رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع والعشرون
وصلت سيارات غريب والأسرة والحرس المرافق لهم أمام المحكمة، ذلك المبنى الضخم الذي يحمل بين جدرانه رهبة قادرة على سحق أكثر القلوب ثباتًا.
كانت الأجواء مشحونة بصورة خانقة، ترجل غريب أولًا من السيارة بملامحه الصارمة المعتادة، ثم مد يده إلى ترنيم بحركة تلقائية اعتاد عليها منذ سنوات طويلة.
أمسكت يده وهبطت من السيارة، بينما كانت ملامحها متوترة رغم محاولتها إخفاء ذلك، ثم تبعتها سمية وأروى، وتحركوا جميعًا نحو الداخل بخطوات متسارعة.
أما عند سيارة جواد، فكان الوضع مختلفًا تمامًا.
جلس جواد خلف المقود، بينما جواهر بجواره تبدو وكأن الحياة انسحبت من وجهها بالكامل.
كانت شاحبة بصورة مؤلمة، وعيناها تتحركان نحو مبنى المحكمة برعب واضح، وكأن ذلك المكان أصبح بالنسبة لها كابوسًا حيًا لا تستطيع الهروب منه.
ظل جواد يتأملها لثواني طويلة بصمت، شعر خلالها بمدى ارتجافها الداخلي رغم محاولاتها التماسك.
ثم مد يده أخيرًا وأمسك يدها المرتجفة، وربت عليها بحنان هادئ وقال بنبرة دافئة:
"اهدي يا قلبي، علشان خاطري متخافيش والله."
ما إن سمعت صوته، حتى تجمعت الدموع داخل عينيها سريعًا، وكأنها كانت فقط تحتاج كلمة أمان واحدة حتى تنهار.
نظرت إليه بعينين مرتعشتين وقالت بصوت متكسر:
"أنا خايفه اوي يا جواد، اصلا مجرد ما شوفت منظر المحكمة مر قصاد عيني شريط الايام اللي فاتت دي، قلبي وجعني، يارب بقى تكون اخر جلسه وارتاح من التوتر ده خالص."
شعر بانقباض حاد داخل صدره وهو يراها بهذا الضعف، تلك الفتاة التي حاولت التماسك طويلًا، بدت الآن وكأنها على حافة الانهيار الكامل.
ضغط على يدها أكثر، وكأنه يحاول نقل طمأنينته إليها بالقوة، لكن قبل أن يتحدث، كانت رنيم قد ترجلت بالفعل من السيارة بصمت، تاركة لهما مساحتهما الخاصة. وما إن لامست قدماها الأرض الإسفلتية، حتى تحركت عيناها تلقائيًا تبحث عنه بين الوجوه.
كان الاشتياق يمزق قلبها بصورة موجعة، اشتياق جعلها تدرك أنها أصبحت تبحث عنه غريزيًا في أي مكان تذهب إليه. لكنها لم تجده.
تسلل الضيق إلى قلبها فورًا، وظنت للحظة أنه لم يأتي.
خفضت عينيها بخيبة صغيرة، ثم تحركت نحو الداخل بخطوات هادئة.
لكن، ما إن دخلت إلى قاعة المحكمة، حتى تجمدت خطواتها فجأة.
رأت زين. كان يقف داخل القفص الحديدي بملامح قاتمة، بينما عيناه تستقران عليها مباشرة وكأنه كان ينتظر دخولها منذ البداية.
انتفض قلبها بعنف داخل صدرها.
أما هو، فقابلها بابتسامة مستفزة باردة، ثم حرك رأسه بإشارة خفيفة حتى تقترب منه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن قدميها أصبحتا أثقل من أن تتحركا، لكنها رغم ذلك تقدمت نحوه ببطء، حتى توقفت أمام القفص الحديدي مباشرة.
رفعت عينيها إليه، وكان الوجع واضحًا بصورة مؤلمة داخل نظراتها.
ثم قالت بصوت مختنق يرتجف من الحزن:
"استفدت ايه دلوقتي يا زين؟ لو كنت جيت وقولتلي على كل اللي فى قلبك ليا، كنت هحضنك هطبطب على وجعك، كنت هحس بكسرت قلبك وقهرتك، كنت هاخد بأيدك لبر الامان، إنما دلوقتي انت ضيعت نفسك وخسرت كل حاجه."
ظل يستمع إليها بابتسامته المظلمة نفسها، تلك الابتسامة التي لم تعد تبشر إلا بالخوف.
كانت عيناه تحملان نظرة مرعبة، نظرة شخص لم يعد يرى شيئًا يخسره.
وأخيرًا تحدث، لكن بصوت هادئ إلى حد الاختناق، هدوء أكثر رعبًا من الصراخ نفسه:
"متفرحيش بوجودي هنا، واللي كنت عايز انفذه هنفذه لو مقفول عليا مليون باب حديد."
ارتجف قلبها فورًا من طريقته، لكنها رغم ذلك حركت رأسها بدموع وقالت بصوت موجوع:
"بس انا مش فرحانه بوجودك في المكان ده يا زين، انت اخويا حتة مني، ومهما عملت فيا، عمري ما أكرهك."
ابتسم لها بتهكم ساخر، ثم قال بازدراء:
"يا بت الشغل ده مش هيجي معايا، كنت مستحملهم منك بالعافيه، ومدام بقى كل حاجه على المكشوف، يبقى شيلي جو المحلسه بتاعتك دي."
هربت دمعة من عينيها رغماً عنها، وانزلقت فوق خدها ببطء، بينما كانت تنظر إليه بوجعٍ حقيقي.
وفي تلك اللحظة، شعرت بيد تربت فوق ظهرها بهدوء.
التفتت بجوارها سريعًا، وما إن رأته حتى أمسكت يده بقوة، وكأنها تستمد منه القدرة على الوقوف.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين باللوم والاشتياق معًا، ثم قالت بصوت مختنق:
"ايه اخرك كده؟"
نظر شاهين نحو زين أولًا بنظرة مشتعلة بالغضب، قبل أن يجيبها بنبرة غليظة حاول تلطيفها لأجلها:
"معلش يا حبيبتي غصب عني، كان فيه حاجه مهمه بعملها وجيت ليكي على طول."
نظرت إليه باستغراب واضح وقالت:
"حاجة ايه دي اللي تخليك تتأخر كده."
وللحظة، ظهر التوتر فوق ملامحه بصورة ملحوظة، ثم قال:
"أمي كانت عايزه ترجع الفيلا، اخدها وصلتها لحد البوابه واخويا اخدها مني وانا جيت على طول على هنا."
وفور سماعها اسم مريم، تغيرت ملامح وجه رنيم بالكامل.
شحب وجهها قليلًا، وأبعدت عينيها عنه تلقائيًا، وكأن الاسم وحده يعيدها إلى كل أوجاعها القديمة.
لكن قبل أن تتحدث، وصلها صوت زين المستفز من خلف القضبان:
"مهما حاولتي تنكري الحقيقه مش هتقدري تستحمليها."
ثم اقترب أكثر من القفص، وقال بصوت هامس يحمل سمًا متعمدًا:
"أن شاهين ابن مريم، اللي قتلت ابوكي وامك."
ثم تراجع للخلف وهو يبتسم ابتسامة خبيثة ممتلئة بالشماتة، وكأنه استمتع برؤية الألم يعبر داخل عينيها.
أما شاهين، فأغلق عينيه للحظة بعنف، بينما اشتعل الغضب داخل ملامحه بصورة مخيفة، ثم قال من بين أسنانه:
"احمد ربنا انك وراه الحديد ده دلوقتي، علشان لو كنت قصادي كان زماني شارب من دمك."
ثم أمسك يد رنيم سريعًا، وأرغمها أن تبتعد معه عن القفص الحديدي قبل أن ينهار أعصابه أكثر.
أجلسها فوق أحد المقاعد، ثم جلس بجوارها مباشرة وقال بصوت هادئ محاولًا احتواءها:
"رنيم حبيبتي، متخلهوش يلعب بأعصابك زي ما هو عايز، سيبك منه ومن كلامه."
نظرت إليه، وكانت الدموع متحجرة داخل عينيها بصورة موجعة، ثم قالت بصوت مرتجف:
"بس هي دي الحقيقه يا شاهين، أن مهما أنكرت الحقيقه هتفضل موجودة قصاد عيني وبتفكرني بيها، انك ابن مريم."
تألم قلبه من كلماتها، لكنه اقترب منها أكثر، ثم حرك يده فوق شعرها بحنان شديد وقال بصوت ممتلئ بالعشق:
"بس الحقيقه دي مش كامله يا رنيم، دي نصها بس. إنما النص التاني هو اني بحبك واتغيرت علشانك وبعت الدنيا كلها علشان خاطر عيونك، وده كفيل يخليكي تبصي لنص المليان مش الفاضي."
وفي الجهة الأخرى، كان غريب يراقب كل ما يحدث بعينين حادتين.
يتابع انفعالاتهما، نظراتهما، وطريقة تعلق رنيم بشاهين رغم كل ذلك الصراع الذي يمزقها من الداخل.
أما جواهر، فدخلت القاعة أخيرًا برفقة الحراسة البسيطة المفروضة عليها.
كانت خطواتها بطيئة مترددة، بينما أنظار الجميع تلاحقها.
جلست في المقعد المخصص للدفاع، وجلس جواد بجوارها وجلس تامر الذي وصل لتوه بجوار غريب، بينما بقي التوتر مسيطرًا على الأجواء بالكامل.
وفجأة، دوى صوت الحاجب داخل القاعة بصوت جهوري:
"محكمة!"
في لحظة واحدة وقف الجميع، وتحولت القاعة إلى صمت مهيب.
ثم دخلت هيئة المحكمة بوقارها المعتاد، يتقدمهم القاضي بملامحه الصارمة وهيبته الثقيلة التي فرضت نفسها على المكان بالكامل.
تحرك بخطوات ثابتة حتى جلس فوق منصته، ثم بدأ يقلب أوراق القضية ببطء وسط ترقب الجميع وأنفاسهم المحتبسة.
بينما كانت دقات قلب جواهر تتصاعد بعنف داخل صدرها، حتى شعرت أن صوتها أصبح أعلى من صوت العالم كله.
ثم رفع القاضي رأسه أخيرًا، وقال بصوت رسمي صارم:
"تبدأ الجلسة الخاصة بالقضية رقم (....) لسنة (....)، والمتهمة فيها الآنسة جواهر."
ساد الصمت داخل القاعة بصورة مخيفة، صمت ثقيل حتى أن صوت تقليب القاضي للأوراق بدا واضحًا داخل آذان الجميع، كانت الأنفاس محتبسة، والأعين متعلقة بمنصة القضاء في انتظار الكلمة التي قد تغير مصير أشخاص بالكامل. ثم قال بصوت رسمي صارم:
"بعد الاطلاع على أوراق القضية، وسماع أقوال النيابة العامة، والدفاع، والشهود، وما ورد بتقرير الأدلة الجنائية وتحريات الجهات المختصة…"
ثم رفع نظره نحو الحضور قبل أن يكمل بوقار:
"تستأنف المحكمة اليوم نظر القضية الخاصة بمقتل المجني عليها رقيه الأباصيري، والمتهمة فيها سابقًا الآنسة جواهر حسام، وذلك بعد ظهور أدلة ومستجدات جديدة بالقضية."
تحرك ممثل النيابة من مكانه، بينما أشار القاضي إليه قائلًا:
"تتفضل النيابة بعرض ما لديها."
وقف وكيل النيابة بثبات، ثم بدأ يتحدث بصوت واضح داخل القاعة:
"سيادة المستشار، بعد استكمال التحقيقات، ثبت للمحكمة وجود أدلة قاطعة تثبت تورط المتهم زين، في ارتكاب الجريمة محل القضية، كما ثبت انتفاء صلة المتهمة جواهر، بالفعل الجنائي المنسوب إليها."
ساد الهمس داخل القاعة للحظات، لكن صوت القاضي الحاد جاء سريعًا:
"هدوء من فضلكم."
ثم دون بعض الملاحظات أمامه، قبل أن يقول بنبرة رسمية:
"تأمر المحكمة بإثبات حضور المتهم زين، داخل القفص، وحضور دفاع الطرفين."
رفع القاضي رأسه قليلًا، ونظر إلى هيئة المحكمة نظرة طويلة ثقيلة، ثم أضاف:
"وتبدأ المحكمة في مناقشة المستجدات المقدمة في القضية، واستجواب المتهم، ومواجهة الأدلة الجديدة المقدمة ضده."
عم الصمت أرجاء القاعة مجددًا، لكن هذا الصمت لم يكن هادئًا، بل كان مشحونًا، خانقًا، كأن الجميع يترقب لحظة سقوط شيء ثقيل لا مفر منه.
ارتفعت أنظار الحضور نحو القفص الحديدي.
وقف زين داخله بثبات غريب، ذراعتاه خلف ظهره، وملامحه هادئة على نحو غير طبيعي، وكأن ما يدور حوله لا يعنيه. لكن عينيه، كانت تحمل شيئًا مختلفًا تمامًا. شيئًا أقرب إلى التحدي.
أشار القاضي مجددًا إلى وكيل النيابة، فبدأ الأخير في مراجعة أوراقه بصوت واضح:
"سيادة المستشار، لدينا مستجدات جوهرية في القضية، تتضمن اعترافات وتحريات إضافية تؤكد أن المتهم زين، كان على صلة مباشرة بمسرح الجريمة قبل وبعد وقوعها، وأنه كان طرفًا فاعلًا في التخطيط لها."
تبدلت ملامح القاعة فجأة، وبدأت الهمسات تعلو تدريجيًا، لكن القاضي ضرب بمطرقته بعنف:
"السكوت داخل القاعة."
توقفت الأصوات فورًا.
وفي الصفوف الأمامية، كانت جواهر ممسكة بذراع جواد، لكن قبضتها كانت ترتجف رغم براءتها التي أُعلنت منذ لحظات.
لم تكن تستوعب الانتقال السريع من الألم إلى الراحة، إلى هذا التوتر الجديد.
أما جواد، فكان يراقب زين بنظرة لا تقل خطورة عن نظراته، وكأنه يحاول قراءة ما يدور داخل رأسه.
في المقابل، كان غريب يجلس بثبات، لكن ملامحه بدأت تزداد قسوة، بينما ترنيم وسمية تتبادلان نظرات قلقة دون فهم كامل لما يقال.
تابع وكيل النيابة حديثه:
"كما ثبت من خلال التحريات أن المتهم كان على دراية بتفاصيل دقيقة تتعلق بالمجني عليها، وبمسرح الجريمة، مما يدعم فرضية تورطه الكامل في الواقعة."
توقف لثواني، ثم أضاف بنبرة أكثر حسمًا:
"ونلتمس من عدالتكم استجواب المتهم زين، بشكل مباشر داخل الجلسة."
ساد الصمت من جديد. لكن هذه المرة كان مختلفًا.
صمت ثقيل كأن القاعة بأكملها تحبس أنفاسها قبل مواجهة الحقيقة.
رفع القاضي نظره إلى القفص الحديدي، ثم قال بصوت رسمي صارم:
"المتهم زين هل لديك ما تقوله قبل بدء الاستجواب؟"
في تلك اللحظة، تحركت عينا زين ببطء شديد داخل القاعة، مرت على الوجوه واحدًا تلو الآخر. توقفت عند غريب، ثم جواد، ثم شاهين، وأخيرًا، استقرت على رنيم.
ابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه.
ابتسامة لم تكن راحة، بل كانت إنذارًا.
ثم قال بهدوء غريب، هدوء لا يشبه الموقف:
"أنا جاهز، ومستعد."
أومأ القاضي برأسه، ثم قال بصوت حازم:
"ابدأوا الاستجواب."
تحرك وكيل النيابة خطوة للأمام، ثم فتح ملفه ببطء، قبل أن يرفع عينيه نحو زين ويقول بنبرة رسمية صارمة:
"المتهم زين، هل تقر بوجودك في محيط مسرح الجريمة ليلة وقوع الحادث؟"
ابتسم زين ابتسامة جانبية خفيفة، وكأنه كان ينتظر السؤال تحديدًا، ثم قال بهدوء مربك:
"أيوه، كنت موجود."
تعالت همهمة خافتة داخل القاعة، لكن القاضي ضرب بمطرقته فورًا:
"سكوت."
ثم أشار للنيابة بالاستمرار.
أخذ وكيل النيابة نفسًا قصيرًا، ثم قال:
"هل تنكر أن لديك معرفة مسبقة بالمجني عليها؟"
رفع زين نظره ببطء، واستقرت عيناه للحظة على الفراغ، قبل أن يقول ببرود:
"لا منكرش."
في الصفوف الأمامية، انقبض قلب جواهر أكثر، وارتعشت أصابعها وهي تمسك بذراع جواد، الذي مال عليها فورًا وهمس:
"متبصيش ليه، ركزي معايا بس."
لكن عينيها لم تستطع الانفصال.
في تلك اللحظة، التفت زين قليلًا داخل القفص، ومرت عيناه مجددًا على شاهين، ثم قال بصوت أهدأ من السابق، لكنه أكثر خبثًا:
"بس مش لوحدي اللي ليا صلة بيها."
ارتجف جسد رنيم دون إرادة، بينما شد شاهين قبضته فجأة، وكأن الكلمة أصابته مباشرة. لكن زين لم يتوقف.
عاد وكيل النيابة يسأله بحدة:
"هل تنكر أنك كنت على علم بخطة الاستدراج التي تمت قبل الجريمة؟"
هنا، تغيرت ملامح زين لأول مرة بشكل طفيف.
اختفت الابتسامة تدريجيًا، وتحول وجهه إلى شيء أكثر صلابة، قبل أن يقول ببطء:
"أنا مستدرجتش حد، احنا كان فيه ما بينا صلة قرابه وزيارتي ليها فى بيتها شئ عادي"
توقف لثانية، ثم أضاف:
"بس فيه حاجات كتير تانيه وراه الكواليس، وحقايق غير اللي ظاهرة امام عدالتكم."
في تلك اللحظة، انقسمت أنفاس القاعة.
غريب ضيق عينيه بشدة، وكأن شيئًا قد بدأ يتشكل في رأسه.
سمية همست لترنيم بصوت مرتجف:
"هو بيقول إيه؟"
لكن ترنيم لم ترد، كانت تنظر لزين بوجه شاحب، وكأنها بدأت تفهم أن ما تسمعه ليس مجرد دفاع، بل طريق يقود لشيء أكبر بكثير مما تخيلته.
أما زين، فرفع رأسه ببطء، ونظر إلى القاضي مباشرة، ثم قال بجملة هادئة جدًا، لكنها كانت كفيلة بتجميد الهواء في القاعة:
"والحقيقة، لسه ما اتقالتش كلها."
وفي اللحظة دي، عم الصمت بشكل مخيف، كأن القاعة كلها توقفت عن التنفس.
رفع القاضي إحدى الأوراق أمامه، ثم بدأ يتحدث بصوت رسمي صارم:
"ترى المحكمة أن ما يصدر عن المتهم من أقوال يخرج عن نطاق الإجابة المباشرة، ويتضمن مراوغة واضحة وتطويلاً غير مبرر، وعليه تأمر المحكمة بوقف الاستجواب مؤقتًا، مع التنبيه على المتهم بالالتزام بالإجابة على الأسئلة الموجهة إليه بشكل مباشر ودون إسهاب أو خروج عن موضوع الدعوى."
وقف محامي الدفاع يستأذن بالكلام، فأذن له القاضي.
اعتدل الرجل في وقفته، ثم نظر إلى هيئة المحكمة بثبات قبل أن يقول بصوت قوي:
"سيادة المستشار، موكلتي الآن لم يعد ضدها أي دليل يدينها، بل على العكس، جميع الأدلة أثبتت أن المتهم الحقيقي هو المذكور أمام عدالتكم."
وأشار بيده نحو زين داخل القفص.
شعرت جواهر أن صدرها بدأ يعلو ويهبط بعنف، كانت تسمع الكلمات وكأنها تأتي من مكان بعيد.
أكمل المحامي حديثه بثقة أكبر:
"المتهم اعترف ضمنيًا بعدة وقائع أثناء التحقيقات، كما أن تسجيلات المراقبة، وتحليل الأدلة الجنائية، وشهادة الشهود، جميعها تؤكد تورطه الكامل، بينما ثبت للمحكمة أن الآنسة جواهر كانت ضحية لخطة مدبرة بعناية للإيقاع بها."
"ضحية!" لأول مرة منذ شهور تسمع جواهر أحدهم يصفها بذلك بدلًا من "قاتلة".
هربت دمعة ساخنة من عينيها دون أن تشعر.
أما جواد، فكان يراقبها بقلب موجوع، يتمنى فقط أن تنتهي تلك اللحظات سريعًا ويأخذها بعيدًا عن كل ذلك.
ثم أكمل الدفاع بطلبه المهني:
"ولهذه الأسباب، وبعد ما ثبت للمحكمة الموقرة من انتفاء أية أدلة مادية أو جنائية تدين موكلتي، وثبوت عدم صلتها بالفعل الإجرامي محل الدعوى، يلتمس الدفاع من عدالتكم الحكم ببراءة المتهمة جواهر، براءةً كاملة مما نسب إليها، والإفراج عنها فورًا لعدم وجود ثمة دليل قاطع يربطها بالقضية محل النظر."
طرق القاضي بالمطرقة بخفه، ثم تحدث مجددًا بعد دقائق طويلة من استعراض الأوراق والتحقيقات:
"بعد الاطلاع على أوراق القضية (...)، والاستماع إلى أقوال الشهود، وتقرير الأدلة الجنائية، وما ثبت للمحكمة من أدلة وتحريات…"
ازدادت أنفاس جواهر اضطرابًا، شعرت ببرودة أطرافها بصورة مخيفة، حتى أنها لم تنتبه إلى يد جواد التي تشابكت مع يدها أسفل المقعد بقوة، وكأنه يحاول تثبيتها حتى لا تنهار.
وأكمل القاضي بصوت قوي:
"وبعد مراجعة كافة الأدلة المقدمة للمحكمة، ثبت بشكل قاطع عدم تورط المتهمة جواهر، وعليه، تقرر المحكمة الحكم ببراءة الآنسة جواهر من كافة التهم المنسوبة إليها."
ثم طرق بالمطرقة مرة أخرى وقال بصوت قاطع صارم:
"ترفع الجلسه."
للحظة، توقف الزمن داخل القاعة.
ثم انفجرت المشاعر دفعة واحدة.
بكت جواهر بقوة، وكأن روحها كلها انهارت أخيرًا بعد شهور طويلة من الرعب والظلم.
أمسك جواد وجهها سريعًا بين يديه وهو يضحك ويبكي في الوقت نفسه، ثم قال بصوت مختنق من شدة فرحته:
"براءة يا جواهر، سمعتي؟! انتي بقيتي حره!"
وكأن كلمات جواد كانت المفتاح الذي حطم آخر جدار تمسكت خلفه جواهر طوال الأشهر الماضية.
انفجرت باكية بصورة مؤلمة، شهقاتها خرجت متقطعة وعنيفة، وكأن روحها بأكملها كانت تختنق طوال تلك الفترة والآن فقط سمح لها بالتنفس.
"براءة."
الكلمة التي كانت تحلم بسماعها كل ليلة.
الكلمة التي تعلقت بها حتى لا تنهار، ها هي أخيرًا تقال أمام الجميع.
حرك يده على وجهها بحنان مرتجف، ثم اقترب منها وهو يقول بصوت مختنق من شدة تأثره:
"خلاص يا جواهر مافيش باب حديدي هيكون حاجز بيني وبينك تاني، بقيتي معايا وفى حضني من غير خوف حد يخدك منه."
نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع، وكأنها لا تصدق أن الكابوس انتهى فعلًا.
ثم فجأة، ارتمت داخل صدره بقوة، تتشبث به وكأنها تخشى أن تستيقظ من ذلك الحلم في أي لحظة.
ضمها جواد إليه بعنف، وأغلق عينيه للحظة طويلة، بينما راحة جارفة اجتاحت قلبه أخيرًا.
لقد انتهى الأمر، انتهى خوفه عليها.
انتهت ليالي القلق والعجز.
دفن وجهه داخل شعرها وهو يهمس بصوت مرتعش:
"مافيش دموع ولا خوف تاني يا قلب جواد وعمره."
وفي الخلف، كانت سمية تبكي هي الأخرى بحرارة، بينما احتضنتها ترنيم بقوة، وقد لمعت الدموع داخل عينيها تأثرًا.
حتى غريب، ذلك الرجل المعروف بصلابته، شعر بانقباض داخل قلبه وهو يرى انهيار جواهر بعد كل ما عاشته.
أما تامر، فتنفس بارتياح شديد وهو يمسح وجهه بيده وكأنه كان يحمل جبلًا فوق صدره.
لكن وسط كل تلك المشاعر، كان هناك شخص واحد فقط لا يبدو مهزومًا.
زين. وقف داخل القفص الحديدي يراقب المشهد بصمت غريب، بينما ابتسامة باردة ارتسمت فوق شفتيه بصورة أرعبت رنيم.
لم يكن غاضبًا، ولا محطمًا، بل بدا وكأنه ينتظر شيئًا آخر.
شيئًا أخطر.
تضيق عينا شاهين وهو يراقب المشهد من حوله، بينما بدأ ذلك الشعور السيئ الذي يتسلل داخله منذ بداية الجلسة في التمدد ببطء، كأن شيئًا خفيًا يزحف تحت جلده دون أن يراه أحد.
ثم فجأة، اعتدل في وقفته، وحول نظره إلى رنيم، وابتسم لها ابتسامة دافئة محملة بالحب، وكأنه يحاول أن يسحبها من دوامة التوتر التي بدأت تبتلعها، وقال بصوت هادئ مطمئن:
"مبروك براءة بنت عمتك يا رنيم."
لكن رنيم لم تكن هناك، كانت عيناها ما زالتا عالقتين باتجاه زين، تنظر إليه بخوف ممزوج بحزن ثقيل، كأنها عاجزة عن فك ارتباطها بالمشهد الذي خلفها.
شعر شاهين بذلك فورًا.
تحرك خطوة ليقف أمامها، فحجب عنها رؤيته تمامًا، ثم أمسك وجهها بين كفيه برفق، وأجبرها أن ترفع عينيها إليه، وقال بنبرة هادئة، ثابتة رغم كل شيء:
"سبيه ياخد جزائه، ده المكان اللي يستحقه، لانه لو كان فضل بره كان هيأذي ناس كتير ملهاش ذنب ومنهم انتي يا رنيم."
ارتجف صوتها وهي ترد بصعوبة، وكأن الكلمات تخرج من صدر مثقل:
"مش بأيدي يا شاهين، ده اخويا، غصب عني هتوجع علشانه."
أومأ برأسه ببطء، وملامحه تلين أكثر، ثم رسم ابتسامة حنونة صغيرة وهو يقول:
"عارف والله وحاسس بيكي، بس زي ما قلتلك، اخوكي لو فضل بره السجن هيأذي كتير اوي."
ثم أمسك يدها برفق، وكأنه يثبتها في أرض الواقع بعيدًا عن دوامة مشاعرها، وأضاف بصوت أكثر هدوءًا:
"يلا بينا اروحك، المكان وحش اوي من غيرك."
أومأت برأسها بصمت، وتحركت معه ببطء نحو الخارج، لكن خطواتهما لم تكتمل، إذ جاء صوت غريب الرجولي، حاسمًا، يوقفهما في مكانهما:
"شاهين، عايزك ثواني؟"
أغمض شاهين عينيه لثواني قصيرة، وزفر بضيق مكبوت، كأنه يحاول أن يبتلع توترًا متراكمًا، ثم استدار إليه بهدوء مصطنع، وقال بنبرة جادة:
"أيوه!؟"
اقترب غريب بخطوات ثابتة وواثقة، لا تخلو من ثقل رجل يقرأ ما لا يقال، ثم نظر إليه مباشرة في عينيه وقال:
"المرة اللي فاتت، ملحقتش اشكرك على مساعدتك لينا للوصول للقاتل الحقيقي، لو تسمح أنا عزمكم النهاردة على العشا في الفيلا عندي، علشان نحتفل ببراءة جواهر، واشكرك على مساعدتك لينا."
نظرت رنيم إليه بضيق، وكادت أن تفتح فمها بالرفض، لكن شاهين سبقها، وأمسك يدها برفق ليوقف اندفاعها، ثم قال بهدوء محسوب:
"معنديش مانع، بليل إن شاءالله هنكون موجودين أنا ورنيم."
ضغطت رنيم على أسنانها بغضب مكتوم، وسحبت يدها من يده فجأة، ثم تحركت للخارج دون أن تنطق بكلمة.
تابعها شاهين بعينيه للحظة، ثم نظر إلى غريب مجددًا وقال بلباقة هادئة:
"نتقابل بليل، عن اذنك."
ثم تحرك سريعًا خلفها.
ظل غريب واقفًا يتابع أثرهما بصمت طويل، نظرة عميقة لا يمكن تفسيرها بسهولة، كأنها تجمع بين الشك والتحليل واليقظة.
اقترب تامر منه، ثم قال بتساءل وعدم فهم:
"ليه عزمته وانت شاكك فيه؟"
رفع غريب نظره إليه ببطء، ثم أطال النظر قبل أن يقول بنبرة منخفضة محسوبة:
"عيونه بتقول انه مش سهل، ومأمن نفسه كويس علشان محدش يعرف حاجه عنه، أنا لازم اقربه مننا، علشان اوصل للحقيقه."
ربت تامر على كتفه بابتسامة خفيفة وقال:
"الله ينور عليك يا جوز اختي، يلا بينا بقى من المكان الخانقة ده."
أومأ غريب برأسه، ثم عاد نحو ترنيم، أمسك يدها بلطف وأشار لها أن تتحرك معه.
تحركت سمية وترنيم وأروى نحو الخارج، يتبعهم تامر وجواد وجواهر، بينما بدأ المكان يفرغ تدريجيًا من ثقل الجلسة.
أما في الخارج…
فكان شاهين قد لحق برنيم بسرعة، وأمسك يدها ليوقفها، قائلاً بنبرة هادئة:
"استنى يا رنيم، فيه ايه مالك؟"
نظرت إليه بضيق واضح، وصوتها خرج مختنقًا من الداخل:
"انت وافقت على العزومة ليه؟ أنا مش حابه ادخل عندهم ولا اتعامل مع العيله دي كلها."
ربت على يدها بحكمة، ثم قال بصوت هادئ متزن:
"مكانش ينفع ارفض يا رنيم، العزومة دي مش علشان سواد عيوني، هو عمل كده علشان شاكك فيا، عايز يقربني منه علشان يقدر يعرف ايه اللي ورايا، ولو كنت رفض العزومة دي، كنت هأكد شكة فيا ده."
رفعت حاجبيها بعدم فهم، وقالت بتوتر:
"شاكك فيك! طيب ليه؟ وايه السبب اللي خلاه يشك فيك كده؟"
تنفس شاهين ببطء، ثم قال موضحًا:
"غريب مش سهل هو اتأكد أن مريم عايشه، وعرف أن رقيه تبقى بنت اختها وبيشك فى أي حد يظهر فى حياة اي حد قريب منه، وعلشان ظهوري ده فى حياتك شاكك فيا، وعايز يتأكد إذا كان ليا صلة بمريم ولا لا، علشان كده أنا لازم اسايره وأخليه يقربني ليهم، علشان اوصله المعلومات اللي أنا عايزه يوصلها، فهمتي."
ارتجف صوتها وهي تسأله بخوف:
"ه هو انت ل لسه ناوي تساعد امك فى الانتقام منهم؟"
ابتسم لها بحب، ابتسامة مختلفة تمامًا عن أي قسوة، ثم قال بنبرة عاشقة صادقة:
"حبك غسلني من جوه يا رنيم، مبقاش فيه جوايا كراهيه لحد، حتى عدوي بقيت مسامحه، بس هكون بركان غضب لو الأمر اتعلق بيكي وحد داس ليكي على طرف."
ابتسمت له بحب، وأومأت برأسها بصمت، وكأنها حاولت أن تصدق ذلك السلام الذي سكن كلماته.
لكن فجأة، تجمدت ملامحها.
رفعت يدها بسرعة وهي تشير إلى جهة بعيدة، وقالت بصوت مرتجف:
"امك هنا يا شاهين."
استدار شاهين فورًا نحو الاتجاه الذي أشارت إليه، وفي اللحظة نفسها، تصلب جسده بالكامل.
اغرورقت عيناه بالغضب، واحمرت ملامحه، ثم قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الانفجار.
وفي نفس اللحظة، كان غريب قد لمحها أيضًا.
تجلس داخل السيارة، تنظر إليهم من خلف الزجاج بابتسامة باردة مملوءة بالتوعد، وكأنها لم تغب يومًا.
اقترب غريب من تامر سريعًا وهمس له بكلمات قصيرة، جعلت ملامح تامر تنقلب في لحظة، ثم اتجه بعينيه نحو السيارة، فتجمد مكانه.
اتسعت عيناه بصدمة حادة.
وما إن شعرت مريم أنها حققت ما أرادت، حتى أشارت للسائق بهدوء، وانطلقت السيارة مبتعدة عن المكان.
قبض غريب على يده بعنف، ثم قال بصوت منخفض غاضب:
"يا بنت الكلب، لسه نظرة الشر فى عيونك زي زمان متغيرتش مع مرور الزمن."
ثم رفع عينيه ببطء نحو شاهين، وكأن الخيوط بدأت أخيرًا تسحب داخل رأسه، قطعة بعد قطعة.
****************************
بالمساء...
انتهت رنيم من تجهيز حالها بعد وقت طويل أمضته أمام المرآة، تبدل ثيابها أكثر من مرة، ثم تعود فتنزعها بضيق وكأن شيئًا بداخلها يرفض الذهاب، لا بسبب الدعوة نفسها، بل بسبب ذلك الرجل الذي أصبح وجوده وحده قادرًا على بعثرة كل أفكارها واتزانها.
وقفت أخيرًا أمام انعكاسها تتأمله بصمت، وعيناها تحملان ذلك التوتر الذي بات يلازمها كلما تعلق الأمر بشاهين. كانت تشعر بأنها تتغير بطريقة مخيفة منذ دخوله حياتها، وكأن الجدران الصلبة التي بنتها حول قلبها لسنوات بدأت تتهاوى حجرًا تلو الآخر أمامه دون مقاومة حقيقية منها.
زفرت أنفاسها ببطء وهي تمرر يدها المرتجفة على خصلات شعرها، تحاول تهدئة اضطراب قلبها، لكن ما إن دوى صوت جرس الباب حتى انتفضت دقاتها بعنف، وكأن قلبها أصبح يعرف حضوره قبل أن تراه عيناها.
ألقت نظرة أخيرة على نفسها، ثم تحركت نحو الخارج بخطوات بطيئة مترددة، وما إن فتحت الباب حتى وجدته واقفًا أمامها ينظر إليها بطريقة جعلت أنفاسها تختنق داخل صدرها.
كانت عيناه معلقتين بها بذهول وعشق واضح، وكأنه نسي العالم كله للحظة بمجرد أن رآها.
تأمل ملامحها بصمت طويل أربكها أكثر، ثم اقترب منها دون أن يرفع عينيه عنها، وأحاط خصرها بذراعه يجذبها إليه بحركة تلقائية تحمل كل اشتياقه، قبل أن يميل ويقبل خدها قبلة طويلة جعلت الحرارة تتصاعد إلى وجهها فورًا، ثم همس قرب أذنها بصوت ممتلئ بالافتتان:
"انتي حلوه اوي كده أزاي؟"
ارتبكت رنيم بشدة، وشعرت بأن قلبها يوشك أن يقفز من بين ضلوعها تحت نظراته المشتعلة بها. خفضت عينيها عنه بخجل وهي تقول بتوتر واضح:
"ش شاهين، متكسفنيش."
لكن كلماتها لم تهدئه، بل بدا وكأنها زادته تعلقًا بها أكثر.
ألصقها به بقوة حتى شعرت بحرارة أنفاسه تلفح بشرتها، ثم قال بأنفاس متقطعة خرجت مثقلة بمشاعره ولهفته:
"احنا لازم نتجوز في اسرع وقت، انا كل مره بشوفك فيها، بنهار."
ارتجف جسدها بالكامل مع نبرة صوته، وشعرت بأن قربه منها يسلبها القدرة على التفكير الطبيعي. كان يتحدث معها وكأنها الشيء الوحيد الذي يريده من الدنيا، وكأن وجودها أصبح ضرورة لا يستطيع العيش بدونها.
تعالت أنفاسها بشدة، وأصبح صدرها يعلو ويهبط بسرعة واضحة، بينما حاولت التمسك بأي قدر من التوازن وهي تقول بصوت متقطع:
"ش شاهين احنا اتكلمنا في الموضوع ده وقولنا ن نصبر شويه على الخطوة دي."
أغمض عينيه لثواني طويلة وكأنه يحاول السيطرة على نفسه بصعوبة، ثم ابتعد عنها خطوة واحدة فقط، رغم أن ملامحه كانت تقول بوضوح إنه لا يريد الابتعاد أصلًا، وقال بصوت متحشرج من شدة تأثره:
"مش عايز اضغط عليكي ولا افضل ألح عليكي لحد ما تزهقي، بس انا فعلا مشتاق لكل حته فيكي، عايزك فى حضني بالحلال، عايزك تبقى مراتي واسمك على أسمي ونكون عيله جميله وصغيره، ونكبرها واحنا سوا."
كلماته تسللت إلى قلبها بصورة موجعة، فهي لأول مرة تشعر أن هناك رجلًا ينظر إليها بهذا القدر من الاحتياج والحب، رجل يتحدث عن المستقبل معها وكأنه لا يرى حياته مكتملة بدونها.
خفضت رأسها بخجل، بينما ابتسامة صغيرة مرتبكة ظهرت على شفتيها رغمًا عنها، وقالت بتلعثم:
"ا اصبر عليا شويه يا شاهين، عايزه اخد الخطوة دي بأقتناع، مش تحت ضغط."
تبدلت ملامحه فورًا إلى ذلك اللين الغريب الذي لا يظهره إلا معها، ثم ابتسم لها بحب عميق وقال بنبرة هادئة تحمل استسلامًا كاملًا لها:
"حاضر يا عمري، بس ارأفي بحالي شوية، وبطلي تحلوي بالشكل ده."
ازدادت حمرة وجنتيها أكثر، وضحكت بخجل وهي تحاول الهروب بعينيها بعيدًا عنه:
"يا شاهين بس بقى، بتكسفني."
تعالت ضحكاته الرجولية الدافئة، تلك الضحكة التي كانت تذيب شيئًا داخلها كل مرة تسمعها، ثم قال بعشق خالص:
"بعشقك في كل حالاتك."
رفع يده ببطء وأعاد خصلات شعرها خلف أذنها بحنان شديد، ثم مرر أطراف أصابعه على خدها وكأنه يحفظ ملمسه داخل روحه، وقال بصوت انخفض بصورة جعلت قلبها يرتجف:
"مستعد استناكي عمري كله يا رنيم، وأكون اسير لعيونك طول الوقت، بس إياكي تفكري تبعدي عني، علشان وقتها هتشوفي شاهين تاني خالص، فاهمة يا أجمل حاجه فى دنيتي؟"
تجمدت أنفاسها للحظة وهي تنظر داخل عينيه.
كانت ترى الحب بوضوح صادق ومخيف في الوقت نفسه، لكن خلف هذا الحب كان هناك شيء آخر، شيء مظلم، حاد، متملك بصورة مرعبة، وكأن خسارتها قد تدفعه فعلًا لتحطيم العالم بأكمله.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مهتز:
"ف فاهمه، ب بس انت ليه بتخوفني منك يا شاهين؟"
هز رأسه نافيًا، ثم اقترب منها أكثر حتى أصبحت تشعر بحرارة أنفاسه على وجهها، وقال بابتسامة عاشقة تحمل داخلها الكثير من الجنون:
"أنا مش بخوفك يا رنيم، أنا متمسك بيكي لدرجة الجنون، لدرجة أني ممكن اهد الدنيا كلها، لو فكرتي مجرد فكرة في دماغك بس انك تبعدي عني، أنا سلاح ذو حدين يا رنيم، عشقي ملهوش حدود، بس غضبي وحش اوي لو فكرتي تسبيني."
كلماته جعلت قلبها يرتجف بعنف، فهي ترى الحب داخل عينيه بوضوح، لكنها ترى شيئًا آخر أيضًا، شيئًا مظلمًا يخيفها كلما ظهر. لكن عشقها له كان أقوى من خوفها، وشعرت أنه لم يعد هناك فائدة من الهروب أو إخفاء تلك الكلمة داخل قلبها أكثر من ذلك.
رفعت عينيها إليه مباشرة، ونظرت له بنظرة ممتلئة بمشاعر لم تعترف بها لأحد يومًا، ثم قالت بصوت هامس عاشق:
"بحبك يا شاهين، مقدرش ابعد عنك لانك بقيت مصدر الامان ليا، وجودك جنبي هي السعادة الحقيقيه ليا."
في تلك اللحظة شعر شاهين وكأن العالم توقف حوله.
انعكست الصدمة والسعادة على ملامحه بوضوح، وكأن قلبه لم يكن مستعدًا لسماع اعترافها رغم انتظاره له كل هذا الوقت. لأول مرة يسمعها تقولها بهذه الصراحة، بهذه الرغبة الحقيقية، دون خوف أو تردد.
اشتعلت عيناه بعشق وجنون أكبر، وفجأة مال برأسه نحوها وسحق شفتيها بقبلة قوية وعنيفة، قبلة حملت كل اشتياقه ولهفته واحتياجه المجنون لها.
تقطعت أنفاسهما داخل تلك القبلة الطويلة، وفي البداية حاولت رنيم الابتعاد عنه مرتبكة وخجل من عنفه في التعبير عن مشاعره، لكنه كان يحتضنها وكأنه يخشى أن تضيع منه، ومع كل ثانية كانت مقاومتها تضعف أكثر حتى استسلمت له تمامًا، وتجاوبت معه بضعف وعشق جعل شاهين يفقد ما تبقى من اتزانه.
ظل يحتضنها بتملك واضح، وكأنه يحاول أن يخبئها داخل صدره بعيدًا عن العالم كله، حتى دوى فجأة صوت أنثوي غاضب مزق اللحظة بالكامل:
"ما انت حلو اهو، وبتعرف تحب وتبوس، اومال فيه ايه؟ ناسي مراتك وبناتك ليه يا شاهين؟"
وكأن صاعقة ضربت المكان.
انتفضت رنيم بعنف وابتعدت عن شاهين فورًا، بينما اتسعت عيناها بصدمة مرعبة وهي تنظر إلى المرأة الواقفة أمام الباب.
شعرت للحظة بأن الأرض تميد أسفل قدميها، ثم التفتت ببطء نحو شاهين، لتجده واقفًا مكانه مغمض العينين، وفكاه مشدودان بقوة حتى برزت عروقه بصورة مخيفة، بينما كانت ملامحه غارقة في غضب مكتوم واختناق واضح.
ارتجف صوتها وهي تقول بعدم استيعاب:
"الست دي بتقول ايه يا شاهين؟ مرات مين وبنات ايه؟"
لكنه لم يجب. ظل واقفًا مكانه كأن الكلمات اختنقت داخل حلقه، وكأن اللحظة التي كان يهرب منها منذ زمن طويل وقفت أخيرًا أمامه بلا مفر.
وفجأة ارتفع صوت رنيم بصورة أكثر حدة وغضبًا وهي تصرخ بصدمة:
"رد عليا يا شاهين ايه الكلام اللي بتقوله الست دي؟"
فتح عينيه ببطء، وكانت حمرة قاتمة مخيفة تكسوهما من شدة الغضب والاختناق، ثم نظر إليها وكأن قلبه ينتزع من بين ضلوعه، وقال بصوت مختنق...
