رواية صياد النايا آل حانا الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم اية العربي


 رواية صياد النايا آل حانا الفصل الثالث والعشرون 

يراها ربها 
يراها وهي موهومة بالسيطرة، تتلو تعاويذها، تتخفى وتسير في غسق الليل لتلحق الضرر بمن حولها. 
يراها تعاند أقداره، تحاربهم في ساحةٍ ظنت أنها ملكها، وحينما تغفو تتوهم وتعلن نصرها 
يراها تتخذ من عدوه وليًّا، تمتلك بعض القوى المشوهة، وتتغذى على جرأةٍ ليست بمحلها 
يراها وتظنه غافلًا عما تفعل ولكنه يُمهل ولن يفلتها مهما قصر أو طال عمرها.
بقلم آية العربي  

❈-❈-❈

تنظر إليه وهو يتمدد مجاورًا لها، يواليها ظهره، وينام بعمق، بينما هي مستيقظة، عقلها لا يهدأ. 

تفكر في كلماته القاسية، وجرحه لأنوثتها، وتحذيره لها تجاه نهاد بشكلٍ خاص. 

ظنت أنه ملّ منها، ظنت أنها زوجة لا تُحتمل، وظنت أنها ستهبه كل ما يحتاجه وتتلون حسب مراده، وتجمل له الدنيا، وتنتشله من حياته المملة إلى حياتها الممتعة. 

ولكن اتضح لها مؤخرًا أن الخطأ منه هو، وأن الملل عنده هو، وأنه رجلٌ متقلبٌ يتبدل كل ساعة بحالٍ مختلف  . 

وأكد لها هذا حينما اصطحبها يومها إلى أحد المطاعم، وحينما أتى لها بهدية ذهبية أمس، ولكنه أرغمها على البقاء في المنزل لأسبوع كامل، وأُجبرت على الموافقة. 

ظنت أنها ستكون المسيطرة في هذه العلاقة، ولكن يبدو أنه نصب لها فخًا وأوهمها بذلك حتى تمكن منها وبدأ يقود بمهارة جعلتها ترضخ، ولكن هل سترضخ بالفعل؟ 

حينما تفكر في استغلاله وجمع أكبر قدرٍ من النقود منه ثم تركه والهرب بعيدًا والعيش بحرية ورفاهية لم تستطع الحصول عليها حتى الآن، تعاود التراجع معنفة نفسها، ومرحبة بفكرة أنها زوجة مهران آل حانا الوحيدة، وأم أولاده مستقبلًا، حينها ستجبر عائلته على التعامل معها، وستحصد المكانة الكبيرة بين الناس خاصة عائلتها التي نبذتها. 

وربما قد وقعت في حبه بالفعل، فهو رجلٌ يعرف جيدًا كيف يجعل من أمامه تعشقه، يفعلها دون عمدٍ منه ولكن ثقله، وقلة كلماته، وعدم فهم شخصيته، يجعلها تتعلق به أكثر  .. 

عزمت أمرها الآن، لن تتركه، ولن تترك تلك الحرباء تتلون أمامه وتعود له، ومن الآن وصاعدًا ستتجنب أي شيءٍ يزعجه، وستتعامل معه بذكاء، ومع ذلك فلن تأمن جانبه، لذا ستحاول جمع ما تستطيع من أموال ومجوهرات لتضمن حياتها، وعليها أن تسرع في الحمل منه، فهذا سيعزز مكانتها بكل تأكيد . 

تسللت نحوه تعانقه وتهمس عند أذنه  : 

- مهران؟ 

لم يجِبها فارتفعت قليلًا تدفن نفسها عند عنقه وتستطرد بإغراء  : 

- اصحى، أنا عايزاك  . 

لم يشعر برغبته في الاستيقاظ، لم يشعر بالحماس، لذا لم يبدِ أي ردة فعل، فعادت ترتد على الفراش وتزفر بضيق وهي تنظر للأعلى، تفكر وتبحث عن طريقة تجعله هو من يتمناها ويرغب في الاقتراب منها بدلًا من هذا البرود  .. 

❈-❈-❈

بدأ النهار يسطو على المدينة. 

استيقظ مسعود يتأفأف بضجر، فهو لم يعد ينام جيدًا منذ أن انتقل إلى هذه الشقة، وبات مجبرًا على الاستيقاظ مبكرًا كي يجهز الطعام والملابس لنفسه بعدما كانت تجهزهم مودة له. 

تذكر أمرها، وكيف لحق بها ذلك النوح أمس، ولم يستطع تنفيذ مخططه في اختطافها أو حتى الاقتراب منها ، ولكن مهلًا، لن يتركها تهنأ معه أو تأخذ ما ليس من حقها، تلك الأملاك التي كتبها لها والدها ستتنازل عنها برضاها أو مرغمة، ستوقع عن التنازل مهما كله الأمر، إما أن تفعل أو تنفصل عن نوح، أو يعطوه ريم التي بات يراها في أحلامه ويقظته  . 

خرج من الحمام وتحرك نحو المطبخ، فتح باب الثلاجة وعبث بها ينتشل عبوة الحليب، ولكنه أوقع قالب البيض فتهشم أرضًا محدثًا فوضى جعلته يبتعد خطوة ويسب ويلعن في هذا الحظ العاثر، لينطق بغيظٍ وهو يستل ملعقة وينحنى محاولًا جمع ما سكب  : 

- ماشي يا مودة، حتدفعي تمن كل حاچة تفسد بسببك، اصبري عليا إنتِ والدكتور بتاعك  . 

❈-❈-❈

انتهت الصلاة وغادر آخر المصلين لتوه، وانتهى يونس من أذكاره وتسبيحه ونهض يلتقط أنفاسه ينوي الصعود لمكتبه في الطابق العلوي للمسجد ليرى تسجيل كاميرة المراقبة. 

لقد أفسد العمل ونظف المكان، ولكنه يجب أن يعلم الفاعل، فمن المؤكد أنه هو نفسه من كان يؤذي زوجته، وحينما لم يستطع الاقتراب منها بدأ يحوم حوله. 

صعد إلى مكتبه و بدأ يعبث في الحاسوب ويسترجع المقطع الأخير ويدقق النظر، ليلاحظ بالفعل إحداهن تخطو وتتلفت حول نفسها، رأسها مغطى بالكامل إلا عينيها، تقترب من المسجد بحذرٍ وتختبئ وراء الجدران إلى أن تأكدت من خلو المكان فأسرعت تدخل وتلقي بما معها أمام الباب، تنثره بشرٍ عظيم وتلتفت لتغادر، والتفاتتها كانت هي الفيصل. 

حيث أُميط اللثام من على وجهها بانسدال طرحتها، وظهوره بوضوح أمامه، لتسرع بعدها في تغطيته مرة أخرى، ولكنه رآها وتمنى لو لم يرَها. 

خالته؟ إذًا لم يكن كابوسًا بل كانت رؤية واضحة، هي من تفعل لهما ذلك الأذى، هي من التفت على حياة زوجته تدعي المحبة والحقيقة أنها أفعى مجلجلة، هي من رافقت الشيطان وعاندت قدرة الخالق في عباده، ماذا ظنت؟ وماذا حصدت؟ 

ظل يعيد المقطع مرارًا وتكرارًا كأنه يزيل أي أثر للشك، وعقله لا يستوعب سبب فعلتها بعد، وماذا يجب عليه أن يفعل، إنها خالته.. 

هو من سخره الله لعباده ليعالجهم من السحر والحسد بالقرآن، وهي من سخرها الشيطان لأذية الناس، بينهما تقارب وتضاد يجعله عاجزًا عن التصرف. 

أزدرد ريقه وطلب العون من ربه، ثم نسخ المقطع وأرسله إلى هاتفه، ونهض يغلق الحاسوب ويردد وهو يتحرك نحو الخارج  : 

- لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، استغفر الله العظيم من كل ذنبٍ عظيم واتوب إليه، حسبي الله ونعم الوكيل  . 

❈-❈-❈

في تمام الثامنة. 

تجلس خلف مكتبها تباشر العمل من غرفتها، لم تذهب إلى الشركة منذ ما حدث، تخجل من تأثير ما قاله ذلك المسعود. 

بالرغم من أنها اعتادت الشموخ والمواجهة، وألا تتأثر بمن حولها، ولكن ربما لأنها بالفعل تحمل مشاعر نحو جابر وتخفيها داخلها، ربنا خشت أن يظهر ذلك عليها أو في عينيها. 

مسبقًا كانت تتعامل معه داخل إيطار العمل، دافنة مشاعرها في أعماقها، ولكن بعد كلمات مسعود لها أمام الجميع تشعر أنه بعثر داخلها، لدرجة أنها لم تجِب على اتصالاته لها  ... 

ويأتي دومًا حينما تفكر به، فها هو هاتفها يعلن عن اتصالٍ منه، لذا التقطته تطالعه وتتنفس وتفكر هل تجيب؟ 

قررت أن تفعل فأجابت بهدوء  : 

- سلام عليكم. 

أجابها مبتهجًا ومعاتبًا : 

- وعليكم السلام ع الناس الهربانة والتجلانة علينا، ينفع اكدة ماتدرديش عليا يا باشمهندسة؟

تحمحمت تجيبه بتوتر  :

- معلش يا مستر چابر، كنت مخنوقة شوية.

نطق معترضًا  :

- بجى معجول ريم البسيوني بچلالة جدرها تختفي وتبطل تچي الشركة بسبب كلمتين طلعوا من واحد عجله خربان زي ده! كنت مفكرك أجوى من إكدة. 

نبرته كانت تحمل على متنها دعمًا مستترًا، لذا تنفست تجيبه بهدوء مبهم  : 

- مهو كل واحد مننا عنده نقطة ضعف، وعلى رأي أهالينا لما قالوا العيار اللي مايصبش يدوش، فقولت اريح دماغي شوية، وكدة كدة أنا بتابع من البيت. 

اعترض مجددًا يردف  : 

- لااااا بيت كيف؟ دانتِ تجومي تلبسي دلوك وتحصليني ع الشركة، واللي يجول كلمة تحطي صوباعك في عينه، ماتخليش أي حديت يهزك ولا يدايجك. 

توترت وازدردت ريقها تجيبه  : 

- خليني كمان يومين يا مستر چابر، وماتقلقش ع الشغل. 

- أني جلجان عليكي إنتِ، الشركة بجالها يومين عفشة من غيرك،  وبعدين بصراحة بجى غيابك هو اللي حيخليهم يتحدتو، يالا يا ريم واعملي بنصيحة چورج وسوف لما جال ( كلام الناس لا بيجدم، ولا يأخر) 

نطقها يحاول تقليد نبرة المغنى ونجح في ذلك فضحكت ريم فابتسم هو يسترسل  : 

- إيوة اكدة اضحكي، يالا حستناكي في الشركة، ولو ماچتيش حاچي اخدك بنفسي واللي يحصل يحصل . 

نطقت بتريث  : 

- خلاص چايا  . 

أغلقا سويًا ونهضت تفتح خزانتها وتختار ملابس لترتديها وتذهب، ستعمل بنصيحته حقًا، يجب أن تتجاهل ما حدث وتمضي قدمًا، ولكنها حزينة، فها هو جابر نفسه يتعامل مع الأمر بتجاهل تام، يبدو أنه لا يحمل تجاهها مقدار ذرة من مشاعر، يبدو أنه يتعامل معها بمهنية وهي من تفسرها بشكلٍ خاطئ، لذا يجب أن يظل ما بداخلها مدفونًا.... 

زفرت وبدأت تستعد للذهاب، ولكنها لا تعلم ما الذي ينتظرها هناك، وماذا خطط ذلك الأحمد له كي يجعلها تترك الشركة والشراكة وتعود من حيث أتت، فهو لن يجعل امرأة تتفوق عليه وتستحوذ على اهتمام الجميع وانتباههم لما تفعله وتقدمه من نجاحات متتالية تفوق قدرته على اللحاق بها . 

❈-❈-❈

تململت في نومها ومدت يدها لتعانق حبيبها، ولكنها لاحظت استيقاظه ففتحت عيناها تطالعه، فوجدته بالفعل يستند على مقدمة الفراش وعقله منشغلٌ يفكر. 

قطبت جبينها، فهي قد اعتادت عودته من المسجد وإكمال نومه، لذا ارتفعت تطالعه باهتمام وتساءلت : 

- مالك يا يونس؟ 

مد كفه يمسح على رأسها ويحدق بها ثم أومأ بصمت، فأسرعت تعتدل لتوازيه مستطردة ببعض القلق  : 

- خير، إيه اللي حُصل؟ 

لا يعلم كيف سيريها ما بحوزته، برغم شكهما لأيام، ولكن الفرق بين الشك واليقين كمن يفحص سلاحًا ومن يقتل به. 

زفر بقوة ونطق ممهدًا  : 

- حجولك، بس لاول عايزك تهدي وتشوفي الخير من اللي حُصل ده، وتجوي إكدة علشان نعرف حنعمل إيه ونتصرف كيف. 

توترت كليًا، ولكنه أسرع و فتح هاتفه و شغل المقطع المسجل وعرضه عليها وتركها تتابع ما يحدث بجحوظ تليه صدمة يليه استنكارًا قبل أن تنطق : 

- عمتي! طلعت هي صوح؟ معجول؟ 

رفعت نظرها تطالعه وتتابع بعقلٍ متخبط : 

- ليــــــــــه  ؟ دا حتى بعد الحلم بجيت اكدب حالي، تطلع هي اللي عاملة فينا كل ده؟ 

احتواها ونطق يشاركها صدمتها  : 

- أني كمان لحد دلوك مامصدجش كيف تعمل إكدة وتتلون وتمثل وتدخل بيوتنا تخوننا وإحنا مأمنين لها، كيف جدرت تعمل إكدة مع اهلها وعشان إيه؟ 

سمعته وشردت لبرهة قبل أن تطالعه وتنطق  : 

- إحنا لازمن نجول لأبويا، لازمن يشوف المجطع ده، لازمن العيلة كلياتها تعرف عمايلها  . 

أومأ يجيبها  : 

- حنجوله، بس الموضوع ده حساس جوي يا نوارة، ماعرفش خالي حيعمل إيه، دي مهما كان اخته، الله يكون في عونه. 

❈-❈-❈

ترجلت تنوي التوجه نحو عملها، ولكن أوقفها عبد الوهاب الذي كان يجلس في بهو القصر ويحمل الصغير . 

اتجهت إليه وجلست تطالعه مستفسرة  : 

-نعم يا عمي؟ 

ترك الصغير الذي تسلل من بين يديه يحبو نحو أمه، وطالعهما وهي تحمله وتقبله وتعانقه، فابتسم ينطق بتريث : 

- أني اتحدتت ويا حسنين، وفهمته إنك ماجبلتيش تترشحي جدامه، وانك راعيتي أنه ابوكي والدور عليه بجى يراعي انك بته، وجولتله لو اتعرضلك مرة تانية أني اللي حجفله في سكة الانتخابات دي ويبجى يوريني حيعمل إيه، يعني اطمني، وماتخافيش من حاچة طول ماني موچود. 

تركت الصغير الذي يرغب في الحبو، ونظرت له تخفي انزعاجها من كلماته آنذاك، وابتسمت تنطق بامتنان  : 

- ربنا يخليك ليا يا عمي، أني اعتبرتك إنت ابويا اللي اتمنيته من الدنيا، وعارفة إنك دايمًا بتدور ع اللي يريحني ويطيب خاطري، وعمرك ما حتفرض عليا وضع مارايداهوش، والحمدلله أني دلوك حاسة حالي أحسن كتير، والشغل فادني چدًا، واتعرفت على ناس طيبين وصاحبة زينة اسمها چهاد، يعني كانت خطوة مهمة في حياتي، وان شاء الله حكمل فيها وححط ليا أهداف وححججها بإذن الله. 

فرح لفرحتها وأعجب بالأمل الذي تسلل إليها، ولكنه أب، تعهد أن يتصرف بحكمة وعدل، وأحيانًا تتسلل إليه عاطفة الأبوة وترغمه على التفكير في أمرها هي وابنه، هو يريد عودتهما مهما طال انفصالهما، يريدهما سويًا بعد أن يتعلما الدرس جيدًا، يريدها أن تتسلح بالقوة وتعزز من نفسها وتعود إليه بعد أن يدرك جيدًا فداحة ما فعله ويندم ندمًا قادرًا على تغييره كليًا، يريده أن يبتعد عن تلك الدخيلة التي يصفها بالمرض الخبيث، يريد لابنه أن ينضج ويبصر ليرى هذه الجوهرة التي كانت بحوزته، يريد لهذا الصغير أن يكبر بين أبويه ويحظى بأشقاء منهما، يريدها أن تفرح فلم يعد يرَ في عينيها سوى الحزن . 

أومأ بهدوء يطرق رأسه ثم تنفس بعمق وعاد إليها ينطق بمغزى  : 

- اعملي كل اللي نفسك فيه يابتي، أني واثج فيكي وعارف إنك جد المسؤولية وحتتصرفي دايمًا باللي فيه الخير ليكي ولولدك. 

تفهمه جيدًا، وتدرك مغزى كلماته ولكنها أومأت له بهدوء ثم نطقت مغيرة دفة الحوار  : 

- عيد ميلاد حمزة كمان أسبوع إن شاء الله، رايدة اعمله حفلة صغيرة بينا وبين بعض. 

رحب مبتهجًا ونهض يحمل الصغير ويدلـله قائلًا  : 

- الغالي ولد الغالي كبر وحيبجى راچل زين. 

ابتسم له الصغير يتمتم  : 

- ددددددا 

- جلب چدك، بتفكرني بابوك يا حمزة . 

نظر إلى نهاد يسترسل والصغير يلعب بذقنه : 

- دايمًا الولد البكري بياخد الفرحة كلها، وبيبجى هو عكاز الزمن اللي بتتسندي عليه لما تكبري أو تتعبي . 

نطقها بحزن حقيقي تسلل إلى عينيه، متمنيًا عودة ابنه إليه، ليستطرد بنبرة مرحة يخفي بها تأثره  : 

- نچهزله أحسن حفلة، هو احنا عندينا كام حمزة، وابجي اعزمي اصحابك اللي في الشركة . 

قالها لأنه يود التعرف عليهم، فأومأت مبتسمة ونهضت تردف : 

- حاضر يا عمي، أني حمشي دلوك عشان اتأخرت، أصل عمار موصيني أكون مكانه هناك لحد ما يجوم بالسلامة. 

أومأ لها فتحركت تقبل الصغير وابتعدت ترحل وهو يردد خلفها  : 

- ربنا ييسرلك الحال يابتي  .. 

❈-❈-❈

في الأعلى 

استيقظ عمار، توضأ بصعوبة وجلس على المقعد يؤدي فرضه، بينما فرحة كانت تغط في نومٍ عميق حيث استيقظت ليلًا تفكر كثيرًا. 

أنهى صلاته ونهض يتحرك نحوها، كانت تتمدد على الأريكة، جلس ببطئ وتمهل بالقرب من وجهها، وانحنى يتفحصها بأريحية، فلم يعد يخشى استفزازها أو حدتها عليه، ابتسم ومد كفه يتلمس وجنتيها بنعومة، وشامتها التي يود تقبيلها، لقد أخذت مقاييس الفتنة لها وحدها. 

قلبه يحلق الآن، خاصةً وأن عقله يقوده نحو لمس شفتيها، بجرأة وحذرٍ امتدت أصابعه نحوهما، يسير عليهما بشهوة، ولكنها تململت فابتسم وتنهد مطولًا يبتعد قليلًا ويراها تستيقظ وتراه. 

طالعته بصمتٍ لبرهة، حيث شعرت بما فعله منذ قليل وظنته حلمًا، لذا ازدردت ريقها فنطق هائمًا بعينيها  : 

- صباح العسل  . 

تحمحمت بحرجٍ، هي لم تعتد هذا النوع من الإطراء مطلقًا، لذا ابتعدت قليلًا عنه ونطقت وهي تنظر نحو ساقه: 

- صباح الخير، اتحركت لحالك ليه ؟ كنت نادي عليا لو محتاچ حاچة. 

نطق يوضح ويتساءل  : 

- جومت اتوضيت وصليت، مانمتيش چاري ليه يا رمانة؟ ينفع إكدة تنامي النومة العفشة دي؟ المفروض إن دي كانت أيام وراحت لحالها. 

طالعته معاتبة تنطق بترقب توتر   : 

- مش جولتلك اصبر عليا يا عمار . 

اقترب برأسه منها ينطق بمقلتين تلمعان عشقًا : 

- اكتر من خمس سنين يا فرحة؟ 

قطبت جبينها تستفهم  : 

- كيف يعني؟ 

أجابها بعيون تطوف فوق ملامحها  : 

- من جبل ما يحصل اللي حُصل وأني معچب بيكي وانتِ كنتِ لساتك بتدرسي، بس الجدر كان أجوى مننا ، اتاري بذرة الإعجاب اللي رمتها عيونك في جلبي كبرت ورعرعت طول السنين دي لحد ما بجيت دلوك متيم بيكي، ونفسي تحني عليا بجى. 

توترت فارتعشت شفتيها لا إراديًا فحاولت السيطرة عليهما وقضمهما ثم نظرت إليه محدقة في عينيه ذات الأهداب الكثيفة، وبأنفه الشامخ، وبشاربه المشذب، وبطابع الحسن الذي ينغرز بذقنه، يمتلك وسامة رجولية وجاذبية عالية، جعلتها تتجمد حينما نهض بصعوبة وارتد ملتصقًا بها، يتنفس بعمق ويطالعها على مقربة الأنفاس، فلم تستطع لف وجهها عنه، ولكنها أسبلت جفنيها بتوترٍ من قربه وتسارعت نبضاتها، فأمسك بكفها يأخذه في زيارةٍ إلى قلبه ويضعه عليه مردفًا  : 

- الجلب ده ماحدش سكنه غيرك يا فرحة، شوفي فرحان كيف بجربك منيه، سمعاه؟ بيرجُص كيف العيل الصغير، ريحيه يا فرحة، ريحيه لاجل حبيبك النبي. 

استسلمت حينما لمست قلبه وسمعت نبضه وكلماته، ولم تعد تمتلك ذرة مقاومة، خاصة مع رائحته وقربه إلى هذا الحد، ولم يعد هو أيضًا يطيق الانتظار، اقترب من شفتيها وقبلها. 

قبلة جعلت الزمان يتوقف عندها، ووجدت نفسها تعاند الجاذبية، وتنتقل معه من مكانٍ إلى آخر بخفة الفراشات ونعومة أجنحتها . 

يتوغل من زهرة إلى أخرى من بستان ملامحها، مستمتعًا بنعومتها وعبيرها ورونقها وكأن كل زهرةٍ من عالمٍ مختلف. 

كانت رحلة ولم تكن قبلة، كانت عوالم عدة ، وما لبث أن ابتعد حتى عاد يكرر فعلته مجددًا ويعاود تقبيلها محتويًا وجهها بين كفيه، بينما هي وضعت كفوفها على قلبه وتركته يأخذها إلى أماكن السعادة التي يمكن أن يصلها  إنسان، كمدينة ملاهي رائعة ، أو ربما حديقة أشجار الكرز الوردية ، أو أعماق بحرٍ بأعشابٍ ملونة،إنهما فقط يشعران بكمٍ هائلٍ من المتعة  .. 

ولكنه بدأ يتمرد، ويطمع في المزيد، ويطالب بالتنزه أكثر ، فابتعد مغمغمًا مغمضًا العينين يسير نحو منحنيات وجهها، يستكشفها كالرحالة، وهي باتت تشعر بحرارة نبعت من خجلها فتمتمت بهمسٍ تناديه ليتوقف : 

- عمار. 

لم يكن موجودًا في الخدمة الآن، بل كأنه دخل كهفًا، فوجد كنزًا، فأراد سرقته سرًا، وحينما كاد أن يحمله ويذهب إلى مكانٍ آمن ليرى محتواه؛ تأوه بشكلٍ مفاجئ من إصابته فأسرعت تبتعد وتهندم ملابسها وتطالعه بتوترٍ وخجلٍ مردفة وهي تراه مرتدًا يجز على أسنانه ويمسك بساقه: 

- رچلك يا عمار، ينفع إكدة. 

نطق من بين أسنانه  : 

- نسيت الطلجة، الله يلعنها سمية لا عتجاني وهي حرة ولا وهي مسچونة. 

ابتسمت برغم توردها كليًا مما حدث بينهما، وانحنت لتتفحصها فأسرع يعيدها إليه ويتفحص علامات قبلاته بسعادة وانتشاء، ثم هز رأسه معترضًا يردف بتهكم مرح  : 

- المنحوس منحوس ولو علجوا على راسو فانوس، اعمل ايه دلوك؟ 

عادت تبتسم ابتسامة صادقة، ربما لم تزُرها منذ زمن، وسعادة داخلية جعلتها تشعر كما لو أن الحجر الذي كان يطبق على صدرها قد تفتت، تشعر بالخفة والراحة وخليطًا من مشاعر الحب له، لذا نطقت بتمهل  : 

- مضطر تصبر لما رچلك تخف، وتجوم دلوك ترتاح على سريرك وأني حنزل اچهزلك الفطار عشان أهلي چايين يطمنوا عليك كمان شوية. 

نهضت تنوي التحرك فأمسك بذراعها يوقفها فالتفتت تطالعه لينطق بمقلتين هائمتين لم تنطفئ نيران حاجته لها  : 

- ماتناميش إهنة مرة تانية، مكانك من إهنة ورايح چاري ع السرير، مهما حُصل يا فرحة اوعي تبعدي عن حضني بعد الليلة. 

ازدردت ريقها وأومأت فحررها يتنفس مطولًا ورآها تخطو إلى الحمام فجلس يبتسم بانتشاء على ما حدث الآن، يستمتع وهو يستعيد قبلاته ولمساته لها، ثم تذكر ساقه فنظر لها يحدجها بغيظ ويردد  : 

- ماعرفاش تستري حالك وتعديها يا حزينة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. 

نطقها واستل عكازه يستند عليه وينهض بصعوبة ويئن من ألمها الذي تضاعف حينما ضغط عليها، لذا زفر وتحرك نحو سريره يتمدد عليه ليرتاح قليلًا ويستعيد ما حدث مرارًا وتكرارًا باستمتاع، ربما سيكون هذا أفيونه ضد الألم .. 

❈-❈-❈

دلفت ريم الشركة تخطو بثباتٍ وتلقي السلام على الموظفين، البعض أجابها والبعض لم يفعل، ولاحظت هي ذلك، ولكنها تجاهلت وكادت أن تخطو نحو مكتبها، فلمحها جابر الذي كان يتحدث مع كمال، فناداها وتحرك نحوها يردف بملامح منفرجة: 

- أيوة إكدة نورتي مكانك، چهز حالك كمان ساعة، النهاردة عندينا اچتماع مهم مع شركة المتحدة  . 

أومأ له بملامح جادة ونطقت  : 

- تمام، عن اذنك. 

لاحظ رسميتها وانزعج منها، ولكنه تركها تلتفت لتتحرك إلى المكتب، وبالفعل خطت وفتحت الباب ودلفت وحينما كادت أن تغلقه لاحظت اثنتين من الموظفات تطالعانها وتتلامزان معًا. 

باغتتهما بنظرة حادة ثم أغلقت الباب ودلفت تتنفس وتحفز نفسها على الهدوء، ثم تحركت تفتح النافذة لتبدأ العمل . 

بينما تحرك جابر هو أيضًا إلى مكتبه بضيق، فهو لن يتقبل منها تلك المعاملة الجافة، يريدها أن تتعامل معه بأريحية كما اعتاد، يريدها أن تنظر إليه كما ينظر إليها، يريد منها أن تعطيه ذلك الشعور بالتميز كما يميزها ويفضلها دومًا عن الجميع  .. 

❈-❈-❈

توقف بسيارته أمام الجامعة ونطق بهدوء  : 

- خلصي ورني عليا  . 

طالعته حيث كان ينظر أمامه بانزعاج فنطقت  : 

- خليك انت يا نوح واني حروح، بس بالله عليك خليها تمشي جانوني وماتعملش حاچة وياه، أني خايفة عليك. 

نطقتها بقلقٍ حقيقي، فقد ظلت مترددة أتخبره عن تلك الفتاة أم لا، فحتى هذه المعضلة التي أصابت سمعته ومهنته كانت بفعل شقيقها، كيف ستخبره بأنه من فعل له ذلك السوء بالتعاون مع تلك الطالبة. 

ولكنها عزمت أمرها وأخبرته ليلًا حينما لم تستطع إخفاء الأمر عنه، وقد تبدلت ملامحه آنذاك وأرغمها على تركه بمفرده، والآن هي تراه هادئًا بشكلٍ يخيفها. 

نطق بنبرة جادة يخفي نظراته عنها  : 

- ماتقلقيش ،انزلي إنتِ عشان ماتتأخريش على محاضراتك واستنيني حاچي اخدك . 

تنفست وأومأت تترجل وتخطو داخل الجامعة، ووقف يطالعها إلى أن اطمئن لدخولها فأسرع يتوجه نحو محل مسعود ليرى ماذا يريد منهما ذلك المختل  .. 

❈-❈-❈

في شركة آل حانا

يترأس مهران طاولة الاجتماعات وتجاوره على اليسار نهاد نائبة عن عمار، وعن يمينه عبدالله، والآخرين موزعين على المقاعد يناقشون خطةً جديدة اقترحها الشريك الأجنبي الجديد والتي تنص على توسيع فرع الأسكندرية وربطه بشكل مباشر بالشركة الأم، وإنشاء منتجع سياحي جديد بصفاتٍ تراثية وطابع بسيط يمزج بين الساحل والسفاري، يخدم طبقات متعددة من الأفراد بأسعار متفاوتة وبهذا يكونوا قد حققوا التوازن بين الربح والرفاهية والإقبال الكثيف طوال العام  .. 

نطق مهران بعملية وهو يتفحص حاسوبه  : 

- الخطة طموحة وعجبتني، بس حنمزج كيف بين الساحل والسفاري؟ يعني في منطجة معينة في دماغك يا عبدالله ولا جصدكو موجعين مختلفين؟ 

نطق عبد الله يوضح وهو يعرض ما لديه عبر شاشة العرض الأمامية  : 

- لا المنطقة موجودة بالفعل في الساحل الشمالي يا مهران وچوزيف بيتكلم فيها دلوقتي، الموضوع كبير وفيه خير لينا كلنا، بس محتاچ تمويل ضخم زي مانت فاهم . 

أومأ بتفهم ونظر إلى نهاد التي تستمع إليهم وتدون كل ما يُقال عبر حاسوبها لترسله إلى عمار ، ولكن لفت انتباهها الوجه الآخر له، وجهه العملي وحديثه المرتب وطريقته الدقيقة في فهم الخطة والمشروع ككل. 

زفر وعاد ينظر لهم ويردف ببعض المخاوف  : 

- بس توسيع فرع اسكندرية وربطه بالشركة إهنة مهواش سهل بردك يا عبدالله، يعني ده ممكن يجلل من صلاحيتنا. 

نطق عبدالله نافيًا  : 

- لا خالص، ده مجرد تنسيق لوچستي عشان نسهل بيه التدفقات المالية، أو أي قرارات سريعة، وممكن كمان نتبادل الموظفين بين هنا وهناك، وده للي يحب طبعًا. 

لفتت هذه الجملة انتباهها ، بينما أومأ مهران بتفهم ثم نظر للشريك الأجنبي وتساءل بالإنجليزية وهو يبتسم بدهاء : 

- الخطة تبدو مثالية على الورق، لدرجة تثير الريبة، هل درست السوق جيدًا سيد چوزيف؟ 

نطق چوزيف مؤكدًا  : 

- بالطبع سيد مهران، أنا لم آتِ إلى هنا وأجلس أمامك إلا بعد أن درست كل ثغرات المشروع، وإذا كان لديك أي مخاوف دعنا نتمهل  . 

أومأ مهران مؤيدًا ينطق بدبلوماسية مهنية ومزاح : 

- لنتهمل ولنتعرف على بعض أكثر، ربما فيما بعد تكتشف أننا غير مناسبين  . 

ابتسم چوزيف ونطق بتفهم : 

- خذ راحتك في دراسة الأمر سيد مهران. 

نطق عبدالله مقترحًا  : 

- حسنًا ما رأيكما أن نضع خطة تجريبية في أحد المنتجعات المملوكة لنا بالفعل داخل الاسكندرية؟ بشكلٍ جزئي ومؤقت ؟ 

أومأ مهران ونطق  : 

- اقتراح جيد، ولكن دعني أتناقش مع عمار أولًا  . 

التفت ينظر إلى نهاد ويسترسل بنبرة هادئة  : 

- ابعتيله كل التفاصيل يا مدام نهاد  . 

أومأت ترد دون النظر اليه  : 

- تمام  . 

بعد قليل انتهى الاجتماع وخرجوا من القاعة، خرج مهران وعبد الله وچوزيف أولًا، ورحل الثالث ووقف الثاني يتحدث إلى مهران ثم ودعه وتحرك ليرحل أيضًا ، ولكنه وجد نهاد توقفه قائلة  :

- مستر عبدالله، ثانية لو سمحت . 

توقف مكانه وتوقف مهران الذي كان قد خطا نحو مكتبه، يطالعها وهي تتقدم من عبدالله حتى وقفت أمامه وبدأت تتحدث معه، تفاقم الغضب داخل جدران قلبه الأربعة على الفور حتى اشتعلت شرارة الغيرة التي جعلته يتحرك عائدًا لهما فسمعها تتساءل  : 

- حضرتك كنت بتجول چوة إن اللي حابب يتنجل من اهنة لفرع اسكندرية ده ممكن يحصل لو أني حابة اتنجل ؟ 

- تتنجلي من إهنة لهناك كيف يعني؟ 

تساءل بها مهران فتوترت والتفتت تطالعه ثم نطقت بانزعاج  : 

- لو سمحت أنا موچهتلكش أسئلة  . 

نطق بانفعال  : 

- بس أني وچهتلك، تتنجلي كيف؟ 

نطقت بتحدٍ  : 

- وأني مش مضطرة اچاوب. 

نطق عبد الله شاعرًا بالحرج بينهما  : 

- استهدوا بالله يا چماعة  . 

نظرت له ثم زفرت بضيق نطقت لتنهي الحوار  : 

- عن اذنكوا. 

تحركت تخطو نحو مكتبها فنظر مهران إلى عبدالله وربت على كتفه يردف  : 

- اتكل إنت على الله. 

تحرك خلفها وترك عبدالله ينظر له بتعجب، إن كان يحبها ويغار عليها هكذا لِم تزوچ بأخرى؟ 

تنفس بعمق ورحل مستاءً منه، بينما اندفع مهران داخل مكتبها يتساءل بنبرة بدت جنونية  : 

- فهميني دلوك معنى سؤالك ده إيه بالضبط؟ إنتِ عايزة إيه يا بنت الناس؟  شغل واشتغلتي، طلاج واطلجتي، كره واتزفتي كرهتيني، لسة عايزة ايه تاني؟ 

- وانت مالك؟ 

نطقتها وهي تطالعه بغيظ من هجومه وأسلوبه الفج، ليطالعها بغضب فتابعت بغير اكتراث  : 

- انت مالك بيا؟ سيبني في حالي بجى، بطل تعترض طريجي. 

هاج داخله أكثر فنطق كمن يحترق حيًا ويحرق كل من يصطدم به  : 

- مالي ونص، رايدة تبعدي عن اهنة يبجى لحالك، ولدي مايطلعش برا الجصر واصل. 

ابتسمت باستفزاز ونطقت بتحدٍ برغم ضيق صدرها  : 

- حمزة في حضانتي جانونًا، ماتجدرش تبعدو عني مهما حُصل . 

احترق بالكامل فاقترب من مكتبها وطرق بكفيه يميل نحوها وينطق بنبرة قاسية  : 

- بس أني جانوني مختلف، ياتجعدي في الجصر مع ولدك طول عمرك، يا تطلعي من غيره وتعملي اللي إنتِ رايداه  . 

داخله يصفعه صفعاتٍ متتالية عقابًا على هذا الحديث السام، عن أي خروجٍ يتحدث، لا يمكنها أن تبتعد عنه، انفصلت جسديًا ولكن يستحيل أن يسمح لها بقطع الرابط الوحيد بينهما، لن يحررها حتى وإن كان ظاهريًا تخلى عنها، وبرغم إتقانه عدة لغات إلا أنه يجهل ترجمة ما بداخله لها . 

طالعته بصمت، وشعرت أنها بالفعل لا تمتلك القوة لمواجهته إن أرادت أن تفعل، خاصةً بعد كلمات عمها، ولكنها تكتفت تنطق بتوعد وبرود ظاهري  : 

- مانيش زيك عشان اطلع من غيره واعمل اللي أني عايزاه، أني لو طلعت حطلع وولدي معايا يا مهران وجدام عينك، وانت ماحتجدرش تعمل حاچة . 

وجدته يطلق شرارات الغضب فلم تطرده بل استلت حقيبتها وهاتفها ونهضت تغادر و هي تخشى أن يعترض طريقها مثل عادته، ولكنه لم يفعل، بل اعتدل يطالعها وهي ترحل وعقله يركض بجنون، يبحث عن حلٍ سريعٍ، ليهتدي إلى التحدث مع والده، لن يسمح لها بهذا مطلقًا، حتى لو اضطر لسجنها  .. 

❈-❈-❈

اجتمعت عائلة آل حامد في بهو قصر عائلة آل حانا، فقد أتوا لرؤية عمار والاطمئنان عليه بعد معرفتهم بالحقيقة، وأتت نجوى أيضًا تمثل الحب والود كعادتها، ولكن هذه المرة لم تمد نوارة يدها بالسلام إلا بعدما لكزها يونس، مما أثار ريبتها وجعلها تجلس بتوتر بالغ، تطالعهما وتتساءل هل علما بما فعلته ليلًا ؟ 

ساعدت فرحة عمار في النزول، وجلس بينهم يتحدثون، وتحركت هي نحو المطبخ لتحضر الضيافة. 

نطق عبد الوهاب مرحبًا بابتسامة ودودة  : 

- الدار نورت يا حبايب، والله زمان، الحمدلله اتچمعنا تاني. 

نطق حسان مبتسمًا  : 

- الحمد لله يا حچ عبده، غمة وانزاحت. 

نطقت منصورة وهي تنظر نحو عمار بحب  : 

- ورچلك عاملة إيه دلوك يا ولدي؟ 

أجابها مبتهجًا كعادته  : 

- الحمد لله يا عمة زي الفل، البركة في فرحة. 

حدجته صابحة بغيرة ثم التفتت لهم تنطق: 

- عمار ولدي طيب وحنين وشاف كتير، وجلبه بينسى ويسامح، عشان اكدة ربنا واجف جاره وحيشفيه، وهو بردك مابيحملش حد همه واصل  . 

تدخلت نجوى تندمج معها بمغزى  : 

- تربيتك كلها زينة يا صابحة، وبالخصوص نوارة جلب عمتها. 

قالتها ونظرت إليها تبتسم لتجدها تطالعها بجمود، بنظرة احتقار جعلتها تتوقف عن التبسم و الرغبة بالاختفاء، ولكن يونس لم يعد يحتمل أفعالها لذا نهض يردف موجهًا حديثه إلى خاله  : 

- بعد اذنك يا خال كنت رايدك في حاچة اكدة  . 

نهض عبد الوهاب ونطق وهو يتحرك نحوه  : 

- تعالي يا ولدي  . 

توجها نحو المكتب تحت نظراتها المريبة، والتفتت تنظر إلى نوارة التي تباغتها بعداء، لذا أرادت أن تنهض وتغادر ولكن شيئًا ما منعها، كأنه القدر  .. 

جاءت فرحة تحمل صينية الضيافة، وخلفها مروة تحمل صينية أخرى، وبدأتا تقدمان العصائر والحلويات، واتجهت مروة تناول الضيوف حتى توقفت عند أيوب الذي علق عندها، يطالعها مبتسمًا ومبتهجًا برؤيتها حيث أردف  : 

- متشكر يا آنسة مروة. 

تعجبت منه ولكنها أومأت بتوتر وتحركت تغادر عائدة إلى المطبخ وتفكر هل يتذكر اسمها؟ 

بينما هو ازدرد ريقه يفكر ويقرر، حينما تنتهي مسألة سمية والصغير الذي تركوه اليوم مع أسماء في القصر، سيتحدث إلى عمه ويطلبها من عبد الوهاب، لقد شغلت تفكيره حقًا وسيدخل البيت من بابه، فهذه هي الأصول التي يعرفها جيدًا  ... 

❈-❈-❈

وصل نوح إلى محل مسعود 

وترجل يدفعه الغضب نحو الداخل حتى وقف أمامه، فطالعه الآخر بنظرات حاقدة يردف  : 

- خير يا دكتور؟ 

نطق مستفهمًا بنبرة صلدة: 

- إنت عايز مننا إيه بالظبط؟ بتحوم حوالينا ليه وعايز تشوه سمعتي وسمعة اختي ومراتي اللي هي المفروض اختك وعرضك؟ هات من الآخر وقول عايز إيه وخلصنا. 

أدرك مسعود أنه علم بمخططه مع تلك الفتاة، ولكنه ادعى عدم الفهم فنطق يلوح بيده  : 

- سمعة مين اللي اشوهها؟ إنت چاي ترمي بلاك عليا؟ اتكل على الله من اهنة ورانا أكل عيش. 

غضب نوح ولأول مرة يتصرف باندفاع فتحرك نحوه ويقبض على تلابيبه و ينفضه مرارًا على مقعده ويردف متوعدًا  : 

- بقولك إيه؟ مش علشان ساكتلك وبتعامل معاكي بأخلاقي حتفكرني ضعيف، إنت لسة ماتعرفنيش، البنات اللي وزتها عليا علشان يئذوني في شغلي ومرواحك عند اختي وكلامك عنها وعمايلك في مودة، ماتخلنيش اوريك وش عمرك ما شوفته واطلع عليك القديم والجديد، ابعد عن سكتي وسكة عيلتي احسنلك. 

كان مسعود ينتفض بين يديه ولأول مرة يراه هكذا لذا أسرع يدفعه ويلجأ إلى صبيانه و
يناديهم، فأتوا يحاولون إبعاد نوح عنه فنفضهم وابتعد يرفع سبابته ويتوعد  : 

- المرة اللي فاتت عملنا محضر، والمرة دي كلمتك باللغة اللي تفهمها، المرة الچاية حخليك تلف حوالين نفسك، إنت فاهم  . 

تحرك يغادر وتركه يطالع أثره بنوع من الخوف ولكن هذا الخوف لن يعيق انتقامه، فغضبه الآن لن يطفئه سوى الانتقام  . 

نظر حوله فوجد الشباب يطالعونه فصاح يلوح  : 

- يالا منك ليه شوفوا اللي وراكو  . 

تحركوا يتابعون عملهم ونطق بتوعد  : 

- ماشي يا نوح، إن ماوريتك مجامك زين مبجاش أني مسعود. 

التقط هاتفه وطلب رقم سجود التي أجابته تتساءل  : 

- خير؟ 

تساءل بغلظة  : 

- نوح عرف منين أني متفج وياكي؟ 

توترت ونطقت بتوجس  : 

- عرف؟ عرف كيف؟ 

صاح معنفًا  : 

- لا بجولك إيه يا حلوة، الشويتين دول تعمليهم على حد تاني، مالكيش عندي فلوس ولو چيبتي سيرتي في أي حديت تاني حخلي الدبان لازرق مايعرفلكيش طريج، سامعة. 

نطقها وأغلق وجلس يغلي داخليًا ولولا خشيته على الأغراض لكان استل هذه المزهرية ورطمها أرضًا   .. 

❈-❈-❈

بعد قليل 

عادت نهاد،تبعها مهران ليرى شقيقه ويتحدث مع والده، وعاد جابر أيضًا، وجلسوا جميعهم يتبادلون أطراف الحديث  . 

خرج عبد الوهاب من غرفة مكتبه بملامح وجهٍ مكفهرة، وخلفه يونس يحاول مساندته حيث كانت صدمته كبيرة وظل يواسيه ويدعمه كي يستطيع مواجهتها. 

اقترب من الجميع والتفتت الأنظار تطالعه بتساؤل، خاصةً وعيناه منكبتان على شقيقته التي ارتعبت وتمتمت تتساءل بتلعثم  : 

- مالك يا عبده في إيه؟ 

تحدثت بنبرة مؤلمة منكسرة وخيبة كبرى  : 

- شكيت في الغريب والجريب وچيت عندك وجولت لا يمكن، لا يمكن اختي تعملها مهما كانت، لا يمكن تكون معدومة الجلب والضمير، أكتر من سنة وبنتي حالها مجلوب وماعرفينش فيها إيه ودايخين بيها عند الدكاترة وانتِ إهنة وسطينا وشايفة حرجة جلوبنا عليها وشايفة عذابها وتعبها، واتاريكي السبب؟ 

صعقت من كشف أمرها، كيف حدث ذلك؟ 

لفت وجهها تنظر للجميع ثم عادت إليه تزدرد ريقها وتردف ناكرة  : 

- حديت إيه اللي بتجوله ده يا عبده؟ أني مافهماش حاچة؟ 

تأهبت صابحة تنهض وتتساءل بحرقة  : 

- بتجول إكدة ليه يا عبده؟ 

تساءلت بها بشك، فهل امتلك الدليل؟ من المؤكد أنه بالفعل امتلك الدليل. 

ليستطرد وهو يشير إلى يونس ويردف  : 

- وريهم يا يونس  . 

أعاد يونس تشغيل المقطع وعرض الهاتف عليهم، لتسرع صابحة نحوه تنتشل الهاتف منه وتتفحص المقطع جيدًا قبل أن ينهض جابر أيضًا ويأخذه منها ليطالعه وسط صدمتها ونظرتها نحو نجوى، وبرغم شكها منذ زمن إلا أنها استفاضت لتوها تنطق بكره لم تعد تقيده  : 

- ربنا ينتجم منك يا بعيدة، ربنا يحرج جلبك زي ما حرجتي جلوبنا، إنتِ شيطانة. 

وقعت في مستنقع أفعالها، تناظرهم وتتمنى لو تختفي، ولم تنبس ببنت شفة، بل تركتهم يعنفونها، حتى شقيقتها التي لا تستوعب بعد قائلة بانفعال وصياح : 

- ماتجولي يا نجوى انك ماتعمليش إكدة، ساكتة ليـــــــــــه؟ 

نطق جابر بغضب وهو يناولها الهاتف  : 

- حتجول إيه؟ المجطع اهو يا عمة موضح كل حاچة  . 

انهارت نوارة في البكاء، فلم تعد تحتمل الصمت، وباتت تصيح بلوعة أمام الجميع  : 

- ليه تعملي فيا إكدة؟ عملتلك إيه يا عمة؟ داني كنت بجول عليكي امي التانية؟ كنتِ شيفاني وأني بموت بالبطئ وبتمثلي عليا الحب والحنية وانتِ اللي بتئذيني بيدك، ليييه؟ 

حرقة نوارة جعلت عبد الوهاب يرتدي قناع القسوة ويزأر أمام الجميع قائلًا بنبرة صارمة  : 

- من إهنة ورايح مالكيش أخ اسمه عبد الوهاب، وجدامك شهر تلمي حاچتك وتطلعي برا النچع، ماعيزش اشوف خلجتك طول ماني عايش، واحمدي ربك إني ماحبلغش عنك لاجل خاطر عيالك، بس لو عرفت إنك مشيتي في السكة دي تاني وأذيتي حد تاني يبجى أني بيدي اللي حاخدك وحسلمك، وماتفكريش مش حعرف، إنت خابراني زين يا نچوى، اتجي شري من إهنة ورايح. 

قررت ألا تنطق، بل توزع عليهم نظرات حقدها القادرة على حرقهم جميعًا، بينما هو استرسل  : 

- اطلعي برا الجصر ورچلك ماتخطيش إهنة تاني. 

حررها فنهضت على الفور تندفع مغادرة المكان برمته وسط ذهول وصدمة الجميع لٕم حدث، كانت كالبركان تسير عائدة إلى منزلها وتتعهد بأشد أنواع الانتقام، حتى لو ماتت بعدها، ولكنها ستأخذ الجميع معها  .. 

❈-❈-❈

بعد مرور أسبوع 

كان كافيًا ليتجاوز عبد الوهاب صدمته ظاهريًا، ولكن داخله مهشمًا، تلقى صفعةً من شقيقته الصغيرة التي لم يقصر معها؛ جعلته يمكث في الفراش لثلاثة أيامٍ خيّم فيهم الحزن على الجميع، جن جنون صابحة عليه، وتجمع أولاده من حوله، حتى مهران الذي لم يترك القصر إلا وقت العمل أو النوم، حتى استرد عافيته ونهض يشد عوده كي لا يكسره أحد حتى لو كانت ابنة أبيه وأمه  .. 

أمر أن يُقام حفل عيد ميلاد الصغير داخل القصر بشكلٍ مميز، أراد أن يوزع الفرحة على الجميع، وأن يحاولوا تجاوز ماحدث بهذا الحفل، وتم دعوة عائلة آل حامد جميعها، وصديقات نهاد من داخل الشركة، وعبد الله وأولاده . 

يقف بنفسه متكأً على عصاه يتابع التجهيزات والترتيبات، يخالف عادات نچعه للمرة التي لم يعد يحصيها عددًا، فهنا لم يعتد أحد الاحتفال بذكرى ميلاد الصغار بهذا الشكل المبالغ به، ولكنه يحب المبالغة حينما يكون الأمر عائدًا على عائلته بالبهجة والسرور. 

❈-❈-❈

وقف مهران يهندم نفسه أمام المرآة ليلحق بالعائلة، جاءت من خلفه تيا تناوله جاكيته وتبتسم له من خلال المرآة وتتساءل بترقب  : 

- هو ماينفعش اجي معاك يا مهران؟ صدقني مش حعمل أي حاجة تضايق أي حد  . 

ارتدى الجاكيت ووقف يهندم نفسه وخصلاته، ثم التفت لها ونطق وهو يطالعها حيث تقف تنتظر إجابته  : 

- بجالك كام يوم بتتحدتي عن الموضوع ده يا تيا وإنتِ خابرة زين ردي، لو رايدة تسمعيه بودنك يبجى لاء يا تيا، ماينفعش تيچي ويايا، افتحي على فيلم زين واجعدي اتفرچي واتسلي، وأني ماحتأخرش . 

التمعت عيناها بالدموع ونطقت بعصبية: 

- بس أنا زهقت من الأفلام ومن البيت ومن القاعدة لوحدي يا مهران، وانت عارف كويس إني ماليش حد هنا ولا ليا صاحبة اروحلها، وانت بقالك كام يوم مش معبرني. 

تساءل ببرود: 

- و ليه مابتعمليش صداجات مع البنات في الشركة؟ دول حتى طيبين ومحترمين جوي. 

انكمشت ملامحها ونطقت باستعلاء  : 

- بنات الشركة إيه بس يا مهران اللي اكوّن معاهم صحوبية؟ أنا قصدي على مراتات أصحابك مثلًا، أو معارف ليك من مجال الشغل، ماتنساش بردو إني مرات مهران آل حانا وماينفعش اصاحب أي حد . 

أومأ بتفهم يردف ببرود مستفز  : 

- صوح معاكي حج، خليكي جاعدة اهنة بجى لما يبان لك صاحبة. 

حدجته بعتاب فابتسم يسترسل وهو يلتفت ويستل زجاجة عطره ينثر منها  : 

- غيري الحديت يا تيا وحبجى اراضيكي  . 

زفرت مطولًا وصمتت لبرهة، ثم تتمتم بقبول : 

- تمام، ابقى هاتلي بقى حاچة حلوة على ذوقك وانت جاي   . 

التفت يطالعها ويقرأ طمعها واستغلالها بوضوح، ولكنه ابتسم يوميء ودنى يقبل وجنتها ويردف قبل أن يتحرك نحو الخارج : 

-ماشي  . 

❈-❈-❈

في منزل نجوى 

التي هاجمها جندي من الجنون منذ ما حدث،خاصةً وقد تم كشفها بشكلٍ سيء أمام الجميع.

  لم يرَ الشارع طيفها إلا في الليلة التالية من كشف حقيقتها لقضاء حاجتها والعودة على الفور  . 

حل عليها الفقر والجوع دفعةً واحدة، فقد عمّ الخبر النجع وتناقلت الأقاويل بين الناس عما فعلت بشقيقها، ولم يتعامل معها معظم سكان النچع، حتى ابنتها لم تذهب إلى الجامعة بعد تهديد مسعود لها، وابنها الذي لا يبالي بشيء، وزوجها الذي يسكن في عالمٍ موازي ويعيش فقط للنوم والأكل والتدخين بشراهة. 

جمعت كل ما لديها لتشتري بندقية، لاعنة زوجها بسبابٍ لاذع فقط كان يمتلك واحدة وعددًا من الأسلحة الصغيرة، ولكنه باعهم جميعًا . 

اليوم أتتها خلسةً عن طريق أحد معارفها، واستلمتها بانتشاء وعقلٍ يعشش فيه الجنون ، لقد جاءت في التوقيت المناسب، فقد علمت اليوم بحفل عيد ميلاد الحفيد الوحيد لشقيقها، ولن تشعر بالراحة إلا بعدما تذيقهم العذاب أضعافًا مضاعفة، ستتسلل إلى القصر وتعلم جيدًا كيف تفعل ذلك، وتفتح عليهم النيران دفعةً واحدة، وتنهي حياتهم قبل أن يفرحوا بطريقة عبثية ومأساوية  .. 

ستنتقم من كل من آذاها ونبذها واحتقرها وأولهم شقيقها وزوجته وأولاده ويونس وشقيقتها التي تدعي الطيبة والحنان ، حتى ذلك الصغير حمزة ستنهي حياته. 

ابتسمت بشرٍ عظيم وهي تتخيل مشهد النهاية، تعلم أنها مخاطرة كبيرة، ولكنها ستهرب بعدها، لقد خططت لكل شيء، يكفيها أن تنتقم. 

نهضت تضحك ضحكة رنانة، ونادت ابنتها بغلظة : 

- مدي يا مجصوفة الرجبة چهزيلي غيار وعباية سمرا عشان ادخل ادوش لاجل ماحضر الحفلة .. 

تعليقات