلطان ومعترف بس عاوز حضرتك تحط نفسك مكاني....... أنا بحبها 

طال صمت آدم بينما شيء من الرضا الخفي تسلل إلى
داخله وهو يرى ذلك الإصرار بعينيه ليردد أخيرًا بهدوء :
اسأل على مكتبها وروحلها

اتسعت عينا إياد بصدمة قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة واسعة كطفل مُنح العالم كله دفعة واحدة....وبعد دقائق 
كان يقف أمام باب مكتبها الصغير يتأملها بعشقٍ صريح
كانت أنيقة كما اعتادها جميلة تخطف الأنفاس
حتى خصلات شعرها التي انسابت خلف ظهرها كانت كافية لتفقده اتزانه رفعت رأسها فجأة بعدما تسللت رائحته المألوفة لأنفها فتجمدت وهي تراه أمامها وقبل أن تنطق، أغلق الباب بالمفتاح واتجه نحوها، فصرخت بغضب :
انت إزاي تدخل كده وإزاي أصلًا تتجرأ تيجي هنا مش خايف بابا يشوفك......

ابتسم بمكر قائلاً :
بابا هو اللي باعتني

اتسعت عيناها بذهول وكادت تبتعد أن لكنه أمسك يدها بسرعة وقال باشتياق موجع :
خليكي شوية يا صافي.....انتي وحشتيني أوي

نزعت يدها بعنف وقالت بشراسة :
وحش أما يلهفك 

ابتسم رغم حدتها ثم جذبها إلى أحضانه فجأة وكأنه لم يسمع شيئًا عانقها بقوة رغمًا عنها لكن بحذرٍ شديد خوفًا على طفلهما ثم أجلسها على الأريكة برفق قبل أن يهبط على ركبتيه أمامها مد يده يتحسس بطنها بحنان وقال بصوتٍ مرتجف حنون :
إزيك يا حبيبي أنا بابا اللي مستنيك تشرف ع الدنيا بفارغ الصبر وأشيلك بين إيديا بابا اللي اتغير عشان ماما وعشانك

رفع عينيه إليها وقد امتلأتا بالندم :
بابا اللي جرح ماما أوي بس كان غصب عنه....
كان طايش بس حبها أوي، حبها ومش عاوز غيرها
بابا اللي حبك عشان بس إنت ابنه منها تعرف أنا عمري ما تخيلت نفسي وسط عيلة بس لما شوفت ماما حسيت إني مش عاوز غيرها ولا عاوز أعيش الشعور ده إلا معاها هي

انسابت دموعها رغمًا عنها بينما تابع إياد وهو يمسك يديها :
كنت جبان وهربت وماوفتش بكلامي ليها بس هي عارفة إن كل كلمة بحبك طلعت مني وكل نظرة حب كانوا صادقين
أنا عمري ما اتمنيت غيرك ولا حبيت غيرك يا صافي

خرج صوتها أخيرًا مرتجفًا بالألم :
وأنا أعمل إيه بحبك وأنا مش حاسة معاك بأمان حبك هيعملي إيه وأنا عايشة معاك وخايفة أصحى من النوم ألاقيك برده سبتني أنا وابني وهربت أنا وثقت فيك مرة وإنت خذلتني طب لو نسيت كل ده واتغاضيت عنه هنسى إزاي نظرات الكل ليا أنا مش قادرة أنسى ولا عارفة أنسى ومش عارفة أحبك مش عارفة أتغاضى عن حاجة، أنا اتغدر بيا......

همس بحزن :
اتغدر بينا يا صافي.....أنا مكنش قصدي كل اللي حصل

ردت عليه بمرارة من وسط بكائها :
بس اللي غدر أهلك إنت كان ممكن أسامحك في غدرك بس مش هقدر أسامح في حق أهلي اللي اتكسروا بسببك وبسبب أهلك وبسببي مش هقدر أنسى خيانتك ليا، إنت وعدتني تكون ليا ومع أول مطب جريت وسيبتني واترميت في حضن كذا واحدة، أنا هنا كنت بموت في اليوم ألف مرة وإنت كنت في حضن غيري أنا مش عارفة أسامح، حتى لو غلطانة زيي زيك، مش عارفة أسامح وأبطل أرمي اللوم عليك عشان أنا وجعي منك كبير أوي أنا مش هقدر أنسى مهما عملت ومش هقدر أمنع إحساس الغضب اللي جوايا كل ما بشوفك.....
مش هقدر !!

ثم انفجرت في البكاء لأول مرة منذ كل ما حدث تبكي أمامه بلا صراخ بلا عناد بلا قسوة فقط امرأة منهكة وقلب محطم
اقترب منها ببطء ثم جذبها إلى صدره بحنان وكأنه يخشى أن تنكسر بين ذراعيه وللمرة الأولى لم تدفعه بعيدًا
تشبثت به وهي تبكي بحرقة بينما انهمرت دموعه هو الآخر بصمت أخذ يمرر يده بين خصلات شعرها يهدئها كما تُهدأ طفلة صغيرة.......

بينما خلف شاشات المراقبة كان آدم يشاهدهما بصمتٍ ثقيل
كان قلبه يحترق على ابنته وعلى حياتها التي تحطمت قبل أن تبدأ سرعان ما اشتعل داخله الغضب والغيرة وهو يرى إياد يمسح دموعها ويقبل عينيها برقة ويضمها وكأنها عالمه كله 
لكن فجأة وكأن صافي استفاقت من لحظة ضعفها
دفعت إياد بعيدًا عنها بسرعة وطردتها من مكتبها بحدة !!!
............
كانت حياة تجلس وحدها في بهو الفيلا شاردة الذهن تعبث بأناملها في طرف وشاحها بشرود ثقيل قبل أن تشعر بيوسف يقترب منها بهدوء رفع عينيه إليها للحظة ثم تمدد بجوارها على الأريكة ووضع رأسه فوق قدميها كما كان يفعل صغيرًا كأنه يهرب إليها من العالم كله

ارتجف قلبها تلقائيًا وتحركت يدها بحنانٍ أمومي تمرر أصابعها بين خصلات شعره لكنها توقفت فجأة عندما سمعته يقول بصوتٍ مكسور :
ماما انتي لسه مش مسمحاني

تجمدت يدها وامتلأت عيناها بالدموع بينما تابع هو بألم :
انا حاسس إن ربنا مش راضي عني عشان حضرتك مش راضية عني حياتي مش هتتظبط طول ما إنتِ غضبانة عليا أنا مش مرتاح وانا حاسس بالحاجز اللي بنيته بغبائي
بيني وبينك انتي وبابا

قاطعته حياة بسرعة وكأنها تهرب من وجع الحديث :
اللي فات مات يا يوسف واللي حصل حصل
قفل على السيرة دي

هز رأسه بالنفي وعيناه تمتلئان بحزن طفلٍ تائه :
مش هقفل طول ما أنا حاسس إنكِ مش مسمحالي يا أمي

ثم أمسك يدها يقبلها مراتٍ متتالية وهو يقول بندمٍ موجع : حقك عليا ياريتني كنت مت قبل ما أسببلكم الوجع ده كله

انتفض قلبها الأمومي فورًا وضربته بخفة في كتفه وهي تقول بخوف ولهفة :
بعد الشر عليك يا بني

ثم ما إن رأت دموعه حتى انهارت مقاومتها تمامًا ضمت وجهه بين كفيها وراحت تمسح دموعه بحنان :
مسمحاك يا يوسف والله مسمحاك بس بلاش توجعنا تاني
انا وأبوك ضهرنا اتكسر من اللي عملته السنين اللي فاتت
مش هنستحمل منك وجع تاني

اختنق صوتها وهي تكمل :
احنا معندناش أغلى منك إنت وإخواتك وأبوك لما خبى عليك زمان موضوع حب أروى ليه عمل كده عشان مايجرحش قلبك كان عنده أمل يبعدها عنك بأي طريقة غير دي

تنهدت بألم :
أبوك موجوع منك أوي يا يوسف عشان بعد ما كبر وربى لقى ابنه الكبير اللي المفروض يبقى سنده وضهره شايفه عدو لا كمان عاوز يكسره

انهمرت دموع يوسف أكثر بينما أكملت هي بصوتٍ مرتعش :
زعلنا منك كان على قد غلاوتك عندنا

أغمض عينيه بندم يكاد يسحقه فابتسمت له حياة وسط دموعها وربتت على وجنته بحنان :
انا عارفة إنك ندمان وهتتغير وهتبقى أحسن وهترفع راسي أنا وأبوك من تاني وهتوري الكل إنك اتغيرت ورجعت يوسف بتاع زمان

ثم أضافت بمرح باهت :
بس مش بتاع زمان أوي يعني

ضحك بخفوت من بين دموعه لتبتسم هي أخيرًا عندما سمعت ضحكته التي اشتاقت لها ثم سألها بصوتٍ حزين : طب وبابا.....ده بيتهرب مني دايمًا وبيتجنب يتعامل معايا

نظرت له حياة بحبٍ عميق وقالت :
بدر معندوش أغلى منك يا يوسف ده إنت فرحته الأولى أول ما عينه شافت وأول كلمة بابا سمعها كانت منك انت

ابتسمت بحنين وهي تتذكر الماضي :
أبوك زعلان منك عشان كان حاطط آمال كبيرة عليك بس صدقني مجرد وجودك في البيت جنبه مريحه حتى لو مبيظهرش ده ليك 

ثم أمسكت يده بحنان :
لو عاوز تفرحه بجد اقف في ضهره روح ارفع اسم بدر الجارحي اللي كنت عاوز تمحيه من السوق ادخل عليه بوس راسه وإيده وقوله أنا جنبك واللي حاولت تهده زمان ابنيه من تاني وكبره أكتر اثبتله انه ربى وتربيته مراحتش هدر

اغرورقت عيناها بالدموع وهي تكمل :
ابوك نفسه يفتخر بيكم يا يوسف نفسه يشوفكم أحسن ناس ناجحين ومبسوطين

أومأ يوسف بصمت يشعر بالخزي من نفسه ويتساءل كيف استطاع قلبه يومًا أن يؤذي قلبين لن يجد في الدنيا كلها من يحبه مثلهما لحظات صمت ثم خرج اسمها من بين شفتيه بصعوبة :
ليلى

ابتسمت حياة بحب قائلة :
ليلى بتحبك يا يوسف واتوجعت منك أوي

ثم أضافت بنبرة واثقة :
بس لو عاوز تعرف تكسبها وتخليها تسامحك المفتاح عند ابوك 

تنهدت بحب بدا وكأنه يزداد مع السنين :
أبوك عمل معايا زمان حاجات كتير وأنا تايهة ومتلخبطة صبر عليا ورفعني بعد ما كنت فاكرة نفسي وقعت أبوك يا يوسف أحن قلب في الدنيا

ابتسمت بعشق وتابعت بحنين :
زي ما عرف يعمل المستحيل معايا هيعرف يقولك إزاي تخلي ليلى تسامحك

ثم رفعت إصبعها تحذره بلطف :
بس متعتمدش على أبوك لوحده اتعب عشانها يا يوسف
خليها تشوف وتحس إنك بجد بتحبها واتغيرت الحب مش كلام وبس الحب أفعال وصبر وتعب ولو بتحبها فعلًا حارب عشانها لآخر نفس !!!

ظل يوسف صامتًا بعد كلمات والدته وكأن كل حرفٍ قالته أعاد إليه جزءًا ضائعًا من نفسه رفع رأسه ينظر إليها طويلًا ثم اقترب منها فجأة يعانقها بقوة كطفلٍ عاد أخيرًا إلى حضنٍ اشتاقه كثيرًا ضمته حياة بحنان وأغمضت عينيها وهي تربت على ظهره تشعر أن ابنها الذي ضاع منها لسنوات بدأ يعود إليها أخيرًا

أما هو فكان يبكي بصمت لكن تلك المرة لم تكن دموع هزيمة بل دموع شخص قرر أخيرًا أن يواجه نفسه وأن يصلح ما أفسده بيديه وأن كانت الأيام الماضية كان بالفعل يحاول....
سيحاول الآن أكثر 

ابتعد عنها بعد لحظات ومسح دموعه ثم قال بصوتٍ ثابت رغم ألمه :
أوعدك يا أمي هصلح كل حاجة هخلي بابا يفتخر بيا تاني هعوضكوا عن كل وجع شفتوه مني

ابتسمت حياة وسط دموعها وربتت على وجنته بحب :
وأنا متأكدة إنك هتقدر

نهض يوسف ببطء، لكن خطواته هذه المرة لم تكن مترددة كما كانت منذ قليل

كان يشعر بثقلٍ كبير فوق قلبه لكنه للمرة الأولى منذ سنوات شعر أيضًا أن هناك طريقًا أمامه طريقًا صعبًا وطويلًا لكنه يستحق أن يسير فيه

طريقٌ يعيده إلى عائلته إلى والده إلى نفسه القديمة وإلى ليلى التي أحبها متأخرًا لكنه هذه المرة لن يتركها بسهولة
خرج من البهو بينما كانت حياة تتابعه بعينين دامعتين وقلبها يهمس بدعاءٍ واحد فقط.....
أن يعود ابنها كما كان بل أفضل مما كان
............
دخل حمزة إلى الشركة بخطواتٍ مترددة يتقدم خطوة ويتراجع أخرى وكأن قدميه ترفضان الوصول إلى تلك المواجهة التي هرب منها طويلًا لكن صوت ليان ظل يتردد داخل رأسه بإصرارٍ مزعج يدفعه دفعًا للأمام :
آخر كلام عندي يا حمزة المرة الجاية يا تتصل بيا تعرفني إنك اتكلمت مع مالك وصفيت أمورك معاه واعتذرتله
يا ماتتصلش بيا تاني

أغضبه أسلوبها وتحكمها به لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه بحاجة لمن يهزه بعنف حتى يستفيق خلال الفترة الماضية كان يعيش منبوذًا، مكروهًا من الجميع يلتهمه شعور الوحدة ببطء صحيح أنه كان دائم الابتعاد عنهم لكنه كان مطمئنًا لمجرد وجودهم حوله أما الآن فقد ابتعدوا حقًا وأصبح وحيدًا تمامًا ولولا ليان لكان انهار بالفعل......

وصل أمام مكتب مالك وبقي للحظة يحدق بالباب كأنه يخشى ما ينتظره خلفه ثم دفعه فجأة ودخل دون استئذان
رفع مالك رأسه وما إن رآه حتى تحولت ملامحه فورًا إلى غضبٍ مشتعل لكن حمزة سبقه بالكلام سريعًا :
ممكن تسمعني شوية يا مالك

نهض مالك بعنف صارخًا عليه :
اسمع ايه.....اسمع ازاي كنت ندل وغدرت بيا
ايه اللي لسه ناقص اسمعه وعملتوه فيا من ورايا تاني

ارتجف قلب حمزة لكنه تمسك بثباته بصعوبة وقال بحزن : تسمع مني أنا ليه عملت كده

ضحك مالك بمرارة قائلاً بقرف :
مفيش أي مبرر في الدنيا يخلي أخ يغدر بأخوه بالشكل ده مفيش أخ يتفق مع أمه على أخوه عشان يسرق منه الوحيدة اللي حبها ويدمر مستقبله وحياته

خفض حمزة رأسه بخزي وهمس قائلاً :
عندك حق يا أخويا

ضحك مالك بسخرية موجوعة :
دلوقتي بقيت أخوك دلوقتي بس افتكرت إني أخوك

امتلأت عينا حمزة بالدموع وقال بصوتٍ مختنق :
طول عمري كان نفسي أشوفك أخويا يا مالك بس هما السبب هما اللي خلوني غصب عني أكرهك وأغير منك

عقد مالك حاجبيه باستنكار وسأله :
هما مين؟!

جلس حمزة ببطء وكأن الكلمات أثقل من أن يحملها وقال : أبوك وأمك

ساد الصمت للحظة ينما تابع حمزة بصوتٍ مهزوم :
أبوك طول عمره مفضلك عليا طول عمره شايفك الابن المثالي اللي كان نفسه فيه وأنا.....
أنا كنت الغلطة اللي ندمان عليها كانت نظرته ليا دايمًا كأن وجودي نفسه حمل عليه كأنه ندمان إنه خلفني أصلًا ومهرة هانم بدل ما مرة تهون عليا وتقولي إن تفكيري غلط وإن أبويا بيحبني زيك كانت كل تصرفاتها بتأكدلي إني صح
كانت بتستخدمني عشان تنتقم منهم كلهم كانت بتغذي جوايا كرهها ليهم وحقدها وغيرتها منهم وتزرعهم في قلبي يوم ورا يوم ومع ذلك عمري ما عجبتها......

ابتلع غصته وأكمل بألم :
تصدق يا مالك حتى هي كانت شايفاك أنت
أنت كنت المفضل عند الكل عند أبوك وعند أمك
أما أنا لما أبوك لقى إن مفيش فايدة مني رماني ليها ومشي
مابصش وراه ولا سأل نفسه أنا رايح لفين ولا إيه اللي بيحصلي وهو شايفني كل يوم بضيع أكتر من اللي قبله
أبوك أخدك تحت جناحه ورباك بإيده وزرع فيك كل حاجة كان نفسه يشوفها أما أنا سابني ليها سابني لواحدة مليانة
غل وحقد لحد ما غرست كل ده جوايا لحد ما بقيت شبهها من غير ما أحس في الآخر أنت بقيت شبه أبوك وأنا بقيت نسخة منها هي

أغمض عينيه للحظة وكأنه يسمع صوت والدته الآن :
عمري ما هنسى كلامها وهي قاعدة تحفره جوا دماغي
كانت دايمًا تقولي إنت مش زي حد إنت أحسن من الكل ولو حد من ولاد عمك اتفوق عليك في حاجة واحدة لازم تتفوق عليه في عشرة أوعى تسمح لحد يبقى أحسن منك
كانت تقولي اللي يأذيك ردله أذاه أضعاف متسامحش متتنازلش، متسيبش حقك قسي قلبك يا حمزة وأوعى تسمح لحد ياخد حاجة منك حتى لو كان من دمك كانت تكررها عليا كل يوم لو شافوك ضعيف هيدوسوا عليك لو طيبتك ظهرت هياكلوك مفيش حاجة اسمها عيلة ومفيش حد بيحب حد من غير مصلحة كلام كتير قاسي كانت بتملى دماغي كل يوم
كنت بسمع لها وأحقد عليك أكتر خصوصًا وأنا شايف بابا بيزرع فيك كل حاجة حلوة وهي من الناحية التانية بتقتل فيا الحلو كله عشان اعمل اللي هي فشلت فيه واللي كان واجعني اكتر انه كان شايفني وأنا بضيع وشايف هي بتعمل فيا إيه مع ذلك سابني ليها غيرت منك يا مالك غصب عني
غيرت من حب بابا ليك ومن فخره بيك ومن نظرة الناس ليك
حتى لما عشق اختارتك إنت وفضلتك عليا
كنت شايفك محبوب من الكل وأنا المنبوذ منهم 
لدرجة إني في يوم سمعتهم بيقولوا عني ده تربية مهرة وقتها اتقهرت وأنا بسمع منهم أسوأ كلام عني وفي نفس الوقت عنك بسمع كل خير

رفع عينيه المليئتين بالقهر نحو مالك قائلاً :
كنت أعمل اي مش بأيدي يا مالك روح حاسبهم هما
حاسب أبوك اللي سابني أغرق وسكت وحاسب أمك اللي زرعت الفكرة دي جوايا من وأنا صغير وسقتني غلها وحقدها لحد مامشيت وراها حاسبهم إنهم خلوني أقضي عمري كله بحاول أبقى أحسن منك حتى لو كان التمن إني آذيك وادمر حياتك روح حاسب أمك هي اللي صنعت الوحش اللي واقف قدامك دلوقتي وخلتني أخسر نفسي وفي الآخر خلتني أدمر أخويا بإيديا

كان مالك يستمع إليه وقلبه يتألم أكثر مع كل كلمة رغم الغضب الهائل بداخله ثم سأله بصوت متألم حزين :
طب اي اللي جابك عندي دلوقتي تقولي الكلام ده كله
طالما لسه كارهني
ليه جاي تبرر طالما كل ده في قلبك من ناحيتي يا حمزة

رد عليه حمزة بصدق :
لا أنا جتلك عشان قرفان من نفسي كنت فاكر إني لما أعمل كده هرتاح بس حسيت إني زبالة ومش راجل جتلك عشان نفسي أبقى كويس يا مالك ومش عارف إزاي وعشان طول عمري كنت فاكر إن العيلة ملهاش لازمة زي ما أمي فهمتني بس لما بعدت عنكم حسيت إني ولا حاجة

تنهد ثم تابع بانكسار :
جتلك عشان إنت أخويا الكبير وأنا أخوك الصغير اللي
بيغرق ومستنيك تسحبه لبر الأمان عقابك ليا مهما كان أنا قابله  اضربني اعمل فيا اللي انت عاوزه.....
بس ماتسبنيش يا اخويا

الصدق في كلماته كان واضحًا حد الوجع ودموعه لم تكن دموع رجلٍ يحاول التبرير بقدر ما كانت دموع إنسانٍ انهكته سنوات طويلة من الصراع والضياع

أما مالك فماذا كان بوسعه أن يفعل.....؟!
لطالما كان طيب القلب والجميع يعلم ذلك حاول أن يتذكر كل ما فعله حمزة حاول أن يستحضر ألمه وغضبه وخذلانه حاول أن يقسو عليه ولو قليلًا لكنه كلما نظر إلى عيني أخيه ورأى ذلك الانكسار القابع داخله تهاوت كل جدران غضبه
كان يعلم أن حمزة أخطأ ويعلم أيضًا أنه كان ضحية
ضحية أم غرست السم في روحه قطرةً قطرة حتى أفسدت داخله كل شيء جميل حاول أن يثور من جديد أن يتمسك بغضبه أن يعاقبه ولو بنظرة قاسية لكن قلبه خانه
كعادته وتحرك قبل عقله وفجأة جذب حمزة من قميصه بقوة نحوه وفي اللحظة التالية كان يعانقه عناقًا عنيفًا كأن كل واحدٍ منهما يخشى أن يفلت الآخر من بين ذراعيه

شهقة مكتومة خرجت من حمزة وهو يتمسك بشقيقه بقوة أكبر كغريقٍ وجد أخيرًا طوق النجاة بعد سنوات من الغرق
دفن وجهه في كتفه وأخذ يبكي بحرقة بينما مالك هو الآخر لم يستطع منع دموعه لأول مرة منذ سنوات طويلة سقطت بينهما كل الحواجز لا كراهية....لا منافسة.....لا أحقاد قديمة كما كان يظن حمزة

فقط أخوان أنهكتهما الحياة وجمعهما الوجع من جديد
تشبث كل منهما بالآخر وكأنهما يعوضان سنوات كاملة من الفقد والبعد بينما ارتفعت أصوات بكائهما دون خجل
في تلك اللحظة تحديدًا لم يكن هناك مالك وحمزة الخصمان
بل كان هناك أخوان ضائعان وجد كلٌ منهما طريقه إلى الآخر أخيرًا !!!

ها هي ليان تهلل بسعادة حقيقية وعيناها تلمعان بفخر واضح وهي تستمع لما قصه عليها حمزة عما حدث بينه وبين شقيقه مالك وما إن انتهى حتى ابتسمت باتساع وقالت بحماس :
أنا فخورة بيك أوي يا حمزة !!

رفع عينيه إليها وفي نظرته شيء من التردد والخوف الذي يحاول إخفاءه ثم سألها بصوت خفيض :
بجد ولا بتقولي كده عشان ترفعي معنوياتي أنا عارف أصلًا إن مهما عملت محدش هينسى اللي عملته ولا عمري هكبر في نظرهم ولا حتى في نظرك انتي

لانت ملامحها فورًا وقالت بصدقٍ جعل قلبه يرتجف :
انت طول عمرك كبير في نظري يا حمزة من غير ما تعمل أي حاجة أصلًا !!!

ثم أضافت بمرح خفيف وهي تضحك :
حتى وإنت حقير وفيك العبر كنت شايفاك حاجة كبيرة أوي

ابتسم رغمًا عنه ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت لكنها كانت صادقة لأول مرة منذ زمن

اقتربت منه قليلًا وقالت بتشجيع :
صدقني عيلتنا حلوة أوي يا حمزة وهيبقوا أسعد ناس لو شافوك بتتغير للأحسن ولو إنت قربتلهم خطوة هما هيقربولك ألف بس إنت اثبتلهم إنك فعلًا اتغيرت

نظر لها بحيرة حقيقية وسأل :
ازاي ؟؟

رفعت حاجبها بمرح وقالت :
اتعب شوية يا أستاذ أنا مش هفضل أفكرلك طول الوقت ابذل مجهود يا حضرة الظابط

ضحك بخفوت وهو يهز رأسه لكن نظراته ظلت معلقة بها بطريقة أربكتها دون قصد قبل أن يقول بصوتٍ صادق خرج من أعماقه :
اعمل إيه إذا كنت حاسس إننا واحد وقلبي مش عاوز يسمع غير منك وبس يا ليان

اتسعت عيناها بذهول وشعرت بشيء عنيف يضرب قلبها دفعة واحدة هي حتى الآن لا تصدق أنهما يجلسان معًا بهذا القرب بل يتحدث معها بذلك الصدق وها هو الآن ينطق بكلمات اربكتها وجعلتها تفقد قدرتها على التفكير

أما هو فتابع دون أن يدرك تمامًا تأثيره عليها :
أنا شايف فيكي أمي يا ليان اللي عمرها ما هتقول حاجة غير في مصلحتي

ثم ابتسم فجأة بمشاكسة خففت حدة اللحظة :
وده اللي مصبرني على كلامك وطول لسانك ووأوامرك اللي مبتخلصش

ضحكت بخجل بينما هو أخذ يتأملها بإعجاب واضح وللحق هي دومًا كانت تخطفه دون أن يشعر برقتها وبعينيها حتى طريقتها معه وبذلك الدفء الذي يجعله يهدأ كلما تحدثت
دون تفكير مد يده وأمسك يدها بتلقائية ثم رفعها إلى شفتيه يقبلها وهو يهمس بامتنان :
شكرًا اوووي يا ليان

ارتبكت ليان بعنف واتسعت عيناها وهي تسحب يدها منه سريعًا بينما اشتعل وجهها بحمرةٍ أربكت أنفاسها نفسها
أما حمزة فتجمد مكانه للحظة وكأنه أدرك متأخرًا ما فعله لكنه رغم ذلك لم يستطع إبعاد عينيه عنها ولا منع قلبه من التعلق بها أكثر......

نعم، لم يصل إلى مرحلة الحب بعد هو الآن معجب بل متعلق بها تلك المشاعر التي تتسلل إلى القلب بهدوء فلا تُحدث ضجيجًا ولا تعلن عن نفسها لكنها تحتلك شيئًا فشيئًا حتى يصبح وجود شخصٍ ما جزءًا من يومك وابتسامته سببًا لطمأنينتك وكلماته ملاذًا تلجأ إليه دون وعي
وربما أخطر البدايات هي تلك التي يظن أصحابها أنها مجرد إعجاب عابر بينما تكون القلوب في الخفاء قد بدأت رحلتها الطويلة نحو الحب
...............
كانت تؤدي عملها ككل يوم تُرهق جسدها عمدًا حتى تهرب من عقلها وحين تجد لحظة فراغ تختبئ خلف كتبها فالامتحانات اقتربت ويفترض بها الآن أن تكون بالصف الأول الثانوي بنظام المنازل تُكمل ما انقطع من تعليمها منذ سنوات
لكنها كلما فتحت كتابًا وجدته بين السطور يطل عليها من كل حرف يقتحم أفكارها دون استئذان
ترى صورته أمامها تسمع صوته وتتساءل رغمًا عنها
كيف يعيش بعدها....؟!
هل استطاع أن يكون سعيدًا بعدما دمرها....؟!
هل حقًا سيتزوج غيرها....؟!

زفرت بضيق وأغلقت الكتاب بعنف خفيف وكأنها تغلق بابًا على قلبها لكن الباب لم يُغلق أبدً
في تلك اللحظة دخلت حبيبة إلى الغرف، وما إن رأت حالتها حتى عقدت حاجبيها بقلق قائلة بحدة نابعة من خوفها عليها :
وبعدين يا غنوة دي مش عيشة ولا ده حال يرضي ربنا مش كل ما أجي أبص عليكي ألاقيكي سرحانة وحالتك بالشكل ده طلعيه من دماغك هو خلاص معدش ليه وجود
بلاش عشان واحد ميستاهلش تخسري فرصتك اللي فضلتي سنين تحاربي عشانها، انتي عانيتي عشان تكملي تعليمك بتشقي في شغلك عشان تسددي مصاريف دراستك هترمي تعبك ده كله ع الأرض يعني أنا مش كل شوية هفضل أقولك الكلام ده وأفكرك بيه اعقلي يا غنوة انتي لسه صغيرة والحياة لسه قدامك مش من أول قلم هتقعي وتستسلمي

أومأت غنوة برأسها بصمت
ذلك الصمت الذي سيطر عليها منذ ما حدث
صمت موجع ثقيل وكأن الكلمات هجرتها تمامًا
تنهدت حبيبة بقهر وهي تنظر إليها قائلة بحزن :
منه لله حسبي الله ونعم الوكيل فيه ربنا يحرق قلبه زي ما حرق قلبك ويدوقه من نفس الكاس

ظلت غنوة صامتة فاقتربت منها حبيبة وجلست معها لبعض الوقت تساعدها في المذاكرة تحاول أن تنتشلها من بحر أفكارها ولو قليلًا ثم غادرت لتكمل عملها

لكن ما إن خرجت حتى تفاجأت بذلك الرجل السخيف المدعو راغب ابن شقيق صاحب الفندق يقف يتأملها بنظرات وقحة مقززة تجاهلته وأكملت طريقها نحو مكتبها لكنه اعترض طريقها في منتصف بهو الفندق ووقف أمامها مبتسمًا بمكر :
اإيه يا بس يا قمر هتفضل تقلان عليا لحد امتى؟!

زفرت بضيق قائلة بحدة :
اسمع يا أستاذ ابعد عن طريقي وبطل تطلعلي في
الرايحة والجاية أحسن أقسم بالله أروح أقول لعمك وهو يشوفله صرفة معاك

كادت أن تتحرك لكنه عاد ليقف في طريقها قائلًا بوقاحة :
ما بلاش أستاذ والأسلوب الرسمي ده خليكي على طبيعتك أنا بحب البنات البلدي أوي...... البنات اللي زيك بيبقوا عسلات

اشتعل الغضب بعينيها وردت باحتقار :
لا بقى ده انت راجل زبالة وما اتربتش

ابتسم ببرود واقترب خطوة منها :
خالص.....متربتش خالص وعندي استعداد أسيب نفسي ليكي تربيني براحتك بس انتي شاورِي يا قمر

كانت أعصابها على وشك الانفجار لكنها حاولت أن تسيطر على نفسها حتى لا تفقد عملها إلا أنه تجاوز كل الحدود حين مد يده فجأة وأمسك خصرها يجذبها نحوه وهو يقول بخبث :
مابلاش التقل ده عليا.....
أصل مش ده اللي هيزود الفلوس اللي هتاخديها أنا بتبسط اوووي وبدفع أكتر للي بتدلعني مش اللي تتقل عليا افهمي سكتي صح عشان تعرفي تتعاملي معايا يا قمر

في لحظة انفجر كل الغضب الذي بداخلها
دفعته بعنف حتى ترنح للخلف ثم انحنت بسرعة والتقطت حذاءها الرياضي ذلك الحذاء الذي استلمته مع زي العمل ثم انهالت عليه ضربًا بلا رحمة
كان يحاول صد هجومها، لكنها كانت كالإعصار بل كالوحش الثائر صرخت وهي تضربه بلا توقف :
يا ابن ال......يا قليل الأدب يا زبالة فاكرني من إياهم

عرقلت قدمه بقدمها ليسقط أرضًا فانحنت فوقه تضربه بالحذاء بكل ما تملك من غضب وغل ولسانها لا يتوقف عن سبه بأقسى الشتائم

بينما عند الاستقبال كان إلياس يقف منذ فترة يتابع ما يحدث بصمت لم يتدخل فورًا بل راقبها أولًا وقد أعجبه ما فعلته بذلك الرجل شبيه الرجال لكن حين رأى راغب ينهض غاضبًا ينوي ضربها تحرك فورًا وجذبها خلفه إلا أنها حاولت تخطيه لتصل لذلك الحقير صارخة عليه بغضب :
فاكرني من إياهم يا راجل يا زبالة يا مهزق
يا شايب يا عايب روح شوف نفسك في المراية ده انت ما تسواش تلاتة تعريفة في سوق الرجالة عيب على
سنك والشعرتين البيض اللي في راسك يا راجل يا مهزق عامل صايع وعمال تشقط في البنات يا معفن

أفلتت نفسها من خلف إلياس وعادت تضرب راغب بعنف حتى فقد الأخير القدرة على الدفاع عن نفسه لكن إلياس جذبها بقوة هذه المرة هاتفًا بغضب :
اتهدي واقفي ساكتة مسمعش نفسك

على صوت الشجار خرجت غنوة مع بقية العاملين يتابعون المشهد بشماتة واضحة في راغب المعروف بسوء سمعته
اقتربت من حبيبة بقلق وسألتها :
مالك يا حبيبتي حصلك حاجة.....؟!

لكن حبيبة كانت في قمة انفعالها لا تكاد تسمع أحدًا
في تلك اللحظة ظهر هشام عم راغب وكان على وشك توبيخها إلا أن إلياس سبقه بصرامة حادة :
أستاذ هشام ابن أخوك هو اللي غلطان وانت أكتر واحد عارفه كويس فربيه أحسن ما المرة الجاية أربيه أنا بطريقتي والبنت تخصني وهترجع شغلها بعد ما ابن أخوك يعتذر منها على تطاوله عليها وتحرشه بيها أظن كلامي واضح

كان هشام يعلم جيدًا أن نفوذه لا يُقارن بنفوذ إلياس العمري ولا بمكانة عائلته لذا اضطر لتنفيذ ما طلبه فورًا وأجبر راغب على الاعتذار لها ثم فُض التجمع وعاد الجميع إلى أعمالهم
نظرت حبيبة نحو إلياس بعينين ممتنتين فبادلها إيماءة صامتة أما غنوة.....فكانت في عالم آخر تمامًا
عيناها توقفتا عليه لحظة دخول مروان للفندق برفقة فتاة شقراء جميلة ربما تفوقها جمالًا أيضًا !!

شعرت بقلبها ينقبض بعنف وامتلأت عيناها بالدموع وهي تحدق به في صمت موجوع التقت عيناهما ولم تحتمل أكثر
استدارت فجأة وركضت خارج الفندق بقهر
فقال مروان سريعًا للفتاة التي معه :
تالا اسبقيني على مكتب والدك وأنا هحصلك

أومأت له بهدوء وغادرت بينما اندفع هو خلف غنوة دون تردد !!

اندفع مروان خلفها بأنفاسٍ متلاحقة وصوته المرتجف يطارد خطواتها الهاربة :
غنوة استني…اسمعيني!!!

لكنها لم تكن تسمعه أو لعلها كانت تسمعه أكثر مما ينبغي لذلك ركضت أسرع والدموع تحجب عنها الطريق حتى تعثرت قدمها بحجرٍ بارز فسقطت أرضًا بعنفٍ جعل شهقتها تخرج ممزقة....

تجمد مكانه لحظة رؤيتها تسقط ثم هرع إليها بجنون ثم جثا أمامها وأمسك يدها محاولًا رفعها لكنها انتفضت بعنف وكأن لمسته أحرقتها

دفعت صدره بعيدًا عنها وهي تبكي بقهر بينما هو كان يحاول رغم مقاومتها أن يساعدها على الجلوس انحنى نحو قدمها ليرى موضع إصابتها لكن ما إن لامست أصابعه جلدها حتى ارتعش جسدها بقسوة وأبعدته عنها سريعًا ثم أخذت تفرك مكان لمسته بعنفٍ موجوع كأنها تحاول محو أثره من فوق جلدها ومن داخل روحها !!

ذلك النفور لم يكن من لمسته وحدها بل من الذكرى التي تسكنها من تلك الليلة واستسلامها المغزي له...

اقترب منها ببطء وصوته يفيض قلقًا رغم الألم الذي ينهش صدره وهو يرى نفورها منه :
انتي كويسة رجلك بتوجعك ؟؟

رفعت عينيها إليه كانت نظراتها محملة بالوجع ثم صرخت بصوتٍ مختنق بالبكاء :
توجع فيا وتكسر قلبي وتيجي تسألني أنتي كويسة؟!
انت عاوز مني إيه تاني؟!
ما خلاص خدت كل حاجة حلوة كانت فاضلالي
ليه بتجري ورايا إيه اللي لسه عندي وما أخدتوش

أغمض عينيه لحظة وكلماتها تنغرس في قلبه كالسكاكين ثم قال بصوتٍ متعب :
الموضوع مش زي ما انتي فاهمة يا غنوة…
حكايتي أنا وانتي من الأول ماكنتش تنفع بأي شكل

ضحكت بمرارةٍ موجعة، ثم صرخت فيه بانهيار :
وأنت لسه عارف إنها ما تنفعش
أنا مقربتش منك خطوة غير لما شوفتك إنت اللي بتقرب
أنا كنت مجرد رد فعل لحب إنت زرعته جوايا
إنت اللي قولتلي بحبك إنت اللي قربت ولمستني وأنا بغبائي صدقتك

ارتجف صوتها وهي تكمل ودموعها تنهمر بغزارة :
أنت اللي بدأت بكل حاجة وأنا مشيت وراك عشان كنت
غبية وصدقتك

تنفست بصعوبة، ثم أردفت بصوتٍ مكسور :
أنا دخلت بيتكم وأنا فيا اللي مكفيني موجوعة ومهدودة ولما شوفت حبك أو اللي كنت فاكرة إنه حبك قلت يمكن ده عوض ربنا ليا....اتاريك كنت وجع جديد وأنا معرفش

طأطأ رأسه عاجزًا بينما كانت كلماتها تسحق ما تبقى داخله :
كنت عارف اللي فيا ومع ذلك وجعتني
استكترت عليا أعيش بالحتة الصغيرة اللي باقيالي من نفسي مبسوطة

اقترب منها أكث، وأمسك يديها المرتجفتين يقبلهما بندمٍ صادق وصوته يكاد ينهار :
سامحيني.....سامحيني.....أنا آسف

نزعت يديها منه بعنف وكأن اعتذاره إهانة جديدة ثم قالت بمرارة :
أسامحك دي تتقال لو خبطتني بالغلط مش لما تكسر قلبي

شهقت باكية، ثم أكملت بصوتٍ يمزق الروح :
أنا عمري ما هنسى الإهانة اللي شوفتها منك
عمري ما هنسى كسرة نفسي وأنا واقفة مستنية منك تقول اسمي لأبوك عشان تتجوزني وفجأة ألاقيك رايح تخطب غيري....

ارتعشت شفتاها وهي تتابع.:
عمري ما هنسى نظرات الكل ليا وأنا صعبانة عليهم
نظرات الشفقة اللي كانت بتقتلني ولا عمري هنسى انك قولت عليا خدامة وان انا اللي سلمتلك نفسي بإرادتي رغم انك عارف ان يومها انا قاومتك وحاولت ابعد بس انت مسمحتش بده واستغليت ضعفي من اللي حصل قبلها انت عشان تطلع نفسك بريء اتهمتني أنا وطلعتني رخيصة قدام اهلك
اهلك اللي كانوا احن عليا منك انت
عمري ما هسامحك ولا هنسى الوجع اللي عيشته بسببك

هنا فقط سقطت دموعه هو الآخر بلا مقاومة بلا كبرياء
لكنها لم تتوقف بل تابعت بهذيان :
أنا كنت ببررلك كل حاجة غيابك، هروبك مني بعد اللي حصل بينا وأقول معلش، أكيد مضغوط أكيد أهله رافضني
كنت بخلقلك أعذار بإيديا عشان أفضل شايفة صورتك حلوة

رفعت عينيها إليه، وكانت نظراتها مليئة بانكسارٍ مرعب :
بس الحقيقة إنك إنت اللي ماكنتش عاوزني
إنت اللي اتخليت عني

أحس كأن الأرض تُسحب من تحت قدميه بينما كانت تكمل بصوتٍ يرتجف من شدة القهر :
خلتني أشك في كل حاجة عشتها معاك
خلتني أحس إني واحدة غبية عشان ما شوفتش
كدبك وخداعك ليا
كل كلمة كل لمسة كل حاجة حلوة بينا طلعت كدب في كدب 

ثم همست بجملةٍ خرجت كأنها نزيف روح :
أنا بقيت شايفة نفسي واحدة رخيصة واحد اتسلى
بيها ورماها.....بقيت أقرف من نفسي بسببك

انفجرت بعدها في بكاءٍ مرير تبكي بصوتٍ مرتفع كأن قلبها أخيرًا قرر أن ينهار أمامه دون رحمة
أما هو فظل واقفًا أمامها عاجزًا لا يملك كلمة واحدة تستطيع تضميد كل هذا الخراب الذي صنعه بيده 
ثم انحنى أمامها على ركبتيه ونظر إليها بعينين غارقتين بالندم :
بس أنا فعلًا بحبك يا غنوة والله كل حاجة بينا كانت حقيقية

نظرت إليه طويلًا لكن الثقة حين تُكسر لا يعيدها الحب وحده
نزعت يدها من بين يديه ونهضت ببطء وهي تهز رأسها بعدم تصديق وفي اللحظة التي فتح فمه ليتحدث جاء صوتٌ ناعم من خلفهما :
مروان بابي مستنيك في مكتبه من بدري عشان تتفقوا على ميعاد خطوبتنا !!

تجمد كل شيء التفت مروان بصدمة بينما وقفت غنوة كأن أحدهم غرس خنجرًا جديدًا في صدرها للتو.....
كانت تالا تقف هناك هادئة مبتسمة لا تعلم أن كلماتها وحدها كانت كفيلة بأن تُسقط آخر جزءٍ حي داخل قلب غنوة !!

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

ابتسامة فخر خالصة ارتسمت على وجه بدر وفشلت كل محاولاته لإخفائها وهو يرى ابنه الأكبر يوسف يقتحم قاعة الاجتماعات بخطوات واثقة أمام مديري الأقسام كافة
وقف يوسف عند الباب ثم قال بابتسامته الجذابة التي خص بها والده :
يا ترى مكاني لسه موجود في الشركة.....؟!!

رغم محاولته الحفاظ على وقاره إلا أن قلبه كأب تغلب
عليه وها هو في المساء كان يقص على حياة ما حدث أثناء الاجتماع بينما كانت تستمع إليه بابتسامة خافتة ليختتم حديثه ساخرًا :
فاكر نفسه عبد الوهاب وأنا عبد الغفور البرعي بروح أمه !!

رمقته حياة بنظرة حادة وقالت :
بدر لم لسانك

هز كتفيه بلا مبالاة مجيبًا :
طولة اللسان لسه جاية طول ما الواحد عنده عيال زي عيالك يخرجوا الواحد عن شعوره ويخلوا المؤدب قليل الأدب

ثم زفر بضيق وأكمل :
ده كفاية الزفت مروان روحت كلمتله بنت هشام وأنا أصلًا مش مقتنع عملت كده بس عشان زي ما إنتي قولتي يا حياة ما يجيش يوم ويلومنا إننا اللي اخترناله وهو بنفسه خلاص اختار تالا وشايفها مناسبة يبقى هو حر مع إني عارف إنه هيتعذب بكل اللي بيعمله ده دلوقتي

ارتسم الحزن على ملامحها وقالت بصوت مثقل بالألم :
عارفة يا بدر بس ما نقدرش نغصب عليه وفي نفس الوقت صعبانة عليا غنوة أوي

صمتت لحظة قبل أن تتابع بحزن :
البنت بتفكرني بنفسي زمان وباللي عيشته الفرق إن بابا كان عنده سبب حتى لو ضعيف إنما هي أبوها عذره إيه إزاي يسيبها لوحدها في الدنيا بالشكل ده وهي لسه ماكملتش عشرين سنة

تنهدت بحرقة وأضافت :
على قد ما نفسي مروان يرجع لعقله ويتجوزها على قد ما شايفة إنها تستاهل واحد أحسن من ابني يا بدر وخايفة لو جري عليها تسامحه وتنسى كل اللي عمله فيها صحيح هو ابني ومايرضنيش وجع القلب ليه بس كمان مايرضنيش الأذى لبنات الناس

أطرق بدر برأسه قليلًا ثم قال بهدوء ظاهري يخفي خلفه يقينًا كاملًا بما سيحدث مستقبلاً :
هيرجع لعقله يا حياة عشان مهما حكم العقل في موضوع زي ده السلطة في الآخر للقلب

رفع عينيه إليها وأكمل بيقين :
ومفيش حد يقدر يتمرد على قلبه

وبالفعل كان مروان يجلس مع تالا الآن لكنه لا يشعر بشيء سوى الثقل كأن وجوده معها واجب يؤديه لا رغبة يعيشها
كلمات مقتضبة، ابتسامات باهتة، وأحاديث خالية من الروح
اختار العقل والمظاهر والمنطق والحسابات الدقيقة، مقابل ذلك خسر دفء اللحظات التي كان يعيشها مع من أحب
لم تكن جلسته مع تالا تشبه جلسته مع غنوة أبدًا

مع غنوة كان كل شيء مختلفًا حتى الصمت بينهما كان له معنى والنظرات كانت ممتلئة بالكلمات

أما الآن فلا سعادة حقيقية، ولا راحة، ولا ذلك الشعور الخفي الذي يجعل الإنسان يشتاق للقاء قبل أن ينتهي وفي كل مرة يحاول فيها قلبه التمرد، يتدخل عقله سريعًا ليعيده إلى قفص المنطق يهمس له أن هذا هو القرار الصحيح
أن هذا هو الاختيار المناسب وللحق...
كانت تالا فتاة لا ينقصها شيء
جميلة، راقية، متعلمة، ومن عائلة مرموقة
تمتلك كل الصفات التي قد تجعل أي رجل يتمناها زوجة له
لكن رغم امتلاكها لكل شيء عجزت عن امتلاك الشيء الوحيد الذي امتلكته غنوة دون أن تحاول.....قلبه
ذلك القلب الذي ما زال رغم كل محاولاته للهرب ينبض باسم غنوة وحدها !!!!
................
كان نوح وسليم يقفان في الممر أمام غرفة شدوى بالمستشفى بعد نقلها إلى أحد المستشفيات الكبرى التابعة لعائلة الجارحي جلست فيروز على أحد المقاعد القريبة تدعو الله بداخلها  بينما كانت عيناها معلقتين بنوح وسليم بنظرات مشتعلة بالكره والغضب فكل ما أصاب شقيقتها كان بسببهما من وجهة نظرها

أما أدهم فكان يقف صامتًا لكن ذلك الصمت لم يكن إلا ستارًا يخفي خلفه بركانًا من الغضب والانهيار وقد التقط سليم ذلك بسهولة فهو يعرف والده جيدًا ويعلم أن هذا الأمر لن يمر مرور الكرام

مرت دقائق طويلة بدت وكأنها ساعات قبل أن يخرج الطبيب أخيرًا من الغرفة قائلاً بارتياح :
الحمد لله قدرنا نسيطر على الحالة لكن للأسف الحمل عندها صعب وفيه مشاكل كتير صحيح استقرت دلوقتي لكن الأفضل تفضل تحت الملاحظة في المستشفى لحد ما نطمن تمامًا الحمل لسه مش ثابت وده محتاج راحة تامة ومن غير أي مجهود أو توتر أو عصبية خصوصًا في الفترة دي

سألته فيروز بلهفة وقلق :
طب هي فاقت اقدر اشوفها

أومأ الطبيب برأسه قائلاً :
أيوة فاقت وبعد شوية تقدروا تدخلوا تطمنوا عليها بس أهم حاجة تلتزموا بالتعليمات الحمد لله ربنا ستر لأنها وصلت في آخر لحظة فعلًا كان ممكن نفقد الجنين والأم نفسها كانت هتتعرض لمضاعفات

هز أدهم رأسه في صمت وما إن ابتعد الطبيب حتى اندفع نوح نحو الغرفة واقتحمها بعنف أسرعت فيروز خلفه وكذلك سليم وأدهم

لكنهم تجمدوا في أماكنهم عندما وجدوا نوح يقف بجوار الفراش ويصرخ في وجه شدوى التي انتفضت فزعًا :
اللي في بطنك ده ابن مين.....؟؟

اتسعت عينا شدوى بالخوف ولم تجيب عليه بل التفتت حولها تستنجد بعينيها بفيروز فاندفعت الأخيرة نحوه صارخة عليه بغضب :
انت اتجننت مش سمعت الدكتور قال إيه يا بني آدم يا همجي أنت 

دفعها نوح بعيدًا دون أن يلتفت إليها ثم أمسك فك شدوى بعنف وهو يصرخ عليها :
انطقي ابن مين اللي في بطنك ده

ارتجفت شدوى وانهارت باكية فتدخل سليم بسرعة وأبعده عنها بقوة قائلاً بحدة :
ابعد عنها شغل الهمج ده تعمله بره المستشفى دي

أسرعت فيروز نحو شقيقتها واحتضنتها بحماية بينما دفع سليم نوح خارج الغرفة عنوة واغلق الباب خلفه وبقي أدهم واقفًا أمام الفراش يراقب حالة الذعر التي تعيشها الفتاة ببعض الشفقة رمقتها شدوى بعتاب واضح لأنها كشفت مكانها لكن فيروز فهمت نظرتها وقالت بخفوت :
ازعلي مني لو عايزة بس كان لازم اكلمهم كنا محتاجين فلوس عشان ننقلك مستشفى كبيرة تنقذك لو كنت كلمت أهلنا في البلد وعرفوا إنتي عارفة كانوا هيعملوا إيه ع الأقل دول أرحم يا شدوى سامحيني ماعرفتش أتصرف

لم ترد شدوى، واكتفت بالبكاء اقترب أدهم بهدوء ثم سحب مقعدًا وجلس أمامها وكانت نظراته عليها هادئة وحانية وهو يرى خوفها الشديد فسألها بصوت خفيض :
اللي في بطنك ابن مين وقبل ما تردي اعرفي إن سواء كان ابن نوح أو ابن سليم انتي في حمايتي محدش هيقدر يلمسك فاتكلمي وقولي الصراحة 

ترددت شدوى لكن فيروز شجعتها بنظرة مطمئنة وأخيرًا خرج صوتها المرتجف من شدة الخوف :
نوح......اللي في بطني ابن نوح

زفر سليم براحة واضحة وكذلك أدهم وإن أخفى ذلك جيدًا
لكن شدوى أكملت وهي تبكي :
ليا عندك طلب يا باشا

أومأ لها فتابعت بتوسل :
احميني من نوح قول إن اللي في بطني ابن سليم
نوح لو عرف إنه ابنه هيقتلني أو ياخده مني ماسك عليا فيديوهات لينا سوا وبيهددني بيها لو بعتها لأهلي هيقتلوني أنا وابني يا هيستناني أولد وبعدين ياخد ابني ويبلغ اهلي عشان يخلصوا مني أبوس إيدك أبعده عني قول إنه ابن سليم وأنا بعد الولادة هاخد ابني وأختفي ومش هتشوفوا وشي تاني

نظر إليها أدهم طويلًا قبل أن يقول بهدوء :
وهترضي لابنك يعيش من غير أب.....
يعيش وسط الناس محدش يعرف أصله طيب سيبك من دي أهلك سواء دلوقتي أو بعدين هيعرفوا إن عندك ابن من غير جواز ساعتها هتعملي إيه الهروب مش حل يا شدوى ومش هيخلصك من نوح

انفجرت بالبكاء بينما تابع هو بنبرة صارمة :
إنتي محتاجة قسيمة جواز ترفعي بيها راسك قدام الناس وبعدها برده ورقة طلاق وشهادة ميلاد سليمة للولد باسم أبوه كل ده أنا هعمله

ثم أضاف بقسوة لم يحاول إخفاءها :
مش عشان انتي تستاهلي لأ.....
اللي تسلم جسمها للرجالة زيك كده وترخص نفسها تستاهل تداس بالجزم ولو كان مبررها اي
مفيش واحدة متربية هتعمل اللي عملتيه اهلك معرفوش يربوا وأنا كمان معرفتش اربي ابني لأنه غلطان زيه زيك
أنا عملت كده عشان اللي بطنك مالهوش ذنب يجي الدنيا يتحمل نتيجة عمايلك ويعيش وسط الناس موطي راسه بسببك

أجهشت شدوى بالبكاء بمرارة فتابع بجدية وصرامة :
كملي علاجك هنا وإنتي مطمنة رجالتي هيكونوا حواليكي طول الوقت محدش هيقرب منك ولا حتى نوح لحد ما أرتب كل حاجة ويكتب كتابه عليكي رسمي 

ساد الصمت داخل الغرفة أما سليم فكان يقف في الخلف يشعر بالخجل من نفسه ومن كل ما حدث غير قادر على رفع عينيه نحو والده وما إن نهض أدهم وغادر الغرفة حتى لحق به سليم وغادر  بينما أطلقت فيروز زفرة طويلة مليئة بالارتياح وشدت شقيقتها إلى صدرها تحاول أن تمنحها بعض الأمان لكن شدو، رغم كل شيء ما زالت ترتجف خوفًا من بطش نوح الذي لا يعلمه أحد مثلها !!
..............
ريما هربت.....!!!
سقطت الكلمات كالصاعقة فوق رؤوس الجميع لكن وقعها على يوسف كان الأعنف على الإطلاق
منذ أن سمع الخبر وهو يحاول الاتصال بليلى دون توقف إلا أنها لا تجيب في البداية ظن أنها تتعمد تجاهله هو فقط لكنه سرعان ما اكتشف أنها لا ترد على أحد عندها بدأ الخوف ينهش قلبه بلا رحمة كالمجنون راح يبحث عنها في كل مكان حتى عثر عليها أخيرًا داخل أحد فروع عملها ورأها تجلس خلف مكتبها منهمكة في عملها وكأن شيئًا لم يحدث......

دفع باب المكتب بقوة واقتحمه دون استئذان ثم اندفع نحوها ليضمها إلى صدره بعنف ولهفة يحاول أن يطمئن قلبه بنفسه أنها ما زالت بخير

تجمدت ليلى من الصدمة وحاولت الابتعاد عنه لكنه ظل متشبثًا بها بقوة وبعد لحظات أمسك وجهها بين كفيه وأخذ يتفحصها بعينين امتلأتا بالقلق :
انتي كويسة قوليلي إنك كويسة
مش بتردي على تلفونك ليه موتينا من القلق عليكي خوفت تكون عملتلك حاجة المجنونة دي

نظرت إليه باستغراب وسألته بتعجب :
حصل إيه لكل ده وبعدين مين اللي ممكن يأذيني

رد عليها بضيق واضح :
ريما هربت من المصحة

اتسعت عيناها للحظة قبل أن تطلق ضحكة ساخرة وهي تهز رأسها قائلة بتهكم :
وانت بقى خايف عليا من واحدة زي دي معتقدش إنها ساذجة للدرجة اللي تخليها تيجي تقتلني أكيد هتهرب تدور على مصلحتها هي

نفى برأسه بعناد وقال :
ـ أيا كان اللي بتفكر فيه أو ناوية تعمله انتي من النهارده ممنوع تخرجي لوحدك

ردت عليه ببرود استفزه بشدة :
تمام بلغت الرسالة وقدمت النصيحة اتكل على الله بقى وسيبني في شغلي عشان مش فاضية

زفر بقوة وشعر أن أعصابه أوشكت على الانفجار من برودها المستفز ثم صاح بغضب :
من غير كلام كتير لمي حاجتك عشان أوصلك البيت بنفسي ولعلمك خالي بنفسه أمر بكده ممنوع خروج لوحدك يلا اتحركي الكل مرعوب وعاوزين يطمنوا عليك.....اسمعي الكلام 

رفعت حاجبها بسخرية وقالت :
والله لو كنت آخر واحد في الدنيا يا يوسف مستحيل أسمع كلامك روح احمي نفسك أنت الأول أنا كفيلة بنفسي كويس أوي الدور والباقي على اللي فضل سنين بيتأذى منهم وهو مش داري لكن أنا بعرف أتعامل مع الأشكال دي.......

لكن فجأة تجمد يوسف في مكانه فور أن سمع صوت كريم يصدح من خلفه بينما ارتسمت على وجه الأخير لهفة واضحة وهو يتجه نحو ليلى :
ليلى إزيك

اشتعل الغضب داخل يوسف في اللحظة نفسها وراح يتساءل في ضيق ما المصيبة التي أعادت ذلك المستفز إلى حياتهم مجددًا كان لا يطيقه من الأساس فكيف وهو يحاول الآن الاقتراب منها اشتعلت نيران الغيرة في صدره فتقدم خطوة للأمام وسأله بحدة :
ايه اللي جابك هنا....؟!

ألقى كريم نظرة باردة حوله قبل أن يرد باستفزاز واضح :
على حد علمي ده شغل ليلى ومكتبها فهي بس اللي من حقها تسألني مش انت

جز يوسف على أسنانه بقوة بينما تجاهلت ليلى التوتر المتصاعد وقالت بابتسامة مجاملة :
اقعد يا كريم قولي تشرب إيه

جلس كريم براحة تامة ثم ألقى نظرة متحدية نحو يوسف قائلاً بمغزى لم يفهمه سواهما :
قهوة أصلي بحبها أوي يا يوسف وبحب أشربها كل يوم ونفسي تحبني هي كمان

في لحظة واحدة انقبضت ملامح يوسف وشعر بالدماء تغلي في عروقه قبض على ياقة قميصه بقوة ثم صاح عليه
بغضب وغيرة :
اقصر الشر يا كريم أحسن أقسم بالله أديك علقة وأكومك زي ما كنت بعمل زمان ليلى خط أحمر ابعد عنها عشان أنا معنديش تفاهم في الموضوع ده

لم تهتز شعرة واحدة في كريم بل ازداد بروده وهو يجيبه بتحدي :
ومين قالك إني عاوز أتفاهم....؟!!!

ثم اقترب منه قليلًا وهمس بصوت خافت لم يصل إلى مسامع ليلى :
أنا يا قاتل يا مقتول يا ابن العمري يا هخليها تحبني يا هخليها برضه تحبني وآخدها منك

كانت تلك الكلمات كفيلة بإشعال ما تبقى من أعصاب يوسف احتقن وجهه بالغضب ورفع يده ليهوى بها على وجهه بلكمة قوية اطاحت به ارضًا لكن ليلى اندفعت بسرعة ووقفت بينهما ثم نظرت إلى يوسف بغضب صارخة عليه بانفعال شديد :
ايه الهمجية دي بأي حق تضرب ضيفي وفي مكتبي كمان؟!

أشار يوسف إلى كريم وهو يحاول السيطرة على غضبه لكنها لم تمنحه فرصة للكلام :
اطلع بره متخلنيش أشوف وشك تاني إنت زودتها أوي ومش كل مرة هقولك الكلمتين دول خلي عندك دم وابعد عن حياتي بقى

ساد الصمت بينهما للحظات
صمت طويل ومريب جعل القلق يتسلل إلى داخلها
كانت تعرف تلك النظرة جيدًا وحين ضاقت عينا يوسف بذلك الشكل أدركت أن شيئًا ما على وشك الحدوث وبالفعل في لحظة واحدة انحنى نحوها ثم حملها فوق كتفه كما لو كانت لا تزن شيئًا بينما التقط حقيبتها وهاتفها بيده الأخرى
شهقت ليلى بصدمة وهي تضرب ظهره بكل ما أوتيت من قوة :
يوسف نزلني حالًا أنت اتجننت؟!

لكنه تجاهل صراخها تمامًا واتجه بها نحو الخارج بخطوات ثابتة :
نزلني بقولك

لم يرد عليها لتتابع صراخها عليه بغل '
يا بني آدم الناس بتتفرج علينا

رد عليها ببرود :
تتفرج !!

ازدادت مقاومة ليلى بينما كان يعبر بها الممرات غير عابئ بنظرات الموظفين المذهولة أو همساتهم المصدومة
بعضهم وقف في مكانه غير مصدق لما يراه وآخرون تبادلوا النظرات بذهول وهم يشاهدون مديرتهم تُحمل على كتف رجل يخرج بها بالقوة وسط صراخها أما يوسف فلم يكن يرى أو يسمع أحدًا كل ما كان يشغل باله في تلك اللحظة أنها بخير
وأنه لن يسمح لها بالابتعاد عن عينيه ولو لثانية واحدة بل لن يسمح لها بالأساس ان تكون بقرب ذلك الغليظ كريم !!!

اشتعل غضب ليلى فور أن أغلق يوسف باب السيارة والتفتت إليه بعينين تقدحان شررًا وهي تصرخ فيه :
إنت خلاص اتجننت ومش شايف نفسك بتعمل إيه إزاي تتجرأ وتشيلني كده وسط الناس عقلك فوت خلاص ونسيت الصح من الغلط ما طبعًا ليك حق اللي يعاشر الزبالة يبقى زيها  بالظبط والست اروى بهتت عليك من زمان 

اشتدت قبضة يوسف على عجلة القيادة وبرزت عضلات فكه من شدة الغضب والغيرة ألقى عليها نظرة حادة قبل أن يجيبها بنبرة خشنة :
خلصتي؟

ردت عليه بتحدي وغضب :
لا ولسه عندي كلام كتير.........

قاطعها وهو يرمق شفتيها بنظرة أربكتها رغم غضبها :
احسنلك تقفلي شفايفك اللي بتنقط سم دي أحسن ما أزرعك بوسة تخليكي تنسي إنتي كنتي بتقولي إيه

اتسعت عيناها بصدمة من وقاحته ثم احمر وجهها رغماً عنها فاختلط الخجل بالغيظ داخلها :
انت قليل الادب 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية مستفزة وهو ينظر إليها :
وبعدهالك يا بنت خالي شكلك نفسك تتباسي !!!!

كادت ترد عليه بكلمات أكثر حدة لكنها التزمت الصمت في النهاية وهي تزفر بغيظ بينما بدأ هو القيادة وكأنه انتصر في معركة صغيرة بينهما وفي تلك الأثناء كان كريم قد اندفع خلف السيارة وهو ينادي بصوت مرتفع :
ليلى.....ليلى استني

لكن يوسف ضغط على دواسة الوقود دون أن يلتفت خلفه فانطلقت السيارة مبتعدة بسرعة بينما انعكس شبح ابتسامة ظافرة على وجهه وهو يراه يتلاشى في المرآة الخلفية

أما ليلى فجلست إلى جواره عاقدة ذراعيها تغلي من الغضب !!!!!!!
..............
كانت غزل تقف في غرفتها كمن يغلي من الداخل تدور حول نفسها بعصبية وعيناها لا تفارقان انعكاسها في المرآة
إلى الآن لم تستطع أن تجذبه إليها لم تنجح حتى في سرقة نظرة واحدة منه منذ زواجهما وهو دائم الانشغال يغادر الفيلا باكرًا ويعود متأخرًا وإن اجتمعا تحت سقف واحد بدا وكأن بينهما مدنًا لا غرفة واحدة.....
تأملت نفسها بحزن هي غزل الصياد
المرأة التي لطالما تغنى الجميع بجمالها والتي كانت تزداد سحرًا كلما مر عليها العمر بدلًا من أن تنقصها الأيام شيئًا ابنة عائلة عريقة يكفي اسمها وحده ليفتح الأبواب المغلقة
جريئة متمردة، اعتادت أن تنال ما تريد متى أرادت ومع ذلك عجزت أمام رجل واحد رجل لم تعرف قبله الحب ولم يلفت انتباهها أحد كما فعل هو قبل عامين رأته لأول مرة فظنت أن ما تشعر به مجرد إعجاب عابر لكنه لم يكن كذلك

بمرور الأيام تحول الإعجاب إلى تعلق ثم إلى عشق ثم إلى هوس جعلها تفكر فيه أكثر مما ينبغي
لم يكن فارق العمر بينهما يقل عن سبعة عشر عامًا لكنه لم يشكل لها يومًا عائقًا كانت ترى فيه رجولة آسرة وهيبة لا تشبه أحدًا وشهامة جعلتها تؤمن أنه الرجل الوحيد الذي يمكن أن ترى نفسها معه

طوال سنوات عمرها الثمانية والثلاثين لم تحب رجلًا غيره ولم تتخيل نفسها زوجة لأحد سواه تنهدت بحرقة وهي تتذكره حتى الآن ما زالت تشعر أن قلبه محتجز عند امرأة أخرى....مهرة ذلك الاسم وحده كان كفيلًا بإشعال النار داخلها

منذ يومين وقعت عيناها على صورة قديمة تجمعه بمهرة ومنذ تلك اللحظة لم تستطع إخراجها من رأسها
كم بدت السعادة واضحة في عينيه وهو بجوارها وكم كرهت غزل تلك الصورة.....لا بل غارت منها حد الاختناق
كانت تتمنى لو تستطيع أن تنتزعها من ذاكرته كما تُنتزع الصفحة من كتاب تمنت لو تشفي جراحه التي تركتها فيه لو ترى الراحة في عينيه بدل ذلك الحزن الذي يسكنه
أغمضت عينيها لثوانٍ قبل أن تتجه نحو خزانتها بخطوات بطيئة فتحت أحد الأدراج وأخرجت كيسًا أسود أنيقًا كانت تخبئه بعناية ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيها وهي تنظر إلى ما بداخله بتحدي وثقة !!!!!
..........
في المساء اندفع أوس إلى داخل الغرفة، لكن خطواته تيبست فجأة وكأن الأرض قد سحبت من تحت قدميه تسمرت عيناه بذهول وهو يطالع غزل التي استقرت في وسط الغرفة كأنها لوحة فنية رُسمت بجراءة، كانت ترتدي جلباباً أسود ضيقاً يلتف حول جسدها كجلد ثانٍ، مرصعاً بفصوص ذهبية تتلألأ مع كل نَفَسٍ تأخذه، انفتحت جنبات الجلباب بطول ساقيها، بينما أحكمت ربط شالٍ حول خصرها يصدر رنيناً مستفزاً مع أقل حركة
انسدلت خصلات شعرها البني الطويل بتموجات ساحرة وزين الكحل عينيها بنظرة تحدي، بينما منحها أحمر الشفاه الوردي طابعاً من الدلال القاتل، اقتربت منه بخطوات واثقة وقالت بصوت يقطر غنجاً يذيب الصخر :
عجبتك؟!
ابتلع أوس لعابه بصعوبة، وشعر بكيانه يهتز، حاول استحضار صورة مهرة في ذهنه، حاول تذكير نفسه بأن هذا الزواج مجرد صفقة باردة، لكن سحر غزل كان يذيب تلك الحواجز كالثلج تحت شمس حارقة، وبينما هو غارق في صراعه الداخلي اقتربت أكثر وطبعت قبلة خاطفة بجانب شفتيه فانتفض جسده كمن مسه تيار كهربائي، وابتعد سريعاً وهو يحاول التقاط أنفاسه المبعثرة......

لم تمنحه فرصة للتفكير دفعته برقة نحو الفراش وضغطت على زر الموسيقى، لتبدأ في التمايل باحترافية خطفت أنفاسه كان ينظر إليها مأخوذاً، مسحوراً، وكأنها غزال بري يروضه في عقر داره وقبل أن يسقط تماماً في فخ إغوائها، وتنهار آخر حصون مقاومته، وقبل أن تلامس شفتيها وجهه استجمع بقايا قوته وركض خارج الغرفة، وقف خلف الباب يلهث قائلاً بصوت خافت مرتجف من الانبهار :
ده الواحد مكنش متجوز ولا عمره شاف الجواز......يخربيتها !!

لكنه لم ينتبه لتلك الواقفة في الظلال انها مهرة
كانت عيناها تشتعلان بنار الغيرة القاتلة وقد سمعت ألحان الموسيقى التي أكدت شكوكها صرخت بجنون هز أركان المكان :
أوس!!!
التفت إليها أوس، فاستحال انبهاره إلى جمود صلب نظر إليها ببرود يحمل في طياته ذكريات فعلتها التي لم ولن تغتفر مزيجاً من الحب المسموم والمقت الشديد وفي تلك اللحظة خرجت غزل من خلفه، تتهادى بدلالها الأنثوي الطاغي لتواجه نظرات مهرة الشرسة التي كانت مستعدة للفتك بها
لكن غزل ببرود شديد وابتسامة انتصار وضعت يدها على كتف أوس وقالت بمكر جعل الأخرى تشتعل أكثر.......!!!
..............
كانت سيدرا تجلس إلى جوار شقيقها في حديقة القصر تتأمله بصمت للحظات قبل أن تسأله برفق :
عامل إيه يا يونس؟

تنهد يونس ورد عليها بحيرة :
مش عارف أنا كويس ولا لأ يا سيدرا

تأملته بحزن قبل أن تقول بصدق :
أنا حاسة بيك يا يونس ومن زمان حبك ليها مهما قدرت تخبيه عن الكل كان ظاهر ليا أوي كنت بشوفك بتتعذب إزاي مجرد ما سيرتها تتذكر في جملة واحدة مع اللي اسمه نوح كنت بحس بلهفتك أول ما اسمها يتقال قدامك حتى فرحتك اللي مكنتش قادر تداريها يوم فرحكم كنت حاسة بيها وعارفة قد إيه كنت مبسوط

صمتت لثوانٍ ثم تابعت وهي تهز رأسها بحيرة :
جوازك من قمر مش طبيعي ومش مفهوم وفي حاجة غلط الكل حاسس بيها وأنا مش هضغط عليك عشان أعرفها لأن دي بقت حياتكم الخاصة،ط بس مش هقولك غير حاجة واحدة متحاربش على الفاضي ومتعلقش قلبك بحاجة انت مش ضامن انها تكون ليك متجيبش لنفسك وجع القلب

أطرق يونس رأسه دون أن يعلق بينما تابعت هي بصوت اختلط فيه الضيق بالحزن :
أنا عمري ما عرفت أصفى لقمر يا يونس ولا عرفت أحبها زي باقي بنات العيلة

رفع يونس رأسه إليها بذهول، فتنهدت قائلة :
عشان شايفة عذابك بسببها وعشان عارفة إن حبك ليها مجابش ليك غير وجع القلب أنا عارفة إن الحب مش بإيدينا وأن هي مالهاش ذنب بس مقدرتش.....
انت أخويا الوحيد وتوأمي يصعب عليا أشوفك موجوع بسبب حد وأتعامل معاه عادي

ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة ثم قال بهدوء يحمل صدقًا موجعًا :
أنا حتى الوجع منها حابه يا سيدرا.....
حتى لو مقدرتش تحبني كفاية عليا وجودها في حضني
حبي ليها يكفيني ويكفيها

نظرت إليه بحيرة وكأنها لا تستطيع فهم ذلك القدر من التعلق ثم قالت :
الحب ده متعب أوي يا يونس تعرف إن بابا كان بيحب واحدة زمان ومقدرش يفوز بيها وإنت وقمر ويوسف وليلى واللي حصل لمالك وعشق وصافي وإياد
ليه الحب فيه وجع كده ليه دايمًا اللي يحب لازم يتوجع

توقفت قليلًا قبل أن تضيف بصوت خافت :
أنا بقيت خايفة ييجي يوم وأحب خايفة أوجع اللي هحبه أو أتوجع منه خايفة أعمل عيلة ويحصل فينا زي ما حصل بين بابا و......ومراته

تعمدت ألا تنادي والدتها بـ"ماما" وقد التقط يونس ذلك بسهولة فهو مثلها لكنه لم يعلق اكتفى بالنظر إليها بعينين متفهمتين قبل أن يقول ببساطة :
عشان الحب رغم المر اللي بنشوفه فيه بس حلو
عمرك ما هتحسي بقيمة الحب إلا بعد الوجع وعمرك ما هتقدري حبيبك إلا بعد ما تمروا سوا بكل المطبات اللي هتقابلكم المشاكل هي اللي بتقوي الحب وبتخلي الحبيب يعرف قيمته عند التاني

صمت للحظة ثم أكمل بابتسامة هادئة :
صدقيني يا سيدرا لحظة حب بس مع حبيبك بتبقى الدنيا باللي فيها مجرد ابتسامة صافية لبعض أو ضحكة أو قعدة هادية أو كلمة بحبك بتنسي مرار الحب كله

نظرت إليه بسخرية ثم قالت بتهكم :
لازم عشان أحب أتوجع يعني

ارتسمت على شفتي يونس ابتسامة صغيرة وهو يحدق أمامه بشرود ثم هز رأسه نافيًا وقال بهدوء :
لا مش لازم بس الوجع جزء من أي حاجة غالية في الدنيا مش الحب بس النجاح فيه تعب والصداقة فيها خذلان أوقات حتى العيلة نفسها فيها مشاكل الفرق إن الحب لما يكون حقيقي بيخلي كل حاجة تستاهل

تنهد ثم تابع بابتسامة جميلة :
كمان الوجع مش شرط للحب بس الحب الحقيقي بيختبرنا ساعات الاختبار ده بيكون في صورة خوف أو خلاف أو بعد أو ظروف صعبة الفكرة مش إنك تتوجعي الفكرة إنك تلاقي حد يستاهل إنك تحاربي عشانه لو الدنيا وقفت بينكم

صمت لبرهة ثم التفت إليها قائلًا :
وبعدين مين قال إن كل قصص الحب نهايتها وجع ما إنتي شايفة مالك وعشق دلوقتي عاملين إزاي بعد كل اللي مروا بيه وشايفة يوسف وليلى رغم اللي حصل بينهم لسه ماسكين في بعض أوقات الحب بيتعبنا عشان يعلمنا مش عشان يعاقبنا

تنهدت سيدرا وهي تضم ركبتيها إلى صدرها بينما انعكست الحيرة فوق ملامحها وقالت بشرود :
بس أنا كل اللي شوفته حواليا بيخوف بحس إن الحب بيغير الناس يا يونس

ابتسم يونس ابتسامة هادئة وربت على رأسها بحنان أخوي قبل أن يجيب :
الحب الصح مش بيغير الناس يا سيدرا الحب الصح بيظهر أحسن نسخة منهم اللي بيغير الناس بجد هو الخوف والأنانية والكبرياء وسوء الفهم

التفتت إليه وسألته بتردد :
ولو طلع الشخص الغلط

أجابها بهدوء :
ساعتها هتتعلمي وكل حاجة في الدنيا بتتعوض إلا إن الإنسان يعيش عمره كله خايف يجرب

صمتت للحظات ثم سألته بحزن :
ولو حبيت حد ومحبنيش؟

تجمد شيء ما داخل صدره.....سؤال بسيط
لكنه أصاب جرحًا بداخله لم يندمل يومًا
كأنها اختصرت حكايته بأكملها في كلمات معدودة
أخفى ارتباكه خلف ابتسامة باهتة وقال :
ساعتها هتوجعي شوية ويمكن كتير كمان بس هتتعلمي إن الحب الحقيقي مش امتلاك أوقات بنحب ناس ومابيبقوش من نصيبنا وده مش معناه إن الحب كان كدبة أو مش حقيقي بالعكس يمكن يكون حقيقي أوي لدرجة إنه يفضل جوانا حتى لو مخدناش المقابل اللي كنا مستنينه

راقبته سيدرا بصمت
كانت تعرف جيدًا أن حديثه لم يكن عنها هي
كان يتحدث عن قمر 
عن جرح ما زال ينزف داخله بصمت :
بتحبها أوي كده

أغمض يونس عينيه للحظة طويلة وكأنه يستجمع ما تبقى لديه من قوة ثم أجاب بصوت خرج منهكًا :
أكتر مما تتخيلي

ابتلعت سيدرا غصتها وسألته بحذر :
رغم كل اللي بيحصل

ضحك بسخرية ثم قال بمرارة :
حبي ليها حقيقي يا سيدرا والحب الحقيقي مش بيختفي أول ما الدنيا تبقى صعبة لو كان بيختفي بسهولة مكانش اسمه حب

شعرت سيدرا بألم عميق وهي تسمع كلماته
كان يتحدث بثبات لكن خلف ذلك الثبات رجل أنهكه
الانتظار والاشتياق اقتربت منه وأسندت رأسها على كتفه وهمست :
انا بحسدك

قطب حاجبيه باستغراب :
بتحسديني على إيه....؟!

ابتسمت بحزن وقالت :
ع الأقل قلبك عرف يحب يمكن اتوجع بس عرف يحس إنما أنا بقيت بخاف أقرب من أي حد

نظر إليها طويلًا ثم جذبها نحوه مرة أخرى لتستند على كتفه قائلاً بعقلانية :
ماتخليش أخطاء الكبار تسرق منك حقك في الحياة يا سيدرا اللي حصل بين بابا ومراته ذنبهم هما نش ذنب الحب

لمعت عيناها بالدموع وهي تستمع إليه
أما هو فرفع رأسه نحو السماء وتمتم بشرود :
الحب الحقيقي عمره ما كان لعنة الناس هي اللي أوقات بتخليه كده.......

في تلك اللحظة تحديدًا لمح بعينيه من بعيد قمر تسير في الحديقة فتوقف صوته تمامًا بينما التقطت سيدرا نظراته واتجه بصرها إلى حيث ينظر لتتنهد باستسلام وهي تتمتم :
أهو لفينا لفينا ورجعنا لقمر تاني

ضحك يونس ورد عليها بحب ومازالت نظراته مصوبة عليها حتى اختفت من أمامه :
هو أنا خرجت منها أصلًا

رفع يونس بصره نحو السماء وفي اللحظة نفسها مرت صورة قمر في خياله كعادتها واضحة وحاضرة رغم كل محاولاته للنسيان تلألأت عيناه بشيء يشبه الحنين قبل أن يقول بصوت خافت بالكاد وصل إليها :
انا كل اللي بطلبه من ربنا إنه يسعدها حتى لو السعادة دي مش معايا

انتفض قلب سيدرا وهي تنظر إليه حدقت في ملامحه طويلًا دون أن تنطق لأول مرة تدرك حقيقة ما يشعر به أخوها
لم يكن مجرد رجل أحب امرأة
بل كان عاشقًا بلغ به الحب حد التضحية
ذلك النوع النادر من الحب الذي يجعل الإنسان مستعدًا لأن يتحمل انكسار قلبه ألف مرة
على أن يرى دمعة واحدة في عيني من يحب
................
زفر مالك بضيق وهو يتحدث مع عشق عبر الهاتف فقد بدأ يشعر أن كل خطوة تقربه منها تعترضها عقبة جديدة :
انا ابتديت أحس إني نحس يعني بعد ما نحدد ميعاد قراية الفاتحة وخلاص اتفقنا على كل حاجة وأقنعت أبوكي البت اللي اسمها ريما تهرب من المصحة والكل يلفوا حوالين نفسهم ده اي الغلب ده يا ربي

ضحكت عشق بخفة ثم قالت بعتاب رقيق : 
بلاش الألفاظ دي يا مالك وبعدين كله تأخير فيه خير لسه ميعادنا مجاش أوانه وبعدين انت مستعجل ليه ما أنا في الآخر مش هكون غير ليك

كانت كلماتها الأخيرة كفيلة بإذابة كل ضيقه شعر وكأن قلبه امتلأ دفئًا بمجرد سماعها فابتسم رغمًا عنه وقال بشوق :
وأنا هموت وتبقي ليا النهارده قبل بكره

اشتعل وجهها خجلًا وردت عليه بحب :
بعد الشر عليك يا حبيي......

صمتت على الفور ولم تكملها بينما هو اتسعت ابتسامته وهو يتخيل ملامحها المرتبكة وخجلها الذي يعشقه متأكدًا أن حمرة وجنتيها تزين وجهها الآن استند برأسه إلى المقعد خلفه قائلاً بنبرة يغلب عليها الهيام :
ما تيجي نهرب ونتجوز ونفكنا من أم العيلة بنت المجانين دي !!!
............
كانت ريما تجلس في الغرفة كوحشٍ حبيس تتحرك ذهابًا وإيابًا بعصبية شديدة بينما جلست نسرين على الأريكة المقابلة في هدوءٍ مستفز ترتشف قهوتها وتتصفح هاتفها وكأن ما تقوله الأخرى لا يعنيها من قريب أو بعيد
صرخت ريما بغضب وهي تضرب الأرض بقدمها :
انتي هتفضلي مقعداني هنا لحد إمتى أنا لازم أخرج...
لازم أخد حقي من ليلى لازم أموتها وأشرب من دمها
لازم أرجع يوسف ليا وأخليه يحبني

لم ترد نسرين، بل واصلت تصفح هاتفها بلا اكتراث
اشتعل غضب ريما أكثر فصاحت بغيظ :
ما تردي عليا مش بكلمك

زفرت نسرين بنفاد صبر وأبعدت الهاتف قليلًا قبل أن تقول :
انتي مابتزهقيش من تكرار نفس الكلام كل ساعة والتانية
ليه حق يوسف ما يبصش في وشك ما هو من زنك عليه

جزت ريما على أسنانها بغل شديد بينما تابعت نسرين ببرود.:
وبعدين ليلى هي اللي هتجيلنا ولحد عندنا كمان مش لازم انتي تروحيلها بنفسك

قطبت ريما جبينها وسألت باستغراب :
ازاي؟!

ارتسمت على شفتي نسرين ابتسامة شيطانية وهي تميل بجسدها للأمام ثم بدأت تقص عليها ما تخطط له كانت كلماتها تتساقط ببطء ودهاء ومع كل جملة كانت عينا ريما تتسعان أكثر.وحين انتهت قالت بغل دفين :
هدوشهم بليلى وأخلص منها وبعدها هفضى لولاد حياة واحد واحد أما قهرت قلبها هي وبدر مبقاش نسرين
بحق سنين عمري اللي ضاعت هنتقم منهم واحد واحد هدمرهم زي ما دمروني خصوصًا إلياس اللي أخد ولادي
مني ورماني

عقدت ريما ذراعيها وقالت بسخرية :
ولادك اللي رمتيهم ومحاولتيش حتى تسألي عليهم وبعدين ما هو رماكي عشان خونتيه

ضحكت نسرين ضحكة ساخرة خالية من أي دفء ثم قالت :
حتى خيانتي ليه كان هو السبب فيها إلياس ضيع مني كل حاجة وأنا هحسره على ولاده أغلى حاجة عنده

حدقت بها ريما بذهولٍ وقالت :
انتي مجنونة مش لسه من ثانية كنتي مقهورة عشان بعدك عنهم دلوقتي عاوزة تنتقمي منه فيهم.......دول ولادك

ردت نسرين بتهكم لاذع :
ما انتي وأروى كنتوا بنات طاهر برده وشوفتي بنفسك عمل فيكوا إيه فبلاش بصة الاستغراب دي وحياة أبوكي ده انتي قاتلة أختك بإيدك وقاتلة خطيبك كمان

ساد الصمت للحظات اشتعلت عينا ريما بالحقد لكنها لم تجد ما ترد به فبقيت صامتة وهي تضم قبضتيها بقوة
أما نسرين فكانت غارقة في أفكارها المظلمة ما عرفته خلال الفترة الأخيرة من مراقبتها لهم كان كافيًا لهدم حياتهم جميعًا كانت تتخيل لحظة انكشاف الحقائق عندما يعلم أبناء إلياس أنها لم تبتعد عنهم بإرادتها كما ظنوا وعندما تكشف أسرارٌ أخرى احتفظت بها طويلًا

كما كانت تخطط لضرباتٍ أشد قسوة تتعلق بزواج
يونس وقمر والسر الذي اخفوه عن الجميع وأخرى تخص سيدرا خططًا نسجها عقلٌ مختل وقلبٌ امتلأ
بالسواد والكراهية لكن قبل كل شيء...
كان عليها أن تتخلص من ليلى أولًا
ليس فقط لتتوقف ريما عن إزعاجها وإلحاحها المتواصل بل أيضًا لتغرس خنجرًا جديدًا في قلب يوسف ابن بدر وحياة
انتقامها الحقيقي سيبدأ من الغد !!!
..............

تعليقات