رواية ظل بعد ظل الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم ياسمين النعيمي

 

 

 

 

 

 

رواية ظل بعد ظل الفصل الثالث والعشرون بقلم ياسمين النعيمي


رجع قيس متأخر.
البيت كله هادئ ...
و أغلبهم ناموا.
بصالة الطابق العلوي كانت ريّا و انتبهت له.
من بعيد عرفت من مشيته إنه مزاجه مو طبيعي.
مو عصبية ظاهرة ...
لا.
هذا الهدوء الي يسبق العاصفة.
رفع عيونه عليهم.
- رغد ... تعالي جاي.
قلب رغد هبط ... من نبرة صوته عرفت أكو شي.
نهضت ببطء ...
و لحقتها ريّا مباشرة،
تقدمت تسأله، 
- شصار ؟!
رفع عيونه عليهم،
- قدمت بلاغ رسمي.
الصمت عم بينهم ...
رغد شحبت،
- شنو ؟!
- بلاغ رسمي.
ريّا التفتت عليه بسرعة،
- قيس ...
بس من شافت ملامحه سكتت.
واضح إنه القرار منفذه.
و ماكو رجعة بيه.
التفت لرغد.
- كل الرسائل دزيتها ...
الفيديو انرسل ...
الأرقام انرسلت ...
و ذكرت لهم السوالف هذيج كلها.
رغد بقت تحدق بيه.
- يعني الشرطة ؟!
- إي الشرطة.
شهقت،
- قيس لا ...
قاطعها مباشرة.
- لا شنو ؟!
و لأول مرة ارتفع صوته،
- لا شنو رغد ؟! أتناه لمن يصلجن للبيت ؟!
لو لمن يكَضبج بالشارع هناك ؟! لو اعترض دربج و انتن لوحّدجن انا شسوي ؟!
سكتت.
و دموعها بدت تتجمع بعيونها.
فوراً هدأت نبرته.
تنهد.
و مال للأمام.
- اسمعيني بنيتي ...
صوته صار أهدأ.
- انا خوف ماريد اخوفج، بس لا تستهينين بالسالفة، اليوم انتن هين لمن وصل البيت، باجر انتن هناك بنيّات لوحيدجن.
نزلت عيونها.
- اني خايفة ...
هز راسه.
- أدري.
و لأول مرة بهالليلة رق صوته بالكامل،
- أدري خايفة.
سكت لحظة،
- بس انتي ما مسوية شي غلط.
رفعت عيونها عليه.
- إذا اتصلوا ...
- جاوبيهم طبيعي.
- شأكَول ؟!
- الحقيقة.
- بس الحقيقة ؟!
سكت و كمل:
- تكَوليلهم هالشخص لاحكَج يابا ... إنج ما مرتاحة و ما تريدين اي تواصل وياه، و الفيديو خوفج.
ابتلعت ريقها.
- و إذا سألوني أكثر ؟!
- جاوبيهم أكثر.
تنهد،
- كَوليلهم هسة انتي أصلاً مو ببريطانيا، مسافرة. و الحمد لله ما موجودة بالبيت بيوم الوصله
هنا سكتت رغد.
لأن هاي أول مرة تستوعب الموضوع من زاوية ثانية.
لو كانت موجودة فعلاً ...
شنو كان صار ؟!
قيس كمل بهدوء:
- و إذا سألوج عن شعورج، تكَولين الحقيقة.
- شنو الحقيقة ؟!
- إنج خايفة تردّين لبريطانيا و يلاحكَج.
صفنت و مبين التوتر بكل ملامحها، هي هسة استوعبت الحقيقة المرة.
شنو يصير لو رجعوا و رجع يلاحقها من مكان لمكان ؟! و شلون تواجهه لوحدها ؟!
سألها قيس،
- ها رغودة ؟!
و سألته، 
- خايفة، خايفة اذا بلغت الشرطة يكبر الموضوع و يزيد اكثر.
رفع عيونه عليها،
- لو نسكت تكبر السالفة، باچر عكَبة لو تعرضلج اظل اكل بروحي.
سكت و كمل،
- إذا متصورات بعد هالسالفة ارد اخليجن تسافرن لوحدجن، انتن غلطانات. الدكَة هاي و الخوف بعيونجن، لا يمكن تردن و السالفة ما انحلت.
دمعت عيون رغد أكثر.
مو من كلامه.
من الإحساس بالأمان وياه.
و هو لما شاف دموعها سأل،
- هسع عليمن الدموع يابا ؟!

ردت بضياع،
- إذا اتصلوا ... أحجيلهم كلشي.
- عجل انا شاحَجي الي ساعة ؟!
- ضمتها ريّا تقول،
- قيس على كيفك ...
تأملها بنظرة أب بحضن اختها خايفة و متوترة،
و هدأت ملامحه لأول مرة من العصر.
مرّت يومين ...
و رغم إنها كانت متوقعة الاتصال بأي لحظة ...
بس من صدگ صار ...
فز قلبها.
العصر.
كانت بالصالة ويا ريّا و نورا ... أم قيس مطلعة لهم البوم صور قديمة.
رهف و هبة يلعبون بالحوش.
و ريّا مندمجة ويا البنات،
أم قيس تأشر لها على صورة قيس و هو صغير ... صورة اصلا بألوان محروقة شبه أبيض و أسود، و هي تأملت الصور الي بأماكن مختلفة،
- عمة فدوة هذا شنوو.
و امه بكل حب تقول،
- اي حليو يولي ...
تأملت الصور تقوللها،
- عمة هاي شعره طويل، و فاتح، هذا اشقر ؟!
- ايي يولي جان ياهو اليدحكَ بيه يكَول هذا الاجنبي منين ؟!
- عمة لعد شلون صار شعره هيج ؟!
- من صار بالمدرسة كَصيناه يولي، و زيان ورا زيان شو شعرو كَلب لمن ما صار هالشكل !!
ضحكت ريّا تقول،
- يلا يعني اكو أمل اولادي يطلعون هيجي حلوين.
و ام قيس تقول،
- ياا و انتي شعايزج يمصكَوعة ؟! حلوين يمة حلوين ان اجو عليج و ان اجو عليه ...
ضحكت رغد تقول،
- عمة خلي يشبهوها بس اهم شي نريد عيونه ...
و ام قيي تقول،
- يبوو يا هالعيون، شيلن عينجن منو يولن.
و سألتها ريّا،
- عمة هو منو هيج عيونه ؟!
قلبت بالألبوم و طلعت لها صورة مرة كبيرة،
 - جديتج ريّا هالشكل عيونها، محد من ويلادها اخذهن غير ابوج الله يرحمو، و هاي عندي قيس ...
ضحكت رغد تقول،
- شوفي عمة هاي اجتمعت الجينات الحلوة، اولاد اختي راح يكسرون الدنيا لعد ...
و بنفس اللحظة ...
رن موبايلها.
التفتت عليه بلا اهتمام.
بس أول ما شافت الشاشة ...
تجمدت.
رقم بريطاني.
مو رقم عادي.
رقم رسمي طويل.
و تحته مكتوب،
United Kingdom
انقطع النفس بصدرها.
رفعت عيونها لريّا.
وجهها وحده خلا ريّا تستوعب.
- شكو ؟!
ما جاوبت.
بس نهضت بسرعة.
شالت الموبايل.
و مشت للغرفة،
- هسة أرجع ...
صوتها طلع هادئ أكثر من الطبيعي.
و دخلت للغرفة.
سدت الباب وراها.
وقفت مترددة
قلبها يدكَ بقوة.
إيدها باردة.
و الهاتف بعدها يرن.
مرة.
مرتين.
ثلاثة ...
غمضت عيونها ...
و تذكرت قيس،
"إذا اتصلوا ...
احچي الحقيقة."
سحبت نفس.
و فتحت الخط.
- Hello ...
جاها صوت امرأة هادئ.
عرفت عن نفسها.
و عرفت عن القسم الي تتصل منه.
و سألتها إذا رغد هي صاحبة الرقم.
- Yes ... speaking.
ظلت تسمع.
و كل كلمة تسمعها تخلي قلبها يدق أكثر.
إلى أن وصل السؤال المتوقع.
هل تعرف الشخص المذكور بالبلاغ ؟
سكتت ثانيتين.
و ردت:
- Yes.
سألتها الموظفة عن طبيعة العلاقة.
هزت رغد راسها لا إرادياً رغم إنه محد يشوفها.
- There is no relationship. "ماكو علاقة"
سكتت.
و كملت بصوت مرتبك:
- I made it clear many times that I don't want any contact.
" اني وضحت له كذا مرة انه ما اريد أي تواصل بينا "

بدأت الأسئلة تمشي وحدة ورا الثانية.
هل كان يراسلها ؟
هل حاول الوصول إلها ؟
هل ظهر قرب منزلها ؟
هل سبب لها خوف أو انزعاج؟
بالبداية كانت تجاوب بكلمات قصيرة.
مرة ... مرتين ...
لكن بالتدريج ...
بدأ الخوف يهدأ.
و بدأت تحچي.
تحچي أكثر.
تحچي عن الرسائل.
عن الإلحاح.
عن الإحساس المزعج الي يرافقها كل مرة تشوف اسمه.
عن الفيديو.
عن الصدمة لما شافته واقف امام البيت.
و بدون ما تنتبه ...
وصلت للجملة الي فعلاً كانت داخلها.
- I'm currently outside the UK ...
" اني حالياً خارج المملكة المتحدة "
سكتت.
و كملت بصراحة:
- And honestly...
I'm thankful for not being there.
لأول مرة قالتها بصوت عالي.
مرتاحـة لأنها ما كانت هناك.
مو لأن ما تريد تواجه.
لكن لأنها خافت.
خافت فعلاً.
الطرف الثاني سكت لحظة.
و سجل كلامها.
و سألها إذا تشعر بالقلق من العودة حالياً.
بلعت ريقها.
و جاوبت:
- Yes ... I do.
و هاي كانت أصعب إجابة بالمكالمة كلها.
لأنها كانت اعتراف.
اعتراف بالخوف.
مو بالضعف.
بالخوف الحقيقي.
استمرت المكالمة تقريباً عشرين دقيقة.
و بالنهاية شكروها على تعاونها.
و بلغوها إنه قد يتم التواصل معها مرة ثانية إذا احتاجوا معلومات إضافية.
انتهت المكالمة.
و الشاشة انطفت.
و لأول مرة انتبهت إنها طول الوقت كانت حابسة نفسها.
زفرت نفسها ...
و سندت ظهرها على الجدار.
عيونها دمعت.
مو لأنها خافت.
بالعكس.
لأنها أخيراً حچت.
و ما هربت.
ظلت واقفة دقيقة كاملة.
تحاول تستوعب.
تحاول تهدأ.
إلى أن انفتح باب الغرفة بهدوء.
- ريّا.
وقفت يمها.
ما سألت مباشرة.
بس مدت إيدها.
و مسكت إيد رغد.
رغد التفتت عليها.
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة متعبة.
و همست:
- خلصت.
سألتها ريّا بهدوء:
- شلون جانت ؟
سكتت ثواني.
و بعدها ردت:
- جنت حيل خايفة اول ما اتصلوا، بس من رديت ...
طلع أهون مما متخيلته.
ابتسمت ريّا.
و ضمت كتفها.
و همست:
- شاطرة.
نزلت دمعة من عين رغد رغماً عنها.
و لأول مرة من وصل الفيديو ...
حست إنها مو ضحية دا تهرب.
حست إنها دا تدافع عن نفسها.
الصبح ...
كان قيس جالس بالصالة، موبايله بإيده، و ملامحه بعدها منغلقة.
سالفة رغد و رائد بعدها معلقة براسه.
دخلت ريّا شايلة استكان چاي بعد الفطور الصباحي.
كَعدت يمه.
و بعد ما شرب رشفة سألت:
- قيس ؟!
- همم.
- اريد منك طلب.
رفع عينه عليها،
- تامرين أمر.
ابتسمت،
- لا تكَول هيج قبل لا تسمع.
- كَولي حبيبتي، أمريني ...
ضحكت،
- اريد بوكس شوكولا حلو.
قطب حاجبه،
- شوكولا ؟! شتسوين بيها ؟!
- مو النا.
- عجل المن ؟!
- لسارة.

رفع حاجبه.
- سارة ؟!
- اي.
و شرحت بسرعة:
- وعدتها أزورها ... و ما حابة أدخل بيتها أول مرة و إيدي فارغة.
ابتسم.
- ريّاوي ... هين محد يتكلف هالشكل.
- أدري بس ...
- لا تبسبسين ...
ضحك.
- لو تاخذين وياج كيكة ... لو أي شي بالبيت هي تفرح.
- أدري بس ميخالف ... جيبلي، مو كَلت تأمرين ؟!
رفع استكانه، يشرب منه و قال،
- هذا هو تأمرين ...
بعد الغدا ...
كانت بالمطبخ،
ريحة الليمون مالية البيت.
أم قيس واقفة يمها.
- يمة شمسوية ؟!
- كيك ليمون.
- وحدة ؟!
- لا.
و أشرت على القالب الثاني.
- هاي النا ... و هاي لسارة.
ابتسمت أم قيس.
- فدوة لايدج بنيتي ...
العصر ...
باب البيت انفتح.
دخل قيس.
بإيده كيسين.
و أول ما شافها بالمطبخ لوّح بيهن.
- ها ؟!
رفعت عيونها.
- شنو هذا ؟!
مد الكيس الأول.
- هذا لسارة.
و مد الثاني.
- و هذا لامي.
صفنت بيه.
- ليش اثنين ؟!
مال عليها بخفة،
- لانّو أمي تكيف بهالسوالف.
ضحكت.
- يعني هاي مني لو منك ؟!
رفع حواجبه باستغراب.
- ليش احنا اثنين ؟!
هزت رأسها تضحك.
- لا ...
- عفية.
و ناولها اياهم، يقول،
- منج حبيبتي ... منج.
ابتسمت له.
- الله يخليك إلي.
قرص خدها بخفة،
- و لا يحرمني من هالضحكة.
و بنفس اللحظة شم ريحة الليمون.
- شنو هاي الريحة ؟!
- كيكتين ليمون.
- هااا.
و باوع عليها بفخر واضح.
- بنت أصول انتي.
احمرّ وجهها،
- انتو أهلي حبيبي.
تلفّت لكل النواحي، و مال باس خدها،
- فدوة يغدولج اهَلج ...
دخلت على أم قيس بعد ما صعد هو،
و مدت لها بوكس الشوكولا.
- عمة ... هذه الشوكولا عجبتني، كَلت أجيبه الج.
تفاجأت أم قيس.
- يمة عليش متكلفة ؟!
- ما متكلفة.
- يولي هذن يسواهن ملكَاج و لسانج الحلو ...
ابتسمت ريّا.
- اول مرة اجيت جان الظرف صعب و ثاني مرة طريق طويل ما جبت شي،
و هسة دبرتها، و انتي تستاهلين أكثر.
مدت أم قيس إيدها و باست خدها،
- فدوة يا بعد روحي ...
بعد ساعة ...
طلعن.
ريّا.
و نورا.
و رغد.
و البنات الصغار.
كل وحدة لابسة فستان بيت بسيط.
و عباية مفتوحة على الكتف.
و شيلة خفيفة على الراس.
وياهم كيكة الليمون.
و بوكس الشوكولا.
و الدنيا بيها نسمة هوا رغم انه بداية صيف.
يمشون بين البيوت القريبة.
إلى أن وصلوا بيت زياد.
قبل لا يدكَون الباب ...
انفتح.
و طلع زياد.
أول ما شافهم ابتسم،
- هلا هلااا ... هلت علينا البركة، بكل خطوة ألف هلا.
ضحكت ريّا،
- الله يبارك بيك.
تنحى من الباب.
- تفضلن.
داخل البيت ...
سارة ركضت تستقبلهم.
- يااا هلااااا.
و قبل لا تكمل.
انتبه زياد على بوكس الشوكولا بإيد رغد.
- شو جاية عليناا ؟!

و ضحك.
- بس يلا زين إيدج مو فارغة.
نفخت رغد.
- ما جايبته إلك، لو ندري انت هنا ما نجي.
ضحك.
أما سارة فضربته على كتفه،
- زياد بربك مو تبلش.
التفت لريّا باحترام،
- عليش مكلفة روحج يابا ؟!
- لا والله شي بسيط هذا، أول مرة أدخل بيتكم.
هز رأسه،
- كل الهلا بيج البيت بيتج ...
و التفت لسارة يقول،
- يلا هذن ما يكلفن، جاي و مي ... و أبوج الله يرحمه.
ضحكت سارة.
- يااا مو خزيتنااا، اليسمعك شيكَوول ؟!!
ضحك 
و التفت للباب،
- طالع طالع ... لو أدري بيهن جايات جان أجلت طلعتي بس مواعد الزلمة ...
ردت نورا.
- من هيج ما كَلنالك.
أول ما طلع ...
رجعت سارة تستقبلهم من جديد،
- اعذرنّا على استقبال زياد، انتن تعرفنّه.
ضحكت ريّا،
- عوفيه مسوي جو.
- والله كَبل شوية كَلت ضايجة، خن اروح للبنات ... و بنات حلال انتن جيتن.
ابتسمت ريّا،
- وعدتج و اجينا.
- هلت علينا البركة.
ما طولت،
شالت موبايلها،
و رنّت على مها،
- حدري يمي يولي، البنات كلهن هين.
و بعد أقل من ساعة وصلت مها.
أما البنات الصغار ...
فمختفيات بغرفة سما.
هبة.
و رهف.
و سما.
ملتهيات بالألعاب.
و أصوات ضحكهن واصلة للشارع
أما الكبار ...
فبالصالة.
و بعدها بالمطبخ.
يجهزن العصرونية سوا.
صحون المكسرات.
شاي.
قهوة.
كيكة الليمون.
و سوالف ما تخلص.
كل وحدة تحچي قصة.
و الثانية تكملها.
و الضحك مالي البيت.
صار الغروب.
نهضت ريّا.
- يلا يا بنات، ما ظل وكت.
فوراً اعترضت سارة.
- محد تطلع.
- سارة ...
- لا والله، محد تطلع.
و بنفس اللحظة شموا ريحة الدولمة.
ضحكت.
- مو كَلتلجن ردت اجي، هاي الدولمة اليوم لفيتها بالجدر الجبير، و كَلت اجيبها و اجي لبيت عمي.
ابتسمت ريّا بخجل،
- يلا، شاسويلج ؟!
- اكَعدن اكَعدن العشا اليوم بس بنات ...
و انتهى الموضوع.
رجعوا كَعدوا.
و ساعدوها بالترتيب.
و السفرة انمدت.
و الدولمة كملت.
و تعشوا كلهم سوا.
و بعد العشا.
رفعت مها حاجبها.
- زين، و اني يمتى تلتمن يمي ؟!
ضحكت ريّا.
- قريب بس تصير فرصة والله.
ردت مها فوراً.
- بأي وكت والله مثل هيج تعالن البيت بيتجن.
طلعوا أخيراً.
و أول ما طلعوا من الباب.
انتبهت ريّا،
بيت مها ملاصق تقريباً لبيت سارة.
التفتت تضحك.
- عزا انتو جارات ؟!
ضحكن و سارة تقول،
- الا انتي مو جارتنا يولي.
سألت بتلقائية،
- ليش ؟!
و ردت سارة مستغربة،
- ياا يولي ما تعَرفين وين بيتج ؟!
صفنت ريّا تقول،
- والله ما فكرت ...
و سارة ضربتها على كتفها تقول،
- انتي اكثر وحدة مطفية شفتها ...
ضحكوا و ردت،
- افتح افتح لا تخافين.

و أول ما وصلن للباب،
ظهر زياد من جهة البستان.
- هااا ... ما تباتن ؟!
ضحكت ريّا.
- بيتك عامر إن شاء الله.
- امانة ما تظلن ؟!
ابتسمت ريّا،
- لا والله كافي ... جانت النية عصرونية، حتى العشا ما جان ببالنا ... بس كَعدتكم حلوة.
ابتسم،
- بالعافية ... البيت بيتج بكل وكت.
و مشى وياهن.
رغم إنه المسافة دقيقتين.
بس حل الليل.
و ما يصير يخلّيهن يمشن لوحدهن.
إلى أن وصلهن لباب بيت أهله،
و رجع لبيته.
الليل ...
البيت كان هادئ.
أغلب الأنوار مطفية.
و قيس جالس بالبلكونة وحده.
استكان الجاي برد من زمان بإيده.
و الموبايل بين أصابعه.
من يومين و الموضوع ما فارق باله.
رغد.
و التحقيق.
و رائد.
و كل ما يتذكر الفيديو الوصلهم من أمام البيت ...
يحس الدم يغلي براسه.
رن التلفون.
رقم غريب.
راقبه ثواني.
و رد.
- ألو.
جاوب صوت رجل أكبر منه بالعمر،
صوت هادئ.
مرتب.
و بيه هيبة واضحة.
- مساء الخير دكتور قيس.
قطب حاجبه.
- مساء النور.
- وياك ......... أبو رائد.
سكت ثانيتين.
و عرف فوراً.
سحب نفس هادئ،
- هلا بيك.
رد الرجل مباشرة:
- اعتذر إذا ازعجتك بهالوكت، بس عندي موضوع مهم.
- تفضل.
سكت ثانية.
و بعدها قال:
- وصلني إنه أكو تحقيق مفتوح ببريطانيا وية رائد، و حالياً محتجزيه على ذمة التحقيق. و الظاهر الموضوع يخص بنتكم.
قيس سند ظهره،
- اي.
- و جنت أتمنى نحله بينّا.
رد فوراً،
- الغلط منكم مو منّا.
سكت الرجل.
و لأول مرة حس إنه الطرف المقابل ما جاي للمهادنة،
- شلون يعني ؟
رد قيس بهدوء بارد،
- يعني ابنك عرفت بيه يريدها و كَعدت و حاجيته مثل الزلم و فهمته، بنتنا ما تريده و نصيب ماكو. و ابنكم يلحكَها الو شهور و آخرها يصل للبيت و يصور و يهدد. هاي شلون نحلها ؟!
سكت أبو رائد.
و بعدها قال:
- شلون نحلها برأيك ؟! شتريدون و نحل السالفة ؟!
ابتسم قيس ابتسامة قصيرة،
- انتو مربوطين بديوان، و تعرفون الأصول لو لا ؟!
جاوبه مباشرة،
- له دكتور له، شلون ما نعرف الأصول ؟!
صفن قيس و رد،
- والله تعذرني ابو رائد، الك الكَدر و الحشيمة يمكنّك صدكَ تعَرف الاصول، بس عمايل ابنك ما انطتني هيج فكرة ...
و رد الرجل مرتبك،
- غلط و اني الله يشهد ما اعرف السالفة كلها. هذول شباب و ما عايش هنا، عايش بلندن بعالم ثاني، غالباً هو ما يفهم السالفة مثل ما انت فسرتها.
و قيس رد بانفعال،
- شلون يفهمها ؟! البنية و احنا اهلها كَلناله لا، يلاحكَها لكل مكان و اخرها للبيت شنهو معناها ؟! شنو نيته ؟!
و رد الطرف الآخر،
- دكتور هدي اعصابك، و اني مخابر حتى اوصل لصورة حل و الي تأمرون بيه اني حاضر.
سكت قيس و كمل هو،
- يشرفني أزوركم بنفسي إذا ما عندكم مانع.

قيس فكر ثواني 
و بعدها قال:
- حياك الله بأي وكت، بس عندي طلب.
- تفضل.
- يا ريت ما تسد المنطقة بفوج حماياتك ... احنا ناس مستورين، لا اريد تطلع سوالف علينا و ما أتوقع انت رايد لروحك الفضيحة بهيج سالفة.
سكت الرجل لحظة،
و بعدها ضحك بخفة،
- لا تخاف، جايكم ضيف.
- هلا بيك.
و انتهت المكالمة.
ثاني يوم ...
الصبح رغد تفكر وياهم طبيعي، و بعد الفطور عمها سلمان راح لغرفته و صاح عليها.
راحت وراه تسأله،
- تريد شي عمو ؟!
و هو أشر لها بعينه على الباب،
- حدري جاي ...
سدت الباب وراها و تقربت منه ما تعرف بالموضوع،
جلست لجانبه بعد ما طبطب لها على جنبه.
و سألها،
- رغودة يابا ... اني سمعت سوالف و اريد احجي وية بنيتي.
صفنت بعيونه، و نزلت عيونها لما فهمت قصده عن رائد ...
و خلال ثواني قال،
- ارفعي رايج و حاجيني ابوي ...
رفعت راسها مترددة، بس باعدت عيونها عنه. ثبت وجهها يقابله، عيونها بس التقت بعيونه نزلت دموعها، و سأل،
- عليش يابا عليش ؟!
همست بصوت يرجف،
- عمو والله غلطت ... بس ... بس ما جنت اعرفه.
صفن بعيونها الي تصب دموع، و سألها،
- انتي تريديه ؟!
هزت راسها منتفضة فوراً،
- لا عمو والله لا ...
و هو سألها،
- و عليش خايفة ؟!
تمسكت بإيده تقول،
- عمو والله صرت اخاف منه، من جنت ...
و تلكأت تقول،
- من جنت ...
و قاطعها،
- من جنتي رايدته ؟!
صفنت بعيونه و هزت راسها تكمل،
- ما جنت اعرف حقيقتهم والله ... من قيس عرف و كَالّي خفت ... كلش خفت ... 
رفع ايده لكتفها و لمها لصدره،
- تعالي جاي، هسع البجي علوّيش يا ابوي ؟! 
ردت بصدق،
- عمو والله خايفة ...
طبطب على ظهرها يقول و هو ضامها لصدره،
- لا تخافين و اني ابوج حبيبتي ... اني بس ردت احاجيج هسع احنا شنفتهم من هالبجي يا ابوي ؟!
شوية و وقف بكاها، بس ظلت خاتلة بحضنه، و سألته،
- عمو انت ضجت مني ؟!
بعدها عن حضنه و رد بهدوء،
- مال ضجت ؟! اي ضجت، بس عاذرج و فاهم كل الحياة المخربطة العايشتها. و اهم شي انتي هسع عرفتي غلطج.
ردت بتلقائية،
- اني آسفة.
صفن بوجهها و مسد على كفها الي بحضنه يقول،
- اعتذارج مقبول، و اعرفج بنيتي العاقلة الما تسويها مرةٍ اخرى.
تمسكت بإيده،
- عمو والله من زمان عفته، بس هو ما يعوفني.
و رد هو بتطمين،
- لا هسع يتأدب و يعرف حجمو و بعد ما يعترض دربج.
و هي ردت،
- هو من ورا الشكوى للشرطة بعد ما دز شي.
- اي حبيبتي هو بالتحقيق و السالفة ويانا بعد مالو داعي تعَرفين بيها، اني بس ردت اعَرف منج لو رايدته لولا و هاي وصلني الجواب.
العصر.
ملتمين اولاد عمها سلمان و زوجاتهم كلهم.
أم قيس قالت الكل يتعشى هنا اليوم.
و تفاجأت بقيس الي يقوللها،
- ابو رائد جاي هين اليوم، حسج عينج رغد لو البنوات يعَرفن ريّا ...
و هي توترت،
- ليش يجي حبيبي، علمود الشكوى ؟!
- اي لانّو ابنو مسجون على ذمة التحقيق، جاي يريد يحلها.
و سألته،
- شلون تحلوها ؟!
أنبها بنظرة،
- ريّاا ... شرايج تجين بنص الديوان بعد ؟!

رفعت حواجبها مستغربة،
- اني شكَلت ؟!
سحب نفس و رد،
- اني حجيتلج مو تا تشيلين هم و تظلين تسألين، حجيت تا تلهيها و ما ينعرف شجاعد يصير بالديوان، فهمتي يابا ؟!
هزت راسها و قالت،
- قيس ... ترا مو قصدي شي حبيبي، هو بس سؤال عادي.
و هو رد بتلقائية،
- ريّا ... حبيبتي ... ابوي انتي ... اني لو اعَرف عليش جايب الزلمة و فاك ديواني الو ؟! كَال ازوركم كَلتلو هلا بيك، نكَعد و نفتهم الحجي شلون يصير ...
سكتت شوية و ردت،
- زين حبيبي ... عود طمنّي ...
طبطب على ظهرها،
- اتطمني، الاخبار اول بأول عندج ...
مر الوقت ...
أول سيارة دخلت للمنطقة.
و وراها الثانية.
و الثالثة.
بس.
موكب صغير.
مرتب.
بدون استعراض.
بدون صفارات.
بدون فوضى.
و مع هذا ...
الناس كلها انتبهت.
زياد كان بالبستان.
رفع راسه.
و لمح السيارات.
فترك شغله.
و دخل للبيت.
- يابا ... اجو ...
رفع سلمان عينه،
- هلا بيهم.
نهض بهدوء.
كأنه مستقبل ضيف عادي.
مو رجل دولة ولا سياسي.
مو واحد الناس تحسبله ألف حساب.
بعد دقائق ...
دخل أبو رائد.
بملابس رسمية بسيطة.
وياه شخصين فقط.
أما البقية ظلوا برا.
صافح سلمان باحترام.
- السلام عليكم.
- و عليكم السلام، هلا بيك.
تفضل ...
جلسوا.
و انصب الجاي.
و الصمت أخذ مكانه للحظات.
إلى أن تكلم أبو رائد أول،
- شيخ سلمان ... جيتك اليوم ضيف لا بصفتي مسؤول و لا بصفتي صاحب منصب.
جيتك بصفة أب.
سلمان هز راسه،
- و اني هم أسمعك بصفة أب.
سكت الرجل.
و باوع بقيس.
و رجع لسلمان.
- ابني غلط، و ما جاي ادافع عنه، بس جاي أفهم شلون نوصل لحل.
سلمان ظل ساكت.
يسمع.
و هذا الشي وحده كان موتر أبو رائد أكثر من أي رد.
بعد لحظات ...
سأل سلمان بهدوء،
- عندي سؤال واحد.
التفتوا كلهم عليه،
- لو هاي بنتك، و واحد لاحكَها و يكَف جدام بيتكم شجان موقفك ؟!
سكت أبو رائد.
و لأول مرة انكسرت نبرته،
و جاوب كأب،
- ما ارضاها ابو قيس، لا يمكن نرضى هالشي.
هز سلمان راسه.
- و اني هم ما أرضى ... دحج يابا ... البنات هذن يتيمات، و اني عمهن و ابوهن و كل اهلهن. ان جانن ظالات بلندن يدرسن، فهاي وصية ابوهن المرحوم، و ابني رايح راد و يعَرف الطير الطاير حواليهن. ان جنت انت ما تعَرف، ابني عرف من الاول. ابنكم وياها بالجامعة، و رايدها عود، راح الزبمة كَعد وياه و حجي وياه مثل الاصول، ولو جان المفروض هالخطوة تبدر منكم لمن رايدين بنية على سنة الله و رسوله.
رد ابو رائد،
- و النعم منك ابو قيس ... اني عرفت بالموضوع، و جنت مضغول، كَلتله مو غلط احجي وية اهلها لمن ما ارتب وضعي و نتقدم على حسب الأصول. و تفاجئت بالرفض ...
رد شيخ سلمان،
- عاد فات الوكت على السالفة، و نصيب بين الويلاد ماكو، و ابني وصل لكم هاي السالفة، يصير وراها يظل يلحكَها من درب لدرب ؟!

هز راسه،
- لا ما يصير ...
سكت و أردف،
- بس ابني رايدها ...
و رد سلمان،
- و بنتي ما رايدتو.
- شنو السبب ؟! الي عرفته جانوا متفقين كَبل لا يحاجي الدكتور ...
سكت سلمان و رد قيس،
- حاجيتو طبيعي حتى اعرف منو الزلمة الرايد بنتنا، و بكَعدة وحدة عرفت سوالف هو ما حاجيها للبنية ...
اول شي ابنك ما مكون نفسو للزواج، و يريد زواج علر الطريقة الانجليزية فيفتي فيفتي ... و اني يسمح لي ابوي و الكلمة الاولى و الاخيرة الو، ما عندي بنات تتزوج بهالنظام.
ثاني شي هو لا حاجي بهو منو، منين، ما منين، اهلو؟! ناسو منين ؟! كل هذن البنية انصدمت من اعرفتهن.
ظل ابو رائد ساكت و قيس كمل،
- الك كل الكَدر و الحشيمة و انت ضيفنا و على راسنا، بس هذا الزواج مو ثوبنا، لا احنا هاوين، ولا البنية هاوية.
هز راسه ابو رائد يقول،
- حقكم، كل الحق وياكم.
سكت شوية و سأل،
- اذا ماكو نصيب اني احترم هالشي ... بس شلون نوصل لصورة حل بالقضية المفتوحة بلندن ؟!
و رد سلمان،
- انت تعَرف القضية عليش انفتحت، البنيّات شلون أمنهن يردّن ورا العطلة و ابنك يلحكَهن لصوب البيت ؟!
و رد بتلقائية،
- لا ما يلحكَهن بعد ولا يعترض درب المحروسة بنتكم ...
و قيس رد،
- شنو الضمان ؟!
ابو رائد فز و دق على صدره قال،
- اني يمي الضمان ... بعد ما يعترض طريقها، ولا يجي يمها، و ان صار بس يصلني خبر اني الاتصرف. بس خل يطلع من الحبس حالياً. يطلع و تأديبه علية و ما يصير خاطركم الا طيب.
سكت سلمان سكوت شحن كل الجو و قال،
- دحج يابا، احنا مالنا طلابة وياكم، ولا ثار، عدنا بنيات نخاف عليهن، كلمن يلزم حدّو انتو بدرب و احنا بدرب.
أبو رائد نزل عيونه.
و قال بهدوء:
- حقكم.
رد سلمان:
- و حكَك تعَرف ... لو جان ابني مسويها ببنية الناس ... جان بس الله اليخلصو من ايدي ...
هنا لأول مرة ...
تنفس أبو رائد براحة.
لأنه فهم.
الموضوع مو استعراض قوة.
و لا تحدي.
الموضوع أب يحمي بنته.
و أب ثاني جاي يصلح غلطة ابنه.
و انتهى اللقاء على كلمة سلمان الأخيرة:
- بابنا مفتوح ... و احنا أهل للناس الطيبة. بس بنتي ما اساوم عليها و على امانها ... هاي كل السالفة.
هز أبو رائد رأسه باحترام.
و وقف.
- وصلت الرسالة، و أوعدك ... توصل لرائد هم.
استأذن بكل احترام و طلع ...
و لما فرغ الديوان التقت عيون سلمان بقيس بحيرة و قال،
- هسع هذا هو خوش ادمي لو لانّو حاجتو عندنا ؟!
و رد قيس،
- لانّو ابنو بالحبس ... و مثل ما اني واكَف جدامك اكَولّك ... هاي مو اخر مرة يجي لهين، بس و حق هو الله هذا المخسبكَ ابنو لو لمح رغد الا اطرو نصين ...
بالبيت ...
المطبخ كان يعجّ بالحركة.
أم قيس توزّع الأوامر بخبرة ربّة بيت اعتادت أن تدير جيش كامل من الضيوف، و نورا ورغد يتنقلون بين الصحون، و سارة و مها يجهزن السفرة، و ريّا بينهم تتحرك بخفة واضحة، بفستانها البيتي البسيط وابتسامتها الهادئة، كأنها عاشت بهذا البيت منذ سنوات.

ورا العصر بشوية تفاجؤوا ببيت عمهم عدنان جايين على العشا ... و انخبص البيت بعد ما كانت الجمعة مقتصرة على الاولاد.
أم محمد كانت تراقب كل شي مثل شرطي مرور ... خاصة ريّا ...
بأول مرة شافتهاة، قالت بلهجة بيها تقليل واضح من ريّا،
- هاي البنية مدللة، ما أظنها كفو تشيل بيت شيخ سلمان.
أما اليوم، وبعد أن شافت ريّا توقف وية أم قيس، تعجن، و تقطع، و تحمل الصحون، و تخدم الضيوف كأنها بنت البيت، قالت بصوت مسموع أمام الجميع:
- ما شاء الله ... جَن علمتيها على شغلكم، صارت تعزّب و تخدم جنها بنت البيت من سنين.
أم قيس رفعت رأسها بفخر و قالت:
- ريّاوي معدلة من اجتنا ... 
ابتسمت ريّا بخجل، و كملت حمل صينية الأكواب.
و بلحظة وحدة ... تغيّر كل شيء.
سارة كانت شايلة صينية اكواب و فجأة وكَع واحد منهم جوا ريّا ...
فجأة تكسر جوا رجلها و من فزتها،
انتفضت بقوة من الصوت، و تراجعت خطوة عفوية ...
و قدمها نزلت مباشرة فوق قطعة زجاج طويلة حادة.
دخلت بباطن قدمها بعمق، و صرخت،
- آآآآه!!
صرخت صرخة مزقت هدوء البيت.
سارة ما تعرف شلون اخذت الصينية من ايدها، و ايد ريّا تشبثت بالكاونتر و هي تبكي.
الدم بدأ يندفع بسرعة على أرضية المطبخ البيضاء.
رغد شهقت:
- ريّا !!
ريّا نظرت لرقدمها ... و لما شافت الدم ينزل بغزارة،
اتسعت عيونها بذعر، و شحب وجهها بلحظات.
ثم بدأت الرؤية أمامها تتلاشى.
ترنحت.
بهذه اللحظة، كان زياد أقرب شخص إلها.
شاف وجهها الأبيض، و شفايفها شحبت، فعرف فوراً إنها على وشك السقوط.
اندفع إلها، سندها قبل أن تسقط للأرض.
- ريّا !! ريّا أوااش ...
لكن جسمها صار خفيف تماماً بين إيديه.
رفعها مباشرة بخفة الريشة، و كأنها طفلة صغيرة، و ركض بيها إلى أقرب مكان،
غرفة أمه ...
نزلها على السرير.
أم قيس لحقت بيهم، و نورا مسكت بقدمها تحاول تمنع النزف بمنشفة نظيفة.
رغد كانت تبكي بحرقة، و إيديها ترجف.
زياد ما انتظر ثانية ... ركض للمضيف ...
من الباب أشر لقيس،
رفع قيس رأسه فوراً.
- شكو ؟!
أشر له بعينه يجي بسرعة ... 
و تحرك قيس لبرا المضيف فوراً ... يعرف هذا مو اسلوب زياد الا لو اكو شي ...
- شصاير يول ؟!
- ريّا انجرحت برجِلها ... الدم جثير ... هبط ضغطها فرد نوبة تخربطت بايدي ...
ما كمل الجملة ...
قيس وجهه تغيّر بالكامل.
ركض إلى داخل البيت بخطوات سريعة لما وصل جوا يسأل وينها و أشروا له على غرفة أمه.
فتح الباب.
شافها متمددة، وجهها شاحب، عيونها نصف مفتوحة، و أمه تسند رأسها و تشربها اللبن المالح.
الدم بعده واضح على المنشفة جوا قدمها.
و بهذه اللحظة قلبه هبط جوا رجليه ...
تقرب بسرعة، بصوت هادئ و ملهوف،
- ريّاوي ... حبيبتي ... شو دحكَيلي ؟!
فتحت عيونها بصعوبة،
و بس شافته حاولت تستوعب، و بس استوعبت نزلت دموعها تقول،
- قيس ... يوجعني ...
أخذ نفس عميق، و كبح كل خوفه بداخله.
- أعَرف يا روحي ... أعرف ... تحملي شوي.
التفت لورا و شاف الجمع حواليه.
- يمة ... فرغي الغرفة ما يصح كلها هين ...
ثم نظر لرغد،
- رغودة، إذا تبجين و تخوفيها يا بعد عيني، روحي يم امي.

رغد مسحت دموعها بإصرار.
- لا ... أبقى.
ربّت على رأسها.
- زين، بس ما اسمع حس.
ثم التفت لزياد، 
- جيب لي جنطة الإسعافات ... 
و تقرب على رجلها يشوف الجرح و بقايا الزجاج المكسور بيه و عمقه، و التفت له،
- زياد للصيدلية بساع لازم خيط جراحي ماكو بالبيت.
زياد هز رأسه و طلع الموبايل،
- هاك اكتب شتريد ...
أخذ قيس الموبايل، كتب له شنو محتاج و انطلق زياد للصيدلية بسرعة، و قيس يوصيه،
- لو سألك كَولّه قيس يريده بالبيت.
جلس قيس عند طرف السرير.
رفع ساقها بحذر و خلاها على فخذه.
فارش المنشفة البيضاء تحت قدمها،
و لما تأمل الجرح، ضغط على فكه بقوة.
قطعة الزجاج داخلة بعمق أكثر مما توقع.
أخذ الملقط، عقمه و مسك برجلها،
- ريّاوي ... رخي يابا ...
هزت رأسها و هي تبكي.
طلع أول قطعة زجاج.
صرخت و هي تتشبث بإيد أمه.
- آآآه ... قيس ... لا ...
غمض عيونه للحظة،
كل شهقة ألم منها كانت تخترق صدره.
بس إيديه بقت إيد جراح ... يعرف تماماً شلون يتحكم بنفسه.
نظف الجرح بالمعقم،
و أول ما رجع لمسها البتادين صرخت مرة أخرى لما ارتجف قلبه هو من الداخل،
- بعد روحي ... آسف والله ... بس لازم اتّحملين.
وصل زياد بالمعدات.
و بحركة عفوية، سحب قيس طرف فستانها يغطي ساقها المكشوفة قبل أن يتقرب له زياد.
خلى المخدر الموضعي.
- راح يخف الألم شواي ... بس يبقى إحساس بسيط.
و هي تتوسله،
- لا ... الله يخليك كافي ...
ثبت رجلها يقول،
- تحمليني ابوي انتي ...
و التفت لزياد يهمس،
- ثبت رجلها انت، بس اخيطها ما اتّحمل اعرفها ...
و زياد بتلقائية مسك ساق رجلها و طرف ثوبها محكم إيده عليها،
و قيس بدأ بالخياطة.
غرزة أولى.
صرخت.
غرزة ثانية.
انهمرت دموعها.
- قيس ... كافي ... الله يخليك ...
كان يحس بالأبرة تخترق قلبه وية صرختها ...
أمه ضمت رأسها لصدرها، تردد:
- بسم الله ... بسم الله ... فدوة يمة كَضت كَضت ...
زياد يثبت قدمها بحذر.
و قيس يخيط الجرح بدقة مذهلة، و عيونه تبين وجعه من الي يسوبه.
بعد نحو ربع ساعة ... خلص.
خلى الضماد بعناية، نظف الباقي من الدم، و نزل قدمها ببطء شديد.
زياد ابتسم يحاول يخفف عنها،
- هاي عليها نوط شجاهة دكتورة ...
و هي ما كانت تسمعه أصلاً ...
كانت عيونها غرقانة بدموع و تلاحق قيس ...
أم قيس قالت بحزم محب:
- يول عوف البنية، هي وين وانت وين ؟! ما تدحكَ شلون فرفحت روحها ؟!
ضحك زياد و طلع يقول لقيس،
- الحمدلله على سلامتك ...
قيس ابتسم له بطرف شفته ...
أم قيس طلعت للمطبخ تجيب لها مسكن الألم، ردت الباب وراها 
ساد الصمت.
اقترب قيس منها أكثر.
مسّد شعرها المبعثر،
- الحمد لله على سلامتج يا روح روحي.
ما إن سمعت صوته بهذه النبرة حتى انفجرت بالبكاء من جديد.
مدّت إيديها إله، و تمسكت بكفه بكل قوتها.
- يوجعني ... قيس ... كلش يوجعني ...
جلس على السرير و سحبها لصدره بحذر شديد حتى لا يلامس قدمها.
ضمها مثل ما يضم أغلى شي على روحه،
- أعَرف ... اعَرف يا بعد عمري ... كَضت ... خلص كلشي.
كانت ترتجف بين إيديه.

يقبّل جبينها، و شعرها، و دموعها.
- بطلة ... والله بطلة ... كَضت حبيبتي.
- تعبت ...
- نامي بحضني ... اني هين.
طلع أبرة مسكن قوية مناسبة للألم، و قال بهدوء،
- صدّي شواي، انطيني ظهرج ...
سألته،
- ليش ؟!
و رد بتلقائية،
- هاي الابرة لازم تاخذيها ... كَزاز فات غميج بالجرح، راح يلتهب و اتّأذين.
و هي من قوة الألم تحس نفسها مو بوعيها، بصعوبة التفتت منطيته ظهرها ... 
حست عيونها صارت ما تنفتح، ما تعرف شنو صار، و شلون صار ، بس حست بنغزة بسيطة و ملابسها نزلت. 
رجعها تنام علر ظهؤها و مخدة صغيرة جوا رجلها المضمدة، يسأل،
- خومو أذتج الابرة ؟!
و هي عيونها ذبلانة، ما عرف شنو ردة فعلها، بس الي عرفه انه ألم رجلها خدر جسمها عن أي ألم ثاني ...
- هاي راح تخفف الألم ... و بعد عشر دقايق ما تحسين بشي إن شاء الله.
ظل يمرر أصابعه بين خصلات شعرها.
كلما شهقت نفسها، يقبّل جبينها.
كلما ارتجفت، شدد حضنه أكثر.
- اني هين ... لا تخافين، كَضت يا روحي ...
بدأ تنفسها يهدأ تدريجياً.
شهقاتها تحولت إلى أنفاس متقطعة.
أصابعها التي كانت تتشبث بقميصه بدأت ترتخي.
رفعت عيونها نصف المغلقة و همست بصوت طفولي مكسور:
- لا تعوفني ...
أطبق شفايفه على جبينها،
- ما اعوفج، نامي ...
استكانت أكثر.
دفنت وجهها بصدره.
و بعد دقايق، استسلم جسدها أخيراً للنوم.
بقى قيس جالس قربها لما تأكد إنه أنفاسها بدأت تنتظم.
وجهها كان ما بعده متورد من البكاء، و رموشها ملتصقة بالدموع، و إيدها الصغيرة قابضة على أصابعه حتى و هي غافية تحت تأثير المسكن.
حاول يسحب إيده بهدوء، لكن أصابعها تشبثت بيها حتى و هي نايمة.
ابتسم بحنان، و فتح أصابعها وحدة وحدة كأنه يفك جناح طائر خائف.
عدل الغطاء عليها، و عدل قدمها المصابة فوق المخدة حتى تبقى مرتفعة.
وقف يتأملها لثواني طويلة.
ملامحها، حتى و هي نايمة، بعده الألم واضح بيها؛ بين حواجبها انقباض خفيف، و شفايفها ترتعش بين حين و آخر.
طلع من الغرفة.
أمام باب المطبخ المقابل، كانت أمه واقفة تنتظر.
أول ما شافته، قرأت الجواب بعيونه قبل أن يتكلم،
- نامت يمة ؟!
هز رأسه بتعب.
- نامت ... بس اتعبت جثير.
تنهدت أم قيس،
- فرفحا روحها ... كسرت كَلبي.
تقرب منها يقول،
- يمة اني اغسل و ارد للربعة، خلي عينج عليها. لو كَعدت، و لو اشتكت من ألم، لو هجستيها حرحرت لو داخت، بساع كَوليلي ...
- لا يظل بالك، اني هين.
سحب نفس طويل، ثم أضاف و هو ينظر باتجاه الباب:
- الجرح غميج ... رجلها مفتوحة و خيطتها ست خياطات، بس لازم ما تكَف عليها ...
ربتت أمه على ظهره بحنان أم تعرف تماماً شتعني هذه البنت لإبنها،
- روح لابوك يمة، حبيّبتك هي حبيّبتي ...
خفض عيونه للحظة، و ابتسم ابتسامة مرهقة.
- إي يمة ... والله قطعة روحي.
- روح حبيبي، لا يظل بالك ...

طلع و أمه ظلت بينها و بين سارة الي موتت نفسها بتأنيب الضمير ... سارة نادراً تشوف دموعها، بس من صار الحادثة بالمطبخ و هي إيدها ترجف خايفة و مقهورة ...
بس طلع قيس تركت كل شي و ظلت جالسة يم ريّا النايمة، تروح و تجي و ترجع عليها ...
إلى أن صاح لها زياد حتى يروحون ورا العشا ...
بس طلعوا بيت عمهم عدنان و الأولاد و عم الهدوء بالبيت، دخل سلمان ...
يسأل الكل،
- شلونها ريّا ؟! وينها ؟!
دخلت وياه ام قيس للغرفة،
و أول ما وقعت عيونه على السرير، توقف بمكانه.
ريّا كانت نايمة على سريره.
وجهها شاحب، و عيونها مورمة من البكاء، و ملامح الألم ما زالت واضحة رغم النوم.
وقف لحظة يتأملها بصمت ثقيل، ثم التفت بصوت منخفض، لكنه يحمل من الحنان ما يكفي ليملأ الغرفة:
- شلونها البنية يولو ؟!
أم قيس اقتربت منه و همست،
- جرحها غميج فرد نوبة، قيس نظفه و خيطه و نامت لمن هدها الوجع.
تقدم سلمان أكثر، و جلس على حافة السرير قرب رأسها.
مد إيده الكبيرة يمسد على شعرها برفق شديد، 
- يا بعد سلمان يا يابا ...
كانت نايمة، لكن أنفاسها تباعدت قليلاً تحت لمسته.
رفع نظره لأم قيس و صوته انخفض أكثر:
- والله اكسرت كَلبي ... هاي البنية من اجت لهالبيت و هي ماخذة وصلة من كَلبي ...
بهذه اللحظة، دخل قيس بهدوء،
وقف يم الباب يراقب المشهد، أبوه جالس قربها، يمرر إيده على شعرها بحنان أب حقيقي.
رفع سلمان عيونه إله،
- تأذت جثير يول ؟!
اقترب قيس و وقف عند الطرف الآخر من السرير،
- الحمد لله نامت ورا المسكن. الجرح نظيف و خيطته بست خياطات ... إذا تظل ثلاث ايام ما تدوس عليها تطيب.
هز سلمان رأسه بارتياح ...
- الحمد لله ...
نظر قيس لوجهها النائم، 
ابتسم سلمان ابتسامة أبوية،
- شكثر مفضوح انت !!
بعد دقايق، بدأت ريّا تتحرك بخفة.
انقبضت حواجبها، ثم فتحت عيونها ببطء.
أول من شافته كان سلمان جالس قربها، و قيس واقف يم رجليها.
ارتبكت فوراً ...
- عمي ...
حاولت أن تنهض.
لكن أول ما حرّكت رجلها، انطلق ألم حاد خلاها تشهق:
- آآه ...
و بنفس اللحظة قيس مسك رجلها من الساق يمنعها،
- لا، لا اتّحركين.
نظرت إله بخجل.
- آسفة ... نمت بفراشكم عمي ...
سلمان ابتسم بحنان و مسح على رأسها،
- بيت ابوج حبيبتي، نامي وين ما تلكَين فراش ...
حاولت مجدداً أن تجلس،
- أروح لغرفتي ...
هز قيس راسه بحزم الطبيب و لهفة الحبيب.
- مستحيل تمشين.
- أكَدر ...
- اي تا ينفتح الخيط و ارجع اخيط مرةٍ اخرى ؟!
عضت شفايفها و هي تستذكر الألم، و نطقت بحيرة،
- لعد شلون ؟!
سلمان صفن بيهم و كَام طلع من الغرفة يتمتم،
- جنّك لا شفت ولا سمعت يا سلمان ...
ابتسم قيس يقول،
- اعذرنا يابا ... أكو إصابات ...
رد سلمان و هو يهز رأسه بقلة حيلة:
- اي إصابات يابا ...
و قبل أن تعترض أكثر، انحنى قيس و حملها،
رفعها بسهولة وكأنها لا تزن شيئ،
- قيس ... لا ... نزلني ...
دفنت وجهها بصدره من شدة الخجل،
ضم راسها لصدره أكثر، و قبّل شعرها،
- اسكتي ... لا اتّحركين.
كان يمشي نحو الباب بثقة و هي تتمتم،
- قيس عيب من عمي ولك ...
عض شفته يقول، 
- هو خل يسمع تكَولين ولك تا يفين حظي و حظج ... لسانج يولي لسانج ...
و هي خاتلة و بخجل تقول،
- شلون تشيلني كَدامه ؟! 
مشى بيها ناحية الغرفة الثانية بالطابق الأرضي يقول،
- و انتي ما سألتي هو عليش طلع ؟!
سكتت و كمل يمشي بيها بحذر ...
كلما اهتزت شوية بين ذراعيه تتوجع من خياط رجلها، كان يضمها أكثر و يهمس قرب شعرها بصوت ما يسمعه غيرها:
- أواش ... وصلنا.
وصل للغرفة، و كانت نورا و رغد سابقاتهم.
نورا بسرعة فتحت الغطا و شالت المخدة. رغد واقفة قرب السرير، عيونها حمر من كثرة البكاء.
اقترب من السرير، لكن قبل أن ينزلها، همس قرب أذنها:
- لا تحركين رجلج.
هزت راسها بخجل.
نزلها بحذر شديد.
أول ما استقرت على الفراش، عدّل المخدات خلف ظهرها، ثم رفع رجلها المصابة و خلى تحتها مخدتين ...
نورا سألت بقلق:
- تحتاج شي قيس ؟!
رفع نظره إلها و هو يرتب الغطاء فوق ريّا.
- خلي يمها مي و المسكن.
رغد جلست قرب أختها و مسكت إيدها.
قيس نهض واقف، ثم التفت إلى البنات بصوته المسؤول المعتاد:
- هسع أهم شي ما تخلنها تكَوم لوحدها. إذا احتاجت حمام لو شي ظلت وياها.
رغد هزت رأسها بجدية.
- حاضر.
ثم نظر إلى ريّا مباشرة، لكن بنبرة متزنة أمام الجميع:
- و إذا حاولتي تمشين لوحدج، أرد اخيطها من جديد.
نظرت له
ابتسمت بخجل تقول،
- حاضر دكتور ...
نورا ضحكت:
- إي والله، لا تعاندينه اليوم.
طلع هو يخليهم يمها ...
و هي ...
ارتخت ملامحها.
غمضت عيونها بطمأنينة، و كأن الألم صار أخف لمجرد إنها تعرف بيه بالغرفة المجاورة، يقظ، منتبه، و مستعد أن يسعفها بأي لحظة.
بس لفتها من بين كل هذا الهم الي بوجهه ...
تعرفه خايف عليها كان، و متأثر من الألم الي مرت بيه ... بس بيه شي ثاني ... مسكت الموبايل كتبت له،
- شبيك حبيبي ؟!
دقايق مرت و رد،
- ما بية شي حبيبي، خفت عليج ...
ردت له،
- اني محظوظة بيك ...
و كتب،
- الله لا يحرمني منج ...
شوية و سألته،
- شصار على ابو رائد ؟!
و رد،
- باجر لازم رغد تتنازل عن الشكوى، فضيناها ...
- زين ليش ضايج ؟!
طول يلا رد و كتب،
- عمي عدنان عرف بابو رائد جاينا، و ظل ينبش بالسالفة ...


تعليقات