رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثالث والعشرون
ما إن لفظ أدهم كلماته حتى أظلمت الدنيا في عيني عامر واستحالت العبارة في أذنيه إلى صاعقة أحرقت الأخضر واليابس في ثباته نسي وقاره وهيبته ولم يعد يرى أمامه سوى طيف ملوك الذي يطالب بها غيره. فاندفع كفهد جريح يحمي عرينه وقبض على تلابيب أدهم بقوة جعلت عروق يده تبرز وعينيه تقدحان شرارا وبنظرة صقرية اخترقت روح أدهم جعلته يرتجف ......
جول اللي جولته ده تاني كدة سمعني جولت إيه في يوم الأغبر.
وقف أدهم مذهولا من هذا التحول في رزانة المستشار التي تبخرت أمام جنون الغيرة وابتلع ريقه بتوتر وهو يحاول عبثا تخليص نفسه من تلك القبضة ........
فيه ايه يا عامر يا عامر أني بجول.....
شدد عامر من قبضته على عنق أدهم واقترب من وجهه بملامح يكسوها غضب جحيمي جعل أدهم يبصر الموت في عينيه........
متجولش لأن الكلمة اللي هتطلع من لسانك دلوقتي هي اللي هتحدد هتمشي من هنا على رجلك ولا على نجالة يا ... انت رايد إيه مين انت.. إنت مفكر حالك إيه وجاي تاخد إيه خدك ربنا.
وقف عمار مدهوشا من تصرف أخيه الغريب فهي المرة الأولى التي يراه فيها يفقد السيطرة على نفسه بهذا الشكل ويهدم وقار السنين في لحظة غيرة عمياء........
فيه ايه يا عامر براحه ماحصلش حاجه غضبان ليه.
هدر عامر بفحيح مرعب وهو ما يزال مثبتا أدهم بمكانه ونظراته كفيلة بإحراق كل ما حوله وكأنه يتحداه أن يجرؤ على نطق الاسم مجدداً........
عايز مين يا أدهم جولي عشان ماعرفش هتصرف إزاي.
حاول عمار جذب أخيه وفك قبضته الحديدية عن عنق أدهم وهو لا يستوعب كيف لعامر أن يتصرف بهذه الطريقة الصادمة........
عامر ماتعجل انت جرالك حاجه بعجلك فيه ايه.
هنا لم يحتمل عامر برود أخيه ولا استهتار أدهم بممتلكاته الخاصة فزفر بعنف وصاح بصوت رعدي هز أركان المكان........
عامر أنا إللي جرالي حاجه... بعجلي أنا وإلا البيه جاي يتجوز الهانم.
هتفت فؤادة مذهولة من حالة عامر التي لم تعهدها من قبل محاولة تهدئة الأمور قبل أن تتفاقم........
ايه يا عامر مالك كفر الراجل.
رمقها عامر بنظرة جليدية تقطع كالسيف وتحدث بصوت خفيض لكنه يحمل غضبا مرعبا .......
انت ايه راضيه انتو انخبلتو.
تشجع أدهم محاولا الدفاع عن حقه غير مدرك لحجم النيران التي يشعلها بكلماته........
وما ترضاش ليه مالي هشيلها بعيوني انت ايه مزعلك.. هتتحكم ليه انت مش طايجها وكت هتموتها.. ليه عملت ايه الغلبانه بت زوج واخلاج وجمر منور ماتجعد في حالك. حتي اريحك منها.
قبض على ياقة أدهم بيد من حديد تعتصر أنفاسه وهدر بفحيح قاتل........
اخليني في حالي وتريحيني.. ليه كت اشتكيت لك.. يعني تبص لحريم الدار وتاجي تاخد حريمنا وتجولي اجعد في حالي. انت ايه جله ادبك دي.
تدخل عمار بحكمة محاولا فك هذا الاشتباك وإعادة الهدوء لأخيه الذي كاد يفتك بالرجل........
يا عامر عيب الكلام براحه ماهوش جفش اكده. اتكلم براحه كلو بالكلام والعجل ماله الجدع مايتعيب عيله ونسب دكتور كد الدنيا ياخدها ويراعي ابننا .
ألقى أدهم قنبلته الثانية بتحد أعمى غير مبال بالعواقب التي ستهدم الدار على رؤوسهم........
جوله يا عمار كفرت يعني فيه ايه.. اني هاخد ملك احطها بعيوني وسليم ياخد مليكه ونبقي الاخرين خدو الاختين .
تجمد عمار فجأة في مكانه وكأن دماءه استحالت إلى جمر يحرق صدره فالتفت إليه بعينين تشتعلان بغضب لا يقل عن غضب أخيه........
بتجول ايه تاخد مين كمان يبتليك بنصيبه تاخد مين لمين .
تراجع أدهم خطوة للخلف من هول نظرات الأخوين لكنه أصر على حديثه........
هو فيه ايه انو انخبلتو.. زي ماجولت احنا مانتعيبش وهاخد سليم لمليكه و..
ومن دون سابق إنذار رفع عمار يده وسدد إليه لكمة قوية أطاحت برأسه جانبا وهو يطرده بغل لا يقل عن غضب أخيه........
يلا ياض من هنا ماعندناش حريم للجواز.يلا بدل ماهرسك بيدي واخلص عليك.
صرخ أدهم وهو يمسك فكه بألم وعيناه تلمع بالذهول من جنون الشقيقين ومن تناقض حديثهما........
أنت مخبول ياض مش لسه بتجول مانتعيبش.
هدر عمار بنبرة حادة وهو يتقدم منه بخطوات تنذر بالشر محذرا إياه من فتح هذا الملف مجدداً........
ورجعت في كلامي والاجيك فاتح الكلام هفتح دماغك.. ودماغ أخوك هروح اهرسها. حريم دارنا ماحدش يبصلهم.
نظر أدهم إلى فؤادة يستنجد بها من سطوة أبناء عمومته الذين تحولوا إلى وحوش كاسرة بمجرد ذكر الزواج........
ابص إيه يا شويه مخابيل آنتو اتبدلتو..ماني مابتنجلش عمري من اهنه وحريمكو حريمنا ومولفين علي بعض.. عاجبك كده يا مرت عمي.
هتفت فؤادة وهي تحاول السيطرة على الموقف المتفجر وتنهي هذا النزاع قبل أن يراق فيه الدم........
لاه ماعجبنيش وليا معاهم كلام.. روح أنت شوف البنات واني هتكلم معاهم.
وقف عمار حائلا بينه وبين الدار وعيناه ترسلان تهديدا صريحا بالفتك به إن تجرأ على الخطو للأمام........
والله أفتح دماغه لو عتب المكان.
هنا نفد صبر فؤادة ووقفت بينهم بصرامة مهددة إياهم بأقصى ما يملكون من مخاوف لإجبارهم على التراجع........
يمين الله أطلع أمشيها وأخلي جدك يمشيها أنتو إيه.. لا ارتدعوا روح يا أدهم دلوك.
حاول أدهم الحديث مرة أخرى عله يجد ثغرة في ذلك الجدار المسلح بالرفض........
يا مرت عمي.
هتفت فؤادة بحزم يقطع كل سبل الجدال آمرة إياه بالانصراف الفوري........
أدهم جولت روح.
استدار أدهم يجر أذيال الخيبة بينما ظل عامر وعمار يشيعانه بنظرات تشتعل غضبا وكأنهما يحرسان حدود ممتلكاتهما المقدسة.
فهتفت فؤادة بحرقة وهي تنظر إليهما بذهول من هذا الرفض العنيف الذي لم تتوقعه........
أنتو انخبلتو دا بدل ماتنبسطو إننا هنسترها وتجعد ماتاخد الواد عايزين تجهروني اكتر ماني مجهوره.
رد عامر بصرامة حاسمة وهو يغلق الطريق أمام أي محاولة للنقاش مجدداً وصوته يحمل ثقل منصبه ورزانته الغاضبة........
يامه الكلام ده ينجفل عليه بلا جواز بلا زفت.
حاولت فؤادة الاسترسال في الكلام لعلها تعرف خبايا نفوسهم... ........
يا ولدي مسيرها هتتجوز صغيرة وحلوه... ثم نظرت لعمار... وأنت يا زفت انت مالك بخيتها سليم كويس.
صرخ عمار برفض قاطع واحتقار واضح لذلك العريس الذي تجرأ وطلب يد مليكة........
الحلوف ده ياخد الجطة دي دا بهيمه سارحه يصرعها.
استنكرت فؤادة وصفه لابن أخيه بتلك الطريقة وهي تحاول الدفاع لتحرق قلبه........
مين اللي حلوف دا سليم نجاوه.. واد يشرح الجلب طول بعرض بلسان حلو بوظيفة تشرح... وبعدين أنت مالك أصلا يا ولدي هيا تجول.
هتف عمار بحدة وهو ينهي الحوار مهددا بلهجة لا تقبل العبث........
لا مافيش اكده احنا مانرضاش بأذية حد. وجفلي بقه عالحزن ده لو فتح الموضوع ده هفتحلك دماغه أنت حرة. ولو جه إبن الجزمه التاني هخلص عليه عشان تفرحي بقة بالكل.
تركهم عمار وغادر بينما ظل عامر واقفا يحذر أمه بصوت جهوري كالرعد يرتجف له المكان........
الموضوع ده أخره اهنه يتفتح تاني أنت حرة هتحلى جهنم على اللي هيفتحه. أخوي ماهوش جطه فطيس وراح.. مرته تتجوز بعده أكده على طول.
حاولت فؤادة تقديم تنازل تزيد من روع ابنها المستشيط غضبا........
طب نستنو سنة.
هنا انفعل عامر بشدة وصرخ فيها بكلمات نهائية في هذا الأمر........
ماتبطلي بقه الله بلا سنة بلا زفت جفلو الموضوع دا آخر الكلام. وهيا هتجعد علي ولدها.
هتفت نجوان باستنكار... هو إيه ده آنتو بتتخانقو علي لية مش تعرفو أصحاب الأمر الأول. اني هجولهم و..
اندفع عامر وقبض علي يدها بعنف كاد أن يكسر ذراعها... انت بالذات تكتمي خالص ياللي فتحتي علينا فاتحه بشورتك الطين.. اسمعك تعرفيهم حاجه أكون معرفك مجامك كويس فاهمه.
استدار عامر مغادراالغرفة بينما كانت فؤادة تشعر بسعادة غامرة لم تستطع إخفاءها فقد رأت في غضب ولديها حماية لم تكن تتوقعها وعندما دخل الجد ووجد علامات الفرح ترتسم على وجهها استفسر عن السبب فحكت له ما دار........
عيالك انخبلو يا فؤاده اني مش مرتاح مالهم طايحين اكده.
ابتسمت فؤادة بثقة وهي تتذكر ملامح عامر وعمار التي كانت تنطق بالغيرة والامتلاك وكأنها استشعرت خيرا قادما........
كلو خير يا حج بكره تشوف.
######
في صباح اليوم التالي استيقظت ملوك وأخذت الصغير عمر وظلت تشاكسه بمرح لتوقظ مليكة التي كانت تغط في نوم عميق........
صباح الخير يا لولو.
ابتسمت مليكة لملوك التي هتفت بحماس وهي تفتح الستائر لتسمح لأشعة الشمس بعبور الغرفة........
قومي يلا شكل الجو بره حلو مش بتحبي الزرع.
أجابتها مليكة وهي تحاول الاعتدال في فراشها وشعور بالنشاط يتسلل إلى جسدها المنهك........
ايوه موت هقوم اغير وانزل الف شويه حاسه برجلي بقت احلي.
وقفت مليكة لتبدأ في تبديل ثيابها لكنها توقفت حين سمعت طرقا على الباب ودخلت نجوان ومن خلفها أدهم الذي لم يمنعه صد عمار وعامر من المحاولة مرة أخرى والتقرب من ملوك. بدأ يكشف عليهم ويطمان علي صحتهم ثم أخذ عمر وجلس بجوارهم وبدأ يتبادل الحديث والضحك معهم حتى بدأت أصواتهم تعلو وتملأ المكان........
بينما كان عامر وعمار يمران أمام الغرفة متوجهين لحجرتهما توقف عمار فجأة وشعر بالدم يغلي في عروقه وهو يستمع لصوت ضحكات أدهم العالية........
اخش اهرسه ابن الجزمه ماله فاشخ ضبته اكده.
حاول عامر السيطرة على انفعال أخيه رغم أن النار التي بداخله كانت أشد استعارا لكنه أراد الحفاظ على بقايا رزانته........
لاه ماتخشش سيبهم يتحرجو ماهيحصلش حاجه من اللي بيخطط ليها.
في تلك اللحظة انطلقت ضحكة رقيقة من ملوك وصلت لقلب عامر قبل أذنيه فاشتعلت نيران غضبه واندفع نحو الغرفة ووقف أمام الباب مباشرة بملامح جامدة........
لمحته ملوك وهي جالسة نظرت إليه في عينيه مباشرة وكأنها تتحداه مما جعل النار في جوفه تزداد لهيباً وأشاحت وجهها ........
استدار عامر ونزل الدرج مسرعا وكأنه يهرب من نفسه حتى لا يندفع للداخل ويفتك بأدهم وبها ولم يدرك سر هذا الغليان الذي يتصاعد بداخله يوما بعد يوم وكأنه بركان أوشك على الانفجار.
ظل يمشي بعيدا عن البيت والغيرة تنهش في قلبه إلا أنه توقف فجأة وكأن مغناطيسا يجذبه للداخل فعاد محروق الأنفاس وصعد الدرج بقوة وفتح الباب بعنف واقترب من أدهم بغضب جحيمي سحق رزانته المعهودة........
جوم مابنجعدش احنا في مجاعد لما تبقي عايز تتهبب اجعد تحت.
قطب ادهم جبينه بضيق وهو بيحاول يهدي الموقف........
الموضوع عادي ونجوان اهي جاعدة معانا يعني مش جاعدين لوحدنا. وأني بكشف واطمن عليهم.
انتفض عامر بغضب وعلامات القرف على وشه وهو بيصيح........
ونجوان كمان ما تجعدش داني كنت خلصت عليها . جوم انزل تحت مجعد الحريم ما عادش يتدخل فاهم.
تنهد ادهم في استسلام وقام متمهل........
هستناكي تحت .
انسحبت نجوان هي الاخري ونزلت خلفه وظلت بمفردها واستدارت تلم شنطتها كي تخرج وعندما التفتت خبطت في صدره العريض. عرض كانت تظن أنه رحل فشهقت بعنف وتراجعت للخلف بذعر .
لكنه اندفع وحاوط خصرها بيديه ليرتجف قلبها فجأة بلا سبب وقد تجمدت الدماء في عروقها ليقول بوعيد ........
آخر مرة يطلع اهنه فاهمة.
ظل ملتصقا بها في صمت ثقيل وعيناه تنطقان بما لا يستطيع البوح به حتى دفعته بعيدا وهي تلتقط أنفاسها اللاهثة
لم تجبه فاقترب منها ثانية وقبض على ذراعها بقوة فقالت بحدة ........
سمعتي أظن لما أتكلم تردي مانيش بهيم واجف جدامك عشان تهمليني وما ترديش.
رفعت عينيها إليه بنظرات مشتعلة بالتحدي وهتفت بسخرية مريرة........
أوامرك يا سيد الناس فيه أوامر تانية لجلالتك.
اشتعل غضبا من تهكمها الذي جرح كبرياءه........
إيه مش عاجبك الأصول ولا إيه.
ردت بحدة وهي تستدير لتخرج من الغرفة........
لا وأنت ما شاء الله متمرغ في الأصول قوي.
أمسك معصمها بعنف مانعا إياها من المغادرة........
كلامك السم ده تبطليه فاهمة إحنا حريمنا مابيتكلموش بالطريقة دي واصل.
دفعته عنها بقوة وهي تشتعل غيرة وتحديا........
أنا أتكلم براحتي وحريمك مالي بيهم الأستاذة مها عندك روح افرض ومارس عليها سلطتك هتتهبل من الفرحة لو بس بصيت لها.
بهت عامر للحظة وقطب جبينه بذهول حين أدرك أنها صدقت وشاياتهم فاندفع يمسكها ثانية وانخفض صوته بنبرة حادة........
إحنا مابيناش حاجة.
هتفت بحدة ووجع ينهش قلبها........
والله مش البت لابن عمها برضه.
هتف بإصرار وهو يثبت عينيه في عينيها بقوة........
وإني ماهخدهاش إني بجولك أهو مابفكرش فيها واصل شيليها من نفوخك.
ردت بحده وبرود... آه اشيلها من نفوخي وهيا مابتشيلنيش ليه أنا مالي ماتخليها فيك مالها بيا الهانم.
انفعل هو... هو انت مابتسمعيش بجولك مافيش بينا حاجه من أساسه.
مطت شفتيها ساخرة... آه واضح.
هنا نفذ صبره... أعملك إيه عشان تصدجي مافيش زفت بينا دا ايه ده هو عافيه.
نظرت اليه بحده... يعني هيلبسوهلك من غير ماتعرف بتكدب ليه انا مالي أنا.
اندفع وشدها كان يستميت كي يبعد شبهه علاقة بينهم ... هما عجلهم تعبان انما أنا ماهخدهاش افهمي يام عجل ترباس مش هيا إللي تنفعني .
قطبت جبينها واحست غضبها غير المبرر فقالت بحدة... وإنا مالي تاخدها ولا توديها أوعى بقه مايهمنيش خليني أمشي اتأخرت.
احترق قلبه من عدم مبالاتها فدنا من أذنها وهتف بفحيح يقطر غضبا........
ما يهمكيش واصل أنتِ عارفة اللي ما بيهمكيش ده الخلج بيجرى ليه عشان بس يلمحوا طرف عينه.
ابتسمت بسخريه وقالت ........
بجد بيجرى لهم عشان تبصلهم لا حول الله دي حاجة صعبة قوي طب كويس خليك مبسوط بنفسك أنت.
اندفع نحوها كالإعصار وهو يهتف بحدة استشرت في عروقه........
أنتِ ليه كل شوية تجلي مني إني محدش يطولني من أساسه واللي أبصلها يبقى يوم سعدها.
هتفت ببرود مستفز وهي تشيح بوجهها عنه........
حلو كمل كمل ربنا يعينك في اللي أنت فيه.
اندفع صوبها بغيظ مكتوم وقد استبد به الانفعال........
اللي أنا فيه إيه هو راجل يملى العين مال ونفوذ وجدع يشرح الجلب بيتهز له شنبات.
نظرت إليه بروية وهدوء جعل قلبه يرجف رعبا من القادم فهمست بنبرة خرجت من أعماقها........
بس ما بيتهزلوش قلوب.
اقتربت منه فجأة فتصاعدت أنفاسه واضطربت دقاته ليتفاجأ بها ترفع يدها وتضعها فوق موضع قلبه........
ده يوجع قوي ما يهزش أي حد بيحس. ده البعد عنه راحة لأنه لو فكر في حد دنيته هتتقلب وآخرتها وجع. ده يتخاف منه لإنه مالوش أمان بيفكر لنفسه وبس.دنيته هو وبس واللي حواليه مش مهم قلوبهم اية.. الشنبات مابتطيبش قلوب اللي يطيب القلب لما يكون قلب اللي قدامه ملهوف عليه يخاف عليه من أي وجع يكسره مش يشرخو . ربنا يعينك علي قلبك.. آه وخلي قلبك لبنت عمك هتفرح بيه قوي.
استدارت لتتركه واقفا مشلول الحركة وسخونة يدها على قلبه تلهبه ليرفع يده لا شعوريا يتلمس أثرها وهو يفكر في كلامها الذي أصابه في مقتل دون أن يدري ما الذي جرى له...
الا انه لم يحتمل فاندفع ومسكها ووقف أمامها يحاول لجم غضبه وصوته خرج خفيضا وحازما فيه نبرة عتاب مبطنة.....
أنتِ شايفة إكده يعني شايفاني جاسي ومن غير جلب وما يتفرحش بيا واصل. كل إللي يجولك عليا كلمه تصدجيه. طب علي فكره أنا ما جولتش اللي مها جالته عالفلوس ونديكي.. ده كلام مجرف ماجولوش عليكي وماسكتلهاش واصل.
وبالنسبة لموضوع الشغل ده فإنتِ مش محتاجة تطلعي بره الدار وأنا موجود سداد لأي شيء تعوزيه. دي دارك ومالك تحت يدك تجعدي هانم تصرفي. إن كان بينا حده ومشاكل بس الأصول تجول انك تجعدي هانم زي هوانم الدار واعلي كمان.
نظرت إليه ملوك بعيون لا تهتز رغم كلامه الذي هزها من داخلها وايقظ بداخلها مشاعر غريبه لا تصدق ان هذا كلامه ...
هتفت ملوك بلهجة تقطر وجع وهي تمسك بمقبض الباب........
متشكرة يا سيادة المستشار بس أنا مابخدش حاجة من حد غريب عني وإنت سداد لأهلك مش للجربوعة مرات أخوك عن إذنك. وماتنساش الجربوعه ماينفعش تقعد هانم.
وقف مكانه وصدره يعلو ويهبط لا يعلم كيف يتصرف مع تلك المتمردة التي تضرب بهيبته عرض الحائط دون أن يخرج عن رزانته المعهودة.
وبينما كانت تهم بالاستدارة لتغادر مد يده وبسرعة خاطفة جذبها من ذراعها ليديرها نحوه بقوة جعلت أنفاسهما تختلط بينما كانت عيناه تبرقان بوجع غريب كأنه يشعر بانتزاع جزء من روحه........
ضغط على ذراعها بتملك وهو ينظر في عينيها بقسوة لينة...
إنت مش أهل بيتي أمال إنت ايه.. ثم انت مش جربوعة بطلي دي الله يرضي عنك بقه.. بجولك الدار دي دارك والناس اللي فيها أهلك وناسك خلاص.. إنتي بقيتي مننا حتة من عرضنا ودمنا والكلمة اللي تطلع عليكي تطلع على رجبتي جبليكي.. حسي بينا عاد وبلاش سيرة الرحيل دي واصل... جولتيلي دخل عليا تعابين كني هجام والا جطاع طريج.. إني مش اكده. و اللي يفكر يحبسك أكون حبست روحه بيدي قبل ما يوصلك.. افهمي عاد انا تعبت .
تراخت قبضته عن ذراعها ببطء بينما كانت نظراته تفيض ببركان ثائر يعجز عن تفسيره المهم لديه الآن أن تدرك أنها غدت جزءا منهم ولا مفر لها سوى أحضان هذه العائلة.......انهم بلين جارف وقال.. .
إنتِ خلاص بقيتي مننا وإحنا إللي بيبقي مننا مابنهملوش.
وقفت في مكانها كأنما تسمرت قدماها في الأرض بينما ظلت يدها تشعر بحرارة كفه اللاهبة كلامه يتردد في أذنيها كصدى صوت ياجج بداخلها مشاعر غريبه ولين مفاجئ.
لم تكن تتخيل أن هذا الجبروت قد يخرج منه رجاء حتى وإن كان مغلفا بوعيد وتهديد. لأول مرة تحس إنها ليست جارية محبوسة.. قلبها الذي كان يمتليء غل منه دق دقة غريبة دقة خوف على وجع مش مفهوم علي شيء آخر بدأ ينمو في الخفاء.
سألت نفسها بذهول وهي ترقب ملامحه المشتعلة... هو بجد شايفني أهله ولا ده سجن جديد بس باسم العيلة...
مشيت خطوة لورا وهزت راسها ببطء وكأنها بتحاول تستوعب اللي سمعته وماردتش بقذائف زي الأول.. لين غريب اجتاحها سكتت .
كان صمتها أبلغ من أي حديث حست لأول مرة بأن هناك هدنة قد تولد بينهما
مسمحتش لنفسها تبتسم ولا سمحت لروحها تصفى لكنها لفت ضهرها وطلعت بخطوات أهدى بكتير.
تركت خلفها باشا مهزوما بوجعه المكتوم بينما مضت هي ويقين يملأ وجدانها بأنها العاصفه ربما تكون حمدت.
#######
أما عمار فقد تنهد بعمق ودخل غرفته والحريق ينهش صدره ووقف في الشرفة يحاول طرد تلك الأفكار التي بدأت تغزو عقله........
فكرة زواج سليم من مليكة جعلته يهز رأسه برفض قاطع وكأنها إهانة شخصية له........
لاه لاه ماينفعش الحلوف ده.. دي جطة تخاف ولازمن حد يخاف عليها اه سليم ماينفعش ياخد الجمر دي لاه خده ربنا دا بتاع حريم وفلاتي.
ظل الغليان يتصاعد داخله حتى بدأ ينهر نفسه بصوت مسموع محاولا استعادة ثباته والابتعاد عن هذا المنزلق........
وأنت مالك يا زفت انت ياخد ويهبب دا مرار خليك في حالك يتجوزوا وإلا ينحرجوا حتى.
جلس عمار بمفرده يأكل في نفسه والغيرة تفتك به رغم محاولاته اليائسة لإقناع نفسه بأن الأمر لا يعنيه بالمرة.
######
خرجت ملوك مع أدهم ونزلت لتخبر فؤادة أن تأخذ عمر وأخبرتها أنها ستذهب للعمل مع أدهم وركبا العربة وانطلقا وفي أثناء ذلك لمحهم عامر الذي قادته ناره ليدخل على أمه محتدا بملامح يكسوها الغضب الجحيمي........
البت دي راكبه مع ادهم ليه هاه عايزه تفضحنا اياك.
هتفت فؤادة محاولة تهدئة ثورته وهي تضرب كفاً بكف من حالته التي تبدلت في لحظات........
مالك يا ولدي هو كل دجيجه حرج ماتخليك في حالك هيا جايلالي مالك بس انجلبت عفريت اكده.
صرخ عامر وصوته يتردد في أرجاء المكان وهو لا يتخيل ملوك بجانب رجل آخر في سيارته........
جايلالك هتركب وتروح معاه ووافجتي ليه مره مالهاش رجاله. وهو رايدها.
هتفت فؤادة مدافعة عن ملوك التي لم تشهد منها إلا كل أدب واحترام منذ دخولها الدار........
عيب اكده.. ادهم محترم وجالي هيسكت لحد مانا أشوف الموضوع أدهم إبن أصول مابعرفش يعمل العيبه وإنت خابر إبن عمك. والبت محترمه مابيطلعش منها العيبه برضك .
عامر والغيرة تنهش قلبه وتعمي بصره عن أي منطق أو هدوء........
ولما هيا محترمه تركب مع الغريب ليه وتروح وتاجي.
هتفت فؤادة وهي تذكره بمرارة ما فعله بها وكيف أنها لم تجد فيه السند الذي كانت تتمناه........
هو يعني كت لجت الجريب وركبت.. ومين إللي غريب أدهم إللي متربي اهنه مانت بتسيبه يرمب البنات ويركب خيتك ماتسيبها في حالها الله بعد عملتك السوده مالكش صالح بيها.
اشتعل عامر بغضب مضاعف فاستمرت فؤادة في حديثها وهي تشيد بأخلاق أدهم وشهامته........
خلاص اسكت بقه اني تعبت الله ماله ادهم جدع زين.
فصرخ وعينه تطق شرارا وهو يتهم أمه بالتهاون في حماية شرف نساء الدار........
انت ايه ده مابتحريش عليها.
هتفت فؤادة بهدوء وهي تحاول امتصاص غضبه ........
احر ايه يا ولدي البت ماعملتش حاجه.
قاطعها عامر بحده.. حريمي مايروحش مع حد ولو روحه طلعت مايجربش.
اقتربت فؤادة منه وهتفت بهدوء حذر وهي تضع النقاط على الحروف لتذكره بالواقع المرير........
عامر هيا مش حريمك فاهم واعجل اكده ومش كل يوم ولو اشتغلت ماهجولش لاه ماهنجعدهاش ونجهرها.
صرخ عامر وهو يشعر بالظلم من اتهام أمه له بالتقصير في تلبية احتياجاتها........
وكت طلبت حاجه وجولنا لاه.
نظرت إليه فؤادة بنظرة ذات مغزى وهي تلخص حال ملوك معه ومعاناتها التي بدأت بسببه........
ماهتطلبش يا ولدي.. الحرمه تطلب من اللي ليه عندها امان وسند واخوك راح تطلب من مين منك اللي حبستها زي الكلبه وحتي ماطيبتش خاطرها.. تطلب من مين جولي بت عفيفه عندها كرامه تطلب وإنت حائل عليها داخله تضحك وتاخد جرشينات.
اندفع بغضب مستنكرا ما قاله... ده أول دخلتها وخلصنا لأه تطلب ماهنجولش حاجه مالي تحت أمرها تطلب مابدها ماهحرمها من حاجة.
نظرت اليه فواده تنهدت.. تصدج بالله دا تكلب من الغفير اللي واجف بره ولا تكلبش منك... بص لنفسك شوف بتعملها إزاي وحول ينفع تاخد منك مليم.. إلا تطفح جهر منك وحزن.
قاطعها وقد ضاق خلقه... ماتسبللي فرصه رائد أعملها كويس ماتسيبش هيا.
تنهدت... تسيب فرصه.... هيا أحجة تنسي حبيتها عشان تسيب.. بكفياك الله يرضي عنك سيبها والله ادهم جدع زين.
احتد عامر وهو يشعر أن العالم كله يتآمر ضده ليقبل بهذا الزواج الذي يرفضه بكل كيانه........
يعني البيه ده موافجه عليه يامه .
هتفت فؤادة وهي تعطي ملوك الحق الكامل في تقرير مصيرها واختيار شريك حياتها........
لو هيا وافجت هوافج اني ماليش اجول.
هتف عامر بغضب وعزم أكيد على منع هذا الأمر مهما كلفه الثمن واستدار مشتعلاً........
لاه لينا نجول وهتشوفي.
اندفع عامر خارج المنزل متجهاً إلى المستشفى والشرر يتطاير من عينيه والغيرة تقوده نحو مواجهة لا يعلم أحد نهايتها.
#####
اتفق أدهم مع ملوك على مرافقتها للمشفى وأثناء طريقهما حاولت ملوك مفاتحه الأمر في موضوع أختها ........
بقولك ايه يا دكتور أدهم.
ابتسم أدهم وهو يتطلع إليها بتركيز ومودة واضحة........
أدهم يا ملك أدهم.
تنهدت ملوك وهي تحاول ترتيب كلماتها قبل أن تطلب منه تلك المساعدة........
طب ممكن اطلب طلب.
أجابها أدهم بكرم وحماس وهو يشعر بسعادة لطلبها منه........
عيوني من جوا.
تساءلت ملوم بفضول عن صلة قرابة أو معرفة له في مجال محدد........
تعرف حد بيشتغل في السياحه.
قطب أدهم جبينه بدهشة متسائلاً عن سبب هذا الاهتمام المفاجئ........
ليه عايزه تشتغلي.
ابتسمت وهي توضح له أن الطلب لا يخصها بل يخص شقيقتها........
لا دي مليكه اختي.
أطلق أدهم تنهيدة ارتياح مؤكدا لها أن الأمر في غاية السهولة لوجود أخيه في ذات المجال........
ياااه جيتي في جمل سليم اخوي شغال مدير فندج اكيد بيعرف حد.
طلبت منه ملوك بلهفة أن يتواصل معه وبالفعل أخرج هاتفه وكلم أخاه وأعطاه رقم مليكة التي كانت تستعد للخروج في تلك الأثناء.
######
خرجت مليكة بعد أن كلمتها ملوك واعطته الرقم والتفاصيل ووقفت أمام غرفتهاوهي تجري اتصالا هاتفيا بسليم الذي لا تعرفه وهمست بخجل رقيق وهي ترتب لموعد المقابلة........
أيوه حضرتك اه معايا السي في عالموبايل طب وماله أقابلك فين.. طب أنا هنزل اتمشي شويه لو حابب تقابلني يعني عند منزل النيل اللي جنب بيت الحج سعفان. طب خلاص لما توصل كلمني هستناك عالنيل مبسوطه اني عرفت حضرتك والله.
في تلك اللحظة خرج عمار من غرفته واستمع لكل كلمة همست بها واشتعلت النيران في صدره خاصة حين ختمت المكالمة بابتسامة........
تمام هستناك سلام هنزل اقابلك اهوة .
استدارت مليكة لتشهق رعبا حين وجدته واقفا خلفها كالعفريت يراقبها بذكاء مرعب........
##
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
إيه شفتي عفريت إياك.
تنهدت مليكة وأحنت رأسها محاولة الهروب من نظراته المستجوبة واستدارت لتغادر لكنه وقف حائلاً أمامها والشرر يتطاير من عينيه........
راحه فين اكده.
همست مليكة وهي تحاول الثبات أمام جبروته وتطالبه بالابتعاد عن طريقها........
نازله لو سمحت اوعي.
سألها عمار بنبرة آمرة وهو يشعر برغبة في تحطيم الهاتف الذي كانت تمسكه........
نازله فين أنت.
هنا رفعت مليكة عينيها وتملكتها جرأة مفاجئة وقررت وضع حد لتدخله في شؤونها........
أظن مش حاجه تخصك.
تركت مليكة عمار يغلي في مكانه وصدمته تلك "القطة" التي ظهرت لها مخالب فجأة وأصبح قلبه يأكله من الغيرة والحنق وهو يتوعدها باللحاق بها........
لا والله والا والجطه طلعلها خرباش هتجف اكده تاكل بعضك والهانم راحه تجابل لاه تحترم نفسها هتجابل مين دي ما هفوتهاش.
نزل عمار الدرج مسرعاً خلفها بنية تتبعها ومنع تلك المقابلة لكن نداء جده القوي أوقفه في مكانه........
عمار تعالي.
حاول عمار التملص من جده رغبة في اللحاق بمليكة قبل أن تبتعد........
طب يا جدي دجيجه وجايلك.
لكن الجد أصر بصوت حازم لا يقبل النقاش مما أجبر عمار على العودة والغضب ينهش في جوفه وكأنه يرى الهشيم يشتعل في قلبه........
لاه تعالي دلوك عايزك ..
نزلت مليكة واتجهت صوب النيل يتبعها عمار الذي تملص من جده تتبعها نظراته التي لم تفارقها. كانت تقف عند الضفة تلتقط الحصوات الصغيرة وتلقيها في الماء مبتسمة ثم تعاود الكرة بمرح طفولى. بينما كان هو يقف خلف إحدى الأشجار الكثيفة يتأملها بصمت وقد سلبت لبه ببراءتها التي تأخذ العقل.
كانت تجري خلف فراشة ملونة وتضحك بصوت رقيق وسقط منديلها دون أن تشعر ليتحرر شعرها ويتطاير خلفها بجمال ساحر.
كان عمار واقفا في مكانه غارقا في تأمل طيف مليكة وهي تتحرك بنقاء سارحا في تفاصيل مشهدها الساحر الذي خطف عقله لثوان.. حتى انتفض فجأة وعاد لأرض الواقع على صوت همس لئيم وخبيث بجانبه....
ـ يا جلبو... إيه الجمر ده؟ جطة تتأكل أكل يا واد يا عمار.. اوعي الجمدان...
استدار عمار بسرعة والشرر يتطاير من عينيه ليرى من صاحب هذا التطاول ليتجمد مكانه ويسود الصمت وهو يتفرس بذهول في هيئة سليم المفاجئة..
كان سليم يقف خلفه بطلة آسرة تخطف الأنفاس في هيئه شديدة الأناقة بالقميص الأبيض ناصع البياض الذي يبرز وسامته ووشاحه الأسود الحريري يلتف حول كتفه بهيبة طاغية.. لم تكن الشياكة في ملبسه فحسب بل في تلك النظرة الساحرة الواثقة التي ترتسم في عينيه.. وبرفانه النفاذ الذي ملأ المكان بأكمله كأنه عريس جاء ليتزوج اليوم..
كان سليم يقف بكامل شياكته وجبروته يتأمل مليكة بنظراته الوقحة وقد جاء إلى هنا بناءً على الاتفاق والترتيب الذي جرى بينهما سلفا.
في تلك اللحظة انفعل عمار بشدة ولم يعد يرى أمامه واشتعلت النيران في صدره من حضور سليم وتأمله لمليكة بهذا الشكل المستفز..
فاندفع نحوه وصرخ بغضب جحيمي........
اتهبب على أيامك ماتبصش اتجنيت إياك.
رد سليم بذهول وهو ما يزال مسحورا بجمال مليكة غير مدرك للنار التي أشعلها في قلب ابن عمها........
ومابصش ليه يا حزين مانت كنت واجف تبص... ودي مايتبصلهاش كيف.. دا البصة للجمر جنة.
لم يتمالك عمار نفسه فدفع سليم بعنف واندفع نحو مليكة التي كانت لا تزال تجري بمرح وقبض على ذراعها بقوة جعلتها ترتجف من الخوف وهي تنظر إليه بعينين متسعتين........
إيه إيه ماعملتش حاجة فيه إيه.
سحب عمار وشاحها من الأرض بعنف وصاح بنبرة أرعبتها وأخرست ضحكتها تماما........
ده ينجلع تاني هطلع روحك هاه.
انكمشت مليكة على نفسها من فرط الخوف بينما تنفس هو بغضب محاولا السيطرة على أعصابه وهو يرى ارتعاشها........
اعدليه بجولك.
بدأت تعدل حجابها بيدين مرتجفتين وبينما كانت تحاول ستر شعره، أفلتت خصلة متمردة فمد عمار يده بخشونة ممتزجة بحذر غريب وأدخلها تحت الوشاح......
ابقي هاتي إيشارب عدل بدل حتة الزفته إللي كل شويه تتزحلج دي.
وفي تلك اللحظة اقترب سليم ومد يده بابتسامة واثقة........
سليم الراوي.
نظرت إليه مليكة بابتسامة ساحرة نكاية في عمار الذي كان يراقبها بغضب مكتوم وشعرت ببعض الأمان في وجود طرف ثالث........
أهلاً يا أستاذ سليم.. ازي حضرتك.
هتف سليم بغزل صريح جعل الدماء تغلي في عروق عمار الذي وقف كالحارس الشرس........
والله سليم دخل الجنة بشوفتك. وسليم يا مليكه إحنا جرايب .
احمرت وجنتا مليكة خجلا كان سليم يلهبها بنظراته.. فقام عمار بنغز سليم في كتفه بقوة كادت تطيح به محذرا إياه........
انعدل في كلامك وبص كويس.
هز سليم رأسه بلامبالاة وأخرج كيسا كان يخبئه خلف ظهره وقدمه لها بلطف........
ده ليكي يا ست البنات .
نظرت مليكة إلى الكيس بدهشة وسألت برقة........
ليا أنا ده ليا .. ليه تعبت نفسك مرسي لذوقك والله.
أجابها سليم بمزاح وهو يرى بريق عيونها اللامع بلهفه........
دا حاجة بسيطة جوي بس عارف ومتوكد هتفرحك .
فتحت الكيس لتجد كومة كبيرة من غزل البنات الوردي شهقت شهقة سعيده ورفعت عيونها بسعادة طفولية نسيتها منذ زمن........
ده ليا.. كلو ليا بجد.
اتسعت ابتسامة سليم وهو يرى فرحتها فزاد في دلاله أمام عمار الذي كان يشتعل صمتا........
لو عايزة أوديكي شادر الغزل أجيبهولك لحدك.
أخرجت قطعة من الغزل وبدأت تأكلها بتلذذ وهي تشكره بحفاوة........
متشكرة قوي.. كنت هموت وآكله.
وعدها سليم باستمرار هذه الهدايا اليومية ببساطة........
كل يوم هجبلك منه.. بس اكده تاكلي وتتهني .
كانت مليكة في قمة سعادتها مما دفع عمار للتدخل بسخرية لاذعة ليطفئ فرحتها التي لم تكن بسببه........
مالك فرحانة فرحة الأهبل اكده.. دي شوية سكر ولون تجوليش جابلك السفارة.
نظرت إليه مليكة بغضب وجرأة بدأت تترسخ داخلها يوما بعد يوم ولم تعد تخشى صوته العالي........
مش بالمجايب يا أستاذ أنت.. باللي القلب يحبه.. الله مالك أنت اعرفك بحب إيه وبتبسط من إيه إنت.
قطب عمار جبينه بذهول من ردها القوي فلم يكن يتوقع أن تقف أمامه بتلك الشجاعة والتحدي لتلجمه الكلمات لثوانٍ زادت من اشتعال الأجواء بينهما........
استغل سليم صمت عمار فابتسم باستفزاز وهو ينظر لمليكة بخبث قائلً لعمار بنبرة تفيض بالمكر والتحدي........
إيه يا عمار؟ أنت عارف إن الملايكة بيعشجوا الغزل.. وإلا أنت مابتآخدش بالك إياك؟ مش فاضي أنت إلا للحرامية والمساجين.. الله يكون بعونك يا واد عمي.
اشتعل عمار ونظر إليه بغل يكاد يحرق الساحة وفي تلك اللحظة كانت مليكة تأكل السكر بعفوية ليعلق بضع حبات بخصلة من شعرها فاقترب سليم ومد يده بجراءة ممسكا بخصلة شعرها........
حاسبي.. السكر لزج في شعرك ومش هيطلع واصل لو سيبتيه أكدة.
هنا لم يعد عمار يرى أمامه فامتدت يده كالرمح القاتل وقبض على معصم سليم بعنف أطار الأنفاس وهدر بصوت حارق زلزل المكان........
يدك دي تترمي جنبك فاهم؟! وإنتِ لمي الزفت اللي واجع ده مش كل شوية زفت يجع وتفرجي علينا الخلج..
نظرت إليه مليكة بغضب عارم وعينيها تشتعلان بالدموع والكرامة المصابة من إهانته أمام سليم وصاحت فيه........
زفت يقع... الملافظ سعد.. أنا شعري زفت يا أستاذ أنا... أنت إزاي تتكلم معايا بالطريقة دي ؟
اندفع سليم يدافع عنها بجرأة ومياعة استفزت كل ذرة رجولة وصعيدية داخل عمار وهو يرمقه بتحد قائلا.......
زفت إيه يا عمار؟ ده سلوك الذهب ما تجيش جاره واصل.. ما تهدي يا عم مالك؟ ده أنت بتاع حريم وداير على حل شعرك. عيب تعامل الجطة الرجيجة دي أكدة.
صرخ عمار بصوت هدر كالرعد وعروق رقبته تكاد تنفجر من الغضب العارم مقتربا من سليم وكأنه سيفتك به........
ما تحترم حالك يا جدع أنت.. إيه بتاع حريم دي؟ لم لسانك ده بدل ما أجطعهولك. فيه ايه في يومك الطين.
استدارت هي لسليم وتجاهلت عمار لتفتح معه موضوع العمل الذي تنشده..
كان أدهم قالي إنك بتشتغل في فندق صح.. لو أمكن يعني تشوفلي حاجة مع الفوج.. والله أنا متفوقة وشاطرة وأقدر أشتغل كويس.
أجابها سليم بوعود براقة وهو يتفرس في تفاصيل وجهها بجرأة........
من غير ماتجولي اعتبري نفسك اتعينتي ومن بكره هعدي عليكي أخدك.
ابتسمت بسعادة غامرة وهي تثني على ذوقه وطيبته........
والنبي بجد.. أنت طيب قوي وجميل.. مرسي خالص.
تنهد سليم وكان رجلا له باع بالنساء يدرك تأثير الكلمات على النساء فهمس بصوت سمعه عمار بوضوح........
دا جمر ماهعرفش أشتغل اكده.. ما جابلتش حد اكده.
هتف عمار غاضبا وقد أحس بكرامته وكبريائه يُطعنان أمام غريب فصاح بنبرة حادة........
وتشتغلي ليه أنت محتاجة. ماعندناش حريم تشتغل.
نظرت إليه مليكة بغضب وتحد لم يعهده منها وقررت أن تضع حدا لسيطرته عليها........
وأنا مالي بحريمك أنا كنت جيت جنبهم أنا هشتغل.
التفتت إلى سليم بابتسامة رقيقة متعمدة إغاظة عمار وهي تلوح بكيس غزل البنات........
لو حابب من بكره ماشي ومتشكره عالغزل أنا كده هتعبك وادلع وأخليك تجبلي كل يوم.
تركتهما مليكة وهي تدندن بسعادة بينما وقف سليم يبتسم ببلاهة وهو يتابع طيفها........
تدلعي.. يا جلبه اللي هيدلعك يدخل الجنة.
لم يتحمل عمار كلمة أخرى فدفع سليم بعنف وهو يطرده بشرر يتطاير من عينيه........
طب غور بقه ربنا ياخدك عيل حزين وفلاتي منك لله ربنا يحرج دمك .
إلا أن سليم اندفع خلفها يناديها بنبرة ذات مغزى...
مليكة.. يا مليكة.
توقفت في مكانها واستدارت له، ثم نظرت إليه بابتسامة براقة وعفوية. في تلك اللحظة أخرج سليم الكارت الخاص به ومد يده إليها قائلا...
ده تليفوني.. هستناكي بالليل تكلميني عشان أتفج معاكي على حاجات أكدة تخص الشغل.
ابتسمت بعفوية شديدة لم تدرك ما وراءها وهمست بلين..
حاضر.. هكلمك أول ما تبقى فاضي امتي.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة تفيض بالمكر وأردف..
يعني معلش.. على الساعة اتناشر أكدة بالليل أكون خلصت شغلي إلا لو كنتِ هتنامي بدري؟
ردت هي ببساطة ونقاء..
لا أبداً حاضر.. كتر خيرك.
استدارت مليكه لتكمل طريقها بينما وقف سليم يتبع أثرها بعيون تلتهمها وتكاد تخرج من مكانها من فرط إعجابه بها.
وفي المقابل كان عمار يقف خلفه يشعر بنيران الغيرة والغل تحرق صدر وجسده ينتفض كأنه على وشك ارتكاب جريمة قتل.
لم يتحمل عمار أكثر فاندفع نحو سليم ودَفعه في صدره بغضب عارم وهدر فيه بصوت خفيض حارق..
اتناشر ايه اللي هتكلمك فيه بالليل وخري كده ؟ أنت انخبلت في عجلك واصل وإلا جرا لمخك حاجة؟
غمز له سليم بخبث ومكر ولم تهتز له شعرة بل قال ببرود استفزازي...
مش لما أخلص شغلي يا واد عمي.. عشان أفضي للحلويات دي؟ دول جرايبنا وواجب نحطهم في عيونا من جوة.
ربت سليم على صدر عمار بسماجة وتحد فسليم لم يكن خصما سهلا.. عاد خطوة للخلف ثم اقترب من أذن عمار وهمس بنبرة لئيمة..
اجعد أنت بس واتفرج.. وصدجني عتفرح جوي.
غمز له مرة أخرى واستدار ورحل بدم بارد. بينما وقف عمار في مكانه يغلي كالمرجل قابضا على كفيّه بقوة حتى ابيضت مفاصيله. فهو يعلم سليم وتأثيره وصيته وسط النساء. وقف يمنع نفسه من أن يندفع خلفه ويقتله وينهي حياته.
في تلك اللحظة. استدار عمار ورائها ليلحق بها بينما كانت هي تسير وتحدث نفسها بغيظ من تدخلاته الدائمة........
هو كل شويه يجي يغلس عليا ليه.. ايه القرف ده ماله هو عبوشكله عيل غلس.
ابتسمت مليكة لنفسها وهي تشجع روحها على الصمود أمام سطوته........
بس أنت يا ملوكه بقيتي شطوره مش بتخافي منه زي الأول أيوه كدة خليكي عندك شخصية ولو اداكي كلمة أديله برضه إنت أختك قالت كتر المشاكل والزعيق هيقو شخصيتك ودا بجعوره كبيره أنا بقه هسدهاله.. .
بدأت تدندن من جديد لكنها انتفضت.... حين سمعت صوته القاسي يخرج من خلفها كالفحيح........
سعيدة جوي مالك فرحانة أكده كنه جابلك حتة من السما.
هزت رأسها بلامبالاة وأكملت طريقها في صمت فاندفع ومسكها من ذراعها بعنف ليجبرها على التوقف........
مش بكلمك أني تجفي تتحددتي معايا وإلا ماشبهش البيه اللي راح تجابليه في الغيطان.
تصاعد غضبها لدرجة لم تعد معها تبالي بالعواقب ولأول مرة مدت يدها ووكزته في كتفه بقوة وهي تصرخ في وجهه........
أنت قليل الأدب على فكرة ومش هسكتلك أنا وتحترم نفسك بعد كدة أنا مش كل شوية تيجي تقرفني وتقلي كلام وحش. أنا ما عملتلكش حاجة.. وايه أقابل دي بين الغيطانى.. عيب إنت متعود تقابل إنت حر بحريمك. أنا مستاذنه من طنط وأختي عارفه.. عيب بقه.. أنت واحد بيقولوا عليه معقد أنا مالي بيك الله ماتخليك في حالك.
استدارت لتغادر لكنه اشتعل غضبا من وصفها له بالمعقد فجذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره الصلب وهدر بصوت مرعب........
مين جال إيه هاه.. وحريم إيه وزفت اية إنت صدجتي إبن الجزمه ده.. جولي جالوك عليا انطجي هاه جولي جالو إيه.
هتفت بخوف وهي تحاول التملص من قبضته التي كادت تكسر عظامها........
أوعي بقه إيه ده سيبني.
أجابها وعيناه تنطقان بالوعيد والجنون.....
مش جبل ماتجولي حشو راسك الهبلة دي بإيه.
دفعته بكل قوتها وهي تصرخ لأول مرة من كتمه كانت تخفيها في صدرها........
أنا راسي مش هبلة.. أنت واحد معقد وبتكره الستات أنا مالي الله.. بتطلع عقدك عليا ليه يا معقد ماتسيبني في حالي.
اشتعلت النيران في جوفه وشعر بإهانة لم يختبرها من قبل فصاح بنبرة متهكمة وجريحة في آن واحد........
كني معجد وبطلع عجدي وبكره الستاتِ وجالو إيه كمان فرحيني يخليكي ترمحي وشايفاني عفريت ماتجربيش منه.
فصرخت مليكة وهي تنظر في عينيه بصدق أوجعه........
مانت فعلا عفريت واستحالة أقرب منك.
تحولت عيناه في تلك اللحظة إلى جمر مستعر فارتعبت مليكة من نظراته التي كانت تشع غضبا حقيقيا ولم تجد أمامها حلا سوى الاندفاع والجري بخوف. فكل شجاعتها تبخرت أمام هذا البركان الثائر.
إلا أن عمار كان أسرع منها فاندفع خلفها وجذبها نحوه بقوة محتضنا إياها بعنف وهتف بأنفاس لاهثة وهو يقيد حركتها........
إيه ماتجربيش ليه هاه مابعرفش أسبسب زي البيه النحنوح بتاع المسكر والا ما بعرفش الاغي هاه. وتتصلي بيه يمين الله افتح دماغك.
صرخت مليكة وهي تحاول التملص من بين يديه والدموع تحرق جفونها من شدة الموقف........
ابعد بقه اوعي أنت وحش قوي ابعد.
أجابها بإصرار وجنون وهو يشدد من قبضته عليها وكأن روحها هي التي تطفئ نيرانه........
لاه ماهبعدش وبمزاجي فاهمه.
ظل محتضنا إياها بقوة وهي تضربه على صدره بضعف بينما وضع رأسه في عنقها يستنشق عبيرها وقلبها يدق بعنف يكاد يسمعه هو.
تململت بعنف أكبر حتى استطاعت دفعه وهتفت بصوت مخنوق........
أنت قليل الأدب ووقح وهقول لأختي تبهدلك وهمشي واشتغل مع سليم براحتي هاه يلا .
اشتعل بجنون من كلامها وخطف كيس غزل البنات من يدها فجأة لتشهق بحزن وتمسك بذراعه وهي تترجاه بلهفة طفولية........
اوعي بتاخده ليه يا متوحش إنت.. اوعي هاته والنبي.. بتاخده ليه ده غزل بنات وأنا بحبه قوي هاته بقه الله.
نظر إلى توسلها بعينين يملؤهما الغيظ من فرحتها التي صنعها غيره وضغط على الكيس بقسوة........
فرحانة بإيه إنتِ ده زمانه هيجيبلك أمراض الدنيا بألوانه دي حاجة تجرف وما تتآكلش واصل. وشكل البرص ده مايجيبش حاجه عدله
قطعه بين يديه ببرود وهى تراقبه بذهول وقهر ليرميه تحت قدميه دون رحمة صرخت ببكاء ........
إنت إنسان معقد وما بتطيقش تشوف حد مبسوط .. ومين شكل البرص دا قمر عنك ورقيق ومسكر . اوعي ربنا ياخدك ويريحني منك.
انفجرت في البكاء وهي ترى حلمها الصغير عالارض ثم استدارت تجري وهي تشهق بحرقه بتعيط من جبروته اللي قطع فرحتها بدم بارد.
اندفعت تجري نحو البيت وعمار يتبعها بخطواته الثقيلة وما إن دخلت حتى ارتمت في أحضان فؤادة وهي تشهق بالبكاء........
طنط لو سمحتي بقه خلي ابنك يخاصمني ده وحش قوي قوليله بقه يبطل قلة أدب.
صعدت مليكة لغرفتها بسرعة وتركت فؤادة تنظر لابنها نظرة ذات مغزى عميق، وكأنها قرأت ما يدور في أعماقه........
بتبصيلي ليه أكده.
أجابت فؤادة بهدوء مريب وهي تحاول فهم هذا التحول في طباع ولدها الرزين........
ماعارفاش مالك يابن بطني متغير مالك بالبت.
صرخ عمار وهو يحاول تبرير فعلته بأي حجة بعيدة عن قلبه........
مالي بيها يعني واجفه تجابل البيه وهنتفضحو.
صمتت فؤادة وهي تراقبه فصرخ عمار مجددا وقد تذكر كلمات مليكة الجارحة........
وبعدين مين بيجولها عني كلام عفش مالكو تجولو وتهببو وبكره النسوان وطين علي دماغي.
هتفت فؤادة بصراحة قاسية وكأنها تضع مرآة أمام وجهه........
ماهي دي الحجيجة يا ولدي نكدب يعني.
هتف عمار وهو يدفع المنضدة التي أمامه بعنف أطاح بكل ما عليها........
ماتجولوش مالكو بيا دا مرار إيه ده.
صعد إلى غرفته وترك أمه تقف مذهولة من هذا البركان الذي انفجر فجأة. وأثناء مروره سمع نحيبها... ظل يدور بهياج لا يعلم ماذا يفعل..
ظل يدور... أهي هتنوح زي العيال عشان حبه سكر.. ينتقم منك ربنا يا سليم كت ناحصك.. أعمل إيه البت مزهريه عياط.. وطبعا هيكلمها بالليل جاصد يتكلم عشان يسهر ويسبسب عارفه الواطي بتاع حريم وفلاتي.. أعمل إيه اخش اجولها لو اتصلت بيه افتح دماغها.. لينهر نفسه.. ماتتهبب دي جلبها مهري عياط.. زعلانه علي إيه دي.. شويه زفت بتلاته جنيه.. وتذكر توسلها له أن يعطيها الكيس زفر بضيق وهم إن يدخل حجرته الا ان قلبه كان يؤلمه علي كسر فرحتها واستدار وخرج بره القصر لغرض في نفسه.
اشترى عمار كيسا ضخما من غزل البنات وعاد به إلى المنزل لتلمحه والدته ومليكة تجلس بعيدا وعلى وجهها علامات الحزن ........
إيه ده يا ولدي إيه اللي في يدك ده.
رد عمار باقتضاب وهو يحاول مداراة الكيس خلف ظهره بعيدا عن نظرات مليكة الحزينة........
مفيش حاجة يا ست الكل دي حاجة خايبة كدة.
اقتربت نجوان بفضولها المعتاد وهي تستنشق الرائحة بابتسامة مستفزة........
إيه ده ده حاجة ريحتها حلوة جوي إيه جايب لروحك حلو وناسينا ما تجيب لنا حتة.
نظر عمار إلى مليكة التي كانت تجلس منكسرة لا تعيره اهتماما ولا ترفع عينها إليه........
دي مش لأي حد يا نجوان همليني في حالي دلوقت.
ضحكت نجوان بخبث وهي تلمز بحديثها كأنها كشفت ستره........
يبقى رايح تقابل بت جديدة وجايب لها حاجة حلوة ماشي يا عم العشج ملوعك.
انتفضت مليكة مقهورة من حديثها واستأذنت في صمت وطلعت لغرفتها بخطوات مثقلة بالوجع........
مالك إنتِ تجولي أجابل وأزفت وتسوءي سمعتي قدام الناس.
نظرت إليه نجوان بذهول من انفعاله المفاجئ وردت بسخرية........
أسوء سمعتك فين ده أنت سمعتك طين لوحدها يا أخويا.
اندفع نحوها بغضب مكتوم وهو يشير بيده نحو الدرج الذي صعدت منه مليكة........
بس بقى مليكة ما تعرفش.. وبطلي تجولي قدامها كلام عفش واصل أنا سايب لك المكان وماشي.
صعد خلفها ووقف أمام باب غرفتها يصارع تردده قبل أن يطرق الباب لتفتحه هي وما إن رأته حتى حاولت إغلاقه بقوة.
زق الباب بيده ودخل الغرفة رغماً عنها لتهتف هي بذعر ودموع........
اخرج من هنا والله أنادي لطنط تخلصني منك.
تنهد عمار بعمق واقترب منها ببطء يحاول تهدئة روعها........
طب ممكن تهدي وتسمعيني بس.
صرخت فيه وهي تحاول دفعه بعيدا عنها........
مالك بيا روح للبنات اللي بتديهم حاجات يا قليل الأدب.
زفر عمار بضيق وهو يحلف بصدق لم تعهده منه من قبل........
والله ما كنت رايح في حتة ولا أعرف بنات .
اقتربت منه وأمسكت بالكيس الذي يخبئه خلفه بحدة وهي تكذبه........
أمال ده يا كداب لمين.. منك لله أنا مقهورة وقهرتني على حاجتي اللي قطعتها.
هنا مد يده وفتح الكيس لتبرق عيناها بذهول فقد كانت كومة ضخمة جدا وملونة من غزل البنات........
اهوه بدل اللي اتجطع كان وحش ويجيب المرض وده أنضف منه بكتير.
رمشت بعينيها بعدم تصديق والابتسامة بدأت تترسم بعفوية على وجهها المصعوق وتناست غضبها من برائتها........
ده ليا أنا بجد يا عمار .
ابتسم لها عمار لأول مرة ابتسامة ساحرة أذابت الجليد بينهما ونطق بنبرة هادئة غريبة عليه وهو الذي طالما كره جنس الحريم وتجنبهن...
لكِ أنتِ.. ولو عايزة أجيب لك منه كل يوم هجيب مش هيغلى عليكي واصل.
ساد الصمت وتلاقت نظراتهما في نظرة طويلة غرق فيها عمار وتيبست ملامحه أمام سحر عينيها وهو يستعجب في سره كيف لهذا الكائن الرقيق أن يحرك جموده بينما كان قلب مليكة يدق بعنف يزلزل كيانها.
دنت منه بخجل فقطع قطعة من غزل البنات بيدها المرتجفة ليقربها من فمه أمسك يدها ببطء شديد وهو يثبت عينيه في عينيها. وقبل أن تلامس أصابعها شفتيه خفض صوته وهمس بارتباك ظاهر يحاول إخفاء لينه...
ـ عجبك؟.. يعني.. جصدي حلاوة التاني وإلا ده أحسن؟
أومأت برأسها بخجل رقيق وتلعثمت الكلمات على لسانها وهي تحاول سحب يدها بهدوء قائلة...
ـ حلو.. قصدي كتر خيرك هو سكر زيادة شوية بس.. بس حلو من ايدك.
دارت الكلمات بينهما متلخبطة وغير متزنة كلاهما يحاول مداراة هذا الشعور الغريب هو يصارع جفافه وكرهه المعهود للنساء. وهي تصارع خجلها وخوفها من قسوته.
ولم تمر سوى ثوان حتى لامست أصابعها شفتيه وهو يتذوق الحلوى ببطء مغيبا عن العالم كله، ولم يترك يدها بل ظل يلمس شفتيه بأطراف أصابعها وهو يتنفس عبيرها ضائعا في تناقض مشاعره التي تلين رغما عنه.
دخلت نجوان فجأة وهي تصرخ بذهول من المنظر........
فيه إيه يا عمار إيه اللي بيحصل هنا ده.
انتفض عمار مبتعدا عنها بجفاء مصطنع وعلامات الغضب كست وجهه ليخفي ارتباكه ودارى وجعه بكلمات قاسية أصابت قلب مليكة........
مفيش حاجة واصل أصلها كانت عمالة تنوح زي العيال الصغار لجل ما خت الكيس اللي كان في يدها فجبت لها ده عشان تسكت وتكف بكى وماتجرفناش.
شهقت مليكة بصدمة من تبدل حاله وقسوته التي عادت...
خرج من الغرفة غاضبا يسب في نفسه وفي الظروف
بينما ظلت نجوان تراقب خروجه بنظرات مشتعلة بالشك........
خرج عمار وهو حاسس بروحه بتتسحب منه بس كبريائه كان أقوى من إنه يعترف بضعفه قدامهم.
######
على الجانب الآخر وصل عامر إلى المستشفى وعيناه تبحثان عن ملوك وحين سأل عنها علم أنها تستعد للرحيل. وجدها تقف مع أحد الأطباء الذي كان يبدي إعجابه الشديد بمهارتها........
مش مصدج إنك عندك الخبرة دي أنت ماشاء الله عليكي خبرة كبيرة.
تدخل أمجد الطبيب الآخر في الحوار وهو يغمز لملوك بمداعبة........
لاه دي كيف الدكاترة صم.
ضحكت ملوك برقة أثارت حنق عامر الذي كان يقترب منهما وسألت أمجد بهدوء........
أمال أدهم فين .
أجابها أمجد بابتسامة وهو يعرض عليها خدماته لعلها تقبل........
لسه داخل عمليات عايزة حاجه لو عايزة أوصلك عيوني.
هنا ظهر عامر فجأة كالقضاء المستعجل وبنبرة حادة قطعت الطريق على الجميع هتف بصوت لا يقبل الجدال........
لاه كتر خير عيونك خليها أني هوصلها.
هتف أمجد بمودة وهو يحاول استمالة ملوك غير مدرك للنار التي يشعلها في صدر عامر........
وجاي وتاعب حالك ليه أني كل يوم هاجي أخدها وأوديها دا حتى ملك بترتاح جاري مش أكده إحنا عشره من سابق.
اشتعل عامر غضبا وشعر برغبة في الفتك بهذا الطبيب الذي يتحدث عن راحة ملوك بجانبه فرمقها بنظرة آمرة لا تقبل التهاون........
أني بقه بجولك هوصلها أني مستنيكي تحت.
تركها عامر وذهب بينما وقف أمجد مذهولا من تلك المعاملة الجافة والقاسية من رجل يبدو عليه الوقار........
يا ملوك ماله ده أنت ازاي عايشة وسطهم.
تنهدت ملوك بغلب وهي تشعر بالحصار الذي يفرضه عليها عامر منذ دخولها البيت........
عشان عمر يا أمجد أعمل إيه بس مانا حكيتلك كل حاجه هياخدوه دول جبابره.
هتف أمجد بنبرة تحمل وعدا غامضا بالخلاص وكأنه يخطط لأمر ما يخص مستقبلها........
طب واللي يخرجك منهم تعملي إيه. أني في دماغي حاجة أكده يا رب أنولها هجولهالك أما أرتب أموري.
ابتسمت له ملوك برقة وشكرته ورحلت متجهة نحو سيارة عامر ركبت بجانبه وانطلق بها في صمت ثقيل خيم على المكان حتى قرر عامر كسر هذا الجمود بكلمات مغلفة بالنصح الحاد........
أظن مايصحش تركبي مع راجل غريب وإلا إيه يا بت الأصول.
قطبت جبينها واشاحت بوجهها بعيدا عنه لا تريد أن تتشاجر معه قلبها أصبح يؤلمها بزياده.. فتابع عامر محاولا استمالتها وتذكيرها بمكانتها ومكانته........
على فكرة لو عوزتي أي حاجة اطلبيها ماحدش هيجصر معاكي في حاجة.
لم تمنحه ملوك شرف الرد فزفر بضيق وحاول طرح بدائل لعملها الذي يرفضه في أعماقه........
نزولك وتتعبي حالك عشان كام جرش عندك منه ألوف.. فلوسك وفلوس زوجك.. بس لو حابه تشتغلي عادي.. لو عايزاني أوديكي وأجيبك رغم أني مش موافج على شغلك عادي أني بنزل كل يوم المركز. انا هتحمل كل مصاريفكو والله من جيبي ماحد هينطج.
بتردد كبير أخرج عامر من جيبه بطاقة ائتمانية (فيزا) ومد يده بها نحو ملوك قائلا بنبرة حاول جعلها جافة لكنها حملت الكثير من الاهتمام...
أنا عملتلك الفيزا دي.. يعني عشان لو عوزتي أي حاجة تشتريها ومتطلبيش من حد.. وبرضه.. برضه عملت لمليكة واحدة زيها تسندها.
نظرت إليه ملوك باستغراب شديد وعقدت حاجبيها بدهشة.. مستعجبة من هذا الكرم المفاجئ والتغير غير المبرر في معاملته.
أمام نظراتها المستفسرة والمستغربة ارتبك عامر ولم يعد يعرف ماذا يقول أو كيف يبرر موقفه ولينه هذا.. ولأن الكلمات تاهت من على لسانه مد يده بعفوية وأمسك كفها برقة ليعطيها.. لكن ملوك سحبت يدها منه بسرعة وجفاء وهي تنظر إليه بريبة.
تنهد عامر بعمق وخرجت زفرته حارة تعبر عن ضيقه من أسوار الشك التي بينهما ثم نظر في عينيها وقال بنبرة صادقة تماما..
ما تجلجيش واصل .. وتصرفي براحتك وبأعلى ما في خيلك أنا استحالة في يوم من الأيام أسيبك تتبهدلي أو تحتاجي لغيري.. وأي كلام عِفش اتجال قبل كدة.. انسيه، واعتبريه مات وخِلص.
لم تحرك ملوك ساكنا بل جلست في مكانها جامدة كتمثال من رخام مصلّبة نظراتها نحو الفراغ ببرود مصطنع وكأنها لا تسمع كلماته رافضة تماما أن تلتقي عيناها بعينيه.
لكن خلف هذا الجدار العازل من الصلابة كان قلبها يرتجف بعنف في صدرها كطائر حُبس في قفص.. وعقلها يدور في حيرة قاتلة.. لم تكن تفهم هذا التحول المفاجئ في تصرفاته. ولا هذا اللين غير المعتاد. وخوفها الأكبر كان يكمن في مجرد النظر إلى عينيه.. لأنها كانت تخشى أن تضعف أو أن يلمح في نظراتها ذلك الإحساس الغريب والمبهم الذي بدأ ينمو بداخلها رغما عنها إحساس جعلها تنكمش على نفسها وتتراجع خطوة للخلف كأنها تحمي روحها من فيضان مشاعره.
في المقابل كان عامر يراقب جمودها وانسحاب يدها السريع فشعر بغصة مريرة في حلقه.. تنهد بضيق وسوء فهم فقد خُيل إليه أن هذا الانكماش والخوف ما هو إلا صد متعمد بجفاء وقسوة وأنها ترفض حتى منحه فرصة ثانية لتكفير عن ذنبه الذي لم يعتذر به من الاساس. مما جعل حاجز الجليد بينهما يزداد سمكا رغم النيران التي تحترق في صدور كلاهما.
ابتلع ريقه بصعوبة وهي ما تزال صامتة كالصخر مما أثار حنقه وغليانه الداخلي........
طب زمانيتك جعانة أجبلك وكل أعرف مطعم بيعمل وكل هيعجبك وإنت خرجتي من غير فطار .
أشاحت ملوك بوجهها مرة أخرى لم تعد تحتمل ذلك الاهتمام الطاغي. فشعر عامر بغليان في دمه لم يستطع كبحه فهذا كثير ويريدها أن تتكلم معه بأريحية.
فتوقف بالسيارة فجأة وبقوة وكأنه ينفجر من الداخل واستدار إليها دون سابق إنذار فاستدارت هي ونظرت إليه بذهول من حدة تصرفه.
فصرخ عامر بغضب مكتوم وقد نفد صبره من ذلك الجدار العازل الذي تبنيه بينهما........
ما كفايا بقى كدة إيه المعاملة دي ما عدتش متحمل الجفا ده واصل.
أمسك يدها بعنف فانجذبت إليه بقوة وهي تهم أن تكيل له ردا قاصما يخرس كبرياءه ويضع حدا لتقلباته التي تذبحها........
إلا أنه لم يمهلها لتستمر في صدّها المصطنع أو تتراجع أكثر فكل حصونه انهارت أمام صمتها المرعب. تقدم منها خطوة واحدة ألغت كل المسافات بينهما و أخيرا بنبرة متحشرجة ومبحوحة معترفا بذنبه الذي جفا نومه لأيام طويلة وسلب الراحة من روحه منذ تلك الليلة السوداء التي حبسها فيها بين أربعة جدران..
نظر إلى عينيها الهاربتين ونطق بالكلمة التي ظن أنه لن يقولها لامرأة أبدا....
ـ أنا آسف....
خرجت الكلمة منه حارة ثقيلة تفيض بندم حقيقي زلزل جمودها وجعل أنفاسها تتوقف وهي تستمع لعزته وجبروته يتهاويان أمامها لأول مرة.
نطقها مسرعا قبل أن تخرج الحروف من فمها لتتسمر مكانها وقد لُجم لسانها وتلاشت الكلمات القاسية فوق شفتيها أمام صدمة اعتذاره...و...
#######
