رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الخامس والعشرون
"لا ينسى الرجل امرأةً جعلته يُعاني"
لطالما مرّت هذه الجملة على مسمعي فكنتُ أسخر منها كثيرًا و أراها محض هراءٍ رومانسي أو مبالغة في تقدير شأن النساء. لم أدرك أن خلف سخافتها الظاهرة تكمن حقيقة مؤلمة لم أصطدم بها إلا حين وجدتُ نفسي اليوم أتجرع مرارة معانيها المُستترة. فها أنا أجلس بمقعد البائس على رف الانتظار في حكاية كنتُ أتوهم أنني بطلها الوحيد ومُحرك أحداثها، فإذا بي أكتشف أنني أصبحت مجرد هامش في نصها العظيم. أتطلع إلى تلك المرأة التي كانت يومًا ما ترى الكون بعيني، و اليوم أراها تُبصر كوناُ أوسع وأجمل بدوني. كنت أظن بأن رحيلي عن حياتها هو الظلام الذي لن يعقبه شروق، فإذا بها تصنع من بين لئالئ عبراتها نجومًا تُضيء الكون بأكمله و تصنع من حطامها سبيلًا لولادة إمرأة أقوى و أجمل.
لم تكن بخير فحسب. بل كانت مزدهرة و كأن الخذلان لم يمس قلبها يومًا، و كان وجهها مرآة للسلام الذي لم أمنحه إياها قط. بل صنعته هي حين تعلمت الاكتفاء بنفسها، فلم يعُد لوجودي معنًا في حياتها، و كأنها أيقنت بأن كفوفي التي أفلتتها سابقًا لم تعدا صالحتين حتى لملامسة أطراف ثوبها.
في هذه اللحظة ارتطم كبريائي بجدار العجز الذي لا يمكن وصفه، و احتل صدأ الندم منتصف روحي.
لأراني وبكل ما يجيش بداخلي من ألم أدون جملة أقوى مما سخرت منها في السابق وهي :
" لا ينسى الرجل إمرأة قتلته لتحيا"
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أخذت تدور حول نفسها كالممسوسة ودقات قلبها تتخبط بداخل ضلوعها حتى آلمتها لتتوقف عن الدوران وهي تضع يدها على قلبها تغمض عينيها بقوة و هي تحاول تنظيم أنفاسها لترفع رأسها إلى السماء تناجي ربها قائلة:
ـ ربي إني مسني الضُر وأنت أرحم الراحمين. يارب. يارب الهمني الصح.
أخذت تحاول التنفس بشكل صحيح قبل أن تقوم بجذب هاتفها و الاتصال بالمدرسة لتأتيها الإجابة على الطرف الآخر لتهتف بلهفة:
ـ السلام عليكم. لو سمحتي أنا مامي أمجد أمين و مريم أمين.
حيتها الفتاة على الطرف الآخر لترد تحيتها بعُجالة قبل أن تقول بتوتر:
ـ معلش أنا عايزة أعرف حد طلب يشوف الولاد النهاردة ؟
الفتاة:
ـ لا يا فندم.. حد زي مين؟
أشجان بلهفة:
ـ حد زي باباهم مثلا؟
ـ ثواني هشوف و هقول لحضرتك…
غابت الفتاة لبضع لحظات قبل أن تجيبها بالنفي لتتنفس الصعداء قبل أن تقول بلهفة
ـ طيب ممكن توصليني بمديرة المدرسة لو سمحتي الموضوع مهم جدًا.
و بالفعل أوصلتها الفتاة بالمديرة لتقول أشجان مشددة على كل حرف يخرج منها:
ـ إذا سمحتي يا مس عبير. ولادي في حضانتي، مش مسموح للمدرسة أنها تخلي أي حد يشوفهم. حتى لو كان باباهم، ولو جه سأل عنهم تبلغيني فورًا، و ممنوع يعرف أي حاجة تخصهم. وهو مالوش أي علاقة بيهم.
تفهمت المرأة حديثها و أجابت باحترام:
ـ حاضر يا مدام. بس ياريت المواضيع دي تتحل بعيد عن المدرسة عشان نفسية الأولاد و شكلهم قدام زمايلهم
أشجان بتحذير:
ـ مفهوم، وللمرة التانية بقول لحضرتك أنه ممنوع يقرب منهم، و لو عرفت أن المدرسة سمحتله يشوف ولادي أو يقرب منهم. أنا هعتبر دا تجاوز و مش هعديه على خير. وانا من ناحيتي هحل الموضوع.
أنهت المكالمة بعد أن اطمأنت من هذا الأمر لتقول بالنزول إلى الأسفل مُسرعة و هي تحادث السائق على الهاتف لملاقاتها أمام الباب الداخلي للقصر، فما أن أتى حتى هتفت بأنفاس مقطوعة:
ـ عم عبدو أنت هتروح تجيب الولاد امتى؟
ـ هروح في معادهم. في مشكلة ولا ايه؟
أشجان باستفهام:
ـ لا أنا بسأل بس. طيب الحراسة هتكون معاك صح؟
السائق باندهاش:
ـ أيوا طبعًا يا هانم. خالد بيه مشدد اني ممشيش خطوة بالولاد من غير حراسة.
غزت بعض الراحة صدرها ولكنها لازالت تشعر بالخوف من ظهور هذا الرجل مرة ثانية في حياتها و حياة أولادها، وهنا بدأ ضميرها في وخزها كونها تمنع أطفالها من رؤية أباهم، لكن بئس الآباء هو ولهذا فهي تخشى عليهم من أذاه.
شعرت بحاجة مُلِحة إلى البكاء و لكنها لن تفعل ذلك هنا لذا أخبرت السائق أن يأخذها إلى المخبز لترتمي بين أحضان سوزان التي احتوت خوفها و ألمها و نهنهاتها وشكواها حين قالت:
ـ الحقيني يا سوزي. الكابوس رجع من تاني..
سوزان بلهفة:
ـ كابوس ايه بعد الشر. حصل ايه؟
أشجان بنبرة تئن خوفًا:
ـ أمين. أمين كلمني النهاردة و قالي أنه قدام المدرسة و عايز يشوف ولاده.
شهقت سوزان بصدمة قبل أن تقول بحنو:
ـ طب استهدي بالله و اقعدي.. اقعدي ارتاحي و خلينا نتكلم…
أطاعتها سوزان لتجلس على أحد المقاعد وجسدها يرتجف و عينيها لا تتوقفان عن ذرف العبرات مما جعل سوزان تقول بعتب:
ـ طب ينفع! ايه اللي أنتِ عملاه في نفسك دا؟
أشجان بانفعال:
ـ أنتِ مسمعتيش أنا بقولك أيه يا سوزي ؟
سوزان بهدوء:
ـ سمعت. مشكلتي هنا معاكي أنتِ. هتبطلي تخافي من الحيوان دا و تديله قيمة امتى؟ بقى متجوزة واحد زي خالد الوتيدي بجلالة قدره اللي الكبير قبل الصغير بيعمله ألف حساب، وأنتِ خايفة من حتة تافة زي دا؟!
تغلغل حديث سوزان إلى عقلها مما جعل ثورتها تهدأ قليلًا لتقول بتوضيح:
ـ الموضوع مش خوف. او أني مدياله قيمة. أنا ما صدقت خلصت من سيرته و قفلت قصته خالص. علاقتي بخالد متوترة من غير أي حاجة. كمان أنا خايفة على خالد عشان زي ما بتقولي أمين دا حتة واحد تافه جنبه و التافه دي أكتر شخص غدار في الدنيا ميقدرش يواجه اللي اقوى منه فبيضرب في الضهر، وكون أنه يتجرأ ويتصل عليا و ميخافش من خالد دا قالقني. ناهيك بقى عن أني حاسة بالذنب تجاه ولادي عشان همنعه يشوفهم.
ربتت سوزان فوق كفها وهي تقول بحنو:
ـ طيب اهدي و خلينا نفصص كلامك واحدة واحدة. سيبك من أن علاقتك متوترة بخالد عشان أنتِ لو قتلتي لخالد قتيل وحس أن في حاجة ممكن تضايقك أو تقرب منك و من ولادك هيهد الدنيا.
اومأت أشجان بالموافقة لتُتابع سوزان قائلة:
ـ أمين لو هيضرب في الضهر فهتكوني أنتِ الوسيلة اللي تساعده على دا.و خلي بالك هو أكتر واحد عارف قد أيه خالد شخص صعب و مش صعب وبس دا غضبه مُرعب لأن وهو أكتر حد جربه.
أشجان باستفهام:
ـ يعني ايه اكتر حد جرب غضبه؟
سوزان بابتسامة بسيطة:
ـ ولو أن دا سر بس يالا أنا عارفة انك لو سألتيه مش هيخبي عنك. فاكرة يوم ما جيتي تجري وحكتيلنا على الكلام الزفت اللي أمين قاله عنك وعن خالد ؟
ـ فاكرة..
ـ خالد يومها جلده، و طبق عليه حد قصف المحصنات و ضربه تسعة و سبعين جلده، وقاله الجلدة الأخيرة دي بموتك. عرفتي بقى أقصد أي؟
بهتت ملامحها حين سمعت حديث سوزان فهي لم تتخيل ما حدث أبدًا ولم تستفسر عن الأمر، ولا عن اختفاء أمين من حياتها، فيكفيها أنه اختفى، ولكنها الآن تقف على حافة الذهول من هول ما سمعته لتُتابع سوزان قائلة:
ـ أمين عارف قد ايه أنتِ بتخافي منه، و كان متوقع انك تطلعي تجري على ولادك وهي دي الضربة اللي كان هيوجهها لخالد لأنه عارف انك هتخافي كمان عليه و بالتالي مش هتقوليله على مكالمته ليكِ. شطارتك بقى انك تساعدي جوزك و متبقيش السكينة اللي تتغرز في ضهره.
فطنت إلى ما تقصده لتقول بانفعال:
ـ أنا فاهمة أنتِ تقصدي ايه. لكن أنا فعلًا خايفة على خالد.
سوزان بتعقل:
ـ يبقى تنبهيه. أنا واثقة أن الزفت دا لا رايح ولا جاي، و ادي احنا مستنينن لو طلب يشوف الولاد هيكلموكي. بس أنا واثقة أنه مش هيعمل دا، و خلي بالك أن كل حاجة بتخبيها على خالد حبل و بتلفيه حوالين علاقتكوا. احنا ساكتين على موضوع نبيلة عشان هي أخته و للأسف مش هينفع نولع نار زي دي في قلبه من غير ما يكون معانا دليل. لكن أمين لا. لازم خالد يعرف اللي حصل، و بعدين يا هبلة استغلي الفرصة و صالحيه. رب ضارة نافعة.
أشجان بتمنى:
ـ تفتكري لو روحت وقولتله على مكالمة أمين دي حاجة ممكن تخليه يصفى من ناحيتي .
سوزان بتأكيد:
ـ طبعًا. كون انك تجري عليه و تصارحيه و تقوليله على اللي حصل و تستنجدي بيه دي حاجة هتفرحه ثقتك فيه هتفرحه. صدقك معاه هيفرحه. هتخليه يحس أنك اتعلمتي من غلطك. صدقيني الموضوع دا هيحنن قلبه عليكِ، و خصوصا انك اتصرفتي صح و كلمتي المدرسة. خليه يحس انك بتفكري و بتتصرفي صح.
أشجان بتعب:
ـ حتى لو مش هيحصل و هيفضل زعلان مني أنا مضطرة أقوله مقداميش حل غير كدا. عشان ميبقاش حرام عليا، و كمان لو أمين كررها تاني ورن عليا وخالد موجود أنا كدا ممكن اخسره للأبد.
ـ متجمعين من غيري! دي خيانة عظمى…
هكذا تحدثت آسيا التي دلفت من باب المخزن لتبتهج ملامح كلا المرأتين لدى رؤيتها لتهتف أشجان وهي تهب من مكانها تحتضنها بشوق:
ـ وحشتيني اوي..
بادلتها آسيا العناق بقوة وهي تقول:
ـ أنتِ كمان وحشتيني اوي..
انتقلت آسيا لتعانق سوزان التي طوقتها بحُب وهي تقول بنبرة حانية:
ـ والله روحي ردتلي لما شوفتك..
تأثرت آسيا من جملتها وقالت بحُب:
ـ دانا اللي روحي بتردلي لما بترمي في حضنك..
جلست النساء الثلاث حول الطاولة ليتوهج الزمرد في عيني آسيا وهي تقول:
ـ عندي ليكوا خبر حلو..
سوزان و أشجان بلهفة في آنٍ واحد:
ـ قولي و فرحينا..
رفعت آسيا مفتاح سيارة أمامهم وقالت بسعادة:
ـ أنا اشتريت عربية..
تعالت صيحات الفرح من كلا المرأتين لتعانقها أشجان وهي تقول بسعادة غامرة:
ـ ألف مبروك يا قلب أختك. ربنا يجعلها خير عليكِ يارب.
و هتفت سوزان هي الآخرى:
ـ يا ألف نهار أبيض. مبروك يا حبيبتي. ربنا يرزقك خيرها و يبعد عنك شرها.
آسيا بمرح:
ـ اه بالله عليكِ ادعيلي أسدد أقساطها. أحسن دي خلتني على الحديدة.
أشجان بعتب:
ـ طيب ما كنتي قولتيلي كنت اديتك الفلوس و اشترتيها كاش ليه تدخلي نفسك في أقساط و فيلم هندي؟
آسيا باستنكار:
ـ لا طبعًا أنتِ عايزة اول عربية اركبها في حياتي تبقى بالدين!
سوزان بتهكم:
ـ على أساس أن الأقساط دي ايه؟ ما أنتِ
آسيا بمرح:
ـ دي نقرة ودي نقرة يا سيدتي، وبعدين أنا استرونج اندبندنت ومان. موضوع السلف دا هيضرب مفك في سمعتي وهي مش ناقصة أصلًا..
قهقهت أشجان و سوزان على حديثها لتقول الأخيرة باهتمام:
ـ سيبك من دا كله وقوليلي. عاملة ايه مع كمال؟
زفرت آسيا بقوة قبل أن تقص عليهم ما حدث ذلك اليوم مع الطفل لتتناثر عبراتها فوق خديها وهي تقول بنبرة متأثرة:
ـ أول مرة أحس أني شايفة نفسي من جوا. هتصدقوني لو قولتلكوا اني كان نفسي ماما تكون موجودة وتشوف أني مش وحشة زي ما قالتلي ولا أنانية. أنا محستش أني بكرهه. بالعكس صعب عليا. حسيت انها شبهي اتخلى عنه الناس اللي مفروض يكونوا سنده في الدنيا. أنا حسيت اني مش طايقة كمال عشان سابه لوحده.
أشجان بتأثر:
ـ وهو ازاي يجيله قلب يسيبه مع البيبي سيتر لوحده! ازاي يكون غير مسئول بالشكل دا؟
آسيا بحنق:
ـ تخيلي الولد أصلًا طول الليل بيعيط مبيسكتش غير معاه. دا اللي جه في بالي وقتها. ازاي تسيبه وانت عارف أنه مش هيطمن وانت مش موجود..
انهمرت العبرات بغزارة فوق خديها وهي تتذكر تلك الليلة المشؤومة وما تلاها من أحداث مروعة
عودة إلى ليلة بكى فيها القمر " الإثم الأول"
ـ خالتي رضا اسندي آسيا لحد فوق. اصلها تعبانه شوية..
هكذا تحدث رؤوف وهو ينظر إلى آسيا التي كانت تحتضن جاكت بذلته تخفي بيه ثيابها المهلهلة، فقد كانت طوال الطريق تحتل الكنبة الخلفية للسيارة، وحين أتت والدتها جلست في المقعد الأمامي ظنا منها بأن آسيا نائمة، وقد قرر رؤوف أن يترك لها حرية الإختيار في اخبار والدتها بما حدث أو لا، لتقترب رضا وتسند آسيا وهي تقول بمزح:
ـ طبعّا هتلاقيها مبطلتش رقص مع غنى لحد الفرح ما خلص. طب كنتِ روحي معاهم ورؤوف كان جه خدني هو..
غادر رؤوف و ارتمت آسيا في أحضانها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ احضنيني يا ماما.
رضا بلهفة:
ـ في ايه يا آسيا؟ تعالي في النور كدا و وريني وشك. أنتِ متعورة ولا ايه؟
آسيا بتعب:
ـ تعالي نطلع فوق و هحكيلك كل حاجة…
بالفعل ساندتها رضا لتصعد معها إلى الأعلى، و منه إلى غرفتها لترتمي آسيا على السرير تبكي و تنتحب بعد أن سقط الجاكت من فوقها لتضرب رضا فوق صدرها بعُنف وهي تقول:
ـ يا ليلة سودا! مين اللي عمل فيكِ كدا ؟ حصلك ايه يا بت قوليلي..
آسيا من بين نهنهاتها و جراحها النازفة:
ـ آسيا و ميرهان ضربوني و قطعولي هدومي ياماما..
اقتربت رضا تحتضنها وهي تقول بلهفة:
ـ ضربوكي ازاي اللي ينضربوا في قلوبهم؟
كان الألم يجتاح جسدها كليًا و يستوطن اعناق قلبها و كرامتها مما جعل الكلمات تتأرجح فوق شفتيها حين قالت:
ـ قعدوا يهينوا فيا، ولما رديت عليهم ضربوني و قطعوا هدومي زي ما أنتِ شايفة.
هوى قلب رضا أرضًا واستفهمت بلهفة:
ـ رديتي عليهم ازاي؟ اوعي تكوني شتمتيهم؟!
رفعت آسيا رأسها إلى والدتها بذهول:
ـ بتقولي ايه يا ماما؟ بقولك ضربوني و بهدلوني، و قطعوا هدومي..
رضا بقهر:
ـ ضربة في قلوبهم. اللهي ايدهم تتشل. بس بردو يا آسيا. عرفيني قولتي أي؟ دول ممكن يقطعوا عيشي أو قالوا لحد من اخواتهم و بالذات الزفتة اللي اسمها نبيلة. قوليلي حصل أيه و طمنيني.
تشكلت غصة قوية داخل حلقها جعلتها عاجزة عن التنفس لتهتف بقهر:
ـ شتمتهم وقولتلهم أنهم فاشلين واني ناجحة و مش زيهم. ارتاحتي؟!
شهقت رضا بصدمة و تغلغل الرعب في صدرها خوفًا من رد فعل هاتين الفتاتين و أن يشتكوا عليها لنبيلة التي قد تتسبب في طردها من العمل لتندفع الكلمات من فمها غاضبة:
ـ كدا بردو يا آسيا! دا كلام يا بنتي؟ مكنتيش رديتي عليهم.. دول بنات تافهة كنتِ كبرتي دماغك!
توسعت عيني آسيا من هذا الموقف المُخزي لوالدتها التي كان الحزن يتآكلها من الداخل لأجل طفلتها ولكنها تخشى خسارة عملها، وقد كان هذا عذرًا أقبح من ذنب بالنسبة لآسيا التي هبت قائلة بقهر:
ـ بتقولي ايه؟ بدل ما تروحي تاخديلي حقي منهم بتلومي عليا؟ أنتِ ازاي كدا؟! ازاي مش موجوعة على وجعي! مش صعبان عليكِ بنتك والإهانة اللي اتهانتها على ايديهم؟
كانت داخليًا تشعر بالغضب و القهر ولكنها لن تستطِع الوقوف أمامهم لذا حاولت جعل نبرتها حازمة حين قالت:
ـ متزوديهاش. خلاص ما انتِ خدتي حقك ورديتي عليهم أهو. يعني مسكتيش. اقعدي ساكتة بقى ولا اقولك غيري و نامي..
لم تحتمل كل هذا الخذلان. كان كثيرًا عليها. كان ألمه ضاريًا جعل الحقد يتسرب إلى داخلها في هذه اللحظة لتهب من مكانها وهي تصرخ غاضبة:
ـ حرام عليكِ. أنتِ مش بتحبيني. مبتتحرقيش عشاني. أنا هروح اقول لبابا، وهو يجيبلي حقي..
ما أن أوشكت على الالتفات حتى أوقفتها قبضة رضا المؤلمة حتى أطبقت على رسغها. لتوقفها عن الحركة وهي تقول بقسوة:
ـ أستني هنا. راحة فين؟ بابا مين اللي تقوليله ؟ أنتِ اتهبلتي؟! هتجيبي لأبوكي الأذية و البهدلة عشان خناقة بنات فاضية. بطلي أنانية وعبط و اترزعي مكانك.
قالت جملتها الأخيرة وهي تدفعها لتسقط جالسه فوق مخدعها وهي تشهق بألم لتقترب رضا التي أكلها الذنب من الداخل ولكنها قمعت كل مشاعرها داخلها وهي تقول بنبرة حادة:
ـ اسمعيني. أنتِ عارفة أننا مش قد الوتايدة، و هايدي و ميرهان دول لو قتلوا قتيل أخواتهم هيداروا عليهم. مش حب فيهم لا عشان اسم عيلتهم، وأنتِ لسانك طويل وانا واثقة انك كيلتيلهم لما شبعتيهم. ادعي ربنا أن الموضوع يعدي على خير، و مخسرش شغلي. عشان هو اللي بيصرف علينا و بيخليني اقدر اجبلك تلبسي و تاكلي و تشربي، وتروحي جامعتك.
كانت الكلمات كالخناجر تقطع نياط قلبها مما جعل نبرتها تخرج هامسة لا روح فيها حين قالت:
ـ طب و كرامتي اللي داسوا عليها يا ماما؟
ارتبكت لثوان وقد شعرت بالألم يتضاعف داخلها لكنها قالت بحدة:
ـ متكبريش الموضوع. ما أنتِ كمان هزقتيهم. خلاص عدي بقى. خليكي تخلصي عشان تقدري تشقي طريقك و تبعدي عنهم و عن سكتهم خالص..
لم تدع لها الفرصة للحديث، وفي الحقيقة هي لا تملك أي شيء يمكن أن تقوله في هذا الموقف المؤلم، فقط ناظرتها بقهر وهي تستطرد قائلة:
ـ قومي اغسلي وشك ونامي. عندك جامعة الصبح، و شيلي الزفتتين دول من دماغك عشان تعرفي تعملي لنفسك حاجة.. تصبحي على خير..
غادرت وأغلقت الباب خلفها، تاركةً وراءها قلباً ينازع جراء طعنة خذلانٍ قاسية، نالت منه في عمق بقعة الأمان الوحيدة التي كان يمتلكها في هذا العالم. طوال الليل، بقيت تنتحبُ بمرارة، تتشبثُ بأملٍ واهنٍ في أن تعود والدتها لتُلقي بظلها فوق انكسارها، وتربت بحنوٍ فوق ظهرها، وتهمس لها بأنها لم تكن تعني حرفاً مما قيل.
لكنّ الليل مرّ ثقيلاً، وهي فريسةٌ للألم والقهر والخذلان، حتى بزغ ضوء النهار دون ربتة حنانٍ واحدة؛ تلك الربتة التي كانت لتكون بمثابة البلسم الشافي فوق جرحها الدامي، والسكينة التي تروض ضجيج عقلها الثائر، وتهدئ من روع أفكارها التي باتت تنهش روحها بلا رحمة.
عودة إلى الوقت الحالي.
تغضن جبينها بالألم الذي لاقى صدى كبير في صدر أشجان التي مدت يدها تحتوي كفوفها بحُب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ عايزة أقولك اني بحبك أوي، وفخورة انك أختي. أختي الحنينة الجدعة اللي دايمًا كانت واقفة في ضهري. أنتِ عمرك ما كنتِ أنانية.
ابتسمت آسيا بامتنان لحديث أشجان التي تابعت:
ـ الضربات اللي خدتيها والامتحانات اللي الحياة حطتك فيها لخبطت تفكيرك. غلطتي. أنا معاكِ. بس كلنا بنغلط مفيش حد معصوم من الغلط. بس أنتِ عشان ذكية وشجاعة اعترفتي بغلطك وانا واثقة انك اتعلمتي منه، بس الأهم أنك عرفتي قيمة نفسك، و عرفتي تقفي على رجلك. أنتِ استثنائية يا آسيا. مميزة في كل حاجة. خليكِ عارفة كدا، و خليكِ عارفة اني دايمًا جنبك و في ضهرك. أنا معاكِ.
تعالت نهنهات آسيا وهي ترتمي بين أحضان شقيقتها ليتعانقن تحت أنظار سوزان المتأثرة حد اندفاع العبرات من مقلتيها لتقول بحُب:
ـ والله الواحد محظوظ بيكوا يا بنات. ربنا يحميكوا يا يارب ،و يباركلي فيكوا..
التفتت آسيا تناظرها بحب تجلى في احتضانها لكفوفها لترفعها إلى شفتيها وهي تقبلها بحُب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ احنا اللي محظوظين بيكِ يا سوزي.. لولاكي بعد ربنا مكنش واحدة فينا هتقدر تقف على رجليها. أنتِ بوصلة الأمان في حياتنا. أنتِ عوضتينا عن كل اللي اتحرمنا منه في الدنيا.
تأثرت سوزان بحديثها كثيرًا وهمست بحـب:
ـ أنتوا اللي عوض من ربنا ليا. ربنا ما يحرمني منكم أبدًا..
كانت لحظة مليئة بالمشاعر و العواطف الحقيقة المتبادلة بينهم، ولكن سوزان استغلت الأمر قائلة:
ـ هطلب منك طلب و لو بتحبيني بجد يا آسيا تنفذيه.
آسيا بلهفة:
ـ أنا عنيا ليكِ.. اطلبي يا سوزي.
سوزان برجاء:
ـ عيزاكي تهدي، و تبطلي تاخدي كل حاجة على أعصابك. تركزي في شغلك، و متسمحيش لكمال حتى أنه يستفزك. حافظي على صحتك دي اهم حاجة عندي.
ابتسمت آسيا بحُب لهذه السيدة الحنون التي دائمًا تبُثها ما تحتاجه، وقالت بحب:
ـ أنتِ لو طلبتي مني ارمي نفسي في البحر هعمل كده، و أصلًا هو دا الصح. أنا محتاجة أهدى عشان اعرف اشتغل و أشوف مستقبلي. زي ما أشجان قالت أنا اتعلمت من غلطي، وأكبر غلطة غلطها كانت اني فكرت أروح لرؤوف أو اعاتبه أو اديله قيمة في حياتي..
أشجان باستفهام:
ـ في حاجة حصلت جديدة؟
زفرت آسيا بتعب قبل أن تقص عليهم ما حدث ذلك اليوم في مكتبها لتختتم حديثها قائلة:
ـ تخيلي لما يقولي قدام كمال والله و رخصت يا تفاح! الكلمة قتلتني. دا حتى لو أنا رخيصة متقولش كدا قدامه. أنا كنت غبية ازاي وفكرت أروح اعاتبه في يوم من الأيام؟!
هتفت أشجان بغضب:
ـ ازاي يكون بالحقارة دي؟ على فكرة هو قال كدا قاصد. عشان يقلل منك قدام كمال..
آسيا بنبرة محتقنة بالغضب و الألم معًا:
ـ دا اللي قهرني. أنت بتعمل كدا ليه؟ منين ندمان على اللي عملته فيا و منين بمجرد ما عرفت اني رجعتله عمال تقطع فيا. أقولك على حاجة ؟ أنا حسيت للحظة اني عايزة أشكر كمال لما رجع ضربه. حسيت انه ردلي كرامتي لما عمل كدا!
سوزان بحنو:
ـ ما قولنا تهدي، وأهو ربنا بيعرفك معادن الناس في حياتك.. الموضوع مش في الحب والكره. في ناس معدنها رخيص و ملهاش أمان حتى بتحب. حبها مؤذي عشان جواها مش نضيف..
آسيا بتعب:
ـ صح. عندك حق. للأسف أنا صدمة عمري خدتها في رؤوف. تخيلي أنه فكر عشان روحت أعاتبه اني بحبه! او عرفت اني بحبه و اتسرعت في جوازي من كمال، فندمت و روحتله..
تدخلت أشجان معاتبة:
ـ عشان كدا قولنالك دي غلطة عمرك. ربنا قال في سورة الأحزاب بسم الله الرحمن الرحيم
" يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾
هو دا اللي في قلبه مرض. يمكن كان غرضك تعاتبيه أنه اتقرب من عدوتك بنية أنه ابن عمك وعشرة عمرك، ويمكن كنتِ خايفة عليه منها. بس في النهاية غلط، للأسف غلط كبير.
اومأت آسيا برأسها قبل أن تقول بإذعان:
ـ فعلًا غلط، وانا مش زعلانه من كل اللي حصل، و يمكن خيانة كمال دي هتفضل سكينة مغروزة في قلبي العمر كله. بس الحسنة الوحيدة اللي حصلت منها انها شالت احساسي بالذنب ناحيته، لإني عارفة اني غلطت غلط كبير. بس هو باللي عمله دا ريحني من ناحيته.
سوزان بتفكير:
ـ حلو انك وصلتي للنقطة دي. لكن أنا عندي احساس أن رؤوف دوره موقفش هنا. حاسة أن في حاجات كتير مستخبية، وهي السبب في ثورة كمال دي.
لم تكد آسيا تتحدث حتى رن هاتفها لتجد أن المتصل راجي، فأجابت على الفور:
ـ مستر راجي..
راجي بحدة:
ـ الموظفة الغير مسئولة اللي مبتجيش شغلها، و فاكرة أن عشان عندها واسطة محدش هيعاقبها..
آسيا بحرج:
ـ بعتذر والله بس بعد اللي حصل أنا…
قاطعها راجي بجفاء:
ـ أجلي اعتذارك لبعد الاجتماع قدامك عشرين دقيقة وألاقيكي عند الوتيدي جروب عندنا اجتماع هناك النهاردة ومش عايز حجج أو اعذار المشروع دا أنتِ اللي ماسكه خيوطه صح ولا أنا غلطان ؟
التمعت عيني آسيا وهي تقول:
ـ حضرتك مبقتقولش حاجة غلط، وأقل من عشرين دقيقة و هتلاقيني هناك..
راجل بمرح:
ـ طول عمري اقول عليكِ راجل يا آسيا والله..
أغلقت آسيا الهاتف لتودع كُلًا من سوزان و أشجان و تنطق نحو عملها لتقول الأخيرة:
ـ افتكر انه آن الأوان عشان أتدخل في موضوع كمال وآسيا عشان اللي بيحصل دا مينفعش..
وصلت إلى الشركة في نفس وقت وصول راجي و معه شروق التي عانقتها وهي تقول بسعادة غامرة:
ـ أيوا بقى. مبروك العربية يا قلبي..
آسيا بسعادة:
ـ الله يبارك فيكِ . ايه رأيك فيها؟
شروق بحماس:
ـ حلوة اوي. اعملي حسابك عايزين نلف بيها لما نزهق.
آسيا بمرح:
ـ دا أكيد طبعًا. مش هنبطل لف أصلًا.
تدخل راجي قائلًا بتهكم:
ـ ابقوا قابلوني…
آسيا باستفهام:
ـ مستر راجي…
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدته يتطلع إلى الخلف لتلتفت، فإذا بها ترى كمال الذي كانت إمارات الغضب بادية على وجهه، ولكنها لم تعيره أي اهتمام بل استدارت تتحدث الى شروق لتسمع صوته الساخر خلفها:
ـ واقف كدا ليه؟ متقوليش انك محتاج حد يعرفك الطريق؟!
راجي بسخط:
ـ اه محتاج مرشد يا خفيف..
كمال بحنق:
ـ طب يالا عشان متتوهش.
تبعه راجي وخلفهم الفتيات لتهمس شروق في أذن آسيا:
ـ ماله دا عالصبح؟
تمتمت آسيا ساخرة:
ـ معلش أصله بقى راجل صاحب عيال بقى، فتلاقيه شايل الهم يا عيني..
لسوء حظها، فقد سمع حديثها مما جعله يعض على شفتيه غيظًا وقد رأت ذلك ولكنها تجاهلته لتستقل المصعد بجانب شروق وهو خلفها وبجانبه راجي ليتكون فريسة لأنفاسه الساخنة التي أحرقت بشرتها من الخلف وهي تتخيل أن يصب غضبه الملتهب هذا فوق رأسها في أي لحظة، لذا حمدت ربها حين وصل المصعد إلى الطابق المنشود ليتوجهوا الجميع إلى قاعة الاجتماعات ولكنه توجه إلى مكتبه مما جعلها تتنفس الصعداء و تجلس براحة فوق الطاولة الكبيرة و في المنتصف بينها وبين راجي جلست شروق التي قالت بخفوت:
ـ عندي ليكِ مفاجأة..
تحمست آسيا ولكن دخول خالد جذب انتباه الجميع ليلقي التحية و يصافح راجي و الفتيات قبل أن يأخذ مقعده في مقدمة الطاولة ليبدأ حديثه قائلًا:
ـ حلو انك جيت في معادك و مأجتش الاجتماع..
راجي بسخرية:
ـ قررت اسمع كلامك وربنا يستر.
ابتسم خالد دون تعليق لينفتح باب الغرفة و يدلف كمال بوجه مُغبر وملامح مُكفهرة، فمنذ الصباح وهي تقترف الخطأ تلو الآخر حتى بدأ غضبه بالتعبير عن نقسه وقد لاحظ الجميع ذلك لكن أحدًا لم يتطرق لمعرفة ما الأمر
ـ يالا عشان نبتدي..
علق راجي قائلاً:
ـ قبل ما نبتدي. عايز أقول حاجة مهمة. اي قرار هيتاخد بعد كدا مش هيكون ليا لوحدي. عشان أنا بقى عندي شريك في كل حاجة في الشركة..
ابتسم خالد على حديثه وقد فطن إلى ما يقصده على عكس كمال الذي قال بنفاذ صبر:
ـ مش كفاية علينا متحملينك هنتحمل كمان شريكك!
تدخلت شروق قائلة بعتب:
ـ طيب ما يمكن شريكه دا مش حد وحش يعني!
ضيق كمال عينيه مُستفهمًا ليهتف راجي بسخرية:
ـ معلش يا شروق هو كدا. ماهو مش دبابة من فراغ يعني! شريكي يبقى شروق يا بني آدم. النهاردة عينتها المدير التنفيذي للمجموعة، وهيبقى ليها كل الصلاحيات بعد كدا زيها زيي.
تفاجيء كمال من حديثه و كذلك آسيا التي عانقت شروق وهي تصيح بسعادة غامرة:
ـ دا بجد؟ مبروك يا شوشو… الف مبروك يا روحي. تستحقي كل حاجة حلوة في الدنيا..
عانقتها شروق بحب وهي تقول:
ـ الله يبارك فيكِ يا قلبي. ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
تحدث خالد هو الآخر بنبرة خشنة:
ـ مبروك ي شروق. أنتِ مجتهدة و تستحقي تكوني في المكانة دي.
شروق بامتنان:
ـ ميرسي يا مستر خالد. الله يبارك في حضرتك. شهادتك دي حاجة قيمة جدًا بالنسبالي.
خالد بنبرة داعمة:
ـ دا حقك، وأنا واثق فيكِ و عارف انك هتثبتي نفسك. وريني بقى..
تدخل كمال قائلًا بجمود:
ـ مبروك يا شروق. ربنا يوفقك..
شروق باختصار:
ـ الله يبارك فيك..
تحدث راجي قائلًا:
ـ بالمناسبة دي هنعمل حفلة عشان نقدم شروق للمجتمع على أنها بنت الجيار، و كمان احتفالًا بالمنصب الجديد.
آسيا بحماس:
ـ الله حفلة. جيت في ملعبي..
برقت عينيه من رؤيته لحماسها وهو الذي يحرقه الغضب لأجلها ولأجل هذه التنورة اللعينة التي ترتديها و تصل بالكاد إلى ركبتها، وهذا الأحمر الشفاه النبيزي الذي يجعل شفتيها كحبتي الفراولة الطازجة، و يُغويه بقوة لافتراسها، كل هذه المشاعر تعصف به من الداخل حتى أهلكته بينما هي لا تكترث لأي شيء سوى حفلة لعينة، فبدا الأمر وكأنه يقف تحت لظى شمسٍ لا ترحم، لم تكن حرارتها آتية من قرص السماء، بل كانت تنبعث من ضلوعه؛ غضب لافح وغيرةٌ تقتات على هدوئه، حتى خُيل إليه أن أنفاسه شرار يحرق الهواء من حوله. كان في غليانه ذاك يشبه صحراء قاحلة تجتاحها السموم، حيث كل فكرة تمر بخاطره تزيد حريقه اشتعالاً، والكون في عينه قد استحال لوناً واحداً من جمر الشوق والقهر معًا، وعلى بُعد خطوة واحدة منه، كانت هي في وادٍ آخر تماماً وكأنها ربيعها قد حل و ملامحها الجميلة هادئة كبحيرة في فجرٍ ساكن، مرتاحة كأنما لم تعرف الضيق يوماً. وبينما كان هو يحترق بلهيب مشاعره، كانت هي تتنفس الرضا، وتوزع ابتساماتها وكأن الفصل الحالي من عمرها هو نيسان دائم، غير آبهة بالعاصفة الرملية التي تضرب أعماقه على مرأى ومسمع من تجاهلها المميت له
ـ مين قالك انك معزومة في الحفلة اصلًا؟
هكذا تحدث راجي يشاكس آسيا التي قالت ببساطة أدهشته:
ـ طبيعي اني مش هتعزم. عشان أنا اللي هعزم لأن أنا صاحبة الحفلة أصلًا. عمرك شوفت صاحبة حفلة بتستني عزومة!
شروق بلهفة:
ـ بصراحة يا راجي هي عندها حق. دي حفلتها وهي اللي هتنظمها من الالف للياء.
راجي بحنق:
ـ بتدافعي عنها على أساس أن حد بيقدر عليها! أنا ابن عمك مفروض يكون ولائك ليا!
آسيا بتهكم:
ـ ولاء بتسلم عليك وبتقولك هتبقى تعزمك متقلقش
.
كانت عيني خالد على كمال الذي كان وجهه مرتعاً للغضب الاعمى ليقرر إنهاء الأمر قائلًا:
ـ قضيتك خسرانه يا راجي.. خلينا نبتدي اجتماعنا..
بالفعل بدأ الاجتماع و أخذ الجميع بتبادل وجهات النظر وما أصابه بالدهشة هو أنها كانت تتعامل معه بتلقائية وكأنهم فريق عمل دون النظر لأي اعتبارات آخرى، كان الأمر مؤلمًا بحق. أن تستطيع التحرر من مشاعرها ولو لعدة ساعات و تتعامل معه وكأنه مجرد شخص لا يجمعها به شيء كان أمرًا مثيرًا للدهشة والألم بالنسبة إليه، فقد كان يتمنى لو يسألها كيف فعلتها ؟ فهو لا يستطِع النظر إليها دون أن يؤلمه قلبه، و تثور عليه جميع جراحه وتبدأ بالنزف من جديد.
ـ كدا احنا تمام على الورق بالنسبة لأرض الواقع محتاجين ننفذ كل اللي اتفقنا عليه بالحرف الواحد، ونتابع لأن أي مشكلة هتواجهنا هتأخرنا عن مواعيد التسليم ودا أنا مش هقبل بيه..
هكذا تحدث خالد ليُجيبه رأفت قائلًا:
ـ بالظبط. لازم كل حاجة تتم بالشكل المطلوب مشروع ضخم زي دا مينفعش فيه أي غلط.
مدت آسيا جهاز الأيباد الخاص بها و وضعته أمام خالد وهي تقول بعملية:
ـ دي آخر التطورات اللي وصلتني الخاصة بشغل الشهر اللي فات، وهنا بردو هتلاقي بعض المشاكل اللي واجهتهم في الموقع. باشمهندس إيهاب بعتهالي، وأنا هنا عملت إحصائية بكل المشكلات والاحتياجات الملحة، ورصدت الثغرات اللي محتاجة تدخل فوري عشان نضمن سير العمل في المجمع بنفس الكفاءة ومن غير أي تعطيل، و حللت الأسباب و طرحت بعض الحلول عشان نتفادى أي تعطيل لسير العمل الفترة الجاية..
كان هناك تضارب قوي في المشاعر داخله ما بين انبهار بمدى تفانيها في العمل بالرغم من كل ما مرت به في الفترة الأخيرة و بين مشاعر الغيرة السوداء التي سيطرت عليه لدى ذكرها اسم ذلك الشخص و تواصلها معه ولكنه كان يقمع مشاعره بقوة تطلبت منه الكثير من الإرادة.
على الناحية الأخرى دقق خالد النظر في الجهاز اللوحي قبل أن يقول بثناء:
ـ عظيم يا آسيا. الموضوع دا هيساعدنا كتير في المرحلة الجاية. مبدأيًا أنا هدرس المقترحات دي، ولو تمام. هوصلها للتيم المخص، و اعملي حسابك اني هستنى منك كل فترة تقرير مفصل زي دا.
آسيا بحماس:
ـ تمام. عمومًا أنا بردو لازم هشوف على الطبيعة. عشان لو في اقتراحات تانية اقدر اضيفها على دول..
خالد بعملية:
ـ عايز دا يتم في أسرع وقت..
نظرت آسيا إلى ساعتها قبل أن تقول:
ـ النهاردة بعد الضهر هكون في الموقع، و أقصى حاجة بالليل هيكون عند حضرتك التقرير النهائي..
تدخل كمال قائلًا بجفاء:
ـ كدا احنا خلصنا؟!
خالد باختصار:
ـ اعتقد أه.
التفت إلى راجي مُستفهمًا:
ـ في حاجة تاني هنضيفها؟
راجي بتهكم:
ـ اه. خلينا ندعي ميطلعلناش خازوق يعطلنا المراكب السايرة..
ابتسم خالد ابتسامة عريضة قبل أن يقول بسخرية:
ـ دعوة جاية في وقتها بالظبط..
كان يعلم المغزى خلف هذا الحديث الدائر ولكنه كان قاب قوسين أو أدنى من الانفجار في وجه الجميع لذا نصب عوده وهو يتوجه إلى خارج الغرفة، و على الرغم من أنها ترى ما يحدث معه بوضوح ولكنها لم تُعيره اهتمام. بل لملمت حاجياتها لتسمع خالد يوجه حديثه إلى شروق قائلًا:
ـ شروق استني عشان عايزك.
اومأت شروق برأسها لتهتف آسيا بعُجالة:
ـ طيب انا همشي عشان ورايا شغل كتير، وهبقى اكلمك عشان حوار الحفلة دا..
شروق بابتسامة هادئة:
ـ تمام خلي بالك من نفسك..
خرجت آسيا لتتوقف أمام المصعد الكهربائي، الذي ما أن انفتح حتى توسعت عينيها حين رأته أمامها، بملامحه الغاضبة و نظراته القاتمة و عروق رقبته النافرة، ولوهلة شعرت بالخوف منها ولكنها حاولت التظاهر بأنها لا تراه لتجده يهتف من بين أسنانه:
ـ قدامي على المكتب…
تناحرت دقات قلبها بصدرها من فرط الترقب و التوتر، ولكنها كعادتها تحافظ على ثباتها حتى آخر ذرة لذا قالت بتعالي:
ـ مستعجلة عندي شغل. لو عندك حاجة مهمة قدامك خمس دقايق تقولها..
التمع الجنون في نظراته من حديثها و طريقتها المتعالية مما جعله يقول بهسيس خطر:
ـ لا والله! خمس دقايق ها؟!
آسيا بملل:
ـ للأسف دي اللي وقتي يسمح بيها!
خرجت شيطاينه من جحيمها ليقول بنبرة خطرة وهو يقبل بجسده الضخم:
ـ تمام اوي كدا…
هوى قلبها بين ضلوعها حين رأته يقبل عليها وهو يهتف تلك الجملة التي أصبحت تخشى حروفها كثيرًا و بلمح البصر وجدت نفسها محمولة فوق كتفه، لتصرخ بذُعر، و إذا به يهتف بنبرة متوعدة:
ـ مبقاش كمال الوتيدي لو ما عيدت تربيتك من أول وجديد..
لحسن حظها أن هذا الطابق هو للمدراء فقط، ولهذا لم يراها سوى مديرة مكتبه التي فغرت فاهها وهي تراه يدلف إلى مكتبه وهو يحمل إمرأة فوق كتفه تتلوى كالثعبان تحاول الفِرار منه هذا الضخم الذي كان يحملها بيد واحدة و ما أن أصبح بداخل المكتب حتى قام بوضعها فوق المكتب بقوة دون أن تفلتها يداه لتندفع خصلاتها إلى الخلف، فإذا به يكن وجهًا لوجه مع ذلك الزمرد المتوهج في عينيها والذي كان الغضب يتراقص به بجنون جعلها تقوم بالصراخ بوجهه بانفعال:
ـ أنت مجنون. إيه اللي عملته دا؟
هتف كمال بصوت مرعب:
ـ صوتك لو علي عليا تاني هقصلك لسانك سامعه ؟
على الرغم من خوفها من تهديده ولكنها لن تخضع أبدًا لذا هتفت بحدة:
ـ لا مش سامعه، وابعد عني..
قالت جملتها وهي تدفعه في كتفه بيدها الحرة ليقوم بتكبيل كلتا يديها خلف ظهرها وهو يهسهس بنبرة خطرة وعينيه في حديث خاص مع عينيها:
ـ هبعد. متقلقيش. بس بعد ما احط الخطوط الحمرا قدام عنيكي عشان لما أهد الدنيا على دماغك متقوليش مكنتش اعرف..
آسيا بسخط وهي تحاول تحرير نفسها منه، فقربه وإن رفضت ذلك ولكنه يُثير بداخلها مشاعر لا تريد الاعتراف بها. تريد قتلها حتى تحيا:
ـ الخطوط الحمرا دي أنا اللي هحطهالك، وأولها أن ايدك دي متلمسنيش تاني.
كان قريب للحد الذي يجعله يتنفس أنفاسها، وقد كان لهذا وقعًا مُغايرًا لكل الغضب و الألم الذي يعصف به، ولكنه كان يقاوم مثلها بل و أكثر، وبالرغم من ذلك، فإنه لا ينفك يعلن سيطرته الكاملة عليها لذا قال بنبرة تملكية:
ـ ايدي دي ليها كل الحق تلمسك في أي وقت..
قاومت بقوة حتى تطلب الأمر أن يستخدم قوته البدنية في إخضاعها ليسمعها تقول بشراسة:
ـ الايد اللي لمست غيري دي هقطعها لو فكرت تلمسني، وانت عارف اني مبهددش.
رأى بعينيها كيف اكتظت خاصتها بالألم لذا غير دفة الحديث قائلًا:
ـ انسي انك ممكن تنزلي الموقع دا على الأقل وانا مش معاكي. دا رقم واحد..
كانت عينيها تبرقان من شدة الغضب الذي تجاهله ليتابع:
ـ اياكي أقولك عايزك و تتجاهليني وتمشي من غير ما تعرفي أنا عايز اكلمك في أيه.
أوشكت على الحديث ولكنه تابع بنبرة أحد من السيف:
ـ و إياكي. إياكي ألاقيكي لابسه الچيبة دي تاني او أي حاجة قصيرة بالشكل دا، وقتها رد فعلي مش هتوقعيه، والروج اللي أنتِ حطاه ترميه لو لاقيتك حطاه تاني همسحه بطريقة أنا واثق أنها مش هتعجبك..
هدأت بطريقة أثارت حفيظته ليجدها تستفهم باختصار:
ـ خلصت!
أجابها بنفس لهجتها المختصرة:
ـ خلصت.
فاجأته تلك البسمة الساخرة التي ارتسمت على شفتيها وخاصةً حين قالت:
ـ والله يا كمال أنت صعبت عليا. للدرجادي انت مراقب كل تفاصيلي؟
عرت مشاعره بكل وضوح مما جعله يتراجع عنها واضعًا يديه في جيوب بنطاله وكأنه لا يضمن ولائها له ليحاول التنكر لها و لمشاعره القوية نحوها قائلًا بلا مُبالاة:
ـ لا طبعا. فين التفاصيل دي؟
اعتدلت واقفة وهي ترفع خصلاتها لتجذبها إلى الجانب الأيمن وهي تقول بنعومة مُتعمدة:
ـ عارف! انا لو هعمل اللي أنت بتقول عليه دا هعمله من باب الشفقة. يعني بجد صعبت عليا مش عايزة اعذبك اكتر من كدا. حرام عندك طفل عايز تربيه.
اغتاظ من استفزازها السافر له ليقول بوعيد:
ـ مش سيف بس اللي محتاج يتربى..
آسيا بأسف زائف:
ـ أه صح سيف وأبوه. ابقى دورلكوا على مربية من مستشفى المجانين عشان تقدر تتحملكوا.
تنجح دائمًا في إثارة كافة مشاعره و استفزازه بدون أدنى مجهود لذا هتف مُحذرًا:
ـ في يوم من الأيام هقصلك الحتة الزايدة اللي في لسانك دي.
رسمت ابتسامة رائعة فوق ملامحها قبل أن تقول بدلال متعمد:
ـ طب ما تجرب تتلاشاني أحسن! لا بس صح الموضوع صعب. أنك تتجاهل وجودي صعب. صعب اوي و دا اللي مضايقك كدا صح؟!
مابالها تلهو فوق أوتار غضبه اليوم باحترافية، و تكشف عن مكامن ضعفه أمامها و تعري عشقه الضاري لها؟ تتقاذفه الرغبة الآن إما بصفعها أو تقبيلها كعقاب على تماديها معه، فأخذ يقترب منها بخطٍ سُلحفية وهو يعض على شفتيه متوعدًا:
ـ غرورك دا هيقتلك في يوم.
على الرغم من أنها كانت تتراجع تلك الخطوات التي يقتربها منها ولكنها واصلت عنادها قائلة:
ـ طيب احرمني من اهتمامك وحصارك دا عشان هما اللي مزودين غروري. يا ترى هتقدر؟
كانت مُحقة، فهو من يعزز هذا الغرور اللعين ولكن ما يفعل و كل هذا الألم الهائل الذي يجتاحه بسببها لا يستطِع مقاومتها؟ حتى الألم يقف عاجزًا أمامها!
قست نبرته حين قال:
ـ أنا لا مهتم ولا في دماغي. بس بما انك شايله اسمي يبقى لازم تعملي اللي يليق بمرات كمال الوتيدي..
آسيا بجفاء:
ـ طب ما تيجي نريح بعض و تحرمني من شرف حمل اللقب العظيم دا.
كمال بخشونة:
ـ لما أعلمك الأدب الأول.
آسيا بسخرية:
ـ اتعلم الأدب ولا لا شيء ميخصكش. على كلامك انت لا مهتم ولا في دماغك..
تجاهل حديثها وقال مُحذرًا:
ـ متحاوليش تهربي من عربية الحراسة تاني عشان الموضوع مش هزار..
زفرت بحنق تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مش محتاجاها ولا محتاجة حمايتك أنا اعرف احمي نفسي كويس.
حدجها بنظرة غاضبة قبل أن يقول بحدة:
ـ اسمعي الكلام وأنتِ ساكته.
تشدقت ساخرة:
ـ لا دي تلاقيها في كارفور عليها خصم.
ـ هي أيه دي؟
آسيا بسخط:
ـ الست اللي بتسمع الكلام وهي ساكتة. روح الحق بيوزعوا عليهم خلطات هدية.
كان ليضحك بقوة على جملتها ولكنه قمع ضحكته بصعوبة، فبعد كل هذا الغضب تجعله بلحظة على حافة الضحك!
تضمنت لهجته الجفاء حين قال:
ـ كفاية بقى كدا. خلينا نتعامل زي أي اتنين عاقلين..
آسيا بعملية:
ـ تمام اوي. بما أنك عايزنا نتعامل زي أي اتنين عاقلين يبقى تطلقني..
كعادتها تأخذه من أقصى اليمين الى اقصى اليسار بطرفة عين. هاهي جعلت ثيرمومتر الغضب بداخله يرتفع إلى أقصى درجاته بعد أن خبى بقربها مما جعله يهتف بقسوة:
ـ ليه؟ عايزة تطلقي ليه؟ مصرة أوي على الطلاق ليه؟ في حد مستنيكي؟ معتقدش..
قال جملته الأخيرة بنبرة ساخرة مما جعلها تقول بغموض:
ـ محدش عارف بكرة في ايه؟
كمال بقسوة افزعتها:
ـ فعلا محدش عارف بكرة في أيه؟ بس الأكيد انك مش هتكوني فيه من غيري. حتى لو أنا وأنتِ مش عايزين دا..
كانت ترى الكثير في نظراته مما يجعلها تشك بأن هناك الكثير مما لا تعرفه ولذلك شنت هجومًا مضاد حين قالت بصراحة أجفلته:
ـ خايف اكون لحد غيرك؟
لم يجرؤ على التفكير في الأمر ولن يجرؤ على الإجابة، وكان في هذا اللحظة يود الصراخ في وجهها بما عاناه تلك الليالي وهو يتخيل أن تصبح لذلك القذر، ولكنه لن يُعري ضعفه أمامها أبدًا لذا اكتفى بنظرة ساخرة آلمتها قبل أن يقول بجفاء:
ـ في لجنة هتروح الموقع النهاردة و هبلغك بالنتيجة عشان تكملي باقي التعديلات.
رأت في عينيه ما آلمها لذا أرادت إنهاء هذا الحديث قبل أن يتشعب أكثر لما لا تحمد عقباه ولكنها لا تكون آسيا قبل أن تترك بصمتها لذا همست بنبرة ناعمة:
ـ تمام..
كان لها ما أرادت و انمحى الجفاء في نظراته ليتبدل لشيئًا آخر تعلمه، ولكنها لم تنتظر بل جذبت حقيبتها و غادرت مغلقة الباب خلفها ليسقط ذلك الجبل الشاهق فوق المقعد وهو يشعر بأن جسده لم يعد يحتمل كل هذا التعب الذي نال منها هي أيضًا مما جعلها تستند برأسها إلى الخلف حين استقلت سيارتها وهي تحاول تنظيم أنفاسها، فبعد المرة الأخيرة التي نزفت بها و أضطرارها لعمل ذلك المنظار وهي تحاول تجنب كل شيء مؤذي فالأمر كان مؤلمًا، ولكن يبدو أن الألم أصبح عاشقًا لها، ويبحث عنها و كأنه لا يوجد سواها في هذا العالم.
أخرجها من شرودها رنين هاتفها لتجيب ما أن شاهدت رقم المتصل، فإذا بها تجد سحر تقول بعتب:
ـ الناس اللي نسياني!
آسيا بذوق:
ـ مقدرش انساكي طبعًا، و على فكرة أنا ظبطت حاجات كتير و قولت لمنة تبعتهالك تختاري منها..
سحر باستنكار:
ـ اختار! قصدك نختار.. أنا وأنتِ هنختار وهنتغدى مع بعض النهاردة و مش هسيبك غير لما نكون قررنا كل حاجة.
آسيا باعتراض:
ـ النهاردة صعب…
قاطعتها سحر قائلة:
ـ مفيش الكلام دا. بناتي هيتجننوا عايزين يبدأوا بالتحضيرات وانا كمان بصراحة. يلا قولي موافقة..
أضطرت آسيا للإذعان إلى طلبها قائلة:
ـ خلاص موافقة. هستناكي النهاردة الساعة تلاته في المكتب..
أغلقت سحر الهاتف وهي تلتفت إلى رماح قائلة بمرح:
ـ كله تمام يا نور عيني..
رماح برضا:
ـ زين. زين. أكده كمال وخالد و رحيم، فاضل الغالي واد الغالي.
سحر باستفهام:
ـ تقصد مين؟
رماح بشر:
ـ ياسر واد ربيع و ده له مني حاچة حلوة چوي….
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى... اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ♥️
★★★★★★★★★
ـ يا ألف نهار أبيض.. اتفضلوا. البيت نور.
هكذا تحدثت هيام و الفرحة لا تسعها وهي ترى ياسر يدخل من باب البيت وهو يمسك بيد غنى و خلفهم يزيد ليتحدث ياسر قائلًا بابتسامة هادئة:
ـ البيت منور بصحابه يا أم حمادة..
ـ حمادة هيتجنن على خاله. نفسه يشوفه ويلعب معاه زي زمان..
هكذا تحدثت هيام وهي تقترب لتعانق غنى التي كانت لاتزال تمسك بيد ياسر لتتذمر هيام قائلة:
ـ مالك ياخويا ماسك أيدها كدا ليه؟ هناكل منها حتة! ما توعى خليني أحضنها..
تشدق يزيد ساخرًا:
ـ لسه عليه أقساط من تمنها باين..
ناظرته غنى بسخط وهي تعانق هيام بتحفظ تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أهلًا يا أبلة هيام ازيك؟
هيام بابتسامة صفراء:
ـ زي الفل يا حبيبتي. بعد ما شوفتك بقيت زي العسل..
غنى بتهكم:
ـ أنتِ مش محتاجة تشوفيني عشان تبقي زي العسل. أنتِ عسل على طول..
اقترب يزيد من ياسر قائلاً بسخرية:
ـ شوف ياخي جدران البيت شقتت من كتر النفاق..
كان يلاحظ ذلك الصراع الخفي الذي يدور بين زوجته وشقيقته ولكنه اختار الصمت إلى أن يتطلب الأمر تدخل صارم منه ليجد الحاج جابر يتقدم منهم وهو يقول بترحيب:
ـ يا ألف أهلًا وسهلًا يا ريس. نورت البيت يا راجل.
تبادل الرجلين السلامات ليتحدث يزيد بنفاذ صبر:
ـ جماعة أنا شامم ريحة المحشي خرمت مناخيري. مش يالا ناكل ولا ايه؟
هيام بلهفة:
ـ طبعًا. دي السفرة جاهزة و مستنياكوا عملتلكوا كل الأكل اللي بتحبوه.
يزيد بحماس:
ـ طب يالا بقى مستنيين أيه؟
ياسر بتقريع:
ـ هو أنت طول جعان كدا؟
يزيد بسخط:
ـ الموضوع مش موضوع جوع على فكرة. موضوع تقدير. يعني المحشي دا له برستيچة. مينفعش نسيبه يستنانا. احنا اللي نستناه. خلي عندك تقدير للعظماء شوية.
قهقه الجميع على حديثه لتقول هيام بحب:
ـ سيبه يا ياسر. دا يا قلب أخته معدته نشفت من قلة الأكل. شوف خاسس ازاي و وشه أصفر!
يزيد بتأثر:
ـ أيوا فعلًا أنا خاسس ووشي أصفر وكان الصبح أحمر من الشمس عادي جدًا..
التفتت هيام لتقترب من ياسر وهي تمد يدها تمررها فوق خديه وهي تقول بأسف:
ـ و أنت كمان يا ياسر. خاسس و متغير ليه كدا؟
برقت عيني غنى من شدة الغيظ لترفع رأسها تناظر ياسر بسخط ليحاول الأخير تدارك الأمر قائلًا:
ـ ولا خاسس ولا حاجة يا هيام أنا زي الفل أهو…
هيام بحب:
ـ ربنا يحفظك يا حبيبي، وتفضل زي الفل على طول قرب أقعد هنا في مكانك. أنت واحش كل ركن في البيت
لم تستطِع غنى سوى أن تطلق زفرة قوية تعبيرًا عن استيائها لتقول هيام بسخرية:
ـ و أكل غنى أصل هي كمان باين عليها هفتانة،و وشها متغير…
رفعت غنى رأسها وهي تناظر هيام بحنق قبل أن تقول بنبرة ذات مغزى:
ـ والله يا هيام أنتِ اللي صعبانه عليا بمشاعرك الجياشة دي شايفة الناس كلها يا عيني وشها أصفر وخاسة. في حين أن محدش متغير و تحت عينه أسود غيرك. أنتِ مبتناميش حلو ولا اي؟
برقت عيني هيام واعتدلت تنظر إلى مرآة معلقة على حائط جانبي وقد نجحت غنى في زعزعة ثقتها بنفسها مما جعلها تقول بحنق:
ـ لا ياختي مبنامش الليل اصلي بحب جديد. كلي كلي. بألف هنا و شفا.
كان ياسر ينظر إلى ما يحدث بصدمة تحولت إلى حنق، فزوجته وشقيقته يتراشقن بالكلمات الخفية، و هناك حربًا من نوعٍ خاص تحدث بينهن و لذلك زفر بتعب وهو يتمنى أن يعينه الله على ما هو قادم..
ـ بتتفخ من أولها. لا اجمد كدا. احنا لسه بنسخن، ودا كله ضرب من تحت الحزام اومال هتعمل ايه لما يشتغل قصف الجبهات..
هكذا تحدث يزيد ساخرًا لينهره ياسر قائلًا:
ـ اعملك قفلة بدل ما هحطك في بوز الصاروخ..
وضع يزيد رأسه في الطبق دون تعليق ليمر وقت الغذاء و توجهت غنى مع هيام لتغسل يدها لتستغل الأخيرة الأمر قائلة:
ـ مبروك يا غنى. حقك رجع..
غنى بعدم فهم:
ـ بتقولي ايه؟ حق ايه اللي رجع؟
هيام بتوضيح:
ـ حقك من رأفت. ياسر مقالكيش و دا كان طلبي كنت عايزة أقولك أنا.
دقت الطبول بقلبها من حديث هيام لتقول باستفهام:
ـ تقصدي أيه؟
هيام بهدوء:
ـ ياسر من بعد ما عرف اللي حصل و اللي اتعرضتيله في بيت الناس دي، وهو مش على حامي ولا على بارد، ويمكن سفركوا من هنا خلى المواضيع هديت شوية بالنسباله لكن النار منطفتش، و بعد ما اتكلمنا آخر مرة صارحني وقالي أنه مش قادر يسيب حقك عند الناس دي اكتر من كدا، وكمان لما عرف أن المخفي دا خاطب مقدرش أنه يسيب بنت الناس تتبهدل البهدلة دي، و اتفقت معاه أني هساعده و نكشف الناس دي ونفضحه قدام الخلق كلها عشان محدش تاني يقع في نفس المصيدة معاهم.
تدلى فكها من فرط الصدمة لتُتابع هيام قائلة:
ـ مكذبش عليكِ هو قالي صراحةً غنى مش هتدخلك بيت غير لما ايدك تنضف من اللي حصلها، وانا قبلت، و اشتغلت اللي اسمها عنايات دي. هي كانت عارفة بالمشاكل اللي بيننا، ودا ساعدني انها تكون مفكراني بكرهك دا سهل عليا الموضوع، واقنعتها أنها تخلي رأفت يسيب خطيبته واني هجيبلها عروسة تانية تكون منكسرة وأهلها مفرطين، و قولتلها اني لازم اثبت لياسر انك كذابة وان رأفت صاغ سليم، وهي بلعت الطعم و حصل..
غنى بشفاة مُرتجفة:
ـ هو ايه اللي حصل؟؟
هيام بطمأنه:
ـ متخافيش. كل حاجة كانت مترتبلها، لحد لحظة الفرح، نفس اللي حصل معاكي بالظبط بس الفرق أن نبوية أم العروسة فضلت قاعدة بره هي وأهلهامش راضيين يمشوا غير لما يطمنوا على بتهم، و دي كانت البداية..
غنى بأنفاس متلاحقة:
ـ و بعدين؟
ـ طبعًا عنايات وابنها قضيتهم خسرانه، وعشان كدا كل اللي كان في ايديها أنها تحاول تنقذ أي حاجة و قعدت تنفخ في الرماد فكرها أنه ممكن يبقى نار بس للأسف تار في الهوا وكأنه مكنش موجود.. أدت لرأفت شريط برشام منشط من يأسه و خوفه لا يتفضح خد جرعة كبيرة جدًا قلبه متحملهاش وقع مات..
شهقة قوية خرجت من جوفها وهي تضع يدها على فمها من هول الصدمة ليستمع ياسر إلى صوتها، فهرول إلى مكانهم يسبقه قلبه الملتاع ليجدها على حالتها من الصدمة، فاستدارت هيام قائلة بطمأنه:
ـ متقلقش مفيش حاجة. أنا كنت بقولها على اللي حصل.
رفعت غنى رأسها تطالعه بصدمة وهي تقول بشفاة مرتجفة:
ـ ياسر..
تحمحم ياسر بخشونة قبل أن يقول:
ـ الموضوع انتهى. حقك رجع، وهيام ساعدتني في دا.
غنى بضياع:
ـ بس دا مات…
ياسر بجفاء:
ـ يموت أحسن ما يموت بنات الناس بالحيا.. مات عشان مكنش راضي بقضاء ربنا و ابتلائه وكان بيتجبر على الضعيف. لو مكنش الناس وقفتله كانت البنت دي يمكن مطلعش عليها نهار. لأنه مكنش هيرحمها.
تدخلت هيام قائلة:
ـ و اللي ودته للموت بإيديها أمه. اللي مكنتش قادرة تتقبل أن ابنها عنده مشكلة. خدتها العزة والجهل و رفضت أنها تكون أقل من سلايفها اللي كل ولادهم متجوزين. مكنتش بتحاول تحل مشكلة ابنها. كانت طول الوقت عايزة تثبت أنه معندوش مشكلة عشان محدش يشمت فيها، وكانت النتيجة أنها بإيدها ادته السلاح اللي موته، وفي النهاية كل حاجة اتكشفت، و خسرت ابنها..
لم تستطع غنى تحمل كل ما سمعته، فالذكريات الآن باتت تهاجمها وبقوة، وفجأة شعرت بالأرض تميل بها و بأن قدميها ترتخي إلى أن سقطت مغشية عليها بين يدي ياسر الذي صرخ بملء فمه:
ـ غنى….
اللهم ارزقني رزقاً واسعاً حلالاً طيباً من غير كدٍّ، واستجب دعائي من غير رد، وأعوذ بك من الفقر والدّين.♥️
★★★★★★★★★★
حل المساء و قد كانت تشعر بأن كل خلية بداخلها ترتجف خوفًا لا تعرف كيف تخبره بما حدث، بماذا تبدأ حديثها؟ كيف تصيغه؟ يأمرها قلبها بالهرب من هذا الحديث الشائك وينهرها عقلها وهي عاجزة عن الاختيار لتحاول أخذ نفسًا قويًا ينعش صدرها وهي تدلف إلى الداخل لتفكر بروية، فهي تعلم أنه كالعادة في غرفة المكتب، فقامت بفتح باب الغرفة الغارقة في الظلام لتشهق بعُنف حين رأت ذلك الظل الضخم يقف أمام النافذة، ولكن سرعان ما هدأت حين سمعت صوته المطمئن:
ـ اهدي دا أنا…
تسلل بعض الهدوء الى صدرها ولكن لهجتها كانت حادة بعض الشيء حين قالت:
ـ أنت ليه واقف في الضلمة؟ خضتني..
خالد بنبرة خشنة وهو يقترب منها:
ـ نور القمر منور المكان، و بعدين أنتِ خايفة كدا ليه؟ هو في حد يقدر يدخل الأوضة غيري ؟!
كان استفهامه غريبًا أو لنقل هي من تحمل بداخلها سرًا ترى كل الأصابع تشير إليه، ولكنها كانت غاضبة منه لكونها افزعها إلى هذا الحد مما جعلها تتراجع وهي تقول بجفاء:
ـ عندك حق. أنا غلطانه اني اتخضيت فعلًا..
اوقفتها يداه التي قبضت على رسغها يُعيدها إلى مكانها مرة آخرى ولكن هذه المرة كانت قريبة جدًا منه حتى لامستها أنفاسه حين تحدث بهسيس خشن:
ـ متعصبة ليه؟
رفعت رأسها تنظر إلى عينيه قبل أن تقول بخفوت:
ـ عادي. اتخضيت بس، وأنت زعلان اني اتخضيت..
خالد بخشونة:
ـ مش زعلان…
أشجان بخفوت:
ـ خلاص وانا مش متعصبة…
سمعت نفسًا قويًا خرج من أعماقه، ولكم تمنت لو أنها تتنفس آخر مشابهًا له ولكن ذلك لم يحدث طالما تحمل كل هذه الأسرار، لذا قررت الحديث قائلة بتوتر:
ـ خالد. عايزة أقولك على حاجة..
تهدجت أنفاسه و كذلك نبرته حين قال:
ـ سامعك…
خاطبته عينيها بتوسل و كذلك نبرتها:
ـ عايزة اتكلم معاك بس أرجوك تكون هادي و متنفعلش و تسمعني للآخر. ممكن؟
ضيق عينيه وهو يناظرها بغموض لم تره لأن ضوء القمر كان ينعكس على ملامحها فقط، ولكنها سمعته يقول بنبرة خشنة:
ـ سامعك..
سحبت نفسًا قويًا بداخلها وهي تحاول شحذ كل ما تملك من قوة و إرادة حتى تتمكن من الحديث، فاستغرق الأمر عدة لحظات جعلته يقول بنبرة حاول جعلها لينة قدر الإمكان:
ـ من غير ما تفكري. قولي اللي عندك، و تأكدي أنه مهما إن كان هيضايقني. أني اسمعه منك دا لصالحك مهما كنتِ هتقولي أيه..
كان محق، وهكذا أخبرتها سوزان لذا استجمعت شجاعتها قبل أن تقول باندفاع:
ـ أمين اتصل عليا النهاردة، وكان عايز يشوف الولاد…
